الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
ابتهاج الكورد وانتفاضتهم غداة نجاح الثورة الإسلامية في إيران شباط 1979
لم يكن سجل الكورد يخلو من اسم الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني في قائمة المحكوم عليهم بالإعدام خلال حكم الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي؛ فالشاه، وإن تعامل مع الملا مصطفى البارزاني ضد حكومة بغداد لغايات سياسية، لم يتردد في وصفه بالشيوعي، والجنرال الماركسي الذي وجد له ملجأً آمناً في موسكو.
وعلى مدى ثلاثين عاماً من انهيار دولة (جمهورية) مهاباد الكوردية في كوردستان إيران (المدعومة من السوفيت) نهج جهاز أمن الدولة الإيراني «السافاك» تجاه الكورد الثوار نهج الشرطة السرية الألمانية ضد ثوار فرنسا المحتلة عام 1940. فالسجون وصنوف التعذيب لكل كوردي يدعو إلى كوردستان مستقلة هي الشعار الذي بات ينفذه جهاز السافاك، وحجتهم أن هؤلاء ماركسيون شيوعيون يريدون الإطاحة بملك الملوك (الشاهنشاه)، الذي نجّاه الله من ثلاث محاولات لاغتياله، وجعل إيران تابعة لموسكو.
ومع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران في شباط عام 1979 ابتهج الكورد الإيرانيون في كوردستان إيران، ورقصوا في مدنهم وقراهم الكوردية، وكانوا على أتم استعداد لمعاونة الثوار الإيرانيين على القضاء على رموز الشاه (أعداء الإسلام) الذين حكموا البلاد (38) عاماً. ولصيرورة الإسلام علّق الكورد آمالهم على آية الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية، في إعطائهم الحكم الذاتي في كوردستان إيران، وذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما عقدوا اجتماعاً حاشداً في مدينة مهاباد الكوردية برئاسة زعيم الثورة الكوردية في كوردستان إيران «الدكتور عبد الرحمن قاسملو»، الذي وعدهم بإقناع السلطة الجديدة في طهران بتقديم تنازلات للكورد الإيرانيين في كوردستان إيران كما حدث من حكومة بغداد في 11 آذار عام 1970.
وفي إطار هذا المناخ المفعم بالمشاعر القومية كانت فصائل الكورد المسلحة تبسط سيطرتها على مساحات واسعة من أرض كوردستان إيران، وأُلّفت لذلك مجالس ثورة كوردية في كوردستان إيران تمارس سلطتها داخل المدن الكوردية، وإذاعة كوردية تبث برامجها باللغة الكوردية، وأضحى الشعار الذي رفعه الحزب الديمقراطي الكوردستاني (الإيراني) «الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكوردستان إيران». وفي الثامن والعشرين من آذار/مارس 1979 توجه وفد كوردي برئاسة الدكتور عبد الرحمن قاسملو، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني (الإيراني)، إلى قم لمقابلة الخميني بغية عرض مطالب الكورد في كوردستان إيران. وخلال الاجتماع فوجئ الزعماء الأكراد بما لم يكن في حسبانهم، إذ رفض الخميني تماماً فكرة منح الأكراد حكماً ذاتياً في كوردستان إيران في إطار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي شهر نيسان 1979 اندلعت المصادمات بين البيشمركة الكوردية الإيرانية والحرس الثوري الإيراني. وفي تموز 1979 شملت المصادمات كل مدن الكورد في كوردستان إيران، ومنها (مهاباد، وسنندج، وبوكان، وبانه، وسردشت، وأورمية، وكامياران، ومريوان). وفي شهر آب 1979 أمر زعيم الثورة الإسلامية آية الله الخميني باستخدام الطيران والدبابات والمدفعية لمواجهة المدن الكوردية الثائرة في كوردستان إيران (بانه، وباوه، وسقز، ومياندوآب)، واستمرت المواجهات بين الطرفين الكوردي والإيراني حتى أواخر عام 1980م، حيث أُجبرت القوات الكوردية على أثرها على النزوح إلى المناطق الجبلية لخوض حرب عصابات طويلة الأمد في كوردستان إيران. وكان العراق على أتم الاستعداد لمدّ يد العون للثوار الكورد الإيرانيين بكل الأشكال، ليس حباً بالكورد والشعب الكوردي الإيراني في كوردستان إيران، ولكن ضد حكم الخميني.
وبإخضاع الكورد داخلياً في كوردستان العراق، وسقوط حكم الشاه في إيران، واندلاع الثورة الكوردية في كوردستان إيران، بات الطريق ميسراً للعراق للحرب ضد آية الله الخميني في أيلول عام 1980، وهو الذي دعا قادة إيران والعراقيين (من حزب الدعوة) إلى تغيير النظام السياسي في العراق، وهدد بإغلاق مصب شط العرب، ودعا إلى تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق ودول الخليج التي تساعده.
وعندما رفضت الثورة الإسلامية المطالب العراقية لتسوية الخلافات حول الحدود وشط العرب والقضية الكوردية وتسييس الدين لتحقيق مآرب سياسية، وقصفت المخافر الحدودية واحتلت أراضي عراقية مثل زين القوس وسيف سعد وغيرها، اضطر العراق إلى دخول الأراضي الإيرانية في 22 أيلول 1980 لإبعاد شبح الحرب عن مدنه الحدودية، ولرد القصف والهجوم الإيراني على المخافر والحدود العراقية في 4 أيلول 1980.
تنبّه الإيرانيون، ومنهم قادة الثورة الإسلامية، إلى الثورة الكوردية في غرب إيران (كوردستان إيران) وما تحمله من مضاعفات على مواجهة العراق في الحرب، حتى انتهى الأمر بآية الله الخميني إلى إرشاد رجال الدين إلى اعتبار أن استخدام القوة الغاشمة ضد الكورد لا يقرّه الإسلام، وأن قادة الميدان من أتباع الشاه هم الذين أرادوا فتنة الشعب الإيراني المسلم، والكورد منه.
وصدرت الصحف الإيرانية في اليوم التالي للقاء آية الله الخميني برجال الدين في تشرين الأول عام 1980 تدعو إلى ترسيخ فكرة «التضامن الإسلامي» بمضمونها المتقدم، وهو أنه يتعين على الكورد، وهم مسلمون، أن يوقفوا حربهم وثورتهم ضد الحكومة الإيرانية الإسلامية. وذكرت صحيفة «اطلاعات» الإيرانية أن عامل تضافر الإيرانيين ووحدتهم لم يكن أبداً اللغة ولا لون البشرة ولا التوزيع السكاني ولا التقاليد والثقافة، وإنما كان الإسلام. وأضافت صحيفة اطلاعات «أن الحاجة إلى العدالة الإسلامية وتطبيق الحكم الإسلامي كانت الدافع الذي دعا دوماً إلى تكاتف الشعوب الإيرانية بعضها مع بعض». ونجحت الحكومة الإيرانية الجديدة في إقناع أحد أبرز القادة الكورد، وهو الشيخ «عز الدين الحسيني»، بالانضواء تحت الراية الإسلامية والتخلي عن استخدام البندقية الكوردية لاستقلال كوردستان إيران. وأشاعوا بين الكورد ما حصل للزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني بين عامي 1943 و1945، ولجوءه إلى دولة الكفر روسيا.
وكان أكثر ما ركز عليه علماء الدين الإيرانيون وهم يجوبون مدن كوردستان إيران أن نظام حزب البعث العلماني في العراق، الذي شن الحرب على دولة الإسلام (إيران)، هو الذي رحّل سكان (4500) قرية كوردية في كوردستان العراق في محافظات (ديالى، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والموصل)، وأحرق قسماً من هذه القرى المتاخمة لحدود إيران لكي يقطع اتصال الآباء والأمهات بالأبناء، من خلال ما يعرف بالحزام الأمني بين 1975 و1979، ثم هو الذي هجّر (50) ألف كوردي من مناطق سكناهم الأصلية، أباً عن جد، في كوردستان العراق، وأتى بالعرب بدلهم في محاولة لتغيير التركيبة السكانية للمنطقة الكوردية (تعريب كوردستان)، وهو المسؤول عن اختفاء (قتل) (182) ألف كوردي في عمليات الأنفال السيئة الصيت! «وتقولون إن إيران تمارس القومية والعرقية ضد الكورد في كوردستان إيران!». وكان هذا خطاباً إعلامياً لكسب الكورد في كوردستان إيران.
