الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
سيداتي وسادتي، إخوتي الحضور،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإن ما يمكن أن أقدمه لكم هو هذه المحاضرة التي تتكلم عن المشكلة الكوردية، أو القضية الكوردية، في ماضيها وحاضرها. وبالمناسبة، أجد أن ما كُتب عن القضية الكوردية على مدار قرن من الزمن قد أخذته أيادي المستشرقين الملوّنة سياسياً في جوانبه السلبية، كما يأخذون دين الإسلام ورموزه الأفذاذ: الخلفاء الراشدين، والنبي العظيم محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأود أن أقول للحضور الكريم إن المستشرقين الذين كتبوا عن القضية الكوردية هم أبناء العرب والمسلمين الذين وضعهم الحاكم القومي، أو المستعمر الحاكم فيما بعد. وكل واحد منهم يجد أن هذه القضية الكوردية باتت مثيرة للجدل ومقلقة للبال. أما الكورد، وهم السكان الأصليون للمناطق الجبلية لكوردستان، فهمّهم الوحيد هو حصولهم على حقوقهم القومية المشروعة التي سُلبت منهم، أسوة بالشعوب الأخرى، مما أجبر الكورد على الثورات والعصيان والتمرد على سلطة القانون التي كانت تتغافل عن حقوق هذا الشعب الكوردي. ولكن هل أزاحت سلطة القانون التي مارستها الحكومات الإسلامية في تركيا (العثمانية) وإيران (الفارسية) والحكومات العربية في العراق وسورية كل المعوقات التي تعترض حياة الشعوب في حقوقها وحريتها وكرامتها في العيش، ولم يبق إلا الشعب الكوردي متمرداً لا يقبل بالمدنية التي وصل إليها الناس في دول الجوار؟
ما يحضرني في هذه المناسبة، وأنا أتكلم عن القضية الكوردية (المشكلة الكوردية)، والكورد يقدسون دين الله الإسلام، هو أن أحد علماء المسلمين في إحدى المدن الكوردية في كوردستان العراق، وهي جلولاء، أراد بعد الانتهاء من صلاة العصر أن يجذب أذهان الشباب إلى الإيمان، بعد أن شاهد جمعاً كبيراً يقفون خلفه للصلاة على جنازة شاب قُتل غدراً دون معرفة القاتل في مدينة جلولاء عام 2005. فبدأ القول: بسم الله الرحمن الرحيم: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة».
وما إن وصل إلى قوله تعالى: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم» حتى شاهد جمعاً من هؤلاء الشباب يُقدمون على الصلاة مرة أخرى، لا على الضحية التي أخذت طريقها إلى القبر، وإنما جذبتهم الكلمات الثلاث الأخيرة: «ذو حظ عظيم». وفرح عالم الدين، الذي سألهم عن سر هذا التجديد للإيمان، فأخبروه: نريد أن نصبر على بلاء الله سبحانه وتعالى لكي ننال الحظ العظيم. وقال أحدهم: يا شيخنا، إن الشباب قديماً وحديثاً يحتاجون إلى التذكير بكلمات الله، وكلمات الله هي الدروس التي تأخذها الحركات الثورية للوصول إلى غايتها السامية. ومن هنا فإن الإيمان بالله أولاً، وبجهود الأبناء المؤمنين ثانياً، وتفهم الحاكم العادل بين شعبه ثالثاً، هي التي تقود القلة الضعيفة المهدورة الحقوق إلى حكم المدنية والقانون.
فعاد عالم الدين مسترسلاً معهم، يطلب منهم التحلي بالصبر، فالصبر هو مفرّج الكروب ومفتاح الفرج، وتلا قوله تعالى: «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين». فرد عليه أحد الشباب، ويظهر أن له علاقة عائلية بالمغدور: وهل يرضيك يا شيخ أن يُقتل ابن عمي لأنه رفع قبضة يده إلى الأعلى وصرخ قائلاً: عاشت مهاباد، وسنعيدها في أورمية والسليمانية وأربيل وديرسيم وباقي المناطق الكوردية من كوردستان؟ فأعاد الشيخ عالم الدين عليه ما يجعله يطمئن تماماً لقدرة الله، وتلا قوله تعالى: «ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً». فاطمأن الشاب تماماً إلى أن القاتل سيلقى مصيره مستقبلاً مهما طال الزمن، وقد يكون ابن عمه، شقيق المغدور الذي لا يتجاوز أربع سنين، هو من يأخذ بنصرة الله.
