الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والحركة الكمالية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الكورد يحالفون الحركة الكمالية ويشاركون في حرب استقلال تركيا وإعادة هيبتها

قدّم الكورد المسلمون مساعدة لا تُثمَّن في بناء تركيا الحديثة. وفي واقع الأمر، وقبل أن تأخذ الحركة الكمالية طابع العمل الجدّي ضد حكومة السلطان العثماني في الأستانة، بدأت القبائل الكوردية في الجزء الجنوبي من كوردستان (تركيا) حركة جهادية من أجل صمود الإسلام. إلا أن الوضع تغيّر عندما غزت اليونان سواحل تركيا الغربية عام 1919، ووجد الكماليون فوق ذلك أن عليهم أن يخوضوا حروباً عسكرية وسياسية مع الأرمن والفرنسيين والبريطانيين، وهو ما دُعي «حروب الاستقلال»، وهي حروب ضد «الكفار» حسب اعتقاد الكماليين الترك.

هل حال الكورد دون اجتياح البلاد التركية؟ وهل سبق للكماليين أن خططوا لسحق الشعور القومي للكورد فور مناصبتهم العداء لحكومة الأستانة، أم أنهم تغيّروا فجأة في عام 1923 واعتبروها خطأً سياسياً واضحاً؟

مهما يكن من أمر، وبغض النظر عن التوقيت، فإن الكورد عجزوا عن خلق معارضة مؤثرة في وجه الإجراءات القمعية التي اتخذها الأتراك ضدهم؛ فقد كانوا موزّعين جغرافياً في مناطق واسعة إلى درجة كبيرة، ومنقسمين طائفياً ومذهبياً، وتفرّق بينهم فضلاً عن ذلك الانتماءات القبلية، والتباين في اللهجات وفي النشاط الاقتصادي والاجتماعي، والهوّة السحيقة التي لا قرار لها بين مثقفيهم وأمّيّيهم، وهم الكثرة الكاثرة. يضاف إلى ذلك أن الوعي القومي الكوردي لم يبلغ قط تلك المرحلة من التهذيب والتوجيه التي يصبح فيها الشعور الحاد بالهوية غالباً على الشعور بالولاء القبلي، أو مساوياً له على الأقل. ولم تكن هناك فكرة واضحة عن العمل القومي الكوردي، ولا عمّا يتمخض عنه على الصعيد السياسي.

لكن في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية قادرة على قمع الانتفاضات الكوردية الواحدة تلو الأخرى، وعلى فرض أيديولوجية مركزية، فإن متانة هذه الأيديولوجية كانت تقلّ كثيراً عن متانة الروابط الأصلية التي تشدّ الكورد بعضهم إلى بعض، وهي الأرض واللغة والتقاليد والعشائرية. وهذه الروابط هي التي أخرجت انتفاضة الكوك جيري في عام 1921، وثورة الشيخ سعيد بيران في عام 1925.

أما القوميون الكورد، لا سيما أولئك الذين بحثوا عن فرصة لتحالف كوردي أرمني، فلم يمكنهم بثّ الشعور القومي إلا بين آخرين لم تكن الطموحات الأرمنية تهددهم، ومنهم الكورد العلويون الذين لا يشاركون أكثر أهل السنة خوفهم من خطر الأرمن من جهة الشرق. ومع هذا فإنه عندما تأسست جمعية تعالي وترقي الكورد في إستنبول في أعقاب الحرب العظمى (العالمية الأولى) كان واحد أو اثنان من أعضائها علويين، هم مصطفى باشا، رئيس الكوك جيرية غرب مدينة درسيم، وابنه عليشان بك، ونوري ديرسيمي أحد أبناء الأغوات. وكان هؤلاء شديدي الاهتمام بإقامة تحالف سني شيعي، وقاموا بفتح فروع للجمعية بين المجموعات القبلية الكوك جيرية في تشرين الأول عام 1920، تمهيداً لانتفاضة كبرى في تشرين الثاني بقيادة عليشان بك ضد الكماليين (الترك).

وهنا لا بد من كلمة حول دور المناضل الوطني علي شير الحسناني في التمهيد للثورة والمشاركة فيها.

وُلد علي شير الحسناني في قرية أومراني، القريبة من كوك جيري، في أواخر العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وتلقّى علومه في إعدادية سيواس، ونبه ذكره شاعراً ينظم القصائد الوطنية الكوردية في عهد السلطان العثماني عبد الحميد. واتخذه مصطفى بك، زعيم قبيلة الكوك جيري، كاتباً له، ثم صار مربّياً لابن هذا الزعيم بتوصية من والي درسيم في حينه، وبذلك أُتيح له أن ينشر آراءه القومية الكوردية، وأن يمارس نفوذاً فكرياً عظيماً على القبائل الكوردية في منطقة كوك جيري، وكان له دور كبير في توحيد كلمتها.