كان السيد جلال الطالباني من أكثر المتحمسين لاستثمار جهد الأحزاب الكوردية عندما بدأت الحرب بين العراق وإيران. وقد يكون ما عمله الرئيس السوري حافظ الأسد في جمع شمل الأحزاب الكوردية المناوئة لصدام حسين، رئيس الجمهورية العراقية، عام 1979 أن يعطي جلال الطالباني اليد العليا في قيادة كل الأحزاب الكوردية، بعد الأخطاء السياسية لقادة الكورد ولجوء الملا مصطفى البارزاني، قائد الثورة والحركة الكوردية، إلى أمريكا. وبات جلال الطالباني بمرونته السياسية حليفاً لإيران وسورية، وأكثر جذباً للحوار من قرينه «السيد مسعود البارزاني» الذي حلّ في ذلك الوقت محل والده الملا مصطفى البارزاني في رئاسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وبالعودة إلى نشاط الأحزاب الكوردية في كوردستان العراق خلال الحرب، فقد كانت: الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني، وحزب الحركة الإسلامية الكوردستانية بزعامة السيد عثمان عبد العزيز. وفي الوقت الذي تمكن فيه علماء الدين الإيرانيون من إحباط الثورة الكوردية في كوردستان إيران عام 1979، لم يتمكن علماء الدين في العراق من إقناع كورد العراق بالاصطفاف إلى جانب الحكومة العراقية، وكلاهما ينتمي إلى المذهب السني.
كانت رؤية قيادتنا الكوردية أنها فرصة مشروعة لطلب حقوقهم الكوردية، أو تنفيذ جميع بنود 11 آذار 1970 المتفق عليها، لا بعض بنود الحكم الذاتي كما تريدها حكومة بغداد ونظام حزب البعث، وهو حكم ذاتي عبارة عن حبر على ورق. ولكن سرعان ما تراجعت الحكومة العراقية في بغداد عندما اكتشفت أنها من القوة العسكرية بحيث تواجه قوة شاه إيران عند انهيار الحركة الكوردية في كوردستان العراق عام 1975. وبمعنى آخر تعتبر القيادة الكوردية أن لا مبدأ يتحكم في مسار السياسة، وأنها اقتناص للفرص من أجل الحصول على الحقوق القومية المشروعة، بعد اقتناعهم بعدم صدقية حكومة بغداد في تطبيق بيان 11 آذار 1970 وتنفيذ كافة بنوده المتفق عليها مسبقاً في ناوپردان في كوردستان العراق، ومراوغة الحكومة العراقية ونظام حزب البعث المستمرة لمنع التطبيق الحقيقي لما تم الاتفاق عليه سابقاً في بيان 11 آذار 1970. وعليه فإن الكورد في كوردستان العراق حملوا السلاح وتحالفوا مع إيران التي لم تقدم لهم مشروعاً سلمياً لحقن الدماء، بل ما قدمته لهم هو الرصاص لمزيد من الدماء، ودماء الكورد الإيرانيين في كوردستان إيران عام 1979 لم تجف بعد.
ولتجاوز أزمة من أزمات الحرب، ومنها انسحاب القوات العراقية من داخل أرض إيران إلى الحدود الدولية في 20 حزيران 1982، بات الحديث في القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية يدور حول دعوة الحزبين الكورديين الرئيسيين (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني) للبحث مجدداً في النقاط المتفق عليها مسبقاً في اجتماع ناوپردان في كوردستان العراق، والنقاط المختلف عليها التي جاء بها بيان 11 آذار عام 1970. وهذا دليل آخر على عدم مصداقية الحكومة العراقية مع القيادة والشعب الكوردي في تطبيق ما اتُّفق عليه سابقاً في 11 آذار 1970.
ولسبب من توتر الأوضاع بين جلال الطالباني ومسعود البارزاني، والخشية من اتهامات إيران الخميني لمسعود البارزاني منتصف عام 1983، لبّى جلال الطالباني الدعوة للذهاب إلى بغداد عام 1984، وقوات حزبه (الاتحاد الوطني) في مصادمات مع الجيش التركي، وأخرى مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، وأخرى ضد الجيش العراقي، وقوة رابعة منسجمة مع توجهات القيادة العسكرية الإيرانية. ولم يطل الزمن في مباحثات جلال الطالباني والرئيس صدام حسين حتى توصل العراق إلى هدنة مع قوات جلال الطالباني (الاتحاد الوطني الكوردستاني) عام 1984 (28). ولكن حكومة بغداد ونظام حزب البعث لم يوقعا عليها بسبب التهديد التركي بإغلاق الأراضي التركية أمام مرور البضائع الحياتية إلى العراق، ووقف تصدير النفط العراقي عبر تركيا، بعد إغلاق سورية خط الأنابيب عبر ميناء بانياس. وكانت المفاجأة عندما علم جلال الطالباني أن بغداد وأنقرة وقّعتا عام 1984 على اتفاقية ثنائية اسمها «المطاردة الساخنة» للكورد الخارجين عن سلطة البلدين (تركيا والعراق). وهذا دليل آخر على عدم مصداقية حكومة بغداد في حلّ القضية الكوردية في كوردستان العراق. وعادت مصلحة الحزبين الكورديين الرئيسيين إلى التحالف بعضهما مع بعض منذ بداية عام 1985 (29)، حيث تمكن عشرة آلاف من مقاتلي بيشمركة جلال الطالباني من السيطرة على الطرق والقرى الواقعة بين كركوك والسليمانية الممتدة حتى الحدود مع إيران، وتمكنت بيشمركة مسعود البارزاني من السيطرة على الطرق والقرى الواقعة من الحدود السورية إلى مدينة راوندوز. وهو ما يعني تجميد قوات الفيلق الأول العراقي في كركوك والفيلق الخامس في الموصل، وكان العراق بحاجة إلى كل فوج مشاة بعد احتلال الفاو من قبل القوات الإيرانية في شباط عام 1986.
وفي عرف الرئيس صدام حسين أن الخلافات بين سياسيي الوطن الواحد غير محرّمة، ولكن المحرّم في كل ملابسات القضية الكوردية أن يقف جلال الطالباني ومسعود البارزاني، وهما كورديان عراقيان، ضد بلدهما في ساعة امتحان. هذا رأي صدام حسين والقوميين العرب، وأعتقد أن على القيادات انتهاز الفرص لمشروعها القومي، وهذا ليس عيباً، علماً بأن حكومة بغداد، كما لاحظنا، قامت بهذه المناورات عدة مرات كما بيّناها أعلاه، وخاصة أن الشعب الكوردي وقيادته الكوردية لهم تجارب عديدة مع حكومة بغداد العربية في عدم التزامها بوعودها. وتعززت قناعات بغداد بعدم جدوى الحديث مع الحزبين الكورديين، وهذا من وجهة نظر الحكومة العراقية أيضاً، لغرض إخفاء كل المناورات التي قامت بها حكومة بغداد ونظام حزب البعث لتدمير الحركة والثورة الكوردية المطالبة بالحقوق القومية الكوردية المشروعة في كوردستان العراق. وكانت إيران تعلن للكورد وللعالمين العربي والإسلامي أن قواتها، بالتحالف مع الأكراد العراقيين، نجحت في السيطرة على (1400) كيلومتر مربع في كوردستان العراق. وكانت مدينة «حلبجة» على رأس المناطق الكوردية التي سيطر عليها الجيش الإيراني، وفسّرها حزب البعث بأنها خيانة له، فأفرغت حكومة بغداد كل الغضب على مدينة حلبجة الكوردية بقصفها بالكيمياوي في 16 آذار 1988. وفي الوقت نفسه مهّد ذلك للجيش العراقي استعادة مدينة الفاو في 17 نيسان 1988 خلال 36 ساعة من العمليات العسكرية المتواصلة ضد الجيش الإيراني.
أجزاء «المشكلة الكوردية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس