الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

قانون الحكم الذاتي (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تضمّن القانون رقم 33 الصادر في 11 آذار/مارس 1974، تطبيقاً لبيان 11 آذار/مارس 1970، ما يلي (1):

المادة الأولى:

أ. تتمتع منطقة كوردستان بالاستقلال الذاتي، ويُرمز إلى هذه المنطقة في القانون الحالي بلفظة “منطقة”.

ب. حدود المنطقة هي القطاعات التي تسكنها أغلبية من الكورد، وسوف يحدد التعداد حدود المنطقة بما يتفق وتصريح 11 آذار/مارس، وتُعتبر نتيجة إحصاءات سنة 1957 أساس تحديد الطبيعة العرقية للأغلبية المطلقة لساكني المناطق التي سيجري فيها التعداد.

ج. تشكّل المنطقة وحدة إدارية موحدة، ولها الشخصية المعنوية، وتتمتع بالاستقلال الذاتي في إطار الوحدة التشريعية والسياسية والاقتصادية للجمهورية العراقية، والأقسام الإدارية فيها تتفق ونصوص قانون المحافظات، مع الأخذ في الاعتبار القانون الحالي.

د. إن المنطقة جزء لا يتجزأ من الأراضي العراقية، وشعبها لا يتجزأ عن الشعب العراقي.

هـ. تُعتبر “أربيل” المركز الإداري للمنطقة المتمتعة بالاستقلال الذاتي.

و. أجهزة نظام الحكم الذاتي جزء من أجهزة الجمهورية العراقية.

وقد قبلت الحكومة العراقية فكرة الإدارة المشتركة لمقاطعة كركوك وضواحي خانقين وسنجار، ثم اقترحت إجراء التعداد في وقت لاحق دون أن تحدد تاريخه، ولكنها لم تنفذ شيئاً من الإدارة المشتركة في المناطق المتنازع عليها (2).

وأصبحت الجمهورية العراقية، بناءً على اتفاق 11 آذار/مارس 1970 وقانون الحكم الذاتي، تضم 16 محافظة، أربع منها في كوردستان هي: السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك، وتكوّن المحافظات الثلاث الأولى “منطقة الحكم الذاتي”. أما دهوك فإن نصفها يقع في كوردستان، ويشمل الموصل مع مناطق كوردية هي أكرا والشيخان وسنجار، ومنطقة الأغلبية الكوردية في زمّار (تلعفر، تل كوجك، فيشخابور) الواقعة شمال غرب الموصل، وضُمّت كلها إلى دهوك (بادينان). وكان إجمالي سكان منطقة الحكم الذاتي في 31/5/1975 نحو 1.385.000 نسمة، من مجموع سكان كوردستان العراق البالغ 2.800.000 نسمة في ذلك التاريخ.

بيد أن الأكراد البارزانيين والحزب الديمقراطي الكوردستاني رفضوا قانون 11 آذار/مارس 1974. وكانت الحكومة العراقية قد منحت الملا مصطفى البارزاني مهلة خمسة عشر يوماً لقبول قانون الحكم الذاتي رقم 33 لسنة 1974، ولكن الملا رفض القانون المذكور، وأعلن راديو كوردستان أن الكفاح المسلح لن يتوقف إلا بعد تأمين الحقوق الوطنية للشعب الكوردي كاملة. واشتعلت الحرب الكوردية من جديد في آذار/مارس 1974، ووجد النظام العراقي نفسه على أبواب هزيمة محققة، ورأى أن كوردستان العراق على وشك الاستقلال عن العراق، فاضطر إلى الامتثال للمطالب الإيرانية وتوقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975، التي تعهدت إيران بموجبها بوقف إمداداتها للثوار الأكراد. ثم سرعان ما وقّعت إيران مع العراق معاهدة الحدود الدولية وحسن الجوار في 13 حزيران/يونيو 1975 على أساس اتفاق الجزائر، وقد نصت المعاهدة في مادتها الثالثة على أنه: “بناءً على هذا سيعيد الطرفان الأمن والثقة المتبادلة على طول حدودهما المشتركة، وذلك من أجل وضع حد نهائي لكل التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت” (3).

ولم تكن العبارة الموجزة التي وردت في سياق المادة، أي “التسللات ذات الطابع التخريبي”، إلا كشفاً موثقاً عن نية الطرفين العراقي والإيراني وضع حد للمساعدات الإيرانية للحركة الكوردية، في مقابل تخطيط الحدود البرية والنهرية بينهما. وهكذا أصبحت هذه الاتفاقية في تاريخ الحركة الكوردية تشبه إلى حد كبير معاهدة أرضروم سنة 1847 التي عُقدت بين الدولتين الفارسية والعثمانية، والتي جاء فيها: “تتعهد الدولتان باتخاذ جميع الوسائل اللازمة لمنع ومعاقبة السرقات والنهب من جانب العشائر والأقوام المستقرة على الحدود، وتقومان لذلك الغرض بوضع الجنود في مراكز ملائمة” (4).

غير أن الحركة الكوردية، رغم ما أصابها من انتكاسة إثر اتفاق الجزائر في 6 آذار 1975 ومعاهدة الحدود العراقية الإيرانية، عادت لتنهض مرة أخرى مع بدء التوحد داخل الجبهة الكوردستانية عام 1988، مما أثار النظام العراقي، فلجأ إلى سياسة قمعية تهدف إلى إخضاع الكورد بالقوة، مستخدماً في ذلك الأسلحة الكيماوية. واستمرت هذه السياسة القهرية من عام 1988 حتى انتفاضة آذار/مارس 1991 (5) بعد حرب تحرير الكويت، حين نشأت المنطقة الآمنة وبدت كأنها منطقة حكم ذاتي للأكراد فرضها الواقع وأفرزتها الظروف الإقليمية. غير أنه مع التطور الذي وقع فيه العراق تحت الاحتلال الأنجلو أمريكي في أيار/مايو 2003، أصبح تقدير مدى استمرار منطقة الحكم الذاتي في كوردستان العراق أمراً يكتنفه غموض كثيف، لما يشوبه من تطورات متلاحقة تمسك بزمامها دولة الاحتلال وتوجّه دفّتها على ميزان مصالحها. ومن ذلك كله يخلص الباحث إلى أن التطبيق العملي لنظام الحكم الذاتي لأكراد العراق (6):

  1. نظام مؤقت ومرحلي، فرضته ظروف الواقع العراقي بعد قيام الثورة العراقية عام 1958، ولم يكن استجابة للحقوق القومية الكوردية.

  2. لم تتوافر لنظام الحكم الذاتي صفة الثبات والدوام، وبدا كأنه تهدئة للأوضاع في مرحلة معينة شابها عدم الاستقرار، إثر تغير الأوضاع الناجمة عن قيام الثورة العراقية وما تبعها من انقلابات وصراع على السلطة، مما حثّ الحكومة المركزية على استمالة الأكراد ولو كلّفها ذلك التنازل مؤقتاً عن منطقة ترى أن التفريط فيها مرفوض من جانبها.

  3. إن مفهوم الديمقراطية يختلف في التطبيق باختلاف نظام الحكم، إذ تطوّعه الأنظمة الحاكمة لما يخدم مصالحها، على ضوء المناهج والأفكار التي تتلاءم مع طبيعة الأوضاع التي تراها مناسبة لإحكام قبضتها على الحكم. وهذا ما يبدو واضحاً فيما تمارسه الأنظمة الحاكمة في الدول التي تقتسم أرض كوردستان، أي العراق وإيران وتركيا، وتسلب القومية الكوردستانية حقوقها المشروعة. وقد كان نظام الحكم الذاتي لأكراد العراق تطبيقاً واقعياً لممارسات الحكم العراقي.

  4. إن أكراد العراق، مع أنهم تمتعوا بحكم ذاتي لم يتوافر لإخوانهم في الإقليمين الآخرين، لم يكن ذلك الحكم الذاتي راسخاً في مفهومه ومنطلقاته بما يحقق الاستجابة الحقيقية للمطلب الكوردي، بوصفه حقاً تؤيده أسانيد الشرعية الدولية ومقرراتها.

الحكم الذاتي في ظل قواعد القانون الداخلي

برز مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي العام من خلال تطور السياسة الاستعمارية، وقد أخذ إطاره القانوني الدولي في ظل عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة.

أما في القانون الداخلي، فإن مفهوم الحكم الذاتي يُعدّ أساساً لمعالجة قضايا التكامل، وحلّ مسألة القوميات ومشكلات الجماعات العرقية داخل الدولة الواحدة (7). لهذا يختلف مفهوم الحكم الذاتي في القانونين باختلاف الظروف التاريخية والسياسية والقانونية، مما يستوجب إلقاء الضوء على ماهية مفهوم الحكم الذاتي في القانون الداخلي وبيان عناصره. ولما كان القانون الداخلي يعتبر الحكم الذاتي أداة للحكم والإدارة في إقليم معين من الدولة الواحدة، فإنه لا يخرج عن كونه نظاماً لا مركزياً.

والظاهرة العامة للنظم اللامركزية، أياً كان شكلها، وسواء كانت لا مركزية سياسية أم لا مركزية إدارية، إقليمية أو مرفقية، أنها تتميز بوجود عنصرين رئيسيين، هما: الاستقلال الذاتي لهيئات اللامركزية، ووجود علاقة قانونية تكفل نوعاً من الرقابة المركزية على هذه الهيئات وأعمالها (8).

فضلاً عن الاعتراف بوجود عنصر آخر يتمثل في الإقليم، وهو عنصر لا يخضع في حقيقته لتلك المعايير. وعلى ذلك يقوم الحكم الذاتي على عناصر ثلاثة:

أولاً: وجود بقعة جغرافية تُحدَّد على أساس قومي، تمارس عليها هيئات الحكم الذاتي سلطتها (وظيفة الإدارة والحكم).

ثانياً: توافر الاستقلال الذاتي لهيئات الحكم الذاتي.

ثالثاً: وجود رقابة للسلطة المركزية على هذه الهيئات.

وهو ما نرى تناوله بالدراسة من خلال ما يلي:

أ. الإقليم.

ب. الاستقلال الذاتي.

ج. طبيعة الرابطة القانونية بين هيئات الحكم الذاتي والسلطة المركزية.

د. تقدير نظام الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق (القانون رقم 33 لسنة 1974) في ظل قواعد القانون الداخلي.

أ. الإقليم

يتبين من تطبيقات نظام الحكم الذاتي أنه لا يكفي وجود العناصر الأساسية لنظام اللامركزية، وهي في الغالب “الاستقلال الذاتي” و”السلطة الرقابية المركزية”، لتحديد الطبيعة القانونية لنظام الحكم الذاتي في القانون الداخلي، بل يُشترط أيضاً وجود عنصر ثالث يتمثل في رقعة جغرافية معينة يُطلق عليها مصطلح “الإقليم” أو “المنطقة” (9). وتُعدّ هذه الرقعة، التي تُحدَّد على أساس قومي وتاريخي، بمثابة النطاق الجغرافي الذي تعيش في حدوده جماعة قومية أو عرقية بذاتها، وهي في الوقت ذاته المجال الذي تمارس فيه هيئات الحكم الذاتي سلطاتها.

ويُعدّ هذا العنصر أساسياً في التطبيق السليم لنظام الحكم الذاتي؛ ذلك أنه إذا كانت في الدولة هيئات إقليمية وجماعة من الناس ليس لهم إقليم محدد على أساس قومي، أخذت اللامركزية طابعها الإداري أو الفيدرالي. وهذه النظم اللامركزية، وإن كانت تقتضي من الناحية العملية وجود منطقة جغرافية، لا تستوجب بالضرورة ارتباط هذه المنطقة بأسس قومية وتاريخية. ومما يعضد ذلك ويوضحه:

أولاً: من المسلَّم به أن الهدف الأساسي من تطبيق نظام الحكم الذاتي في القانون الوضعي الداخلي هو حماية قومية أو جماعة عرقية معينة (10)، تقطن في إقليم مميز تاريخياً وجغرافياً ضمن إقليم الدولة التي يمتاز مجتمعها بظاهرة التعدد العرقي والجغرافي. وبالتالي يرتبط مفهوم الحكم الذاتي بمبدأ القوميات ارتباطاً وثيقاً. لذلك نجد الفقهاء والسياسيين الروس يؤكدون هذه الحقيقة؛ فيرى الفقيه دينيسوف (Denisov) أن “مفهوم القانون السوفيتي للحكم الذاتي يعني حق أي تشكيل إقليمي قومي في أن يقرر باستقلال في شأن المشكلات التي تتعلق بحكم نفسه بنفسه، وبالتشكيل الإقليمي الذي له الحق” (11).

ولم يضع لينين حدوداً بين مفهومي الحكم الذاتي والقومية (Nationalism)، ولهذا صدّر مذكراته عن مسألة القوميات بعنوان: “حول مسألة القوميات والحكم الذاتي” (12). وعبّر ستالين عن ذلك المفهوم بقوله: “إن مزيداً من الاستقلال الذاتي الإقليمي يتلخص قبل كل شيء في أنه، في حالة وجوده، لا يضطرنا إلى مواجهة خيال بلا أرض، بل مواجهة سكان معينين يعيشون على أرض معينة” (13).

ويشير الفقيه الإيطالي كارلو لافانيا (Carlo Lavagna) إلى أن الحكم الذاتي نظام خاص بالجماعة البشرية، القومية أو العرقية، التي تقطن عادة في إقليم معين (14)، بما يعني أنه يحدد الجماعة التي لها الحق في الحكم الذاتي بالنسبة إلى الأرض التي تعيش عليها.

ويعرّف الفقيه وويه (Wauwe) الحكم الذاتي بأنه “النظام الذي يوجد حينما يعطي الدستور استقلالاً للوحدة الإقليمية يصل مداه إلى هيئات الدولة العليا مع التمتع بالسيادة” (15). ولما كانت السيادة مرتبطة بالإقليم، فإن الاعتراف بالسيادة لهيئات الحكم الذاتي يؤدي إلى الاعتراف بالإقليم ابتداءً، باعتباره أحد عناصر نظام الحكم الذاتي. ويقول الدكتور صفاء الحافظ في شرحه لمفهوم الحكم الذاتي في كوردستان العراق: “إن منح الحكم الذاتي لكوردستان في العراق معناه جعل المنطقة الكوردية إقليماً واحداً تدير دفّته أجهزة محلية تشريعية وتنفيذية خاصة به” (16)، وهو ما يتفق ومقالة الدكتور سعد العلوش في هذا الشأن: “تتحدد البقعة الجغرافية ذات الحكم الذاتي بحدود (المنطقة) التي يشكّل فيها المواطنون الأكراد الغالبية بالنسبة لمجموع السكان فيها” (17).

وإذ يتناول الدكتور مصطفى أبو زيد نظام الحكم الذاتي في كل من إسبانيا وإيطاليا يقول: “سُمّي هذا النظام بنظام المناطق (La Régionalisme) لأن نطاقه الإقليمي عبارة عن منطقة (Region) كبيرة تتشابه ظروفها من حيث البيئة واللهجة والحالة الاقتصادية تشابهاً يعطيها طابعاً تنفرد به بين مناطق الدولة كلها” (18).

وتشير الدساتير والقوانين التي أخذت بالحكم الذاتي، شكلاً لتنظيم الدولة على أساسه، إلى عنصر الإقليم بما يميزه ويرقى به إلى مقام العنصر من بين عناصر الحكم الذاتي. ومن بينها الدستور الصيني الصادر سنة 1954م، الذي ينص في مادته الثالثة على أن: “الجمهورية الشعبية الصينية دولة متعددة القوميات… ويُطبَّق الاستقلال الذاتي في المناطق التي تتركز فيها الأقليات القومية”. أما المادة الأولى من القانون الأساسي لإقليم فريولي فينيسيا جوليا الإيطالي سنة 1963 فتنص على أن: “إقليم فريولي فينيسيا جوليا هو إقليم مستقل… في حدود وحدة الجمهورية الإيطالية… وهو إقليم واحد مميز”.

ويرجع هذا الارتباط بين مفهومي “الإقليم” و”القومية” إلى أن الإقليم يُعتبر أحد المقومات الأساسية التي تكمن وراء القومية (19).

ويؤكد الفكر السياسي والاجتماعي هذه الحقيقة، على أساس أن عناصر البيئة الطبيعية تؤثر في الجماعة، حيثما وُجدت، بصورة أو بأخرى وفقاً لأشكالها وأنواعها، ولها الدور الفعال في تاريخ أي أمة من الأمم؛ فالقومية نتاج إقليم معين، والعكس صحيح أيضاً (20). ذلك أن الوقائع تثبت أن أي قومية تظهر تكون مرتبطة بإقليم معين، وقد يكون هذا الإقليم في شكل دولة مستقلة، أو متحداً فيدرالياً أو تعاهدياً مع عدة أقاليم أخرى، أو قد يبرز في شكل حكم ذاتي في دولة واحدة.

ثانياً: يتم تحديد الإقليم القومي المراد تطبيق الحكم الذاتي فيه على أساس تاريخي وجغرافي.

فمن الناحية التاريخية: تشير تطبيقات الحكم الذاتي إلى أن الأقاليم المتمتعة به تعود تاريخياً إلى قومية واحدة أو جماعة عرقية معينة، نشأ أفرادها واستقروا في هذه الأقاليم، مما أدى إلى تعزيز الروابط بينهم بتفاعل المشاعر ووجهات النظر نحو المشكلات التي تعرض لهم. لهذا يُطلق على الحكم الذاتي غالباً مصطلح “الحكم الذاتي الإقليمي القومي” (21).

وينبني على ذلك أن يكون تحديد إقليم الحكم الذاتي مختلفاً عن التقسيمات الجغرافية في بقية النظم اللامركزية، لأن هذا التحديد لا يستند أساساً إلى اعتبارات الأمن والنظام أو الظروف الاقتصادية، بل يتجه نحو تحقيق المتطلبات القومية. فالتقسيمات الجغرافية في تلك النظم قد تتوافر لها هذه المقومات، ولكنها لا تتحدد أصلاً على أساس وحدات قومية متميزة ومتمركزة في منطقة ما داخل الدولة.

أما من الناحية الجغرافية: فيتميز إقليم الحكم الذاتي غالباً عن بقية أقاليم الدولة بالموقع والتضاريس والمناخ، وهذا ما يبدو واضحاً في أقاليم إسبانيا، وفي إقليم كوردستان الذي يتميز بكونه منطقة جبلية وشبه جبلية ذات مناخ مختلف عن بقية مناطق العراق وتركيا وإيران، وفي إقليم جنوب السودان الذي يختلف في تضاريسه عن بقية أجزاء السودان.

ثالثاً: يُعتبر الإقليم أحد العناصر التي يمكن الاستناد إليها لوضع معيار للتمييز بين نظام الحكم الذاتي الداخلي وغيره من الأنظمة اللامركزية.

فالاستقلال التنفيذي أو الإداري ليس إلا استقلالاً محدوداً في نطاق الوظيفة الإدارية، يقتصر فيه دور الهيئات اللامركزية على تنفيذ القوانين المركزية وتطبيقها (22). أما الاستقلال الثقافي فيتمثل في توفير مؤسسات إقليمية وتشجيعها (23).

بيد أن الهيئات الإقليمية في نظام الحكم الذاتي تتمتع باستقلال يمتد إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويبلغ مداه إلى هيئات الدولة العليا، مما يستلزم توافر عنصر الإقليم الذي يرتبط عضوياً بالقوميات لممارسة هذه الاختصاصات المتعددة.

رابعاً: تكشف القواعد القانونية المنظِّمة لمفهوم الحكم الذاتي بوضوح أهمية دور عنصر الإقليم في قيام هذا النظام.

وآية ذلك أن أغلب قوانين الحكم الذاتي لا تعطي معنى دقيقاً لهذا المفهوم، وإنما يُستفاد دلالةً من إضافة مصطلح “الإقليم”، ولهذا يُطلق على هذه القوانين “قانون الحكم الذاتي الإقليمي” (24). فضلاً عن أن أكثر الدساتير التي أخذت بفكرة الحكم الذاتي تؤكد أهمية الحدود الجغرافية الإقليمية لمناطق الحكم الذاتي؛ فالمادة 84 من دستور الاتحاد السوفيتي سنة 1977 تنص على أنه “لا يمكن إجراء أي تعديل في حدود الجمهورية ذات الحكم الذاتي إلا بموافقتها”، أما المادة الثانية من الدستور الإسباني سنة 1978 فتؤكد أن الدستور “يعترف ويضمن الحق في الاستقلال الذاتي للقوميات والمناطق التي تتكون منها…”.

ولقد كان عمق الطابع الإقليمي لدى الإيطاليين، وقوة الصلة النفسية التي تربطهم بأقاليمهم، أحد أسباب تطبيق نظام الحكم الذاتي في أقاليم إيطاليا المميزة (25).

وعند تعيين الحدود الجغرافية لإقليم الحكم الذاتي يجب مراعاة أن أي خلل في الشعور القومي أو إهمال له يؤدي إلى عدم تطبيق نظام الحكم الذاتي على النحو السليم. والدليل على ذلك أن تطبيق نظام الحكم الذاتي في كوردستان العراق، بعزل مناطق كوردية عن حدود إقليم كوردستان وإلحاقها بالمركز، أدى إلى استمرار الصراع المسلح وبقاء المسألة الكوردية دون حل. والحال كذلك في جنوب السودان، فقد تجدد الصراع منذ أن قامت الحكومة السودانية عام 1983 بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقسام.

خامساً: مع الأهمية البالغة لعنصر الإقليم في نظام الحكم الذاتي، يجب ألا يغيب عن التقدير أن هذه الرقعة الجغرافية، التي تُعدّ من الجانب المادي إقليماً محدداً لقومية أو جماعة عرقية مميزة، لا تمتد إلى غير الأرض التي يستقر عليها قاطنوها. أما الفضاء الجوي الذي يعلو الإقليم فلا يدخل ضمنه، كما أنه ليست لهيئات الحكم الذاتي أية سلطة على المياه الإقليمية (البحر الإقليمي)، وتنحصر سلطاتها في الاختصاصات الممنوحة لها قانوناً على الأشخاص الموجودين في نطاق الإقليم، دون أن تمتد إلى المجال الجوي أو المائي للدولة.

سادساً: يتضح من تطبيقات الحكم الذاتي أن المجال الجغرافي شرط لتحقيقه، وفي حالة وجود تمايز في التكوين القومي أو الإقليمي يمكن تطبيق عدة أنظمة للحكم الذاتي، كما هو الحال في الاتحاد السوفيتي والصين وإيطاليا وإسبانيا (26)، وذلك بخلاف مفهوم الدولة الذي لا يُشترط لقيامها أن تكون “الأرض” وحدة جغرافية متماسكة.

ومن ثَمّ يمكن القول إن الإقليم يشكّل عنصراً أساسياً في نظام الحكم الذاتي، لأن الحكم الذاتي الداخلي ليس مطلباً قومياً لنيل جزء من اختصاصات السلطة العامة في الدولة فقط، بل هو ممارسة للحكم والإدارة على إقليم قومي معين له حدوده الجغرافية داخل الدولة.


أجزاء «قانون الحكم الذاتي» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

الجزء الثاني ←