الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قانون الحكم الذاتي (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
3. رقابة الهيئة التشريعية المركزية على هيئات الحكم الذاتي
للهيئات التشريعية المركزية، بوصفها ممثلة لشعب الدولة كافة، حق الرقابة على هيئات الحكم الذاتي، وتختلف صور هذه الرقابة تبعاً للنظام السياسي في الدولة؛ فبينما نجدها قوية واسعة الأبعاد في الدول الاشتراكية، نجدها ضعيفة، إلى حد كبير أحياناً، في غير تلك الدول.
ففي الاتحاد السوفيتي كان البرلمان المركزي يمارس هذه الرقابة، ونظراً لكون السوفيت الأعلى للدولة السوفيتية هو الأساس في تنظيم الدولة، فقد كان يتمتع بكل ما هو ضروري من صور الرقابة وسلطاتها؛ إذ له حق تشكيل لجان للتحقيق والمراقبة في جميع المسائل، وتُلزَم جميع المؤسسات والموظفين بتنفيذ طلبات هذه اللجان وتقديم المواد والوثائق الضرورية لها. وبالإضافة إلى ذلك هناك سلطة رقابية يباشرها السوفيت الأعلى على عمل هيئات السوفيتات الدنيا، وتتمثل في الاستماع إلى التقارير العامة والبيانات من رؤساء الهيئات، والإشراف على تنفيذ توصيات الناخبين، وذلك بغية التأكد من التنفيذ السليم للأعمال القانونية للسلطة المركزية والسلطات العليا الأخرى (120).
أما في نظام الحكم الذاتي بإيطاليا، فيُلاحظ أن القانون الإقليمي المعيب، الذي من حق الحكومة المركزية أن توقف تنفيذه فوراً إجراءً مؤقتاً، لا بد من عرضه ثانية على المجلس الإقليمي، فإذا أصرّ عليه وأقره بالأغلبية المطلقة لأعضائه، فللحكومة المركزية أن تلجأ إلى الوسيلة الثانية، وهي الطعن في القانون. وتستطيع الحكومة المركزية أن تواجه إصرار المجلس الإقليمي إما بطعن قضائي (121) وإما بطعن سياسي.
فإذا تعلق الأمر بالملاءمة السياسية، أي في حالة مخالفة القوانين الإقليمية للمصالح الوطنية أو مصالح المناطق الأخرى، فللحكومة أن تسلك طريق الطعن السياسي الذي يكون أمام البرلمان المركزي بمجلسيه، وذلك خلال خمسة عشر يوماً من إبلاغها الموافقة الثانية لمجلس الإقليم على القانون الإقليمي (122).
ويُنتقد هذا الإجراء بمقولة مفادها أن الطعن السياسي الذي تلجأ إليه الحكومة المركزية في شأن القوانين الإقليمية، بحجة تعارضها مع المصالح العامة، لا توجد قاعدة تساعد على تمييز الموضوع الذي يصدر في شأنه، أو الإجراءات التي يجب اتباعها، أو الصيغة القانونية التي يجب أن يصدر القرار في إطارها. ولذلك لم يحدث حتى الآن أن طُعن في قانون إقليمي أمام البرلمان، وحتى عندما برزت مشكلات حقيقية في نطاق تعارض المصالح الوطنية والإقليمية، فضّلت الحكومة عرض الموضوع على المحكمة الدستورية بوصفه مخالفة لمبدأ الشرعية (123).
ومما تجدر الإشارة إليه أن سلطة رقابة البرلمان في نظام الحكم الذاتي الإيطالي لا تقتصر على التشريعات الإقليمية، بل تشمل حتى الأعمال الإدارية للإقليم، لأن هذه الأعمال تخضع لرقابة البرلمان، وليس النشاط التشريعي للإقليم وحده. والرقابة على شرعية الأعمال الإدارية للإقليم تمارسها لجنة موفدة من البرلمان المركزي، وهي رقابة على الشرعية فقط، تقتصر على التأكد من مطابقة العمل الإداري للقانون (124).
4. الرقابة المالية
من المقومات الأساسية لنظام الحكم الذاتي استقلال الشخص اللامركزي، أي إقليم الحكم الذاتي، بذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للدولة، ويقتضي هذا الاستقلال أن يتمتع الإقليم بحرية التصرف في موارده المالية.
بيد أن المستقر عليه فقهاً وقانوناً، مهما كانت أبعاد الاستقلال المالي الإقليمي، وجود سلطة رقابية مركزية تتولى مراقبة الشؤون المالية للأقاليم، من حيث الرقابة على جبايتها وعلى مصروفاتها. ونظراً لتعدد الجهات الرقابية على مالية إقليم الحكم الذاتي نتناول الموضوع في النقاط التالية:
أ. الرقابة المالية عن طريق السلطة التشريعية
يكون للسلطة التشريعية المركزية في نظام الحكم الذاتي حق رقابة أعمال هيئات الحكم الذاتي في كل ما له علاقة بالمسائل المالية، وتتمثل هذه الرقابة فيما يأتي:
أولاً. الضرائب والقروض وترتيب الالتزامات المالية: في نظام الحكم الذاتي بالعراق مثلاً، لا يجوز إنشاء الضرائب العامة والإقليمية أو تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون مركزي، كما لا يجوز التفويض في هذه المسائل لهيئات الحكم الذاتي. وكذلك لا يجوز لإقليم الحكم الذاتي عقد قرض أو الارتباط بمشروع اقتصادي يترتب عليه إنفاق مبالغ مالية، وليس من حقه منح الالتزامات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة، كما لا يجوز منح المرتبات والتعويضات والإعانات والمكافآت التي تتقرر على خزانة الدولة إلا بمقتضى قانون مركزي. وهذا يعني أن ما يتصل بهذه المسائل يكون تحت الرقابة المسبقة للهيئة التشريعية المركزية.
ثانياً. الموازنة الإقليمية: تختلف الموازنة العامة لإقليم الحكم الذاتي من حيث مصادرها عن ميزانية الدولة، وتصدر الموازنة العامة للإقليم بقانون مركزي، ولذا يجب عرض مشروع الموازنة الإقليمية على الهيئة التشريعية المركزية، ولا يُعتبر نافذاً إلا بموافقتها. ويحدد القانون طريقة إعداد الموازنة كما يحدد السنة المالية، بمعنى أن موازنة الإقليم وما يتعلق بها من حسابات تخضع للقواعد والأسس نفسها التي تُتّبع في إعداد موازنة الدولة (125). وحتى في الحالات التي يُقرَّر فيها للإقليم حق اعتماد الموازنة الإقليمية بقانون إقليمي، يجب أن تتفق مالية الإقليم مع مالية الدولة، تطبيقاً لمبدأ الشرعية والتضامن الوطني (126).
ب. الرقابة المالية عن طريق السلطة التنفيذية
يصدر الجهاز المالي المركزي والإدارات المركزية التابعة له التعليمات والتوجيهات والإرشادات لهيئات الحكم الذاتي فيما يتعلق بالطرق التي يتعين على هذه الهيئات اتباعها في إعداد موازنة الإقليم وتنظيمها وترتيبها. وعلى سبيل المثال نلاحظ أنه في نظام الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان بالعراق يتم إعداد موازنات المنطقة وتنظيمها على القواعد والأسس نفسها التي يتم بها إعداد الموازنة المركزية، ولذلك أصبح لزاماً على منطقة الحكم الذاتي أن تضع الموازنات الإقليمية على الطريقة التي توضع بموجبها الموازنة المركزية، سواء من حيث طريقة إعدادها ووضع احتمالاتها، أو من حيث تبويبها وتنظيم هيكلها.
ولا شك أن الهيئة المالية الإقليمية تعتمد في القيام بهذه الاختصاصات على التعليمات الخاصة بإعداد الموازنة العامة للدولة، التي دأبت وزارة المالية على إصدارها كل عام خلال مدة مناسبة قبل بداية السنة المالية.
أما في الاتحاد السوفيتي فكانت عدة أجهزة تنفيذية تمارس الرقابة على الشؤون المالية والاقتصادية لهيئات الدولة، ومنها هيئات الحكم الذاتي (127). ومن هذه الأجهزة وزارة المالية، التي تمارس رقابتها بواسطة جهاز خاص للرقابة والمراجعة يقوم بأعمال الفحص والتدقيق، وهو “إدارة الرقابة والمراجعة لوزارة المالية المركزية ووزارات مالية الجمهوريات الفيدرالية”. أما في جمهوريات الحكم الذاتي فيتولى توجيه نشاط الرقابة والمراجعة مراقبون عامون يكونون مسؤولين مباشرة أمام إدارة الرقابة والمراجعة بوزارة مالية الجمهورية الفيدرالية. وهناك كذلك جهاز تنفيذي آخر هو لجنة الدولة للرقابة التابعة لمجلس الوزراء المركزي ومجلس وزراء الجمهوريات الفيدرالية، وتباشر أوجهاً مختلفة للرقابة المالية على هيئات الدولة المركزية واللامركزية؛ فقد تكون رقابة مستمرة حين تُطبَّق في المؤسسات أو المشروعات في الوقت الذي يتم فيه التنفيذ والتصرف في النفقات، وقد تكون رقابة لاحقة تُنفَّذ بعد أن تكون العمليات قد تمت، وأهم صورها التأكد من صحة النفقات وفحص المستندات وأوجه الصرف. وتقوم لجنة الدولة للرقابة، عند اكتشاف المخالفة القانونية، باتخاذ إجراءات لتصحيحها، منها إصدار القرارات التأديبية ضد المسؤولين عن هذه المخالفات، ومنها أيضاً إخطار الهيئة التي يتبعها الموظف المخالف لكي تخطر المدعي العام بإقامة الدعوى الجنائية ضده.
كما يمارس الرقابة المالية جهاز الإدارة العامة للخطة، عن طريق مراقبة سير تنفيذ مهام الخطة المركزية التي صادق عليها السوفيت الأعلى للدولة، ويتم ذلك بفحص تقارير الهيئة التنفيذية في شأن تنفيذ الخطة واتخاذ القرارات بشأنها، وتقديم المقترحات لزيادة الإنتاج الوطني.
ج. الرقابة المالية عن طريق القضاء
تختص المحاكم الإدارية، في نظام القضاء المزدوج، بالنظر في المنازعات الإدارية ذات الطابع المالي، كالطعون في القرارات الصادرة عن الجهات الإدارية التي يكون موضوعها المسائل المالية. ولكننا نجد في النظام القانوني لإيطاليا أن لمحكمة المحاسبات (128) دوراً في الرقابة على المسائل المالية لإقليم صقلية ذي الحكم الذاتي؛ فيتولى القسم القضائي بالمحكمة التأكد من مشروعية المصروفات المبينة بميزانية الإقليم من حيث عدم مخالفتها للقوانين واللوائح. وللمحكمة أيضاً الحكم في الدعاوى المرفوعة من قبل الأفراد أو الجماعات للتعويض عن الأضرار الناجمة عن أعمال الإدارة الإقليمية، عن طريق أجهزة قضائية تُعتبر فروعاً لمحكمة المحاسبات، ومقر رئاسة هذه الأجهزة في باليرمو عاصمة الإقليم. وهذه الدعاوى من اختصاص محكمة المحاسبات، لا قضاء مجلس الدولة كما هو الحال في فرنسا (129).
ومما هو جدير بالذكر أن القانون الأساسي لإقليم صقلية هو وحده الذي ينص على هذه الرقابة المحاسبية على المسائل المالية من قبل محكمة المحاسبات. لذلك يُنتقد هذا الأسلوب من الرقابة بحجة أنه ليست هناك أدنى قواعد تنظيمية لبيان إجراءاتها أو مدتها، على الرغم من أهمية هذه الأمور لأي جهاز قضائي يقوم بدور رقابي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يرى الأستاذ بالازولي أن سكوت النصوص عن قيام هذا الجهاز بهذه الرقابة بالنسبة لبقية الأقاليم يؤدي إلى مشكلات كثيرة، لأنه ليس هناك سبب منطقي لعدم قيام محكمة المحاسبات بالرقابة باعتبارها الجهاز المختص في تلك المسائل، فضلاً عن أن هناك علاقة وثيقة بين هذه الرقابة المالية بمعرفة محكمة المحاسبات والرقابة بمعرفة الدولة وفقاً للمادة 125 من الدستور (130).
ومما سبق يتبين أن نظام الرقابة الذي يُطبَّق على هيئات الحكم الذاتي وأعمالها يتميز بتعدد أجهزته وصوره وأساليبه، على نحو نرى معه ما يلي:
أولاً. تجمع رقابة السلطة المركزية على هيئات الحكم الذاتي بين رقابة المشروعية ورقابة الملاءمة، لأن الغرض منها لا يقتصر على حماية مبدأ المشروعية، بل يهدف أيضاً إلى التأكد من اتفاق نشاط هيئات الحكم الذاتي مع التوجهات والأهداف السياسية للدولة.
كما أن عملية الرقابة ليست عملية مستقلة بذاتها، فقد تباشرها إحدى الهيئات وتباشر في الوقت نفسه التشريع والتنفيذ، ومثال ذلك “السوفيتات العليا” في الاتحاد السوفيتي، فهي تشرّع القوانين والقرارات وتقوم في الوقت ذاته بالرقابة على تنفيذها، ومعنى ذلك أن هيئة واحدة قد تباشر في وقت واحد ثلاث وظائف متميزة هي: التقرير، والتنفيذ، والرقابة (131).
ثانياً. تتنوع الرقابة من حيث مظاهرها وصورها، إذ إن لسلطة الرقابة حق التنسيق والتوجيه والتعيين والحل والإحلال والإلغاء وفحص القرارات وتحريك القضاء (132)، على نحو يكشف أن الرقابة المركزية في نظام الحكم الذاتي الداخلي تأخذ طابعاً مميزاً يختلف عما هو معمول به في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية أو في النظام الفيدرالي، وأن تعدد مظاهر الرقابة وتنوع طرق تنفيذها من شأنه تشويه المعنى الحقيقي لمفهوم الحكم الذاتي، وهو تأكيد الاستقلال الذاتي للأقاليم المتميزة.
ويترتب على ذلك نتيجة مؤداها أن الحكم الذاتي الداخلي نظام مزيج من فكرتي الفيدرالية واللامركزية الإقليمية؛ فهو يأخذ من النظام الفيدرالي القواعد التي تحدد الاختصاصات بين الحكومة المركزية وأقاليم الحكم الذاتي، وكذلك قيام الهيئة التشريعية الإقليمية إلى جانب المجلس التنفيذي الإقليمي، ويأخذ من نظام اللامركزية الإقليمية مظاهر الرقابة المركزية التي لا تقتصر على رقابة المشروعية بل تمتد إلى رقابة الملاءمة.
أجزاء «قانون الحكم الذاتي» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس