الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قانون الحكم الذاتي (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب. هيئات الحكم الذاتي واختصاصاتها
ينبغي، في سبيل النهوض بالاختصاصات التي كفلها المشرّع لإقليم الحكم الذاتي، أن تتنوع الهيئات التي تباشرها وتنفذها؛ فهي تحتاج إلى هيئة ذات سلطة تشريعية لوضع القوانين والقرارات ذات الطابع الإقليمي، وتحتاج أيضاً إلى هيئة ثانية تقوم بتنفيذ تلك الأعمال القانونية. ونتناول هذا المطلب في النقطتين التاليتين:
أولاً: هيئات الحكم الذاتي
إذا استعرضنا نظم الحكم الذاتي في الدول المختلفة، نجد أن البناء القانوني لهذا النظام يقوم على مجلسين (56):
الأول: المجلس التشريعي.
الثاني: المجلس التنفيذي.
المجلس الأول: المجلس التشريعي
وهو الهيئة التي تتولى سنّ القوانين وإصدار القرارات المحلية (57)، وتتحدد صفات أعضائه وكيفية اختيارهم واختصاصاتهم بقانون.
والقاعدة أن يتم اختيار أعضاء هذا المجلس على أساس الانتخاب العام الذي يجري في الإقليم، على اعتبار أن أسلوب الانتخاب شرط جوهري وأساسي لتشكيل هذا المجلس؛ ذلك لأن الحكم الذاتي نظام سياسي قبل أن يكون أسلوباً للتنظيم الإداري، كما أن هناك ارتباطاً قوياً بين الاستقلال الذاتي لإقليم الحكم الذاتي وبين تشكيل هيئاته، لأن قيام أبناء الإقليم بانتخاب أعضاء هيئاتهم ضمانٌ للاستقلال الذاتي للإقليم. ثم إن النظام الانتخابي يُعتبر دليلاً على مشاركة أهالي الإقليم في بناء الحياة السياسية للدولة وإدارة الإقليم ذاتياً.
وهذا ما ذهبت إليه جميع الدول التي أخذت بنظام الحكم الذاتي. ومما يؤكد ذلك أن حرص المشرّع العراقي على ضمان استقلالية إقليم الحكم الذاتي في كوردستان عن طريق نظام الانتخاب قد دفعه إلى أن يقرر أن تعيين أعضاء المجلس التشريعي الأول لمنطقة كوردستان سنة 1974 مرحلة انتقالية (58)، ونصّ على انتخاب أعضاء المجلس التشريعي بدلاً من تعيينهم من قبل السلطة المركزية (59).
المجلس الثاني: الهيئة التنفيذية “المجلس التنفيذي”
تتكون هذه الهيئة من عدد من الأعضاء، يشرف كل عضو منهم على إدارة من الإدارات الإقليمية، ويُشكَّل هذا المجلس من قبل المجلس التشريعي الإقليمي؛ إما بانتخاب أعضاء المجلس التنفيذي ورئيسه من بين أعضائه، وإما أن ينحصر دوره في مجرد الترشيح أو تقديم توصية إلى السلطة المركزية بتعيين هؤلاء الأعضاء والرئيس، ويصدر قرار التعيين من رئيس الجمهورية (رئيس الدولة) (60).
ورئيس المجلس التنفيذي هو الذي يشرف على الإدارات والمؤسسات الإقليمية من جانب، ويمثّل الإقليم في علاقاته مع الحكومة المركزية من جانب آخر (61).
وجدير بالذكر أن بعض تطبيقات نظام الحكم الذاتي تجيز للجان التنفيذية الإقليمية سلطة إصدار لوائح أو تشريعات إقليمية لها قوة القانون؛ فاللجنة الإقليمية في إقليم فريولي فينيسيا جوليا بإيطاليا لها حق إصدار اللوائح الخاصة بتنفيذ القوانين الإقليمية. وهذا خلاف ما يراه الأستاذ الدكتور مصطفى أبو زيد من أن اللجنة التنفيذية الإقليمية في التطبيق الإيطالي للحكم الذاتي لا تختص بوضع اللوائح الإدارية، بحجة أن هذه اللوائح، كالقوانين الإقليمية، تدخل في اختصاص مجلس الإقليم (62).
ثانياً: اختصاصات هيئات الحكم الذاتي
إن وجود المصالح الإقليمية إلى جانب هيئات الحكم الذاتي أساس من أسس البناء القانوني لنظام الحكم الذاتي، ولكنهما لا يكفيان لقيامه ما لم تتمتع هيئات الحكم الذاتي بسلطات كافية لمباشرة تلك المصالح وتنفيذها وإشباع حاجات أبناء الأقاليم ذاتياً. ويحدد المشرّع اختصاصات الحكم الذاتي انطلاقاً من حجم مهام هذه الهيئات، وعلى ضوء الظروف العامة للدولة واتجاهها السياسي، والظروف السياسية التي يمر بها الإقليم (63).
وبديهي أن مجال هذه الاختصاصات، وإن كان لا يقتصر على اختصاصات الوظيفة الإدارية بل يتجاوزها إلى اختصاصات الوظيفتين التنفيذية والتشريعية معاً، لا يبلغ درجة سلطات الحكومة المركزية في الدولة أو سلطات الولايات الأعضاء في الدولة الفيدرالية ومداها؛ إذ إن الاختصاصات المتعلقة بالمصالح الوطنية العامة تمارسها السلطة المركزية، أما اختصاصات هذه الهيئات فتتعلق غالباً بإدارة الشؤون والمصالح ذات الطابع الإقليمي.
أما طريقة توزيع الاختصاصات، فقد ذهبت دساتير الدول الفيدرالية إلى تنويع طرق توزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات (64)، ولكننا نجد أن الدول التي أخذت بنظام الحكم الذاتي قد انتهجت طريقة تحديد اختصاصات هيئات الحكم الذاتي على سبيل الحصر (65). وبالرجوع إلى اختصاصات هيئات الحكم الذاتي من الناحية التشريعية نجدها محدودة بحدود المصالح الإقليمية التي كُلّفت بتحقيقها وتنفيذها ذاتياً، وتظل الدولة ببرلمانها المركزي هي الأصل في مباشرة اختصاصات الوظيفة التشريعية (66)، لأنه من الطبيعي أن يعمل المجلس التشريعي الإقليمي في حدود السلطات التي يتيحها دستور الدولة المركزية.
كما يجوز أن تفوّض الدولة الإقليم ببعض اختصاصات السلطة المركزية. وتفويض الاختصاصات في نظام الحكم الذاتي له طبيعة متميزة تختلف عن طبيعة التفويض في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية (التفويض الإداري)؛ ذلك لأن التفويض في الحكم الذاتي، الذي يُعتبر شكلاً لنظام الحكم، لا يقتصر على المسائل الإدارية وحدها، بل يمكن أن تفوّض السلطة المركزية هيئات الحكم الذاتي في مباشرة وظائف الدولة التشريعية. فيجوز بموجب القوانين المركزية تفويض الإقليم بالسلطات وبالتنفيذ نيابة عن الدولة، وبذلك يصبح الإقليم مفوَّضاً باعتباره أداة تبعية في ممارسة السلطة التشريعية للدولة، وتخضع التشريعات التي تصدر في هذه الحالة لمدى موافقتها حدود التفويض (67).
أما اختصاصاتها من الناحية التنفيذية فتتركز في تنفيذ القوانين والقرارات الإقليمية، وتنفيذ التشريعات المركزية المتعلقة بالإقليم، كما أن الحكومة المركزية قد تكلفها بالإشراف على تنفيذ القوانين والقرارات المركزية.
وأما اختصاصاتها في الوظيفة الإدارية فتنحصر في إدارة المرافق والمشروعات العامة التي يستطيع الإقليم القيام بها والإشراف عليها، وهي بشكل عام المرافق التي يمكن إدارتها وتنفيذها محلياً. وتقوم كذلك بتشجيع الثقافة والتعليم، وإحياء التراث والتقاليد الخاصة بالإقليم، والاهتمام بالشؤون المتعلقة بمواطني الإقليم، والإسهام في التنمية الاقتصادية وفق التخطيط الاقتصادي العام.
ج. الاستقلال المالي
يقوم الحكم الذاتي، كأي تنظيم لا مركزي، على أساس فكرة الشخصية المعنوية، باعتبارها تجسيداً للطابع القانوني فيه (68). ولما كانت الذمة المالية المستقلة إحدى النتائج المهمة لهذه الفكرة، فإن الاعتراف بالشخصية القانونية لإقليم الحكم الذاتي يعني تمتع الإقليم، باعتباره “وحدة قانونية”، بذمة مالية مستقلة تتميز عن الذمة المالية للحكومة المركزية (69).
ولا بد أن يكون قيام هيئات الحكم الذاتي بإدارة الشؤون الخاصة للإقليم وحكمها، وتحقيق أهدافها في تطويره وتقدمه، معتمداً على وجود موازنة خاصة مستقلة لها من حيث التمويل والإنفاق الذاتي، استثناءً من مبدأ وحدة الموازنة. غير أن هذا الاستقلال المالي ليس مطلقاً، بل ترد عليه عدة ضوابط يجب مراعاتها:
الأول: أن هيئات الحكم الذاتي، عند إعدادها الموازنة وتنظيمها، ملزمة بالتقيد بالقواعد الدستورية، فلا تستطيع أن تخالف المبادئ العامة التي قررتها التشريعات المركزية. وهذا الأمر يتفق مع طبيعة الحكم الذاتي باعتباره تنظيماً ذاتياً ضمن الحدود القانونية والاقتصادية للدولة (70).
الثاني: تنص الدساتير التي أخذت بفكرة الحكم الذاتي على منع هيئات الحكم الذاتي من فرض الرسوم الجمركية على دخول البضائع التي تمر في حدود الإقليم أو خروجها، كما تنص على عدم حرمان أي مواطن في الدولة من الإقامة في أراضيه (71)، وهذا الوضع يتفق مع فكرة الوحدة السياسية للدولة.
الثالث: يقضي بأن الحكومة المركزية هي التي تحدد أسعار الضريبة. وتطبيقاً لذلك كانت هيئات الحكومة المركزية في الاتحاد السوفيتي سابقاً هي التي تتولى النواحي الأساسية للتنمية الاقتصادية؛ فهي التي ترسم الخطوط الاقتصادية، وتضع الموازنة التخطيطية السوفيتية، وتحدد الضرائب ومصادر الدخل الأخرى، ولها وحدها تحديد الإيرادات التي تدخل في موازنة الحكومة المركزية وموازنة إقليم الحكم الذاتي (72). وهذا النظام الموحد يحول دون انتهاك أجهزة الحكم الذاتي للسياسة المالية للدولة المرتبطة بالمصالح الوطنية العليا، ومنها سياسة التنمية الوطنية والتخطيط العام. ولكن هذا لا يسلب هيئات الحكم الذاتي حقها في مباشرة بعض اختصاصات الوظيفة المالية، وذلك على الأسس التالية (73):
(أ) اشتراك هيئات الحكم الذاتي مع الحكومة المركزية في إدارة موارد الضرائب وتحديدها وتحصيلها، وفقاً للقانون والتشريعات المرعية.
(ب) سلطة فرض رسوم وضرائب إقليمية، مع تخويلها حق إصدار التشريعات والأوامر اللازمة لتحصيل الأموال العامة في حدود الإقليم.
(ج) خفض الضرائب والرسوم المالية الأخرى، إلى جانب حقها في منح إعفاءات إضافية، وذلك في حدود ما يتقرر لها من اختصاصات (74).
وتجدر الإشارة إلى أن الموازنة المخصصة لإقليم الحكم الذاتي قد لا تكفيه لسد حاجاته وتنفيذ مشروعاته العامة، الأمر الذي قد يضطره إلى طلب الإعانات والقروض من الحكومة المركزية، وقد تقرر الحكومة المركزية من تلقاء ذاتها منح الإقليم إعانات أو مساعدات (75).
وقد يثير هذا الأمر التساؤل عمّا إذا كانت الحكومة تستخدم هذه الإعانات وسيلة للتدخل في شؤون الإقليم، كما يجري عليه العمل في الدول الفيدرالية.
يرى أغلب الفقهاء والباحثين في القانون العام (76) أن السلطة المركزية تستطيع عن طريق الإعانات المالية أن تتدخل في الشؤون الداخلية للهيئات الإقليمية، وأن توسّع اختصاصاتها على حساب سلطات الإقليم، فيتقلص بذلك الاستقلال الذاتي للإقليم.
غير أن هذا الرأي، وإن كان صحيحاً بالنسبة للدول الفيدرالية، ليس كذلك بالنسبة لنظام الحكم الذاتي.
ففي النظام الفيدرالي تُحدَّد اختصاصات الحكومة الفيدرالية غالباً على سبيل الحصر، ولا يحق لها أن تمارس أي نشاط آخر لم ينص عليه القانون. ولكن رغبتها في توسيع اختصاصاتها، لاعتبارات عديدة، قد تدفعها إلى الاعتماد على منح الإعانات والمساعدات للتدخل في شؤون الولايات، ويساعدها على ذلك القضاء الفيدرالي أحياناً عن طريق التشريع المستتر، أو قد تكون هذه الإعانات ذاتها مشروطة (77).
أما في تطبيقات نظام الحكم الذاتي فلا يُخشى من تقديم هذه الإعانات من الحكومة المركزية، وذلك لسببين:
أ. فيما يتعلق بطريقة تحديد الاختصاص، نلاحظ أن اختصاصات هيئات الحكم الذاتي محددة على سبيل الحصر في جميع الأحوال، سواء أشار الدستور المركزي إلى اختصاصات الحكومة المركزية أم لم يُشر، فإزاء الاختصاص المقيَّد لهيئات الحكم الذاتي تكون الحكومة المركزية هي المختصة في كل ما لم يرد به نص. وترتيباً على ذلك فهي منطقياً ليست في حاجة إلى توسيع اختصاصاتها على حساب إقليم الحكم الذاتي.
ب. الغرض من هذه الإعانات محدد أيضاً، فالمشرّع يحدد الغاية من تلك الإعانات التي تُمنح لتكون في صالح الإقليم، ولتغطية ميزانيته التي بها ينمو ويتطور ليتساوى مع بقية أقاليم الدولة. وعلى ذلك فليست هذه الإعانات وسيلة للتدخل في شؤون الإقليم، بل هي لصالحه.
ويترتب على ما تقدم أنه إذا كانت فكرة الاستقلال الذاتي تمثّل العنصر الثاني لنظام الحكم الذاتي في القانون الداخلي، فإن وجود هذا الاستقلال لا يتوقف بشكل حاسم على الاستقلال المالي؛ وذلك لأن الموارد المالية قد لا تكفي لإشباع حاجات الإقليم، فتبقى ماليته في حالة عجز فعلي، فتلجأ السلطة المركزية في الدولة إلى تخصيص المساعدات والإعانات المالية لدعم مالية الإقليم.
ج. طبيعة الرابطة القانونية بين هيئات الحكم الذاتي والسلطة المركزية
إن الوحدة الإقليمية التي تتمتع هيئاتها بسلطات الحكم الذاتي، على أساس الاستقلال الذاتي الذي يقوم عليه نظام الحكم الذاتي، تظل جزءاً من إقليم الدولة؛ بمعنى أن وحدة الدولة في نطاق الحكم الذاتي الداخلي هي القاعدة (78)، وأن ما تتمتع به الوحدة الإقليمية من استقلال ذاتي، مهما كان مداه ودرجته، ليس عاماً ولا مطلقاً، بل محدود بالأبعاد التي يحددها المشرّع. وهذه الوحدة تتمثل من جهة في تنفيذ اختصاص الحكم الذاتي في حدود الوظيفة التشريعية والتنفيذية والمالية، وإدارة المرافق والمشروعات العامة ضمن حدود منطقة معينة داخل الدولة، وتتجسد من جهة أخرى في النصوص القانونية التي تحدد للسلطة المركزية قدراً معيناً من سلطة الرقابة على نشاط هيئات الحكم الذاتي ذاتها، وعلى أعضائها وأعمالها.
ولما كانت رقابة السلطة المركزية على هيئات الحكم الذاتي قيداً على استقلال هيئاتها، وكان هذا القيد بمثابة استثناء يثير العديد من الموضوعات، فإننا نرى دراستها من خلال:
فكرة التوازن بين الاستقلال الذاتي والمركزية في نظام الحكم الذاتي الداخلي.
مظاهر الرقابة المركزية على هيئات الحكم الذاتي.
فكرة التوازن بين الاستقلال الذاتي والمركزية في نظام الحكم الذاتي الداخلي
الأصل في تطبيق نظام الحكم الذاتي في القانون الداخلي هو وحدة الدولة القانونية والسياسية، ولكن قد يُطبَّق، استثناءً من هذا الأصل، نظام الحكم الذاتي على جزء أو أجزاء معينة من إقليم الدولة الواحدة تتميز بواقع جغرافي وقومي خاص. غير أن هذا الاستثناء لا يتعارض في الغالب مع القول بأن الاستقلال الذاتي لإقليم الحكم الذاتي هو الأصل الذي يقوم عليه مفهومه، منظوراً إليه من حيث الهدف منه، وأن ما يرد عليه من القيود ليس إلا استثناءً.
فالغرض الذي يهدف إليه هذا النظام هو تحقيق الاستقلال الذاتي لأقاليم متميزة قومياً وجغرافياً في الدولة. ولكن نظام الحكم الذاتي، وإن كان قائماً على هذا الأساس، ليس هذا أساسه الوحيد؛ إذ إن مفهوم الحكم الذاتي يقوم، كأي نظام لا مركزي، على أساس وحدة الدولة، بمعنى أن الاستقلال الذاتي لإقليم الحكم الذاتي ليس مطلقاً ولا تاماً، بل مقيد بحدود، منها:
أولاً: المحافظة على وحدة الدولة وإقليمها، أي التقيد بالوحدة القانونية والسياسية للدولة، بمعنى ألا تكون أعمال الحكم الذاتي متعارضة مع المصلحة الوطنية العامة أو المصلحة العامة لأقاليم الحكم الذاتي الأخرى.
ويؤكد الفقه في هذا المجال أن إجراء الانتخابات لقيام هيئات الحكم الذاتي، على خلاف البرلمان، لا يُستفاد منه تفويض في السلطة صادر عن شعب له السيادة، لأن سيادة الأمة لا تتجزأ، ولأن السيادة لا يُسمح بممارستها إلا لممثلين برلمانيين منتخبين على المستوى الوطني، ولذلك فبهذه الشروط وحدها تجوز ممارسة اللامركزية دون التغلغل في النظام الفيدرالي، أي دون إخلال بالطابع الموحد للدولة (79). ويذهب الفقيه بودا إلى أن الحكم الذاتي “برنامج اتحادي للدولة مع صيانة وحدتها وعدم قابليتها للتجزئة” (80). وفي المعنى ذاته يقول الأستاذ بالازولي إن الحكم الذاتي أداة للتكامل، “فالتكامل الوطني… يتطلب إيجاد صيغة للوفاق، وهذه الصيغة تكون في السماح بالحكم الذاتي، ومنع الاتجاهات الانفصالية” (81).
ثانياً: ضرورة وجود رقابة مركزية على مباشرة الحكم الذاتي، وذلك لكفالة مبدأ الشرعية وحماية المصالح الوطنية العامة. وتقضي سلطة الرقابة المركزية هذه بألا تكون الأعمال القانونية لهيئات الحكم الذاتي مخالفة للقواعد الدستورية والمبادئ العامة التي قررتها التشريعات المركزية. وبناءً على ذلك يكون للسلطة المركزية حق الطعن في التشريعات الإقليمية بطعن سياسي أمام البرلمان المركزي إذا تعلق الأمر بالملاءمة، أي في حالة مخالفة هذه التشريعات للمصالح الوطنية العامة أو مصالح أقاليم الحكم الذاتي الأخرى، أو بطعن قضائي إذا تعلق الأمر بالمشروعية (82). لذلك يشير الفقيه بيردو إلى أن الاستقلال الدستوري للولايات، أو الدويلات الأعضاء، في الاتحاد السوفيتي يحدّ منه الالتزام بروح الدستور السوفيتي (83). ويقرر الأستاذان بوسكيما وفوسكو أن الحكم الذاتي يضع نظاماً كاملاً لرقابة السلطة المركزية على هيئاته، حتى يضمن ألا يخرج نشاطها عن حدود مبدأ الشرعية (84). ويذهب الفقيه بودا إلى أن أقاليم الحكم الذاتي في إيطاليا، مع تمتعها بقدر كبير من الاستقلال، تخضع لرقابة كل من الحكومة المركزية والبرلمان (85).
وهكذا لا يمكن تحقيق التوازن بين حق الدولة في الإشراف والرقابة وحق الإقليم في الاستقلال الذاتي إلا في ظل وجود رقابة من جانب السلطة المركزية، للحيلولة دون انحراف هيئات الحكم الذاتي عند مباشرة سلطاتها.
ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك اختلافاً واضحاً، من حيث المدى والتنوع، بين مظاهر الرقابة التي تباشرها السلطة المركزية على هيئات الحكم الذاتي، وتلك التي تُمارَس على الهيئات المحلية في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية، أو التي ترد على ولايات الدولة الفيدرالية.
وبالنسبة للتمييز بين مدى الرقابة في نظام الحكم الذاتي ونظام اللامركزية الإقليمية، لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن الرقابة التي تمارسها السلطة المركزية على هيئات الحكم الذاتي أشد وأعمق من تلك التي تمارسها على الوحدات الإدارية الإقليمية (86)، ويتضح ذلك في المجالات الآتية:
المجال الأول: الغرض من الرقابة
نجد أن الهدف الأساسي والحقيقي من رقابة السلطة المركزية على الأشخاص الإقليمية في نظام اللامركزية الإقليمية إنما هو ضمان حسن إدارة المرافق والمشروعات العامة والمحلية، والعمل على وحدة الاتجاه الإداري في الدولة. أما القول بوجود هدف آخر، وهو حماية الوحدة السياسية للدولة، فليس إلا تبريراً من قبل الحكومة المركزية لتوسيع سلطاتها الرقابية وزيادة تدخلها في الشؤون المحلية، استناداً إلى حجج واهية، مثل “درء احتمال حدوث الانفصال” (87) أو “تجزئة الوطن”؛ فهي تبرر لنفسها بذلك تضييق استقلال الهيئات المحلية، فيفقد النظام اللامركزي الإقليمي معناه الحقيقي وغرض وجوده.
أما في نظام الحكم الذاتي فإن رقابة السلطة المركزية على هيئاته تستهدف، فوق تلك الأغراض، الحفاظ على وحدة إقليم الدولة ووحدتها الوطنية إزاء التيارات السياسية والعسكرية الداعية إلى تجزئتها وتفتيتها. يقول الدكتور عزيز الحاج في شأن نظام الحكم الذاتي بكوردستان العراق: “إن بعض القيود فُرضت على هيئات الحكم الذاتي، وهذا لقطع الأعشاب تحت أقدام الرجعية” (88)، وكذلك يرى الأستاذ بالازولي (Palazzoli) أن هناك أنواعاً مختلفة من تدخلات السلطة المركزية في شؤون هيئات الحكم الذاتي في إيطاليا يجوز تفسيرها بأنها من النظام العام (89).
ويترتب على ذلك أن سلطة الرقابة المركزية في نظام الحكم الذاتي لا تقف عند حد حماية وحدة اتجاه الإدارة، بل تنشد حماية وحدة الشعب والوطن. لذلك تجاوزت في بعض نظم الحكم الذاتي كونها وسيلة لحماية المشروعية، وأصبحت وسيلة للتعقيد والارتباك، لأن الأعمال والتصرفات القانونية التي تباشرها هيئات الحكم الذاتي لا تكون نافذة المفعول إلا بعد تدخل السلطة المركزية، إما عن طريق ممثليها في الإقليم، وإما عن طريق فحص القضاء لقراراتها (90). وبالتالي فإن الرقابة المركزية على هيئات الحكم الذاتي تشمل رقابة المشروعية والملاءمة معاً، ولهذا تكون الرقابة على هذه الهيئات أشد وأقوى من تلك التي تُفرض على المجالس المحلية في النظام اللامركزي الإداري.
المجال الثاني: مجال القضاء
إذا كانت الرقابة القضائية أمراً غير مرغوب فيه في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية باعتبارها رقابة تدخّلية، فإن الأمر يختلف بالنسبة لنظام الحكم الذاتي، لأن تعدد الاختصاصات وتنوعها يحتّم تعدد مظاهر الرقابة؛ فكل اتساع في نطاق الاختصاصات يدعو، طبقاً للمنطق، إلى اتساع نطاق سلطة الرقابة والإشراف.
لذلك يشير الأستاذ بالازولي (Palazzoli) إلى أنه يجوز ممارسة أنواع مختلفة من الرقابة على النشاط الإداري والتشريعي والمالي للوحدات المتمتعة بالحكم الذاتي، ويضيف أن الرقابة في ظل النظام اللامركزي الإداري تكون رقابة وصائية، وأن هذا التنوع في مظاهر الرقابة على هيئات الحكم الذاتي هو الفرق بين الوصاية على هيئات الحكم الذاتي والوصاية على المجالس المحلية في ظل الدولة الموحدة (91). أما الفقيه بودا فيقول إن هناك قيوداً عديدة على ممارسة الوظيفة التشريعية على مستوى أقاليم الحكم الذاتي (92).
المجال الثالث: نطاق الاختصاصات
يُلاحظ أن المسائل التي تدخل في اختصاص هيئات الحكم الذاتي أوسع من تلك التي تختص بها الوحدات الإدارية الإقليمية؛ ففي الوقت الذي يتمتع فيه إقليم الحكم الذاتي باختصاصات الوظيفتين التشريعية والتنفيذية (93)، ينحصر اختصاص الوحدات الإدارية في الوظيفة الإدارية وحدها، وهو ما يترتب عليه اتساع حدود رقابة السلطة المركزية على إقليم الحكم الذاتي (94).
أما فيما يتعلق بمدى سلطة الرقابة التي تمارسها الحكومة المركزية في الدول الفيدرالية على حكومات الولايات الأعضاء، فنلاحظ أن كل نظام قانوني يتناول تقسيم الاختصاصات بين الهيئات الدستورية، أو بينها وبين الهيئات اللامركزية، يتطلب أدوات للرقابة لإقرار صحة الاختصاص. وكذلك الأمر في الدول الفيدرالية، إذ تُعدّ الرقابة فيها عنصراً أساسياً؛ لأن اتحاد الولايات، وإن كان ينصرف معناه في النظام الفيدرالي إلى المساواة والمعاملة بالمثل بين المركز والولايات الأعضاء، يحتمل بطبائع الأمور حدوث منازعات بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات الأعضاء، أو بين بعضها وبعض، وهذا يحتّم وجود هيئة قضائية للفصل في هذه المنازعات. غير أن مثل هذه المنازعات تُحسم في أغلب النظم الفيدرالية عن طريق تحكيم محايد، وذلك بواسطة المحكمة الفيدرالية العليا، وهي هيئة قضائية محايدة.
والمسألة في الدول التي تأخذ بنظام الحكم الذاتي تقوم على الأسس ذاتها، باستثناء أن الرقابة فيها لا تتعلق بمفهوم المساواة، بل بمفهوم سيادة تشريع الدولة في حدود نظام الاستقلال الذاتي للإقليم. كما أن المركز القانوني للولايات الأعضاء في الدول الفيدرالية يتمتع بقدر من ضمانات الاستقلال يفوق، من حيث المدى والدرجة، ما تتمتع به أقاليم الحكم الذاتي، ويتمثل ذلك في سلطة الرقابة بالنسبة لبعض الاختصاصات التي تنفرد الولايات الأعضاء بممارستها بصورة مانعة دون أية رقابة. وما دامت حدود ضمانات استقلال الولايات الفيدرالية تتعدى نطاق استقلال الحكم الذاتي، فمن المنطقي أن تكون سلطة الرقابة عليها في الوقت ذاته ضيقة ومحدودة.
ذلك أن تحقيق التوازن بين فكرة الحكم الذاتي من حيث ما تهدف إليه، وبين مفهوم الدولة المركزية من حيث ما ينطوي عليه من ترابط أجهزة الدولة ومؤسساتها وتساندها، يوجب أن تكون العلاقة بين هيئات الحكم الذاتي والحكومة المركزية محددة بطريقة تسمح بإبراز الاستقلال الذاتي للإقليم، باعتباره الأساس الأول لفكرة الحكم الذاتي. يضاف إلى ذلك أن المعروف عن فكرة الحكم الذاتي أنها تمثّل التعايش السلمي بين عدة قوميات في الدول ذات التركيب العرقي المعقد، فالأمر هنا، من وجهة نظر الباحث، لا يقتصر على تحديد العلاقة بين نوعين من مؤسسات الدولة، المركزية والإقليمية، كما هو الحال في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية، بل هو أعمق من ذلك وأشمل. ثم إن ضمان استقلال إقليم الحكم الذاتي يجب ألا يتعارض مع وجود رقابة فعالة وجدية، على ألا تعوق هذه الرقابة مؤسسات الحكم الذاتي عن ممارسة اختصاصاتها. وبناءً على ذلك يجب في هذا الصدد أن يقتصر دور سلطة الرقابة على تحقيق مبدأ المشروعية دون رقابة الملاءمة.
أجزاء «قانون الحكم الذاتي» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس