الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
من يورّد السلاح يشارك في القرار السياسي
بعد ضياع فلسطين عام 1948، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وجد العرب في الأردن وسورية والعراق ومصر أنهم أمام مسؤولية تاريخية لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني. وكانت مصر على وجه الخصوص، باعتبارها أكبر دولة عربية ويقودها الرئيس القومي العربي جمال عبد الناصر، ترى أن الحصول على السلاح المتطور من السوفيت سيجعله في مقدمة الزعماء التاريخيين لمنافسة الإسرائيليين وكبح جماحهم في التوسع. واقتنعت كل من سورية والعراق بمسعى جمال عبد الناصر، حتى وإن كان الثمن فيه كبحاً لرجال الدين الذين لا يريدون للشيوعية الملحدة أن تنمو وتزدهر في ديارهم (دولهم)، ثمناً للسلاح المورّد من روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق). فأين هم، أي علماء الدين، تحت وطأة الهزيمة المرّة لسبعة جيوش عربية ضاعت فيها أراضٍ عربية أخرى؟ وصار الحديث القومي العربي أن السوفيت، بوصفهم أصدقاء للعرب، ليس لديهم ذلك التاريخ في التآمر على وحدة العرب، رغم الحروب الروسية القيصرية ضد الدولة العثمانية المسلمة التي استمرت منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى.
وتبعاً للسلاح المورّد إلى الدول العربية ومصدره سوفيتي، والسلاح المورّد إلى إسرائيل وإيران ومصدره أمريكي وبريطاني وفرنسي، فإن استخدامه في أي حرب قادمة يوجب على الأطراف المستفيدة من هذا السلاح أن تستنير برأي الدول المصنعة للسلاح أو تستشيرها عندما يكون القرار السياسي ضرورياً.
وتجد دول مصر وسورية والعراق، التي استقبلت الأحزاب الشيوعية على أراضيها، أنها مجبرة على إتاحة حرية الحركة لجهاز المخابرات السوفيتي على كامل حدود الدولة الجغرافية، وأنها جزء من الحرب الباردة التي يخوضها السوفيت ضد الإمبريالية الأمريكية (12)، وإذا ما أصبحت هذه الحرب ساخنة ضد إسرائيل أو إيران فهي تخوضها بالنيابة عنهم، دون ذهاب واشنطن وموسكو إلى السلاح النووي المدمر.
مصر، الدولة التي يعوّل عليها العرب في أي حرب مقبلة مع إسرائيل، مدينة للسوفيت الذين كسروا (اتفاقيات) توريد السلاح إليها عام 1957، كما هي مدينة لهم بالضغط الذي مارسه «نيكيتا خروشوف» الرئيس السوفيتي الأسبق على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لسحب قواتهم من شرق قناة السويس عام 1956. وكان جمال عبد الناصر ممتناً لجعل السفير السوفيتي في القاهرة على اطلاع مباشر مع ممثل الضباط الأحرار العراقيين «محمد صديق شنشل» الذي وصل القاهرة بداية عام 1958 لمناقشة سبل نجاح ثورة 14 تموز 1958 في العراق ضد النظام الملكي الموالي لبريطانيا، وتركيا وإيران لا تزالان في حلف بغداد. أما إيران وإسرائيل، اللتان أقامتا علاقات تعاون أمني بينهما منذ عام 1950، فمعنيتان بدرجة مختلفة بما يدور من نشاط (شيوعي-مخابراتي) في جوارهما.
وتجد الولايات المتحدة وبريطانيا أن أمن إسرائيل فوق كل اعتبار في علاقتهما مع إيران أو دول الخليج، ومنها المملكة العربية السعودية. وينظر الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي إلى نفسه على أنه مدين لواشنطن ولندن لدورهما وضغطهما المتواصل على الرئيس السوفيتي الأسبق «ستالين» لسحب القوات الروسية من شمال إيران عام 1946، وإليهما يعود السبب في طرد حزب توده الشيوعي الإيراني وإحباط دولة (جمهورية) مهاباد الكوردية عام 1946. كما هو مدين للدولتين في إحباط انقلاب «محمد مصدق» رئيس الوزراء الإيراني عام 1953.
وعلى صعيد الأمن الداخلي فقد كان الشاه الإيراني شاكراً جداً لجهاز الموساد الإسرائيلي الذي درّب جهاز السافاك الإيراني، وهو مصدر قوة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي لمواجهة المناوئين له، وسبب لبقائه على عرش إيران منذ عام 1941. وربما تذكّر جهاز الموساد أن مشروع تهجير اليهود من العراق عبر كوردستان العراق ما كان له أن ينجح لولا تدخل السافاك الإيراني فيه.
أما في سورية فلم يكن شكري القوتلي، الرئيس السوري، على خلاف مع السوفيت، بل يمكن القول إن علاقة السوفيت بسورية كانت الأقوى من بين علاقاتهم بكل الدول العربية الأخرى، بما فيها مصر، رغم أن الأسلحة السوفيتية المورّدة إلى سورية لم تُدفع أثمانها نقداً.
وربما هناك من يعلل الأسباب وراء تلك العلاقة (السوفيتية-السورية) بأن الحكم في سورية (حكومة سورية) أعطى زعيم الحزب الشيوعي السوري «خالد بكداش» حرية في العمل وحرية في التصريح وإبداء الرأي أكثر من أي حزب شيوعي في أي بلد عربي آخر (13). ونجد أن جهاز المخابرات السوري مدين لجهاز المخابرات السوفيتي KGB في تدريب عناصره وإعدادهم، وقد أوصلوهم إلى خلايا الإخوان المسلمين في مدن سورية: حمص وحماة وحلب. وقد لا يخفى على كثير من الحضور كيف كُشف عميل الموساد «كامل أمين ثابت»، المعروف بكوهين، الذي استأجر شقة مطلّة على رئاسة الأركان السورية عام 1965، وهو الذي تعرّف بصورة تفصيلية على الدفاعات السورية في هضبة الجولان بصحبة ابن أخي رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين.
وبإلقاء القبض عليه (كوهين/كامل أمين ثابت) وإعدامه، وهروب الطيار العراقي منير روفا بطائرة ميغ-21 إلى إسرائيل (14)، اتضح لأي حاكم سوري ألا يُغضب السوفيت (الحليف الصديق) مهما كانت النعوت التي ألصقتها أجهزة الدعاية الغربية-الأمريكية بحكام سورية؛ فإذا ما خربت العلاقات بين موسكو ودمشق فلا دولة كبرى يمكن أن تقيم علاقة رصينة مع حزب البعث الحاكم في سورية والعراق، الذي كثيراً ما أثار المشاكل مع إسرائيل وأحرج الأصدقاء.
الموقف العربي
بدأ الموقف الدولي والإقليمي والعربي يتحسس أن في الأفق ما يشير إلى حرب قادمة، وأصحاب القرار السياسي الذين يتداولون للتشاور والمشاركة فيه هم واشنطن ولندن وإسرائيل، ومعهم إيران بصفة لاعب محلي يحركه الموساد الإسرائيلي باتجاه العرب، وخاصة جمال عبد الناصر. ولأجل وضع استراتيجية الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي (15) تجاه العرب، التي باح بها الجنرال نعمة الله نصيري لنظيره الإسرائيلي، موضع التنفيذ، فقد طلب من السافاك أواخر عام 1966 تمرير معلومات إلى جهاز المخابرات السوفيتي مفادها أن إسرائيل تعدّ العدة للهجوم على سورية (16). وعندما حلّ شهر نيسان 1967 تمكنت الطائرات الإسرائيلية في معركة جوية من إسقاط ست طائرات ميغ-21 سورية، وهذه الطائرات هي العمود الفقري لسلاح الجو المصري والعراقي (17).
هرع السوريون على الفور إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليقف مع سورية في صراعها ضد إسرائيل، وقد وفّروا للرئيس المصري معلومات صادرة عن جهاز المخابرات السوفيتي بأن إسرائيل ستهاجم سورية، دون علم الوفد السوري أن مصدر المعلومات هو جهاز السافاك الإيراني. وبالغ السوريون في البكاء والتودد إلى الرئيس جمال عبد الناصر (بناءً على اتفاق مع الضباط السوريين الأربعة) (18) بأن إسرائيل تحشد دباباتها في مرتفعات الجليل. ووصل مبعوث سوفيتي إلى القاهرة في 13 أيار/مايو 1967 ليؤكد الحشود الإسرائيلية، وقال إن إسرائيل حشدت (11) لواءً في الجليل، بينما لم يكن هناك في الواقع سوى (12) سرية مشاة.
وانزلق جمال عبد الناصر إلى الحرب وهو غير جاهز لها، عندما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة (يو ثانت) سحب قوات الطوارئ من غزة في 18 أيار 1967، وأغلق مضائق تيران. ودُهش الملك الحسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، من القرار المصري (قرار جمال عبد الناصر)، وأدرك أن الحرب مع إسرائيل أصبحت حتمية، وأن العواطف القومية العربية التي روجتها صحف مصر وإذاعة صوت العرب باتت هي التي تقرر الذهاب إلى الحرب، لا تقدير الموقف العسكري والسياسي والاقتصادي وعواقب ذلك على العرب.
القوات الأردنية
كانت القوات الأردنية جزءاً من القيادة العربية المشتركة (19) بقيادة الفريق علي علي عامر من مصر، لكن الاتصالات بين قادة البلدين (مصر والأردن) لم تكن ودية، وانعكس ذلك على العلاقات العسكرية بينهما. ولحراجة موقف الأردن من أي حرب قادمة على مستقبل البلاد، وهو يعاني من قلة الموارد الاقتصادية، فقد أرسل الملك الأردني الفريق عامر خماش، رئيس الأركان الأردني، إلى القاهرة للتشاور مع الفريق علي علي عامر، ولم يتمكن من مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر. ووجد، في تقرير كتبه للملك حسين بن طلال، أن لا أدوار ولا خطط معدّة للحرب مع إسرائيل. كما عرف أن السوريين ليست لديهم رغبة في التعاون مع الأردن، وقد قُطعت العلاقات بين عمّان ودمشق في 21 أيار 1967 على أثر انفجار سيارة مفخخة في منطقة الرمثا الأردنية (20)، وأعيدت العلاقات بينهما في 4 حزيران 1967، قبل يوم من بدء الحرب (حرب 5 حزيران 1967).
أمريكا
ريتشارد ميرفي، الدبلوماسي الأمريكي في سفارة بلاده في عمّان، الذي أصبح فيما بعد أحد مساعدي وزير الخارجية الأمريكي، هو من عمل، على ضوء توجيه الرئيس الأمريكي «ليندون جونسون»، على حثّ السياسيين الأردنيين «سليمان النابلسي، وعبد المنعم الرفاعي (21)، وعاكف الفايز، وحازم نسيبة» على إقناع الملك الأردني حسين بن طلال بالتحالف مع مصر في الحرب (حرب 5 حزيران 1967).
بريطانيا
الوزير البريطاني «أنتوني ناتنغ» خرج، خلال لقائه بالرئيس جمال عبد الناصر، بقناعة أن جمال عبد الناصر يستطيع تجاوز العاصفة إذا ما توقفت مصر عن استفزاز إسرائيل، وأن إسرائيل تحتاج إلى ثمانية أشهر على الأقل لشن هجوم على مصر، وأن مصر قادرة بسلاحها الجوي (250 طائرة مقاتلة) وفرق المشاة السبع في سيناء على صد أي قوة إسرائيلية من جهة الشرق. وكان الضغط الشعبي الفلسطيني إلى جانب خوض الحرب قوياً إلى درجة أن الملك الأردني أدرك بحسّه وخبرته السياسية أن عدم اشتراك الأردن في الحرب (5 حزيران 1967) قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية في الأردن (22).
الأردن
وافق الملك الأردني حسين بن طلال على دخول قوات من مصر والعراق وسورية والسعودية إلى الأردن من أجل تقوية الجبهة الأردنية، على أثر توقيع معاهدة الدفاع الأردنية المصرية في 30 أيار/مايو عام 1967.
العراق
وصل اللواء الآلي (الميكانيكي) العراقي الثامن من الفرقة المدرعة الثالثة إلى قاعدة H3 على الحدود العراقية-الأردنية في الثاني من حزيران 1967، ووصلت طلائع اللواء الثامن الآلي إلى المفرق يوم 5 حزيران 1967، حيث أُمرت بالتوجه إلى المثلث المصري في وادي الأردن، ثم إلى أريحا، وتوجه فوجان آليان (ميكانيكيان) من اللواء الثامن الآلي إلى مدينة البيرة في منطقة رام الله فجر يوم 6 حزيران 1967. وتعرض اللواء الآلي الثامن من الفرقة المدرعة الثالثة العراقية لخسائر في الأرواح والآليات من جراء قصف طائرات الميراج الإسرائيلية خلال عملية التنقل.
مصر
خسر المصريون في الضربة الجوية الإسرائيلية صباح الخامس من حزيران 1967 (190) طائرة (23)، وهي ضربة مباغتة طارت فيها طائرات العدو الإسرائيلي فوق البحر الأبيض المتوسط وهاجمت المطارات المصرية من جهة الغرب، بينما كان المصريون ينتظرونها من جهة الشرق. وفي الوقت الذي كان الأردن والعراق يجهلان ما حلّ بسلاح الجو المصري، كان الروس قد أعلموا القيادة السورية بذلك، ولذلك لم يكن الجيش السوري متحمساً للاشتراك في الحرب (5 حزيران 1967). وتبيّن أن خسائر العراق، وهو دولة عمق وليس دولة مواجهة، كانت أكبر من خسارة القوات السورية في الحرب.
هذا الكلام الذي توسعنا فيه عن حرب 5 حزيران 1967 إنما أردنا به إشعار الآخرين بأن لا علاقة للكورد بإسرائيل وإيران، ولم يكن للأكراد وزن لا في القرارات العربية ولا في القرارات الدولية. ولكن كثيراً ما زُيّفت الحقائق عن دور كوردي نُسب إليه الفضل في نكسة العرب في حرب 5 حزيران 1967.
أجزاء «المشكلة الكوردية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس