الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قانون الحكم الذاتي (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب. الاستقلال الذاتي
يُعدّ الاستقلال الذاتي أحد المقومات الأساسية لنظام الحكم الذاتي الداخلي، على سند من أنه أداة لازمة وضرورية ترتكن إليها هيئاته التشريعية والتنفيذية، باعتباره العنصر الذي يعبّر عن اتجاه الحكومة المركزية إلى تقليص سلطاتها، ومنح الهيئات التي تنتخبها الجماعة القومية أو العرقية، التي ستمارس الحكم الذاتي في إقليم معين من الدولة، جزءاً من اختصاصاتها الدستورية، كما أنه يمثّل تمسك مواطني الإقليم بوجودهم المميز وحفاظهم على كيانهم الذاتي.
ويبرز عنصر الاستقلال الذاتي من خلال حرية هيئات الحكم الذاتي في ممارسة اختصاصاتها، ووضع القواعد التشريعية اللازمة لتحقيقها.
ويذهب أغلب الفقهاء إلى الربط بين ما يجب أن تتمتع به الوحدات المحلية، في ظل نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية، من استقلال تجاه السلطة المركزية، وبين طريقة تشكيل الجهاز الإداري الخاص بها، ويرون أن ترك الحرية لسكان تلك الوحدات في انتخاب سلطاتهم الإدارية هو الطريق الصحيح المؤدي إلى ضمان ذلك الاستقلال. غير أن جانباً من الفقه (27) يرى أن الاستقلال يمكن تحقيقه بالنسبة لممثل الشخص اللامركزي بوسائل أخرى غير الانتخاب، منها عدم قابلية أعضاء ممثل الشخص اللامركزي للعزل برغم تعيينهم من قبل السلطة المركزية، وتمتع تلك الوحدات بالشخصية المعنوية.
أما في نظام الحكم الذاتي الداخلي فلا صدى لهذا الجدل بشأن تشكيل هيئاته ومدى علاقة هذا التشكيل باستقلالها؛ إذ يُجمع رجال القانون والسياسة، في ضوء التشريعات المنظِّمة لمفهوم الحكم الذاتي، على أن الانتخاب شرط أساسي لبناء الكيان العضوي للحكم الذاتي الداخلي، ويرون أن الاستقلال الذاتي لهيئات الحكم الذاتي لا يتحقق إلا إذا كان اختيار أعضاء هذه الهيئات عن طريق الانتخاب. ويرى الفقيه بالازولي (Palazzoli) أنه، تطبيقاً لأحكام المادة 116 من الدستور الإيطالي لسنة 1948، ظهرت الأنظمة الأساسية بقوانين دستورية تباعاً اعتباراً من 26 شباط/فبراير 1948، غير أنها لم توضع موضع التنفيذ إلا بعد صدور قوانين الانتخاب الخاصة بأعضاء هيئات الحكم الذاتي لهذه الأقاليم سنة 1955، وبموجبها أصبح للأقاليم الخمسة أنظمتها الأساسية التي تتناسب مع متطلباتها (28).
وتثير فكرة الاستقلال الذاتي أمراً آخر، يتمثل فيما يُعهد به إلى هيئات الحكم الذاتي من مباشرة أغلب اختصاصات السلطات الدستورية (التشريعية والتنفيذية والمالية)؛ إذ تنص قوانين الحكم الذاتي على حق الإقليم في سن قوانينه الخاصة عن طريق مجلس تشريعي إقليمي، عدا ما يدخل في اختصاص السلطة المركزية، إضافة إلى مهمة التنفيذ وإدارة المرافق العامة في الإقليم. وهو ما سنتناوله تفصيلاً على النحو التالي:
أ. الانتخاب وسيلة إسناد السلطة في نظام الحكم الذاتي الداخلي.
ب. هيئات الحكم الذاتي واختصاصاتها.
ج. الاستقلال المالي.
أ. الانتخاب وسيلة إسناد السلطة في نظام الحكم الذاتي الداخلي
ينشأ نظام الحكم الذاتي الداخلي، كما أشرنا، بتأثير عوامل سياسية بحتة، أهمها مبدأ القومية، وانتشار الأفكار الديمقراطية، ومبادئ الحرية السياسية التي تنادي بوجوب ترك الحرية للمواطنين في اختيار حكامهم وأعضاء هيئاتهم الإقليمية، وبحقهم في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. ولذلك يُعتبر نظام الحكم الذاتي الداخلي وسيلة لتحقيق الحقوق القومية.
وقد اتخذ مفهوم الحكم الذاتي، منذ شيوعه في نطاق القانون الداخلي، شكلاً ديمقراطياً يجعل شؤون الحكم في يد هيئات منتخبة من المواطنين أنفسهم، وهذا يعني أن الانتخاب هو الوسيلة الوحيدة لتكوين هيئات الحكم الذاتي الداخلي.
كما أن طريقة تشكيل هيئات الحكم الذاتي الداخلي مسألة وثيقة الصلة بمبدأ الانتخاب؛ ذلك أن الانتخاب في نطاق هذا النظام يخضع لعدد من الاعتبارات، وبالتوفيق بينها يفرض المبدأ نفسه أسلوباً وحيداً لتشكيل هذه الهيئات.
لذلك نرى تناول الاعتبارات التي يستند إليها مبدأ الانتخاب شرطاً أساسياً لقيام الحكم الذاتي الداخلي، ويمكن حصرها في أمور ثلاثة:
الأول: الانتخاب أداة ديمقراطية لإسناد السلطة.
الثاني: الانتخاب ضمان لاستقلال هيئات الحكم الذاتي.
الثالث: الانتخاب أداة لتأكيد الحقوق القومية.
أولاً: الانتخاب أداة ديمقراطية لإسناد السلطة
يؤكد الواقع أنه ليس هناك تلازم حتمي بين النظام النيابي والديمقراطية (29)، بيد أن ذلك لا يقدح في أن الانتخاب هو الطريق السليم لتحقيق الديمقراطية في صورها العديدة، وعلى الأخص الديمقراطية النيابية، إذ يكون الشعب مصدر الإرادة والتشريع، يمارسهما عن طريق نوابه في المجلس التشريعي. ولما كان نظام الحكم الذاتي الداخلي هو الأسلوب الذي يُفترض أن يحقق تطبيقاً ديمقراطياً في إقليم معين من الدولة، فإن الانتخاب أيضاً هو الوسيلة الوحيدة التي يجب أن يتم عن طريقها تشكيل هيئات الحكم الذاتي.
ويؤكد الفقيه كارلو لافانيا (Carlo Lavagna) هذه الحقيقة من الترابط بين الحكم الذاتي والديمقراطية بقوله: “إن الحكم الذاتي في الواقع هو مظهر وأداة من أدوات الديمقراطية، ويجب أن يكون كذلك، وهو يكمّل مهام القنوات الديمقراطية ويعمل على تنفيذها” (30). ويقرر الأستاذ ماهاجان (Mahajan) أن “ديمقراطيتنا تؤدي بصدق وبحزم إلى تنمية الحكم الذاتي” (31)، كما يقول الأستاذ دينيسوف (Denisov) إن “الحكم الذاتي ينبع مباشرة من مبدأ الحكومة المركزية الديمقراطية” (32).
وتذهب الأستاذة أورسولا هيكس (Ursula Hicks)، عند تعرّضها لتطور الحكم الذاتي الإقليمي في إنجلترا وأقاليم الكومنولث (Commonwealth)، إلى القول بأنه قد أُنشئت سلطات إقليمية، وتولّت السلطة مجالس منتخبة، خصوصاً بعد صدور أول قانون للإصلاح البرلماني، وأنه اعتباراً من سنة 1894 أصبحت إنجلترا وويلز تعملان من خلال هيئات إقليمية منتخبة. وتؤكد كذلك أن فكرة الحكم الذاتي في الوقت الحاضر تقوم بصفة أساسية على نظام المجالس المنتخبة انتخاباً عاماً، يشترك فيه كل البالغين سنّ الرشد (33).
وإذا كان أغلب الفقهاء (34) ينادون بضرورة قيام الهيئات المحلية في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية على أساس الانتخاب العام، فإن الذي لا يقبل الجدل أن انتخاب هيئات الحكم الذاتي يُعدّ شرطاً أساسياً وجوهرياً لبناء الحكم الذاتي؛ ذلك لأن السلطة المركزية في نظام الحكم الذاتي الداخلي، كما يقول الفقيه بيردو (Burdeau)، تتبدد أو تختفي، أو على الأقل تضعف، لأن هيئات الحكم الذاتي تمارس السلطة بامتيازاتها بنفسها، وهذا ما حدث بالفعل في يوغوسلافيا نتيجة تطبيقها نظام الحكم الذاتي، بخلاف اللامركزية الإدارية الإقليمية التي لا تتمتع بهذه الامتيازات (35).
ويترتب على هذا أن تتولى هيئات الحكم الذاتي تحقيق الأهداف العامة في إقليم الحكم الذاتي، بمعنى أن تعمل الحكومة المركزية وسلطات الحكم الذاتي معاً من أجل تحقيق أهداف الدولة (36). وهذا يقتضي بداهةً أن تمثّل هيئات الحكم الذاتي سكان الإقليم تمثيلاً حقيقياً. يضاف إلى ذلك الطابع السياسي البحت الذي يتسم به الحكم الذاتي، والذي يفترض أن تكون هيئاته مشكّلة بطريقة ديمقراطية، وهي الانتخاب.
لذلك يقترح الدكتور صفاء الحافظ، عند تعرّضه لطريقة تشكيل هيئات الحكم الذاتي لكوردستان العراق، أن يكون “الجهاز التشريعي هو السلطة العليا في إقليم كوردستان، ولا تعلو عليه أية سلطة أخرى سوى سلطة الجهاز التشريعي المركزي، وحيث إن الشعب مصدر السلطات، لذا يجب اختيار المجلس التشريعي المحلي من قبل المواطنين في كوردستان (أكراداً وغير أكراد) على أساس الانتخاب العام والمتساوي والمباشر وبالاقتراع السري”، وأن “ينتخب المجلس التشريعي في كوردستان مجلساً تنفيذياً” (37).
كما يرى الفقيهان الإيطاليان بوسكيما وفوسكو (Buscema & Fusco) (38) الربط بين الاستقلال الذاتي في أقاليم إيطاليا وشرط الانتخاب، حين يقرران أنه في ظل نظام الحكم الذاتي يقوم المواطنون في إقليم الحكم الذاتي باختيار أعضاء هيئاته عن طريق الانتخابات العامة المباشرة والسرية. ويذهب الأستاذ أودجرز (Odgers)، بعد تحليله لنظام الحكم المحلي (الذاتي) في إنجلترا ومقارنته بين الحرية السياسية والحكم المحلي، إلى أنه “قد تطور النظام السياسي وهيئات الحكم الذاتي في إنجلترا على أساس مبدأ الحرية السياسية، ومنذ أيام السكسون كان نظام الحكم ديمقراطياً، حتى انتهى التطور إلى سيادة مبدأ التمثيل النيابي الشعبي سواء في المركز أو الأقاليم” (39).
ومن ثَمّ فإن ربط قيام الحكم الذاتي واستقلال هيئاته بمبدأ الانتخاب منطق سليم، وعلة ذلك أنه ما دام الحكم الذاتي يهدف إلى تحقيق الديمقراطية في إقليم معين داخل الدولة، وما دامت الديمقراطية قائمة أساساً على الانتخاب، فمن الطبيعي أن يكون الانتخاب هو الطريقة الوحيدة لتشكيل سلطات الحكم الذاتي.
ثانياً: الانتخاب ضمان لاستقلال هيئات الحكم الذاتي (40)
أما الأمر الثاني الذي يستند إليه القول بأن الانتخاب هو الأسلوب الوحيد لتشكيل هيئات الحكم الذاتي الداخلي، فهو أن هذا الأسلوب يضمن في الواقع الاستقلال المطلوب لتلك الهيئات في مواجهة السلطة المركزية. ومردّ ذلك إلى أن الحكم الذاتي يهدف أساساً، كما ذكرنا، إلى تمتع هيئاته، في مباشرة جزء من سلطات الدولة الدستورية، بقدر من الحرية والاستقلال عن الحكومة المركزية، وأن هذا الاستقلال في الواقع من العناصر الرئيسية لذلك النظام، بمعنى أن يكون لهيئات الحكم الذاتي جزء من الاختصاصات الدستورية للدولة تباشره بنفسها، وتصدر التشريعات الإقليمية بشأنه بمحض رأيها وإرادتها.
أما عن العلاقة بين انتخاب أعضاء هيئات الحكم الذاتي وبين استقلالها الذاتي عن الحكومة المركزية، فمن الثابت أن الباعث الحقيقي لقيام نظام الحكم الذاتي الداخلي باعث سياسي بحت، ينحصر في الاستجابة لمتطلبات الحرية السياسية، وحق القوميات والجماعات العرقية في الدول في أن تحكم نفسها بنفسها، وفقاً لمبادئ الديمقراطية والمشاركة والسيادة الذاتية التي بدأت تفرض وجودها في العصر الحديث؛ بمعنى أن أهداف الحكم الذاتي في الدول التي تأخذ بهذا النظام هي في الواقع أهداف سياسية.
ومن هنا يتضح أن الانتخاب صيانة قوية لاستقلال هيئات الحكم الذاتي؛ ذلك أن تشكيل هذه الهيئات بطريق الانتخاب يدفعها إلى إصدار التشريعات واتخاذ الإجراءات التنفيذية المناسبة لظروف الإقليم بمحض إرادتها ورأيها، أما أن تقوم السلطة المركزية بتعيين أعضاء هذه الهيئات فأمر من شأنه الحيلولة دون بلوغ أهداف الحكم الذاتي. يضاف إلى هذا أنه إذا كانت الديمقراطية النيابية تقتضي أن يختار الشعب نوابه في المجلس التشريعي المركزي، فإنها تقتضي بداهةً أن ينتخب سكان إقليم الحكم الذاتي هيئاتهم الإقليمية أيضاً، لعدم وجود اختلاف بين الصورتين، إذ يقوم المجلس التشريعي الإقليمي كذلك بمهمة التشريع في نطاق الإقليم، وهو اختصاص على قدر كبير من الأهمية. وعليه فمن الضروري أن يمثّل ذلك المجلس الجماعات القومية والعرقية في الدولة تمثيلاً صحيحاً، بخلاف المجالس المحلية في اللامركزية الإدارية الإقليمية التي ليس لها سوى اختصاصات إدارية محدودة، الأمر الذي لا يقتضي بالضرورة أن يكون تشكيلها بطريق الانتخاب.
ويؤكد الفقيه ليسكوييه (Lescuyer) أن الارتباط وثيق بين الاستقلال الذاتي الذي يجب أن يتوافر لهيئات الحكم الذاتي وبين ضرورة أن يكون تشكيلها عن طريق الانتخاب، فيقرر في هذا الصدد أنه لا يكفي لقيام اللامركزية الإقليمية والحكم الذاتي (Self Government)، حسب التعبير الأنجلوسكسوني، الإعلانُ عن وجود حاجات خاصة لمجتمع مصغّر، بل يتعين على هذا المجتمع تحقيق تلك الحاجات بنفسه دون الاعتماد على السلطة المركزية. والفكرة الأساسية هي أن الدولة ليست الممثل الوحيد للمصالح أمام المجتمع، فبعض هذه المصالح، التي حدد الإقليم الذاتي مكانها من الوجهة الجغرافية، يمكن اعتبارها مختلفة عن مصالح الدولة، ويجب أن تُدار بمعرفة ممثلين من سكان الإقليم. وعلى ذلك فإن تطبيق نظام اللامركزية الإقليمية والحكم الذاتي يقتضي في نظر الفقيه ليسكوييه أمرين:
أولهما: وجود مصالح إقليمية ذاتية مختلفة عن مصالح الدولة.
ثانيهما: أن يُعهد بهذه المصالح إلى ممثلين ينتخبهم سكان الإقليم (41).
أما الدكتور وحيد رأفت فيؤكد أن “نظام اللامركزية أو الحكم الذاتي يتطلب تعيين الهيئات التي تتولى إدارة المرافق المحلية بطريق الانتخاب، وبدون ذلك لا تكون هناك إدارة منبعثة من ذات الإقليم، ولا يُضمن للهيئات استقلالها عن الحكومة المركزية” (42)، على الرغم من أنه يجيز تعيين عامل تنفيذي إلى جانب مجلس منتخب في نظام اللامركزية.
ومن ناحية أخرى ذهب الفقهاء وشرّاح القانون إلى القول بأن الحكم الذاتي الداخلي يمثّل في النظام اللامركزي بعداً لا مركزياً واسعاً؛ فقرر الفقيه بيردو أن وجود جمهوريات الحكم الذاتي في الاتحاد السوفيتي أسهم في إيجاد شكل من نظام الحكم الفيدرالي من الدرجة الثانية (43).
وأشار الفقيه ليسكوييه إلى أنه من الثابت وجود تشابه شديد بين اللامركزية والفيدرالية، إذ لا توجد بينهما إلا فروق بسيطة، كما يتضح مثلاً من نظام الحكم الذاتي الذي أخذ به الدستور الإيطالي سنة 1948 (44). وذهب الدكتور منذر الشاوي إلى أن الحكم الذاتي يمثّل أقصى درجة من درجات اللامركزية، حيث تكون على مشارف الفيدرالية (45). وكذلك يؤكد الدكتور سعد العلوش أن “الحكم الذاتي في إطار الجمهورية العراقية يتجاوز كثيراً أبعاد اللامركزية الإدارية الإقليمية” (46). ولما كان الحكم الذاتي يتمتع بهذا القدر من الاستقلال، وبهذا البعد الشاسع من اللامركزية، فإنه وفقاً للاتجاه الفقهي الذي يربط بين الاستقلال الذاتي لهيئات اللامركزية في مباشرة اختصاصاتها وبين تشكيلها بطريق الانتخاب (47)، يكون من غير المتصوَّر إطلاقاً قيام حكم ذاتي دون الاعتراف في الوقت ذاته باتباع طريق الانتخاب لاختيار أعضاء هيئاته.
وبذلك يمكن القول إنه لكي يتحقق نظام الحكم الذاتي بالمعنى المفهوم قانونياً وسياسياً، أي أن يقوم على أساس وجود مصالح ذاتية، منها حقوق سياسية وثقافية واقتصادية لجماعة قومية أو عرقية، تُناط مباشرتها بهيئات إقليمية خاصة بها تتمتع بقدر من الاستقلال التشريعي والتنفيذي عن السلطة المركزية، فلا بد من الاعتراف بضرورة ارتباط هذه الهيئات بالأصل الإقليمي، وأن يتم اختيار أعضائها من بين شعبه عن طريق الانتخاب.
ثالثاً: الانتخاب أداة لتأكيد الحقوق القومية
يهدف نظام الحكم الذاتي في ظل القانون الداخلي إلى رعاية مصالح جماعة من الناس (جماعة قومية أو عرقية) في منطقة جغرافية مميزة من أرض الدولة، ويكون لهيئاته جزء من سلطات الدولة الدستورية. بمعنى أن نظم الحكم الذاتي في الدول التي أخذت بها لم تكن صدى لرغبة السلطات المركزية في ترشيد أساليب الإدارة وتحسينها، أو تنفيذاً لفكرة ديمقراطية الإدارة، وإنما لجأت إليها تلك الدول تحت تأثير عوامل سياسية بحتة، أهمها مواجهة مطالب الجماعات القومية والعرقية بروح ديمقراطية، في ظل تحقيق التوازن بين الاعتراف لها بالحكم الذاتي في حدود الأقاليم التي تقطنها، والتي تُعتبر بمثابة إقليمها القومي ضمن تلك الدولة، وبين الاحتفاظ بالوحدة السياسية والقانونية للدولة.
وكما أوضحنا فيما سبق، فإن هناك رابطة قوية بين الحكم الذاتي ومبدأ القومية، على أساس أن الحكم الذاتي يهدف إلى تأكيد الحقوق القومية المشروعة للجماعات القومية والعرقية داخل الدولة الواحدة (48). ولسنا هنا بحاجة إلى مزيد من الإيضاح لتلك الرابطة الطبيعية بينهما، وحسبنا أن نشير إلى ما يقرره الأستاذ بالازولي من أن اعتراف الدستور الإيطالي لسنة 1948 بالحكم الذاتي للأقاليم المميزة من النواحي الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية يعني اعترافاً بوجود مصالح إقليمية خاصة بسكان هذه الأقاليم، وأن هذه المصالح متميزة عن المصالح العامة الأخرى التي ترعاها الدولة. كما كان لمشكلة عدم التكامل التي برزت في السودان، فيما يخص قضية الجنوب، أثرها في اتجاه الحكومات السودانية إلى تطبيق شكل من أشكال الحكم الذاتي على الإقليم الجنوبي من السودان، الذي يختلف عن الإقليم الشمالي من حيث الجنس واللغة والدين (49).
وكذلك يجد الدكتور صفاء الحافظ في الحكم الذاتي لكوردستان العراق حلاً للمسألة القومية في العراق، إذ يقرر أن “الحل الذي أجمعت عليه أغلب القوى الوطنية التقدمية، الكوردية والعربية، والملائم لظروف العراق الآن، هو الحكم الذاتي ضمن إطار الجمهورية العراقية” (50).
وإذا كانت هذه هي العلاقة بين الحكم الذاتي ومبدأ القومية، فما العلاقة بين الانتخاب وترسيخ الحقوق القومية في ظل الحكم الذاتي الداخلي؟
يؤكد الأستاذ أودجرز أن الارتباط شديد بين الحقوق التي يجب على هيئات الحكم الذاتي تحقيقها وبين ضرورة أن يكون تشكيلها عن طريق الانتخاب، فيقرر في هذا الشأن أن المؤسسات الدستورية والسياسية في إنجلترا لم تكن عقبة في طريق استقلال هيئات الحكم الذاتي الإقليمي، ولم تنتقص الحكومة المركزية من صلاحيات هذه الهيئات، بل كانت هذه الصلاحيات تزداد باستمرار، وأصبح الحكم يعتمد على قوة الدفع الذاتي أكثر من اعتماده على قوة الحكم المركزي. ذلك أن الانتخاب، كما يرى أودجرز، هو الذي لعب هذا الدور الفعال والمؤثر؛ إذ يقول إن الإصلاحات الدستورية وتعميم حق التصويت جاءت في الانتخابات البرلمانية المركزية أولاً، ثم حدث تطور مماثل بالنسبة لانتخابات هيئات الحكم الذاتي في إنجلترا وأقاليم الكومنولث، وإن المرأة حصلت على حقَّي الانتخاب والترشيح في الهيئات الإقليمية قبل أن تحصل عليهما في المركز، وإن نيوزيلندا كانت، من بين أقاليم الكومنولث، أول من طبّق مبدأ المساواة في الحقوق الانتخابية بين الرجال والنساء عام 1894 (51).
ويذهب الأستاذ ميور (Muir) أيضاً إلى الربط بين مبدأ الانتخاب والقومية، فهو يرى أن السبب في تفاقم المسألة الإيرلندية هو أن الحكومة البريطانية رفضت، في مرحلة مبكرة، النظر في إنشاء هيئات تشريعية مستقلة على أسس انتخابية في إيرلندا، لاعتقادها أن إجراءً كهذا يترتب عليه الانفصال. إلا أن الحركة المسلحة التي اندلعت في إيرلندا أدت إلى الاعتراف بها دولة مستقلة ذات حكم ذاتي، ولم يعد البرلمان الإيرلندي في دبلن مؤسسة تشريعية مساعدة، بل هيئة مستقلة تماماً لا تشوبها شبهة رقابة من البرلمان الإنجليزي (52).
ويجب القول كذلك إن الحكم الذاتي، بوصفه فكرة سياسية تتعلق بمصالح ذاتية لمجموعة بشرية مميزة في رقعة جغرافية معينة داخل الدولة، يعارض احتكار السلطة ولا يتفق مع مبدأ “شخصية السلطة”، أي أن يكون صنع القرار وفق مشيئة طائفة أو جماعة أو شخص معين دون مشاركة غيره من الجماعات في الرأي، وإنما يعمل على العكس من ذلك على تحقيق مبدأ جماعية السلطة على مستوى الدولة وفي نطاق الإقليم. ولذلك يقرر اللورد برايس (Lord Bryce) أن الحكم الذاتي الإقليمي ينشر بين المواطنين الشعور بالاهتمام المشترك، وبأن لهم مصلحة مشتركة في أن تسير أعمال هيئات الحكم الذاتي بكفاءة وأمانة.
وهو ما يذهب إليه ماهاجان (Mahajan)، من أن الشعب الذي يتعود إدارة شؤونه الإقليمية دون تدخل من أي مركز قوة لا يسمح بالحكم الاستبدادي، لأن الشعب في هذه الحالة قد تعوّد الحرية والحكم الذاتي (53).
ويقول الأستاذ شري (Shri)، أحد رؤساء البرلمانات الإقليمية في الهند: “إن الحكومة تُعتبر مركزاً، وليست مجرد قمة لهرم الهيئات الإقليمية التي تتمتع بالحكم الذاتي”. ويقول الأستاذ لاسكي (Laski): “إننا لا نستطيع أن نفيد بالكامل من الحكومة الديمقراطية ما لم نبدأ بالاعتراف بأن مشكلاتنا ليست كلها مركزية، وأن بعض هذه المشكلات غير المركزية تتطلب قرارات من الأشخاص الذين يحسّون بها” (54).
ويذهب الأستاذ بالازولي (Palazzoli) إلى القول: “إن نظام الحكم الذاتي لا ينجح إلا إذا نظرنا إليه باعتباره أداة للتعاون لخدمة الأهداف الوطنية” (55).
ومما سبق يخلص الباحث إلى أن الاستقلال الذاتي لهيئات الحكم الذاتي عن السلطة المركزية عنصر أساسي وشرط لازم للقول بوجود نظام الحكم الذاتي الداخلي في دولة من الدول، وأن الانتخاب هو الأداة الطبيعية والوحيدة لتشكيل سلطات الحكم الذاتي، تحقيقاً لما يستهدفه هذا النظام من استقلال ذاتي عن السلطة المركزية. فهو يعمل لصالح مجموعة من الناس، ولذلك يجب أن يتمتع بالشرط الأساسي لمبدأ الديمقراطية، وهو الانتخاب، حتى يبلغ معناه الحقيقي وفاعليته على مستوى سلطات وهيئات تعبّر عن آمال مجموعة قومية أو عرقية متميزة في الدولة.
أجزاء «قانون الحكم الذاتي» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس