الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المشكلة الكوردية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

ثلاثون سنة من تعثر السياسة الكوردية 1946–1976

كانت الجيوش البريطانية لا تزال على أرض العراق وفلسطين وشرق الأردن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، ولكن بريطانيا لم تعد القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى، وقد اعتمدت على الولايات المتحدة الأمريكية، القائدة الجديدة للعالم، في إصلاح اقتصادها واقتصادات الدول الأوروبية المتضررة من الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي كانت لندن تتوسل إلى واشنطن لإسعاف اليونان وتركيا اقتصادياً عام 1947، كانت بريطانيا تخشى على الدولتين (اليونان وتركيا) من الانضمام إلى الشيوعية، وهما أهم بكثير لدى بريطانيا من صرف الوقت على القضية الكوردية والكورد في كوردستان.

وفي تصنيف لندن وواشنطن وبقية دول العالم الحر أن إفرازات دولة «مهاباد» الكوردية في كوردستان إيران أظهرت أن بعض الرموز الكوردية لها خيوط مع الشيوعية، إن لم تكن خلايا ومجموعات شيوعية منظمة تعمل على إيصال الحزب الشيوعي إلى سدة الحكم في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة النفطية منها. وعلّلت بريطانيا وصفها للكورد بأن القائد والزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني مُنح رتبة جنرال وهو على الأرض السوفيتية، ومثل هذه الجائزة لا تُعطى إلا لمن يقدم خدمة ومجهوداً كبيراً للدولة السوفيتية. وتعزز هذا التصور وهذه الصورة لدى واشنطن ولندن بوصول الزعيم الركن عبد الكريم قاسم إلى سدة السلطة والحكم في العراق في ثورة 14 تموز عام 1958؛ فهو، قبل أن يقرّب العناصر الشيوعية في مراكز السلطة، وجّه دعوة إلى الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني للعودة إلى العراق والمشاركة في السلطة السياسية. وتبع ذلك إهمال القضية الكوردية مدة خمس عشرة سنة (1946–1961) من قبل أصحاب القرار في لندن وواشنطن، وكانت واشنطن غير راغبة في تعقيد علاقاتها مع الملا مصطفى البارزاني، ربما إرضاءً لعيون الشاه «محمد رضا بهلوي» الذي تجهزه واشنطن بالأسلحة المتطورة، وهو حارس لمصالحها في المنطقة، وكان يقول إن الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني محكوم بالإعدام، وهو شيوعي، ولا تعامل معه. وثبت حقيقةً أنه لم يكن شيوعياً أبداً، بل كان رجل دين (ملا)، ولا كان عبد الكريم قاسم شيوعياً.

تنصل عبد الكريم قاسم من الحقوق الدستورية للكورد وفق دستور عام 1958 الذي نص على «أن العرب والكورد شركاء في الوطن»، وزادت شكوك الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني في أن عبد الكريم قاسم يريد منه تصفية العشائر الكوردية التي لا تناصر سياسته المتلونة، مرة مع القوميين العرب وأخرى مع الشيوعيين، كما حدث في مهرجان أنصار السلام في مدينة الموصل في 1 آذار 1959، وحركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، آمر اللواء الخامس وموقع الموصل، ضد الزعيم الركن عبد الكريم قاسم في الشهر ذاته، آذار 1959. وكانت نتيجتها إعدام (21) ضابطاً من أهل الموصل، وكانت بمثابة ضربة للقومية العربية وقائدها جمال عبد الناصر، الذي كثيراً ما اختلف مع «نيكيتا خروشوف» الرئيس السوفيتي حول دور الأحزاب الشيوعية وصراعها مع القوميين العرب. وبسبب الأخطاء التي ارتكبها عبد الكريم قاسم في فتنة الكورد والتركمان في كركوك، وهروب الشيخ رشيد لولان، زعيم عشيرة برادوست، وأتباعه إلى كوردستان إيران، كانت تركيا غاضبة من البطش الذي أصاب التركمان (3). فأعطى ذلك لبريطانيا والولايات المتحدة المبرر لدعوة الموقعين على حلف بغداد 1955 (تركيا وإيران وباكستان)، دون العراق الذي انسحب منه عام 1959، لدراسة الموقف في العراق وتقييمه، بعد التشقق الذي أصاب المجتمع العراقي. وزادت شكوك عبد الكريم قاسم في الكورد عندما اجتمع السفير البريطاني بالملا مصطفى البارزاني في بغداد في بداية عام 1960، واعتبر عبد الكريم قاسم ذلك تآمراً على سلطته ووجوده. ومع الغضب الذي أبداه الملا مصطفى البارزاني من تصرف عبد الكريم قاسم، ووصْف عبد الكريم قاسم اسم الكورد بأن معناه «المحاربون الشجعان» في الوصف الفارسي، وأنه إنما كان لقباً فارسياً أخذه الكورد، وجدت إيران في ذلك فرصة لاعتبار الكورد من أصول فارسية. وكان ذلك قبل أن يتوجه الملا مصطفى البارزاني إلى موسكو عام 1960 للضغط على عبد الكريم قاسم، وهو ما رفضه «نيكيتا خروشوف» الرئيس السوفيتي في ذلك الوقت.

والحركة الكوردية، ككل حركة ثورية، باتت محاصرة من تركيا وإيران والعراق، فكان على الزعيم والقائد الكوردي التاريخي الملا مصطفى البارزاني أن يتصرف هو وأفراد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قبل أن يصله المحامي «عمر مصطفى» الملقب بعمر دبابة ليقول له إن طهران مستعدة للتعاون معه ضد عبد الكريم قاسم بصورة سرية (4). وقد فتحت له منفذاً على العالم الخارجي، رغم العلاقات بين طهران وواشنطن وتل أبيب التي بدأت وتطورت منذ عام 1950. وبدت إيران، ومعها إسرائيل، على سرور تام وهما تراقبان المعارك الدائرة بين قوات البيشمركة الكوردية وقوات الجيش العراقي عام 1961، وقد شملت كل بقعة من أرض كوردستان البالغة (72000 كم²)، من مدينة «خانقين» على حدود إيران حتى مدينة «زاخو» على الحدود مع تركيا. ويعني ذلك أن الملا مصطفى البارزاني وقواته (البيشمركة) سيحتاجون عاجلاً أم آجلاً إلى معونة إيران، وربما واشنطن في قادم الزمن، قبل أن يتسلم شاه إيران محمد رضا بهلوي توجيه واشنطن لمعاونة الملا مصطفى البارزاني ضد عبد الكريم قاسم. وقد تأكدت واشنطن أن الملا مصطفى البارزاني ليس شيوعياً، بل هو زعيم قومي للشعب الكوردي، يريد لقوميته الكوردية حقوقاً في القرار السياسي في الدولة لم يفهمها الحكام السابقون في الدولة العثمانية والفارسية والعربية (بغداد، دمشق)، رغم أن هناك (25) مليون كوردي في كوردستان تركيا، و(12) مليون كوردي في كوردستان إيران، و(6) ملايين كوردي في كوردستان العراق، وما يقارب مليوناً ونصف مليون كوردي في كوردستان سورية. والجميع يعيشون على حوض جغرافي غير مجزأ (كوردستان الكبرى)، ويتكلمون اللغة الكوردية، وهي لغة أصلية غير اللغة الفارسية ولا التركية ولا العربية. وبريطانيا أوجدت بعد الحرب العالمية الأولى حدوداً لدول صغيرة لا تقارب ربع مساحة أيٍّ من كوردستان الجنوبية أو الشمالية أو الشرقية، ولا تقارَن بها. ومع هذا فلا نجد حرجاً في الحديث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها كما أعلنه الرئيس الأمريكي ويلسون عام 1918 (المبادئ الأربعة عشر). ذلك هو الحديث الذي أثار جدلاً في أوساط حكومة عبد الكريم قاسم، ووزير خارجيته «هاشم جواد» يريد من السفير البريطاني معرفة ما دار بينه وبين الزعيم والقائد للشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني، قبل أن يصل حزب البعث إلى السلطة في انقلاب ضد عبد الكريم قاسم في 8 شباط عام 1963، لأول مرة في تاريخه منذ تأسيسه عام 1947. وشعر كل الناس، وخاصة في العاصمة بغداد، أن رموز السلطة البعثية، ومنهم القيادي البعثي «علي صالح السعدي» الكوردي الأصل، يتسابقون لتولي كراسي الحكم. وعندما طُرد علي صالح السعدي إلى خارج العراق قال: «إنهم وصلوا إلى السلطة على عربة قطار أمريكي». واستثمرها الرئيس العربي القومي العقيد الركن عبد السلام محمد عارف لتعويض خسارته في ثورة 14 تموز 1958، وهو الذي كان من المنفذين الرئيسيين للثورة؛ لأن فوجه وصل بغداد واحتل الإذاعة وقصر الرحاب قبل وصول عبد الكريم قاسم (الأقدم منه عسكرياً) أو اللواء التاسع عشر (بسبب أمر الحركات الصادر من وزارة الدفاع بأن تكون حركة اللواء العشرين قبل اللواء التاسع عشر). وكان في عقل الرئيس القومي العربي عبد السلام عارف، الذي يجد في جمال عبد الناصر عنواناً لعزة العرب، أن يجد حلاً للقضية الكوردية دون الأصابع الأجنبية. وعقد أول اجتماع جدي مع الوفد الكوردي الذي رأسه «جلال الطالباني»، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، في العاشر من شباط 1964. ومع توقف نزيف الدم الكوردي-العربي فترة من الزمن، اعترض جلال الطالباني، ومعه صهره «إبراهيم أحمد»، على الاتفاق مع حكومة عبد السلام عارف لكونه لم يشر صراحة إلى الحكم الذاتي لكوردستان العراق، وكان ذلك صحيحاً. ولم يكن العسكري عبد السلام عارف ولا غيره من الوزراء يستطيع الإدلاء بصوت جهوري بالحكم الذاتي للكورد في كوردستان العراق، خشية أن تُلصق بهم كلمة «الخيانة» وتقسيم العراق على يد الرئيس عبد السلام عارف، الذي كابد السجن ثلاث سنوات في زمن عبد الكريم قاسم وهو يردّد شعار وحدة العرب لا التقسيم. وإذا ما أُريد للمباحثات أن تستمر بين الطرفين دون تدخل خارجي، فقد تثمر في قادم الزمن حلولاً ليس فيها انفصال على الأقل، وهو ما يكرهه كل القوميين العرب، وليس عبد السلام عارف وحده.

وربما هو ما لا ينسجم مع تطلعات القوميتين التركية والإيرانية (الفارسية) اللتين تجدان في أي صيغة من الحكم الذاتي في كوردستان العراق تهديداً لأمن بلديهما. وهي نقطة مركزية حاول عبد السلام عارف أن يطرحها مع الرئيس جمال عبد الناصر التواق إلى حل للقضية الكوردية دون مزيد من إراقة الدماء بين المسلمين. وكان الرئيس الجزائري أحمد بن بلة والعقيد معمر القذافي، المؤيدان للكورد، يريان أن الشعب الكوردي له الحق في الحكم الذاتي وحق تقرير المصير ضمن العراق الواحد.

أثار عرب الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، الموضوع مع الرئيس عبد السلام عارف، وأشاروا عليه من طرف خفي: هل جمال عبد الناصر، الذي أرسل (50.000) جندي إلى اليمن عام 1962 لمقاتلة الإمام «البدر»، متيقن أنه لا يريد تقسيم اليمن إلى شمالي وجنوبي؟ وفهمنا، والقول للسعودية، أن جمال عبد الناصر، لأسباب تتعلق بريادة العالم العربي، قد يقسم العراق إلى كوردي وعربي.

أما إيران فأثارت موضوعاً بالغ الحساسية بين أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مفاده أن القومية العربية بوعائها الكبير يمكن أن تصهر القومية الكوردية في أي اتفاق تتنازل فيه البيشمركة عن السلاح.

ولم يكن الكلام صحيحاً ولا مخلصاً إلا بالقدر الذي يتيح لإيران الشاه محمد رضا بهلوي استخدام الكورد وسلاحهم ورقة ضغط على حكومة بغداد لتحقيق مكاسب حدودية لإيران، وخاصة في شط العرب. وقد أفصح مدير المخابرات الإيرانية الجنرال «نعمة الله نصيري» (5) لنظيره الإسرائيلي عن أن استراتيجية الشاه محمد رضا بهلوي هي «أن تنشب حروب متواصلة بين إسرائيل والعرب بصورة تجعل الجيوش العربية منشغلة ومستنزفة، ولا تدع لها مجالاً للالتفات إليها أو العمل ضدها لجهة احتلال خوزستان (مناطق النفط الإيرانية)، رغم أن الإيرانيين كانوا على استعداد لمواجهة جميع الاحتمالات بما فيها احتمال الحرب مع العراق».

حرب 5 حزيران 1967

وأجد، عندما نأتي على حرب الخامس من حزيران بين العرب وإسرائيل عام 1967، كيف ساهمت إيران بدور خفي في توريط العرب في حرب هم غير مستعدين لها!

وهنا يُحتمل أن يثار سؤال من قبل الحضور حول دور الموساد، وزيارة «ديفيد كمحي» مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى كوردستان العراق ولقائه بالملا مصطفى البارزاني في منطقة بارزان، وتتابع زيارات أخرى متبادلة بين الطرفين (1964–1975) (6)، وهو التاريخ الذي انفصل فيه جلال الطالباني (7) عن الملا مصطفى البارزاني سياسياً. والجواب أن العلاقة بين بغداد والملا مصطفى البارزاني لم تكن واضحة وصادقة، وليس فيها ما يوحي بتنازل بغداد عن كركوك (المدينة النفطية الكوردية) لتكون ضمن إقليم كوردستان. واعتقد الملا مصطفى البارزاني أن وجود النفط لديه سيجذب واشنطن ولندن لممارسة ضغط على الأطراف الإقليمية (إيران وتركيا)، والأخيرة عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، لإنشاء دولة كوردية تحت قيادته. كما أن النفط سيتيح له الإنفاق على الشعب الكوردي بما يؤمن حاجاته المعيشية وازدهاره. ولكن لما كان الملا مصطفى البارزاني وشعبه الكوردي محصورين دون اتفاق مع تركيا والعراق، ومنفذه الوحيد إيران، فقد أنشأ علاقة مع إسرائيل، وهي علاقة المضطر، علماً بأنها كانت علاقة أو مساعدة محدودة. وهي أشبه ما تكون بالفتوى التي تبيح للإنسان «أكل الميتة والدم ولحم الخنزير» لأنه يموت بدونها. تلك العلاقة استثمرها الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي وغذّتها إسرائيل لإنجاز هدفين: الأول استنزاف قدرات الجيش العراقي ومنعه أو تحجيمه إلى الحد الذي لا يمكّنه من تقديم دعم عسكري لسورية والأردن في أي حرب قادمة. والثاني إحباط الكورد في أي مشروع للحكم الذاتي يمكن أن يجذب أكراد كوردستان إيران إلى الثورة من أجله.

أما إسرائيل، ولكي تفك العزلة العربية والإسلامية عنها، فإن ما يضعف العراق، وعدم اهتمامه بمعاونة سورية أو الأردن في أي حرب مقبلة، واحتلال أراضٍ عربية أخرى، سيجعل مشروع (بن غوريون) رئيس وزراء إسرائيل لعام 1954 قابلاً للتطور (8). وهو ما عملت عليه بريطانيا التي وجدت أن أي تقارب بين مصر والعراق هو مشروع لجذب الآخرين من العرب لإنجاز وحدة يكون فيها القرار السياسي والعسكري موحداً، وهذا ما لا تقبل به لندن وواشنطن وطهران وتل أبيب وأنقرة، وخاصة شاه إيران محمد رضا بهلوي (البهائي) الذي تتلمذ منذ صباه في سويسرا على يد البريطاني «براون» الذي لم يتركه وحيداً في اتخاذ القرارات السياسية.

وجاءت فرصة العمر لشعبنا الكوردي، وللكورد العراقيين في كوردستان العراق خاصة، لبلوغ مرحلة الحكم الذاتي حين كلّف الرئيس العراقي عبد السلام عارف المدنيَّ الدكتور عبد الرحمن البزاز بتشكيل حكومة عراقية هدفها إنهاء نزيف الدم في كوردستان العراق بين العرب والكورد. ولغرض إشعار الكورد بالمهمة الموكلة إليه مهّد الدكتور عبد الرحمن البزاز وعجّل عام 1965 بحلّ المجلس الوطني لقيادة الثورة في العراق، وأعاد الترخيص للأحزاب السياسية، وإجراء الانتخابات، ليكون شعب العراق بعربه وكورده على خط واحد. كما وعد بوضع حد لعمليات الاعتقال وإطلاق سراح المسجونين الكورد، قبل أن يعلن لشعب العراق بيان 29 حزيران 1966 المؤلف من اثنتي عشرة نقطة. وفيه مسحة قانونية وإنسانية في أن الكورد، وهم القومية الثانية في البلاد (العراق)، يتمتعون بحقوق قومية كوردية في اللغة والملبس والدراسة والتعمير والإدارة، دون منغصات من حكومة المركز (بغداد).

ولعل ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن البزاز في مشروعه لإنهاء القتال هو عدم مشاركة الضباط القوميين العرب في الحياة السياسية، وهي نقطة مثيرة للجدل، ما دام الحال قد بقي للضباط القوميين العرب منذ ثورة 14 تموز عام 1958.

وكان تبريره (الدكتور عبد الرحمن البزاز)، عندما سأل عن الضباط الذين يحيطون بالرئيس عبد السلام عارف، أن شرح لهم أن واجب الجيش والأجهزة الأمنية دور مهني بوصفهم حماة لحدود البلاد وضابطين للأمن في الداخل. وفي هذه النقطة أراد أن يخصص جزءاً من الميزانية المخصصة والمصروفة لوزارة الدفاع لبناء مشاريع صناعية وتطوير الزراعة دون الاعتماد على عائدات النفط، مع الأخذ بنظر الاعتبار نفقات القوات المسلحة العراقية المرابطة على الحدود العراقية-الأردنية، وعمليات التأميم التي طالت المصارف (9)، والتي أوقفها بعد هروب رأس المال العراقي إلى خارج العراق.

وتذكّر الدكتور عبد الرحمن البزاز، وهو سفير للعراق في بريطانيا قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، أن الزعيم الكوردي جلال الطالباني كثيراً ما ردّد على شاشة BBC عبارة الديكتاتورية العسكرية أو الحكم العشائري، في إشارة إلى أن عشيرة (الجميلات) التي ينتمي إليها الرئيس عبد السلام عارف في مراكز مهمة ومناصب في الحكم. وفي عقل البزاز أن الحجة لاستمرار القتال في كوردستان العراق هي عدم الاعتراف بالحقوق القومية للكورد. وإذا كان للكورد في كوردستان العراق زعامة تريد الحياة الحرة الكريمة للشعب الكوردي، فليس هناك من الجيران (جيران العراق) من يعطيهم ثلاث نقاط، وليس اثنتي عشرة نقطة، وهذه النقاط هي التي تؤسس لحكم ذاتي في كوردستان العراق دون تدخل يد أجنبية في شرعية هذه الحقوق وإنسانيتها.

اعتقد شاه إيران محمد رضا بهلوي أن الرئيس العراقي القومي عبد السلام عارف مثّل أحد أوجه التحدي لشخصه، وهو ملك الملوك (شاهنشاه)؛ فعبد السلام عارف هو من مجّد في خطبه الدكتور محمد مصدق، رئيس وزراء إيران عام 1953، بعد تأميم النفط الإيراني، كما أنه هو من طرد السفير الإيراني أثناء تقديمه أوراق اعتماده في القصر الجمهوري. ثم إن تطبيق بيان 29 حزيران عام 1966 لكورد كوردستان العراق يعني في نظر الشاه أن عبد السلام عارف يريد إشعال ثورة كوردية ضده في كوردستان إيران. وتتبّع جهاز السافاك الإيراني الرئيس عبد السلام عارف وهو يتنقل بطائرة هليكوبتر حطّت عدة مرات قبل الوصول إلى محافظة البصرة، وسقط الرئيس العراقي عبد السلام عارف صريعاً في الثالث عشر من نيسان 1966 (10).

وبدل ذهاب الكورد في كوردستان العراق إلى حكومة بغداد للتشبث بما أعلنه الدكتور عبد الرحمن البزاز (بيان 29 حزيران 1966)، لأنه طريق يفضي إلى السلام وإلى الحكم الذاتي مستقبلاً في كوردستان العراق، ولأن هذا البيان يهيئ القاعدة للانطلاق بمطالب الكورد متممة، كان الطرف الإيراني يقنع رموز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بأن مقتل الرئيس عبد السلام عارف يوحي بصراعات داخلية في بغداد، وبأن الدكتور عبد الرحمن البزاز لا يُنتظر منه، ولا يستطيع، مخالفة الضباط القوميين المتسارعين إلى سدة الحكم، ومنهم وزير الدفاع اللواء الركن عبد العزيز العقيلي الذي قاد الحملة ضدكم (أيها الكورد) في كوردستان العراق عام 1964. وفي لحظة كان الملا مصطفى البارزاني يواجه فيها موقفاً صعباً من جراء شح الغذاء والدواء لمقاتليه البيشمركة حول حوض راوندوز في نيسان 1966، قال ممثل السافاك الإيراني في كوردستان إن اتفاق الحكومة الإيرانية مع الحركة الكوردية في كوردستان العراق هو «لقتال الجيش العراقي». وكثيراً ما استُخدمت ورقة الضغط ضد الزعيم والقائد للشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني بعدم استقبال الجرحى الكورد (البيشمركة) في المستشفيات الإيرانية، وبأن لإيران الحق في غلق الحدود إذا ما استمر الملا مصطفى البارزاني في الإصغاء لحكومة بغداد والرئيس العراقي الجديد عبد الرحمن محمد عارف، شقيق المغدور عبد السلام محمد عارف، دون استشارتها.

الرئيس عبد الرحمن عارف (هادئ الطبع طيب القلب)، وخلال زيارة له لفرنسا عام 1967 (قبل حرب 5 حزيران 1967) لطلب السلاح الفرنسي للجيش العراقي، عرّج أثناء العودة على إيران، وخلال لقائه بالشاه محمد رضا بهلوي ملك الملوك (شاهنشاه) شكا له من الأوضاع الداخلية في العراق، وتسابق الضباط القوميين العرب على كراسي الحكم، ومحنة المصاريف الباهظة التي يتحملها العراق من جراء القتال في كوردستان العراق. وكان في عقل الرئيس العراقي أن ملك الملوك (الشاهنشاه) الإيراني مسلم يقدّر الجيرة، وأنه سيسأله عن حاجات بلده لمعاونته على تذليلها. ولكن الشاه محمد رضا بهلوي سرعان ما قابل السفير الأمريكي في طهران ليشعره بأن الرئيس الجديد للعراق قد باح له بما يعانيه، وبأن انقلاباً عسكرياً في العراق من السهولة بمكان لخلق اضطرابات جديدة تمنع أي توجه للحركة الكوردية إلى بغداد. كما نقل مثل هذه المعلومات إلى الملحق العسكري الإسرائيلي في طهران «يعقوب نمرودي»، الذي أسس علاقة شخصية متينة مع الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي مدة ثلاث عشرة سنة. أما قصة نكسة العرب في الخامس من حزيران عام 1967، وقد وعدناكم بالكلام عنها، ففي المؤامرة التي صاغتها دول القرار الكبرى مستعينة باللاعب الإيراني محمد رضا خان بهلوي لأن تفوز إسرائيل في هذه الحرب (5 حزيران 1967)، وجعل العرب يتسكعون على أبواب الأمم المتحدة لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا (11).


أجزاء «المشكلة الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←