وفي عام 1917م، بعد تقهقر القوات الروسية وجلائها عن كوردستان الشمالية الشرقية من تركيا، فضّلت السلطات العسكرية التركية أن تغضّ الطرف عن النشاط الذي يمارسه علي شير في إقليم أوفاجك، حفاظاً على صلات أهاليه بأهالي درسيم.

ودأب خلال هذه الفترة على مواصلة نشاطه السياسي ونشر قصائده الوطنية، وقد علمنا أنه أسس في عام 1920 فرعاً لجمعية التقدم الكوردية (تعالي جمعيتي)، ثم أسس فرعاً آخر لها في درسيم، وطالب الجهات الكوردية العاملة في إستنبول بإدخال منطقة درسيم في المشاريع السياسية الكوردية أثناء المفاوضات التي كانت تجري مع الحكومة التركية. كما نظّم في عام 1921 حملة المذكرات والعرائض والبرقيات الخاصة بتطبيق معاهدة سيفر (10 آب 1920)، وقام بتنظيم عدة مؤتمرات كوردية محلية وعقدها، وساهم مساهمة فعالة في ثورة الكوك جيري، وصدر عليه حكم الإعدام غيابياً، ولم تتمكن السلطة من القبض عليه.

ولم يكن أهل منطقة الكوك جيري وحدهم في الوقوف بوجه الكماليين، وقد صافحت سيوفهم سيوف قبائل الجنوب دون سابق موعد أو تفاهم أو صلة. وحاولوا إحباط مؤتمر سيواس في أيلول عام 1919 بغلق مضيق أرزنجان الجبلي، واتخذوا موقفاً معادياً من قيام دولة تركية حديثة، لأن ذلك يؤدي إلى السيطرة على إقليم ديرسيم. وقد تزامن هذا الحادث مع وجود الميجر نوئيل في مهمته العتيدة، فأثار مخاوف الكماليين من عمل منسّق لخلق دولة كوردية.

والتوقيت والموضع أمران يلفتان النظر، لأن ديرسيم الغربية كانت تقع غرب الفرات، فهي والحالة هذه خارج الحدود التي رسمتها معاهدة سيفر (10 آب 1920م) لدولة كوردية. وخلال شهري تموز وآب عام 1920م صارت عصابات تغير على مخافر الشرطة وتداهم القوافل الناقلة للأعتدة. وكان الكماليون قد نصّبوا عليشان بك وأخاه حيدراً قائمقامين لبلدتي رفاهية وعمرانية، اللتين تقعان على الطريق بين سيواس وأرزنجان، على أمل أن ينقلب سارق الصيد إلى حارس للصيد.

وفي أيلول 1920 بدأ وضع الكماليين يزداد ضعفاً وهشاشة حين شرع الأرمن في شنّ هجوم كبير من ناحية الشرق، وبعد ذلك بشهر واحد، أي في تشرين الأول عام 1920م، شنّ اليونانيون هجومهم في الغرب. وفي العشرين من تشرين الأول 1920م وقعت بيد الكورد شحنة كبيرة من السلاح، فلم يسلّموها للكماليين، بل قام عليشان بك بتوزيع هذه الهبة غير المنتظرة على قبائل ديرسيم ليعلن بها الثورة.

وبعد قطع الطريق بين سيواس وأرزنجان قدّم زعماء الثوار إلى أنقرة في أواسط تشرين الثاني عام 1920م مطالبهم الوطنية، وبدا في طبيعة هذه المطالب تأثير «تعالي وترقي جمعيتي»، إلا أنها كانت تزيد كثيراً على ما سُطّر في منهاج الجمعية، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

  1. أن تعلن أنقرة قبولها بالحكم الذاتي للكورد، أسوة بإستنبول التي سبقتها حكومتها إلى الاعتراف بالحكم الذاتي للكورد.

  2. إطلاق سراح السجناء السياسيين الكورد في سجون العزيز وملاطية وسيواس وأرزنجان.

  3. سحب كل الموظفين الأتراك من المناطق التي تسكنها أغلبية كوردية.

  4. جلاء كل القوات التركية عن منطقة الكوك جيري.

وحدّد الثائرون مهلة قدرها عشرة أيام للاستجابة.

كانت حكومة أنقرة (الكماليون) في وضع حرج للغاية، ولم تكن مستعدة لتحقيق هذه المطالب، إلا أنها لم تكن تستطيع في الوقت عينه المخاطرة بطريق تموينها الرئيس وهي تحارب أعداء خارجيين (اليونانيين)، فلجأت إلى التسويف والمماطلة والتربّص بالثوار إلى الوقت المناسب. على أنها بعثت في حينه وفداً إلى ديرسيم بقصد إجراء محادثات، فرُدّ على أعقابه، وقيل لأعضائه إن هناك مهلة محددة للاستجابة إلى المطالب المعروضة.

ولكن الثوار، وقبل أن تنتهي المهلة، أصدروا في الثالث عشر من تشرين الثاني عام 1920م بياناً جاء فيه: «إن لم تتم الموافقة على إقامة كوردستان مستقلة كما نصّت عليه معاهدة سيفر، فإن زعماء ديرسيم سيواصلون ثورتهم». وكان ذلك يعني تحولاً جوهرياً عن إعلانهم القاطع حول الحكم الذاتي، وربما شعرت أنقرة من هذا التغيير المفاجئ في المطالب بوجود تردد وعدم استقرار، أو ربما خلاف، بين القائمين بالثورة، فلم ترفض أساس الفكرة، بل واصلت الاتصال بالثوار الأكراد ولم تقطع حوارها معهم، في حين كانت ترسل النجدات العسكرية بهدوء لتقوية حاميتها في سيواس. وتمّ لقاء بين مصطفى كمال وعليشان بك، فاقتنع الأخير باقتراح الزعيم التركي ترشيحه لعضوية المجلس الوطني الكبير في أنقرة.

كوردستان في ظل حكم الاتحاد والترقي 1908–1918

تُعدّ هذه المرحلة من تاريخ كوردستان والحركة القومية الكوردية مرحلة دقيقة ومهمة في نموّ الفكر القومي الكوردي وتبلوره، وستترك آثارها في الحركة الكوردية فيما بعد طوال القرن العشرين. ونحاول هنا أن نبيّن العوامل الدولية والإقليمية والذاتية التي ساعدت على تبلور الفكر القومي بين الكورد. ومن الضروري أن نضع هنا، ولو بإيجاز شديد، تطوّر الأحداث في كوردستان في الإطار الأكبر: ظهور القومية في العالم الإسلامي، وبالتحديد بين العرب والترك، وتأثير ذلك في الكورد، ومن ثم نتناول معالم سياسة الاتحاد والترقي تجاه الكورد، وردود الفعل التي أحدثتها هذه السياسة في كوردستان.

ونحاول في معالجتنا هذا الموضوع اتّباع منهجية تختلف في بعض جوانبها عن منهجية الباحثين الآخرين، وذلك من خلال التمييز بين ردود الفعل العامة وردود أصحاب الطرق الصوفية وردود النخبة الكوردية تجاه سياسة الاتحاد والترقي، على الرغم من التداخل بينها. ولتبيان هذه المنهجية نتطرّق إلى نشاطات النوادي الكوردية في إستنبول، وحركة الشيخ سعيد البرزنجي (الحفيد)، وملا سليم الخيزاني في بدليس، والشيخ عبد السلام البارزاني.

وأخيراً نحاول الإجابة عن سؤال طالما حيّر الكثير من الكتّاب والمهتمين بالشؤون الكوردية، ويتعلق بالمدة من سنة 1910 إلى 1914، وهو: لقد كانت هناك كل المقومات في كوردستان لقيام ثورة كوردية شاملة بقيادة أبناء بدرخان، وتحرير كوردستان من الحكم التركي، مثلما حرّر البلغار والرومان والقبارصة أنفسهم من هذا النظام في هذه الفترة؛ فلماذا أخفق الكورد في حين أفلح الآخرون؟

ونؤكد أخيراً أن هذه الدراسة لن تحسم الكثير من المسائل التي هي بحاجة إلى مزيد من الدرس والتحليل في ضوء الوثائق التي تعود إلى هذه الفترة، والموجودة في كلٍّ من تركيا والعراق وإيران، والتي لم يصل الكثير منها إلى أيدي الباحثين والمتابعين حتى الآن.

1. القومية والفكر القومي الكوردي في الإطار الإقليمي

يتفق معظم الرحالة والباحثين الغربيين المتخصصين في العالم الإسلامي على أن القومية، كحركة سياسية وفكرية، لم تكن معروفة عند عامة المسلمين حتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل سقوط الخلافة العثمانية، وأن الفكر القومي جاء من خلال تغلغل النفوذ الأوروبي في العالم الإسلامي. فنابليون مثلاً جلب أثناء حملته على مصر مجموعة من العلماء الذين عملوا على مقاومة الإسلام، لأنه كان أيديولوجية الشعب التي تطالبه برفض الحكم الأجنبي؛ لذلك قام العلماء الفرنسيون، وبرعاية نابليون شخصياً، بإذكاء الحس القومي الفرعوني عند المصريين، ومن هنا ظهرت فكرة «مصر للمصريين»، وكُلِّفت «مؤسسة مصر» بالقيام بهذه المهمة.

وقامت المؤسسات التبشيرية (التنصيرية) في أثناء حكم محمد علي باشا (1805–1847م) بنشاط مكثّف لتشجيع فكرة اللادينية وتغريب المجتمع المصري. وأقدم كرومر، الحاكم الإنجليزي في مصر (1883–1907م)، على تنمية الاتجاهات اللادينية ومقاومة الفكر الإسلامي، بتشجيعه الأدباء والعلماء المصريين من أبناء الأقليات غير المسلمة على ممارسة نشاطات تناهض أفكار الدين الإسلامي؛ فكتب جورج أنطونيوس، الموظف في السفارة البريطانية في القاهرة، كتاب «يقظة العرب»، وأصدر اليهودي يعقوب صنّوع مجلة «الوطن المصري» تحت إشراف كرومر. وهكذا بدأ الجيل المتغرّب يردّد كلمة «الوطن». وقام النصارى العرب، من أمثال بطرس البستاني وسليمان اليازجي وأنطون سعادة وميشيل عفلق، بغرس الأفكار القومية العربية بين المسلمين العرب في بلاد الشام، وذلك من أجل إيجاد كيان بديل عن الإسلام تكون لهم فيه، وبدعم الغرب، السطوة والقيادة.

وظهر في هذه المرحلة العديد من البحوث التي تمجّد العصر الجاهلي في سوريا، وتدعو إلى قبلية سورية جديدة ضمن بلاد العرب باسم القومية السورية. وكانت هناك أيضاً دعوات لتمجيد الفراعنة والقومية المصرية، تؤكد هوية شعب مصر باعتباره شعباً منفصلاً عن الشعوب الإسلامية الأخرى. وكان طه حسين الوليد الشرعي للقومية في هذه المرحلة من تاريخ مصر، إذ سعى جاهداً في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» إلى إثبات أن مصر مرتبطة بأوروبا ولا علاقة لها بالعالم الإسلامي، وقال: يجب على المصريين أن يقبلوا الحضارة الغربية بما فيها من سيئات، لأن ذلك قدرهم في التطور.

ويقول ساطع الحصري، وهو من أشد المتحمسين للقومية العربية: «لم تكن القومية معروفة بين شعوب الخلافة العثمانية حتى الانقلاب الدستوري سنة 1908 على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني». ويضيف: «نشأت السلطنة العثمانية مُشرَبة بإيمان ديني عميق، متوجّه نحو أهداف دينية صريحة، وإنها كانت دولة إسلامية بكل معنى الكلمة، وإن العثمانيين كانوا بعيدين عن الشعور بالقومية التركية بعداً كبيراً».

كان العثمانيون يعبّرون عن القومية بكلمة «الملّة»، وكانوا دوماً يقولون إن الدين والملّة وجهان لعملة واحدة. وكانت التذاكر والسجلات العثمانية تقسم الرعية إلى مسلمين وغير مسلمين من أهل الذمة، ولم تُستعمل مصطلحات «الأتراك» أو «العرب» أو «الكورد» في الكتب الرسمية إلا في إطار اجتماعي غير مسيّس على الأغلب، ومن أجل التعريف بالمنطقة من الناحية السكانية. وفي الحقيقة كانت كلمة «التركي» كلمة غير مرغوب فيها في الأجواء الرسمية والأدبية، وكانت تُستعمل للإشارة إلى السذّج من الناس، وهي شبيهة بكلمة «الأعراب» بين العرب.

وكانت إدارة الدولة العثمانية، منذ بداية تأسيسها إلى نهاية القرن التاسع عشر، بيد ضباط وإداريين من الغلمان الأوروبيين الذين يُجنَّدون للخدمة في الجيش والإدارة، وعُرفت هذه الفئة بالإنكشارية. كما تحرّج السلاطين العثمانيون والملل العثمانية الأخرى من أن تكون للكورد القيادة الروحية للدولة العثمانية في مراحل متعددة من التاريخ العثماني، ممثلةً بمنصب «شيخ الإسلام» المتنفذ، الذي احتكرته عائلات البدليسي والعمادي والحيدري لفترات من الزمن، وبقيادة الطرق الصوفية كالقادرية والنقشبندية.

بدأت القومية، كحركة فكرية، تؤثر في نخبة من العثمانيين أثناء عهد التنظيمات (1839–1876)، وهي فترة الإصلاحات الغربية. ويقول المستشرق برنارد لويس: «قبل أن يصل الفكر الغربي لم يكن هناك أي وجود للفكرة القومية، بل حتى في بداية القرن العشرين لم يشعر الأتراك أو العرب بأنهم غرباء بعضهم عن بعض؛ فالعرب ارتضوا أن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية بسبب الدين المشترك، في حين كان الأتراك يعتزّون بالعرب، ويعدّون الثقافة واللغة العربية من علامات الرقي والتقدم».

ويضيف برنارد لويس أن «اليهودي» آرثر لوملي ديفيد يُعدّ أول رائد للفكر القومي التركي، إذ ألّف كرّاساً بعنوان «دراسات تمهيدية عن تركيا» حاول فيه إثبات استقلالية العرق التركي وأفضليته على العرب. وقام كلٌّ من فؤاد باشا وجودت باشا، من رجال فترة التنظيمات ومن روّاد الماسونية في الدولة العثمانية، بترجمة كتابات لوملي ديفيد إلى اللغة التركية. وهكذا، كما يقول برنارد لويس، «أدرك الأتراك قوميتهم عبر الغربيين».

وفضلاً عن ذلك كان معظم روّاد الفكر الطوراني من غير الترك؛ فأحمد رضا، رئيس حركة الاتحاد والترقي، كان نصفه شركسياً ونصفه الآخر مجرياً، أما أنور باشا، أحد أبرز قيادات الاتحاد والترقي، فهو ابن رجل بولوني اعتنق الإسلام لفترة ثم ارتدّ. وكان جاويد باشا وعمانوئيل قره صو، اللذان يُعدّان من أهم القيادات العليا في الاتحاد والترقي، واللذان شغلا مناصب مهمة من ضمنها وزارة المالية، في الأصل من الطائفة اليهودية المعروفة في الدولة العثمانية بـ«الدونمة». أما طلعت باشا، وزير الداخلية والحرب في الدولة العثمانية، وأحد أركان ثالوث الاستبداد فيها، فكان بلغارياً من أصل غجري. ويُعدّ ضياء كوك ألب، الكوردي الدياربكري المتترّك، والمتأثر بالفكر الاشتراكي الديمقراطي وبفلسفة دوركهايم، منظّراً للفكر القومي اللاديني التركي. ويُعدّ عصمت إينونو باشا، الساعد الأيمن لمصطفى كمال أتاتورك، وهو أيضاً كوردي متترّك، رائداً للحركة القومية التركية، ومن ألدّ أعداء الإسلام.

كما أن إثارة النزعة القومية عند الترك ولّدت حقداً على العرب والكورد، وبذلك تحققت سياسة «فرّق تسُد»، وتمّ لهم هدفهم الذي كانوا يأملونه ويحلمون به، وهو إزالة الخلافة العثمانية الإسلامية وزرع الأحقاد بين الشعوب الإسلامية.

ولكن ما تقدّم لا يعني أن الكاتب يرى أن السلطنة العثمانية كانت في مرحلة من مراحلها دولة الخلافة الإسلامية التي يجب أن نقتدي بها، وأن ننسى انحرافاتها عن الإسلام في تطبيق الشورى والعدالة، وإضاعتها الحقوق الأساسية للإنسان المسلم، وإهدارها ثروات الأمة الإسلامية من أجل إشباع نزوات السلاطين العثمانيين. ولكن الغرب، الذي عرف الإسلام وطاقاته الكامنة في بثّ النهوض في الشعوب المسلمة، كان حريصاً على القضاء على الدولة العثمانية ككيان، رغم جميع أمراضها، حتى لا تكون إطاراً يمكن إصلاحه من جديد لوحدة الشعوب المسلمة. فقُضي على الدولة العثمانية بالقضاء على مسوّغات وجودها، وذلك بغرس الفكر اللاديني والقومية التركية التي تبلورت في حركة الاتحاد والترقي، ذات النزعة المركزية في الحكم، والمعروفة بمحاولاتها صهر الشعوب العثمانية في بوتقة الأمة التركية التي يدعون لها وإليها.


أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←