الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المشكلة الكوردية (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

الكورد وحزب البعث عام 1968

رفع حزب البعث في العراق شعار «الحكم أو الموت» لديمومة استمرار الحكم. ومع ما يحمله هذا الشعار من استخدام القوة والسيف لمقارعة الخصوم في الداخل والخارج، فإن رموزه، وخاصة الرئيس أحمد حسن البكر ومعه حردان التكريتي وصالح مهدي عماش، كانوا على قدر من رجاحة العقل والاتزان بعد خمس سنوات من تجربة 8 شباط عام 1963، حيث كان أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء، ثم نائباً لرئيس الجمهورية في بداية حكم عبد السلام محمد عارف قبل إعفائه عام 1964.

كانت هواجس الكورد مع نظام حزب البعث الجديد هي ما حدده الدستور العراقي، إذ تقول المادة السابعة: الوطن العربي هو الجزء من المعمورة الذي تسكنه الأمة العربية، والذي يمتد من جبال طوروس وجبال بشتكوه إلى خليج البصرة وبحر العرب. وهو ما اعترض عليه الكورد باعتبارهم القومية الثانية بعد العرب في العراق، لأنه جاء دون الإشارة إلى وجودهم الكوردي على أرض كوردستان العراق.

ردّت صحف الغرب، وخاصة البريطانية، على سلوك القوميين العرب الحاكمين في بغداد، وجلبت إلى ذهن أحمد حسن البكر أن الزعيم الكوردي الإيراني «الدكتور عبد الرحمن قاسملو» يتفق مع الزعيم والقائد للشعب الكوردي العراقي الملا مصطفى البارزاني على مفهوم أن «كوردستان الكبرى» هي ما تدعو إليه كل المجموعات الكوردية المثقفة في كوردستان إيران وكوردستان العراق، وهي الغاية النهائية للحركة الكوردية التي كابدت الاحتلالات العثمانية والفارسية والبريطانية، وحكم عبد الكريم قاسم، وحكم الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، واستخدامهم (الحكومة العراقية) القوة العسكرية سبيلاً لإخماد الثائرين الكورد (البيشمركة).

وحددت الصحف البريطانية الصادرة في نهاية عام 1968 حدود كوردستان الكبرى، وهو استفزاز للحكام البعثيين الجدد، بأن الحدود «تبدأ بخط مستقيم عند قمة جبال أرارات (أرمينيا) في الشمال الشرقي، ثم تنحدر جنوباً إلى جنوب جبال زاگروس وبشتكوه الكوردية (غرب إيران/كوردستان إيران)، ومنها يُرسم خط مستقيم نحو الغرب (الموصل في كوردستان العراق)، ومن الموصل إلى لواء الإسكندرونة، ومنها نحو الشمال الشرقي حتى أرضروم في كوردستان تركيا، ومنها إلى جبال أرارات جنوب يريفان عاصمة أرمينيا».

أما مساحة كوردستان التي تقوم عليها الدولة الكوردية الموحدة (كوردستان الكبرى) فقد بلغت ضمن هذه الحدود (409.650 كم²)، منها (149.400 كم²) في كوردستان تركيا، و(124.950 كم²) في كوردستان إيران، و(72000 كم²) في كوردستان العراق، و(18000 كم²) في كوردستان سورية. وهي بالإجمال، إذا ما أُخذت طولاً، تمتد من الشمال إلى الجنوب لمسافة (1000 كم)، وعرضها في الجنوب بحدود (200 كم)، ثم يزداد كلما اتجهنا إلى الشمال ليصل إلى (750 كم).

وأشارت الصحف إلى أن السير بيرسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في بغداد إبان ظهور الدولة العراقية في 23 آب عام 1921، قد اقترح ضمن مقترحاته أن يكون أهل كوردستان الجنوبية، أي ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ضمن دولة العراق العربي لمعادلة نسبة الشيعة والسنة، باعتبار الكورد من المذهب السني. وفي حقيقة الأمر كان مقترح بيرسي كوكس يريد إبقاء ولاية الموصل، كوردستان العراق (الموصل والسليمانية وأربيل وكركوك، ولاحقاً دهوك وأجزاء من ديالى)، ضمن الدولة العراقية العربية بعد اكتشاف النفط فيها (كركوك)، وبسببها عُدّلت اتفاقية سايكس-بيكو 1916 بين فرنسا وبريطانيا. ولعل من المقترحات البريطانية الأكثر نظراً إلى المستقبل أن تكون كل كوردستان، عدا كوردستان الجنوبية في كوردستان العراق، دولة كوردية مستقلة تشكل حاجزاً بين المصالح البريطانية في الشرق الأوسط ومصالح الروس الذين قاتلوا الدولة العثمانية نصف قرن (1854–1914). وبعد قيام دولتهم، روسيا البلشفية، عام 1917 أرادت بريطانيا أن تلعب بالورقة الكوردية العراقية (كوردستان العراق) لخرق تنظيمات الكورد في كوردستان إيران وكوردستان تركيا.

حكومة بغداد ونظام حزب البعث

كان الخط المستقيم لحكومة حزب البعث الثانية (17–30 تموز عام 1968) هو الوصول إلى تحجيم إيران الشاه، ووضعه في موقع لا يتدخل فيه في شؤون العراق الداخلية (الشيعة في الجنوب، والكورد في الشمال في كوردستان العراق). غير أن الخط المستقيم الذي وضعه النائب صدام حسين، الذي تكفل بالملف الكوردي (لجنة شؤون الشمال)، كان يكمن في طرف إقليمي يقدم له المعاونة العسكرية، وقد ساهم ذلك في تدهور الحياة السياسية والاقتصادية في العراق، وخاصة بعد تفجير خط أنابيب النفط في مدينة كركوك عام 1969، وإلغاء شاه إيران معاهدة 1937 الخاصة بشط العرب من جانب واحد.

حكومة بغداد ونظام صدام حسين

الأسلحة المتطورة (طائرات، دبابات، صواريخ) هي وحدها التي تجعل شاه إيران يتوقف عن تدخله في شؤون العراق الداخلية، ومصدر هذه الأسلحة هو الاتحاد السوفيتي لا غيره. وثمن ذلك، كما قلنا، أن يكون للحزب الشيوعي دور في رسم سياسة البلاد (العراق)، ولموسكو هامش من المشاركة في القرار السياسي، وعلى بغداد أن تلعب بمهارة سياسية عالية بعد أن تدخلت السياسة الدولية في السياسات الإقليمية. وذلك ما جعل صدام حسين يحزم حقائبه وبيده ملف القضية الكوردية متوجهاً إلى موسكو بداية عام 1970.

موسكو (الاتحاد السوفيتي السابق)

وبالمقابل وجدت موسكو أن عليها مراجعة ملف الجنرال «بافيل سودوبلاتوف»، ضابط المخابرات السوفيتي المكلف بالإشراف على نشاط الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني عندما كان لاجئاً في روسيا للفترة 1946–1958، وملف الصحفي (رجل المخابرات السوفيتي) «يفغيني بريماكوف» الذي زار كوردستان والتقى بالملا مصطفى البارزاني قبل إعلان 11 آذار عام 1970، وذلك قبل أن تعرض وساطتها بين بغداد والكورد.

كوردستان

في قرية «ناوپردان» الكوردية في محافظة أربيل اجتمع النائب صدام حسين والدكتور محمود عثمان، المكلف بملف الخارجية في الحركة الثورية الكوردية، في الثامن من آذار 1970، وبعد يومين من المباحثات وقّع الطرفان على وثيقة الحكم الذاتي للكورد في بيان 11 آذار 1970. وفي الحادي عشر من آذار 1970 احتفل العراق بيوم السلام، وشاهد الناس عبر شاشات التلفزة الرئيس أحمد حسن البكر وإلى جانبه الدكتور محمود عثمان ونجلا الملا مصطفى البارزاني (مسعود وإدريس) وصدام حسين، معلنين أن الشعب الكوردي سيقف إلى جانب العرب في حربهم ضد إسرائيل. ويعني ذلك أن كورد كوردستان العراق عراقيون، وأنهم، ما دامت الدولة المركزية (حكومة العراق) قد لبّت مطالبهم، لن يكونوا عوناً لإيران في أي نزاع يكون العراق طرفاً فيه. وذلك ما أربك حسابات طهران وتل أبيب، وأحد رجال الموساد، الدكتور «جبرائيل ديناري»، يتأمل المشهد، وهو شاهد عيان على الاحتفالات التي جرت في كوردستان العراق، قبل أن يغادر كوردستان العراق إلى طهران ويهدي التجهيزات الطبية التي جلبوها في وقت سابق إلى الممرضين الكورد في منطقة حاج عمران.

من نتائج البيان التاريخي الذي صدر في 11 آذار 1970

أ. شمول المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان)، التي غالبية سكانها من الكورد، بالحكم الذاتي.

ب. تُدار المنطقة الكوردية (كوردستان) من قبل مجلس تشريعي منتخب ومجلس تنفيذي لحكومة محلية في كوردستان العراق.

ج. اللغتان في المنطقة الجغرافية الكوردية (كوردستان) هما الكوردية والعربية، وهما لغتا التعليم في المدارس.

د. إنشاء جامعة في محافظة السليمانية.

هـ. إنشاء مجمع علمي كوردي.

و. حق إصدار الصحف والمجلات باللغة الكوردية.

ز. تعديل قوانين الإصلاح الزراعي في المناطق الكوردية.

ح. يكون أحد نواب رئيس الجمهورية كوردياً.

اعتبرت حكومة بغداد أن ما وُقّع عليه يمثل حقاً كوردياً للشعب الكوردي في كوردستان العراق، وأن على الدولة المركزية في بغداد، التي ذهب بعض السياسيين إلى اعتبارها إحدى دول الشرق الأوسط ذات الوزن والاعتبار (عسكرياً وسياسياً واقتصادياً)، أن تفي بالالتزامات، وأن يكون الشعب الكوردي في الطرف الآخر في حلّ من أي التزامات سابقة مع إيران. وكان على الكورد أن يدركوا خواص صدام حسين العربية والقومية، وهدفه الكبير من اتفاق 11 آذار 1970.

هنا سيظهر سؤال من قبل الحاضرين، فيقول أحدهم وكأنه ينطق نيابة عنهم: ألا تعتقد أن اتفاق الحادي عشر من آذار 1970 لا يوجد له شبيه في دول الجوار تركيا وإيران وسورية، وكلها ترفض الجلوس إلى طاولة حوار واحدة كما حدث في ناحية ناوپردان في أربيل؟

الجواب: نعم. إن ما تحقق أولاً هو وقف نزيف الدم بين الجيش العراقي والبيشمركة الكوردية، وكلاهما شعب واحد ومسلمون عراقيون. وثانياً أن الاتفاق الكوردي مع حكومة بغداد أفرز للكورد أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة زعيم الشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني هو القوة السياسية الممثلة للقومية الكوردية في العراق. وعلى هذين الأمرين يتوقف حسن النوايا. كان الكورد ينظرون إلى النقاط الخلافية خلال المرحلة الانتقالية لبيان 11 آذار 1970، التي أمدها أربع سنين (1970–1974)، ومنها عدم إجراء تعداد سكاني (إحصاء)، وتعديل حدود المنطقة الجغرافية للكورد في كوردستان العراق (المناطق الكوردية المشمولة بالحكم الذاتي)، وهذه متصلة بعائدية كركوك الكوردية. ولعل ما زعزع ثقة الكورد باتفاق 11 آذار 1970، حتى اعتبروه مجرد وثيقة إعلامية للعرب وبقية العالم، أمران:

أولهما محاولة اغتيال إدريس البارزاني، الضيف على حكومة حزب البعث ونظامه في العاصمة بغداد، في 29 أيلول 1971. وثانيهما محاولة اغتيال الملا مصطفى البارزاني، زعيم الشعب الكوردي وقائده، في بارزان بتاريخ 6 تموز 1972 على يد مجموعة من علماء الدين أُرسلوا من بغداد لإجراء لقاء صحفي وديني مع قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني. وبعد الحادثتين شرعت الحكومة العراقية في خطوات سريعة لتنفيذ بنود اتفاقية 11 آذار 1970، منها تعديل الدستور العراقي المؤقت لينص على أن العرب والكورد شركاء في الوطن، وإصدار قانون الحكم الذاتي عام 1974 متضمناً بعض بنود بيان الحكم الذاتي المتفق عليه في 11 آذار 1970 ونقاطه، لا جميعها.

كما يجب ألا يخفى عليكم، سادتي الحضور، أن دخول الولايات المتحدة الأمريكية في تحالف مع إيران والكورد من 1972 إلى 1975 قد قلل من الحماس الكوردي تجاه اتفاقية 11 آذار 1970. والسبب الحقيقي هو حنث حكومة حزب البعث ونظامه في بغداد بعدم تنفيذ جميع البنود المتفق عليها في 11 آذار 1970. وبالمقابل جعل ذلك الحكومة العراقية ونظام حزب البعث يسرعان في إنجاز بعض بنود الاتفاقية لا جميعها. وقدمت واشنطن إلى الحركة الكوردية مساعدات عسكرية وطبية، وأخرى أسلحة سوفيتية غنمتها إسرائيل في حرب 5 حزيران 1967.

ومع رفض الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث طلب القيادة الكوردية تمديد الفترة الانتقالية سنة أخرى حتى يتسنى تطبيق جميع البنود المتفق عليها سابقاً في 11 آذار 1970 حسب الاتفاق بين الطرفين، لأن على الحكومة العراقية أن تنفذ جميع البنود المتفق عليها لا بعضها، تجدد القتال بين الجيش العراقي والبيشمركة عام 1974 (24). وكانت هي الفرصة التي تمناها شاه إيران، فقدّم هذه المرة دعماً غير مسبوق للحركة الكوردية بمختلف الأشكال، وجرى اتصال بين الشاه الإيراني والرئيس الأمريكي نيكسون لمعاونة الكورد سياسياً بما يحقق مصالح إيران لا مصالح الشعب الكوردي. وقال الشاه خلال حديث له مع الكاتب المصري محمد حسنين هيكل في 2 أيلول 1975: «كنا (إيران) الوحيدين الذين يقدمون يد المساعدة للكورد. وأردت (غايتي) أن أصفع حكومة بغداد على وجهها. لقد كلفتنا الثورة الكوردية في كوردستان العراق (300) مليون دولار، وهذا مبلغ ضخم (في ذلك الوقت)، بيد أن الواقع تطلّب ذلك». وذلك قبل توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 التي أدت إلى انهيار الحركة والثورة الكوردية في كوردستان العراق (25). وكانت تنازلاً من حكومة العراق ونظام حزب البعث عن نصف شط العرب مقابل تخلي إيران عن دعم الحركة والثورة الكوردية، ومغادرة الملا مصطفى البارزاني كوردستان العراق إلى كوردستان إيران، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتوفي قائد الحركة والثورة الكوردية وزعيم الشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني في مستشفى جامعة جورج تاون في الأول من آذار عام 1979، وكانت نكسة كبيرة جداً للشعب الكوردي والقيادة الكوردية والحركة والثورة الكوردية.

إن سنوات ما بعد توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 حتى قيام الثورة الإيرانية في شباط عام 1979، والحرب بين العراق وإيران في أيلول 1980، عُدّت انتكاسة للحركة الكوردية، حين أعلنت بغداد العفو عن الكورد الذين يسلمون أسلحتهم، عدا الملا مصطفى البارزاني ونجليه مسعود وإدريس، وأقامت حزاماً أمنياً على الحدود الإيرانية والتركية بعمق (20) كم داخل الأراضي العراقية حظرت فيه أي وجود أو نشاط إنساني من الشعب الكوردي.

وتبدلت الأدوار بين اللاعبين المحليين والإقليميين، ووجد السيد جلال الطالباني نفسه هذه المرة ممثلاً للحركة والثورة الكوردية، وسلفه الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني قد تصرف مع حكومات بغداد وطهران ولندن وواشنطن زعيماً قومياً وممثلاً للشعب الكوردي لا سياسياً. وحان الوقت ليظهر السيد جلال الطالباني في سورية برعاية الرئيس السوري حافظ الأسد، الذي استقبله بتكريم وحفاوة، ليؤدي له حافظ الأسد دوراً في إحياء القضية الكوردية في كوردستان العراق بدلاً من إيران، وأن يكون جلال الطالباني بدلاً من الملا مصطفى البارزاني في عام 1975 (26). وكان عام 1975 هو العام الذي أنشأ فيه جلال الطالباني حزبه «الاتحاد الوطني الكوردستاني» في أحد مقاهي دمشق (27)، كما فعل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث عام 1947.


أجزاء «المشكلة الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←