هذه ليست مجرد أمثلة، وإن كانت في غايتها سياسية؛ فالقاتل المتعصب لا يتحمل أن يرى الكورد في دولة مستقلة أو في حكم ذاتي متطور، ولا أن يكون الكورد أمة بين الأمم، ولا أن يحيا الكورد شعباً مسلماً يعتز بدينه بين الشعوب الإيرانية والتركية والعربية، والقاتل ربما قرأ في المدرسة أو الجامعة قوله تعالى: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
الإخوة والحضور الكرام،
أنا لا أريد الخوض في المزيد من الحالات التي طهّرت قلوب الأولين من الكورد، وهم على ثقافتهم الأولية الفقيرة، لكن إيمانهم قوي بقوة الله على أن ينصر عبده يوماً. ولكي أدخل في الموضوع، أي القضية الكوردية، أقول إن هناك أربع دول لعبت بالقضية الكوردية وفق غاياتها القومية: لأن تسود على أمة الكورد، أو تستعمر الكورد لمصالحها الدنيوية، أو تستثمر القضية الكوردية لتقسيم أهل الإسلام وديارهم. هذه الدول هي: بلاد فارس الصفوية (إيران)، وتركيا العثمانية (الأتراك)، وبريطانيا الإمبراطورية الاستعمارية (الغرب المسيحي)، والولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
ولكن على من فاتته دروس الماضي المتشظية عن القضية الكوردية أو المشكلة الكوردية أن يعرف أولاً أصل الكورد.
أصل الكورد
أشارت التنقيبات الأثرية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر إلى وجود قبائل كوردية سكنت منطقة كوردستان في العراق (كوردستان العراق). فالملك الآشوري «توكولتي-نينورتا» ترك خلفه ألواحاً كُتب عليها «كوتي» وأخرى «كورتي»، وتاريخها يشير إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
هذه القبائل الكوردية المتداخلة في عيشها نزحت من جبال زاگروس الكبرى، موطن الكورد، أثناء العهد السومري. وإن الملك السومري (لوكال الكوردي) هو الذي حكم أوروك (الوركاء) في جنوب العراق. والملك «آنوبانيني» حكم منطقة قصر شيرين وكرمنشاه على حدود العراق الحالي الشمالية الشرقية.
ويرى بعض المستشرقين أن هناك كلمات مترادفة؛ ففي الأزمان البعيدة، مثل حكم السومريين، أخذت الكلمة صيغ (كوتي، جوتي، جودي). وفي زمن الآشوريين أخذت صيغ (كورتي، كارتي، كاردو، كاردان، كاردك). وفي زمن حكم دول بلاد فارس ظهرت صيغ (كورتيوي، سيرتي، كوردراها). وفي زمن اليونانيين والرومان (كاردوسوي، كاردوخي، كاردوك، كوردوكي). وفي عام 401 ق.م قدم لنا القائد والفيلسوف اليوناني «زينوفون» أثناء حملته على بلاد فارس شهادة بأن قوته التي اجتازت مناطق البحر الأسود وجبال راوندوز وجبال ديرسيم في كوردستان شاهدت أقواماً يتمتعون بصحة الأجسام يُطلق عليهم «كاردوخي». وسجل عالم الاجتماع الأمريكي «مار» قوله إن الكورد شعب صعب المراس، وهم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى. وفي عام 226م تمكن الشاه الفارسي «أردشير» من القضاء على نفوذ الأرمن، واستولى على كوردستان، وأجبر أهلها على اعتناق الديانة الزرادشتية (عبدة النار) السائدة آنذاك.
ولما كان الكورد على امتزاج بالأقوام الأخرى، وخاصة بالقبائل الفارسية، فقد تمسكوا بعيد النوروز عيداً قومياً لهم في 21 آذار من كل سنة، ولا علاقة له بعبدة النار عند الفرس؛ لأن 21 آذار عند الكورد هو عيد رأس السنة الكوردية.
دخول الكورد في الإسلام
وعندما اعتنق الكورد دين الإسلام على يد العرب المحررين والفاتحين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام 640، بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية على يد الفتح الإسلامي العربي في القرن السابع الميلادي، وجدوا فيه البهجة والمتعة؛ لأن فيه توحيداً لله بعد أن اعتنقت تلك المنطقة الكوردية من كوردستان الديانات الفارسية البالية (1) أولاً، ولأن فيه العدالة التي تنصف المرء بغض النظر عن لونه وطوله وملبسه ثانياً. ودفع ذلك المشايخ وأهل المعرفة من الكورد إلى الهجرة إلى بلاد العرب (من أهل وادي النيل وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين) للتعرف على أصول تطبيق الشريعة الإسلامية بشكلها الصحيح، فشكلوا بذلك زخم القاعدة والقيادة لإثبات الذات الكوردية في مناطق سكناهم في كوردستان. وأشعروا الخلفاء العباسيين، في مرحلة قوتهم وضعفهم، أنهم لم يكونوا السبب في إضعاف سلطة الخليفة العباسي. وتصرفوا مع الدويلات الكوردية في كوردستان التي استقلت عن مقر الخلافة العباسية في بغداد، مثل الطاهرية (820) والصفارية (903) والسامانية (874)، على أنهم مع سلطة الخليفة العباسي ما دام يحتكم إلى قرآن المسلمين في معاملة الرعية بالحق.
أما أبرز القادة الكورد في القرون الوسطى فهو القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي، الذي دافع عن الأمة الإسلامية ضد الصليبيين لاسترداد بيت المقدس. فهو الذي أقام الدولة الأيوبية (1171–1190) في بلاد مصر والشام والجزيرة العربية، واتخذ من دمشق مقراً لتنظيم قواته، وهو القائل: عندما تصلني المقاتلة من بلاد النيل وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين والأكراد فلن أخسر معركة مع الصليبيين. وعُدّ النصر الكبير الذي حققه القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187م ضد القوات الصليبية الحدث الأبرز في تاريخ القبائل الكوردية المسلمة (الهكارية، والمهرانية، والسهرانية، والسورانية، والحميدية، والزرزارية)، الذين كانوا أساس جيش صلاح الدين الأيوبي، وخاصة في معركة حطين، في أنهم كانوا يدافعون عن دين الإسلام. وكان قولهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن الله جعل الناس شعوباً وقبائل للتعارف، وأحسنهم من يتقي الله، وليس لأن خالد بن الوليد عربي وصلاح الدين الأيوبي كوردي. وبالتأكيد فإن صلاح الدين الأيوبي خدم الكورد من خلال الإسلام.
واليوم، أخواتي وإخواني، هناك إثارة لموضوع صلاح الدين الأيوبي بين الأكراد، وقول بعضهم: لماذا لم يشكل صلاح الدين الأيوبي دولة كوردية مستقلة؟ وفي الواقع إن مثل هذه الطروحات ليست إلا إفرازاً للواقع المرّ الذي يعيشه المسلمون في فرقتهم وتناحرهم. أما موقف صلاح الدين فقد عبّر عن نقاء السريرة وعمق الإيمان في ألا يخون المسلم أخاه المسلم في ظل سياسة مصدرها الأجنبي لتدمير دين الإسلام. وتساءل الكورد في ظل حكم الدولة العثمانية التي ظهرت إلى الوجود عام 1299، وهم مسلمون لم يتأخروا كثيراً في الانضمام إلى دين الإسلام، كما هو حال الفرس (2).
واعتبر العثمانيون أن الذات الكوردية مصونة ومحترمة، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ما دام العثمانيون قد اعتبروا أنفسهم خلفاء للخلفاء الراشدين، وكان سلاطينهم يرسلون «المحمل» سنوياً لكسوة الكعبة في مكة المكرمة، ويهتمون بإرسال «الصرر» إلى شيوخ العشائر البدوية لضمان سلامة طريق الحجاج إلى الديار المقدسة.
أما هذه الرعاية لدين الإسلام فقد اعتقد أبناء القومية الكوردية أنهم أولى بها لتحسين معيشة الفلاح الكوردي وتخليصه من الضرائب التي يفرضها البيك والآغا عليهم، أو أعمال السخرة التي يفرضها الآغا. وحقيقة الواقع أنها كانت حياة للإقطاعيين يدفع ضريبتها البسطاء من الكورد. وفي ظل هذه المعاناة الحياتية في كنف الإمبراطورية العثمانية المسلمة جاءت الصدمة الطائفية على يد الشاه الفارسي إسماعيل الصفوي عام 1507 في بلدة «خوي» التي وصلها الجيش الفارسي الصفوي. ففي وقتها زجّ إسماعيل الصفوي أحد عشر أميراً كوردياً في السجن، وعيّن بدلهم ولاة من عشيرة القزلباش الآذريين، وهم من الطائفة الشيعية. وكان من بين المسجونين الأمير الكوردي خليل، حاكم ولاية حصن كيفا، وهو زوج أخت إسماعيل الصفوي. وكان مثل هذا العمل تأليباً لبقية الكورد على أرض الإمبراطورية العثمانية للثأر من الشاه الفارسي إسماعيل الصفوي.
وكانت معركة «جالديران» عام 1514 بين الجيشين الفارسي الصفوي والعثماني التركي معركة فاصلة، انتصر فيها العثمانيون بقيادة السلطان العثماني سليم الأول. ولأجل مكافأة الكورد الذين شاركوا في النصر قرر السلطان العثماني سليم الأول إبقاء الأمراء الأكراد حكاماً على مناطقهم الكوردية في كوردستان، على أن يقدم الكورد جيوشاً لنصرة الدولة العثمانية، ويدفع الأمراء الكورد مبلغاً من المال لخزينة الدولة العثمانية. والواقع أن السلطان العثماني سليم الأول توقف في حربه عند منطقة «تبريز» عاصمة إسماعيل الصفوي للأسباب التالية: شكوى أهل مصر من حكم المماليك فيها وزعيمهم «قانصوه الغوري»، فانجذب السلطان العثماني سليم الأول إلى مقاتلتهم، فكانت معركة مرج دابق في بلاد الشام عام 1516، ثم معركة أخرى معهم عام 1517؛ وخوف السلطان العثماني سليم الأول من وصول الأسطول البرتغالي إلى منطقة مضيق هرمز، ومعلومات عن تقرّب البرتغاليين من مكة المكرمة والمدينة المنورة. وفي هذا التاريخ كان القائد البرتغالي «البوكيرك» يريد معاونة إسماعيل الصفوي ضد السلطان العثماني المسلم سليم الأول، ورحّب إسماعيل الصفوي بحفاوة بالغازي البرتغالي الجديد البوكيرك لإضعاف سلطة السلطان العثماني سليم الأول، ومن بعده ابنه السلطان سليمان القانوني. وفي عام 1523 أصبحت بغداد تحت حكم الدولة العثمانية بعد قتل حاكمها الفارسي الصفوي على يد الأمير الكوردي لولاية «الكلهر» الكوردية.
مثل تلك الإدارة الذاتية للكورد في عهد السلطان العثماني سليم الأول لم تعجب ابنه السلطان سليمان القانوني، فعمد إلى تبديل الأمراء الكورد بولاة عثمانيين، فأحدث شرخاً في العلاقة بين الكورد والولاة العثمانيين الجدد. وبات الوضع، خلال تبدّل السلاطين العثمانيين بين عامي 1514 و1850، أن أمير العشيرة الكوردية يميل إلى الدولة الفارسية الصفوية إذا اصطدم بالعثمانيين الترك، ويميل إلى الدولة العثمانية التركية إذا اصطدم بالفرس الصفويين. وبعد قرن من الصراع الفارسي الصفوي والعثماني التركي جاءت معاهدة قصر شيرين/زهاب عام 1639 بين الدولتين، وكانت كافية، باتفاق الطرفين الفارسي الصفوي والعثماني التركي، لإحباط أي حكومة أو إمارة كوردية في منطقة كوردستان.
وعليه ظهرت الثورات الكوردية ردَّ فعلٍ على معاهدة زهاب/قصر شيرين 1639م (راجع محاضرة «الثورات والانتفاضات الكوردية»).
أجزاء «المشكلة الكوردية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس