الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991 (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

بالأفق السياسي الجديد الذي ميّز رموز الحركة الكوردية، سمع الكورد بتعيين عبد السلام محمد عارف، القومي العربي، رئيساً للجمهورية إثر انقلاب عسكري في شباط عام 1963. وربما هذا ما جعل الزعيم الكوردي جلال الطالباني يلامس الأمل في الحديث عن الحكم الذاتي والفيدرالية لكوردستان العراق، وهو يعرف عمق الصداقة والمحبة التي تجمع رمزي القومية العربية عبد السلام محمد عارف وجمال عبد الناصر، وأن للأخير كلمة مؤثرة. كان ذلك قبل أن يعرف أن سلطات الرئيس الجديد عبد السلام عارف محصورة بيد قادة حزب البعث، وخاصة علي صالح السعدي وصالح مهدي عماش ومنذر توفيق الونداوي، فيما كان نائب رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر بعيداً عن قرار التفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، حتى وهو على رأس المكتب العسكري الذي خطط للانقلاب على عبد الكريم قاسم. وقد وجد عبد السلام عارف أن قادة الانقلاب، بمن فيهم المدنيون، لا يبحثون بدافع مصالحهم الشخصية إلا عن كراسي الحكم، وليس عن خدمة العراق وتسوية مشاكله مع الأقليات والقوميات، ومنها القضية الكوردية. وقد أتاح له ذلك التفكير في الفرصة التي ضاعت منه منذ ثورة 14 تموز عام 1958، فأعاد التوازن بانقلاب عسكري جديد في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963، صار فيه في موقع المسؤولية المؤثرة تماماً، فصفّى أو طرد رموز البعث الذين وصفهم القيادي البعثي علي صالح السعدي بأنهم وصلوا إلى السلطة على متن قطار أمريكي.

ربما هذا ما أعطى الرئيس جمال عبد الناصر متعة وفرحاً غامراً بالانقلاب الجديد، وليس بالضرورة موسكو، فالرئيس خروشوف كان يعرف أن محاكمة عبد السلام عارف عام 1959 كانت شيوعية بامتياز، وعبد السلام معروف بحبه للقومية العربية والتزامه بالإسلام الوسطي الذي يتيح لكل الأطراف المختلفة الجلوس معه على طاولة المفاوضات، بمن فيهم الكورد. وكانت البداية موفقة عندما طلب الرئيس عبد السلام محمد عارف سحب الوحدات السورية المسلحة من كوردستان العراق، وكانت قد وصلت بتعاون بين سلطتي حزب البعث في العراق وسورية بعد نجاح ثورة البعث في سورية في آذار 1963، وفتح قناة الاتصال مع قيادة الملا مصطفى البارزاني، فتمخض اجتماع مشترك حكومي - كوردي عن اتفاق العاشر من شباط عام 1964، الذي توقفت بموجبه الاشتباكات العسكرية بين الجيش العراقي والبيشمركة الكوردية في كوردستان، ولو بصورة مؤقتة. وقد أثار ذلك حفيظة أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يديره جلال الطالباني وإبراهيم أحمد (صهره)، إذ وجدا أن الاتفاق لم يُشر إلى الحكم الذاتي لكوردستان، في حين تركز الحديث وقتاً طويلاً أثناء المفاوضات على حل البيشمركة الكوردية، وهي عملية لا تخدم الكورد في المفاوضات السياسية الطويلة. فقد تعلمت قيادات الثورات الكوردية السابقة في إيران وتركيا والعراق أن تنازل الطرف الحكومي عن عناده وإعطاء الكورد مطالبهم إنما ينبع في الأساس من وجود قوة عسكرية مستعدة تماماً، والحرب هي استمرار للسياسة بوجه آخر. والحكم الذاتي الذي يريده الكورد هو أن يحصل إقليم كوردستان على صلاحيات سياسية وإدارية واقتصادية لإدارة الإقليم عن طريق حكومة محلية منتخبة لا تخضع للمركز إلا بما يوفر للدولة سيادتها واستقلالها وحرية قرارها السياسي، أي أن تكون السياسة المالية والخارجية والدفاعية بيد المركز، ويجري الحوار بشأنها في أي قرارات حاسمة، وخاصة إعلان الحرب.

تفهّم عربي لمطالب الكورد دون إيران وتركيا

إن الحكم الذاتي الذي نوّهنا عنه هو ما كان يتطلع إليه أبناء كوردستان العراق وفق ما ورد في دستور عام 1958، الذي تضمن مشاركة العرب والكورد في القرار السياسي، وليس استخدام الكورد لقتل الكورد أو لقتل التركمان، أو إجراء مسيرات شيوعية في الموصل للانتقاص من القوميين العرب. وهذا ما حمله عضو المكتب السياسي الزعيم الكوردي جلال الطالباني إلى القاهرة للتداول مع الرئيس جمال عبد الناصر، وفي جعبته أن الحكم الذاتي نقيض للمركزية، وأن النظام الفيدرالي شكل متقدم من أشكال الحكم الذاتي، وأن الدولة التي تمارسه عليها أن تتخلى عن جزء من صلاحياتها لديمومة التعايش بين أبناء الوطن الواحد. وقد حمل التصور الذي طرحه الزعيم الكوردي جلال الطالباني أمام الرئيس جمال عبد الناصر الرؤية الكوردية للحقوق والواجبات، إذ قال:

إذا كنتم يا سيادة الرئيس تودّون إقامة اتحاد جمهوريات صيغةً للوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية، فإن مطالب الكورد بسيطة، وهي أن يكون لنا حكم ذاتي في كوردستان ضمن إطار الوحدة الثلاثية. أما إذا أردتم يا سيادة الرئيس أن تقيموها جمهورية عربية واحدة، فالكورد إخوانكم المسلمون، ويشرّفهم أن يكونوا إقليماً رابعاً ضمن أقاليم هذه الجمهورية العربية.

وأثبت الكورد للرئيس جمال عبد الناصر أن القومية الكوردية ليست عنصرية تمنع الآخرين، بمن فيهم العرب، من تحقيق أماني شعوبهم، كما يفعل الحاكم الإيراني والتركي. ولم يكن الرئيس جمال عبد الناصر إلا تواقاً إلى الطرح الكوردي، لأنه جاء وفق منظور استراتيجي واضح ليس فيه تدليس أو مراوغة سياسية أو رائحة يُشمّ منها الانفصال عن الدولة، ولغة الحوار السياسي مطلوبة حتى بعد القتال.

وقد يكون ما طرحه الزعيم الكوردي جلال الطالباني أمام الرئيس جمال عبد الناصر قد جاء على خلفية قصة المسألة الكوردية في الدول الثلاث التي لها مركز ثقل في القرار السياسي، وهذا يعني أن على كل وفد كوردي يزور دولة عربية أو أوروبية أن يزوّد رئيس الدولة المضيفة بالحقيقة، لا بالرواية المزوّرة التي كتبها رجال المخابرات أو السفارات مجاملةً للعلاقات الودية التي تجمع دول الجوار. ولم يجد الزائر جلال الطالباني في القاهرة إلا أن يقول إن مجلس عصبة الأمم شكّل لجنة لدراسة مشكلة ولاية الموصل في الثلاثين من أيلول عام 1924، بعد أن تعذر حلها عن طريق المفاوضات بين بريطانيا المنتصرة وتركيا المهزومة في الحرب. وكان واقع الحال أن حدث انقسام بين سكان ولاية الموصل، فمنهم من كان يريد العودة إلى الحكم التركي لأنهم مسلمون ويرفضون حكم المحتل البريطاني، فيما صوّت اليهود والمسيحيون لصالح المحتل. ولكي يفهم الجانب المصري طبيعة تكوين المجتمع العراقي عامة، والمجتمع الكوردي خاصة، ذكر أن أهالي مدينة السليمانية، والزعيم الكوردي جلال الطالباني أحد أبناء هذه المحافظة، طلبوا في مذكرة إلى عصبة الأمم أن يكون «صوت كوردستان» مسموعاً، إذ لا صلة تربط الكورد بالأتراك سوى الدين، وتركيا أصبحت دولة علمانية. وليس في مدينة السليمانية عرب أو أتراك، وهذا سر نشاط أهلها، فمنها انطلقت أول ثورة بقيادة ابنها الشيخ محمود الحفيد ضد المحتل البريطاني عام 1919.

أما تشبث الترك بولاية الموصل فيعود، إضافة إلى وجود الطاقة (النفط) في الموصل وكركوك، إلى أن الأتراك عدّوا وجود الكورد في هذه الولاية خارج نفوذهم أمراً قد يمهد الطريق لإثارة الكورد الموجودين في تركيا، وهو ادعاء لم تأخذ به اللجنة الأممية، التي بعثت بتقريرها إلى مجلس العصبة في السادس عشر من تموز عام 1925، وخصّت الكورد فيه بما يلي:

  1. إن أهم وأكبر عنصر في ولاية الموصل هو العنصر الكوردي، لأن الكورد يشكلون 5/8 سكانها، وإذا أضفنا إليهم الإيزيديين والشبك أصبحوا 7/8 سكان ولاية الموصل. وهم يختلفون عن الأتراك في عاداتهم وتقاليدهم، حتى في النظر إلى حقوق المرأة، كما أن مظهرهم الجسدي أقرب إلى كورد إيران منه إلى كورد تركيا، ولكنهم ليسوا إيرانيين.

  2. إن حدود العراق العربي تمتد شمالاً إلى مدينة هيت على نهر الفرات، وتكريت على نهر دجلة، والأقرب إلى الوصف أن جبل حمرين هو ما يحدّه من الشمال.

  3. لم تظهر مناطق متنازع عليها بين العرب والكورد منذ الفتح العربي في القرن السابع الميلادي وحتى تاريخ تحقيق اللجنة الأممية عام 1925. والمألوف لدى سكان ولاية الموصل أن كتب التاريخ سجلت اسم مدينتهم قبل أن تسجل اسم العراق. وإن مدينة كركوك بناها الكورد، لأنها موطن الكوتيين الذين سكنوها قبل نزوح العرب إلى جنوب العراق.

واقترحت اللجنة، في حال الأخذ بالنواحي القومية، وجوب إنشاء دولة كوردية مستقلة. أما إذا دخل العامل الاقتصادي فيها، فإن اللجنة توصي بضم ولاية الموصل، جنوب خط بروكسل، إلى العراق، على أن يؤخذ بنظر الاعتبار بقاء العراق تحت الانتداب البريطاني مدة ربع قرن (خمسة وعشرين عاماً)، وأن تُراعى رغبات الكورد في أن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية. والواقع أن الأتراك لم يقبلوا بقرار اللجنة ضم ولاية الموصل إلى العراق، غير أن بريطانيا المنتصرة في الحرب، وهي الدولة القائدة بعد الحرب العالمية الأولى، لم تنظر بعين الجد إلى رفض تركيا للحدود الجديدة، فباعت تركيا رفضها للقرار الأممي بالنفط، حين توصلت بريطانيا والعراق وتركيا إلى إعطاء 10% من نفط الموصل لشركة النفط التركية مدة خمسة وعشرين عاماً ابتداءً من تموز عام 1926، مقابل الاعتراف بخط حدود بروكسل، وألّا يُسمح للآثوريين الذين غادروا تركيا بعد الحرب بالعودة إليها. وكان الأهم فيما طرحه الوفد الكوردي هو ما أرادته بريطانيا من القضاء على الحركات المعادية لكل من تركيا والعراق، والمقصود بها ثورات الكورد الاستقلالية.

كان الزعيم الكوردي جلال الطالباني يدرك أن النزعة العسكرية لدى الحكام في العراق وتركيا قد تجذرت منذ ثورة بكر صدقي عام 1936، وثورة الكيلاني عام 1941، والسنين المرّة مع الزعيم عبد الكريم قاسم (1958 – 1963)، وأن على الكورد اليوم أن يتحدثوا مع المشير الركن عبد السلام محمد عارف. وقد عمل الأخير، ابتداءً من شهر أيار عام 1964، على خطوات تنسيقية مع مصر بغية الوصول إلى اتحاد دستوري بينهما، دون أن يكترث لوجود مذاهب وقوميات في العراق، ومنهم الكورد الذين يعارضون تأميم المصارف والشركات، ذلك التأميم الذي قاد إلى تهريب رؤوس الأموال إلى خارج العراق، وإلى بطالة شملت (20287) عاملاً في خريف عام 1964. ويرى الكورد أن التدابير الاشتراكية على غرار ما هو موجود في مصر انتهاك للملكية الخاصة ومخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، قبل أن يعترف المشير الركن عبد السلام محمد عارف، رئيس الجمهورية، بأن العلماء الشيعة في جنوب العراق ليسوا على نمط علماء الدين المصريين الذين يرون في تطبيق الاشتراكية ما ينقذهم من جوع محدق.

وهذه واحدة من المشاكل التي ميّزت حكم العسكريين في علاقتهم مع الكورد، فهم لا يريدون الاصطفاف مع أي خبير مدني يناقش القضية الكوردية بروح المسؤولية، كما حصل لاحقاً مع الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء في أيلول عام 1965. ووافق الرئيس المصري جمال عبد الناصر على تعيين الكوردي شوكت عقراوي مندوباً للثورة الكوردية في مصر، لإطلاعه على آخر تطورات مناقشة قضية الكورد مع الرئيس عبد السلام عارف، ونصح الزعيم الكوردي جلال الطالباني بالعودة إليه بعد زيارة الجزائر. وربما أراد الرئيس جمال عبد الناصر أن يبلور مناخاً مناسباً لطرح القضية الكوردية في مؤتمرات القمة العربية، وهو يجد في الرئيس الجزائري أحمد بن بلّا، أحد ثوار جبهة التحرير الجزائرية الذين ثاروا على المحتل الفرنسي (1954 – 1962)، رجلاً تواقاً إلى إعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها، ومنها الشعب الكوردي الذي يكافح كبقية الشعوب الإسلامية ضد الهيمنة الأجنبية لبناء العالم الجديد. فوحدة شعوب العرب والمسلمين والكورد يمكن أن تؤسَّس على حرية الاختيار والسماح بتعددية سياسية وثقافية واسعة، وهي مصدر قوة للبلدان الإسلامية دون هدر لطاقاتها. وقاد ذلك الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، المطّلع على نفي رموز كوردية إلى بلاده في زمن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، إلى أن يقول إنه عربي لا يستطيع التحايل على الحقيقة، فالأكراد لهم أرض هي كوردستان، ولهم أمة هي الأمة الكوردستانية، وهي أمة شقيقة يجب أن تُحترم دون التنكيل بها، وإن تأييده لكفاحهم في دولة لا يعني معاداة الأمة العربية والإيرانية والتركية.

وفهم الكورد أن الرؤساء الثلاثة، جمال عبد الناصر وأحمد بن بلّا ومعمر القذافي، يريدون للكورد دولة مستقلة متضامنة مع العرب، دون قتال يتجدد بين المسلمين بين الحين والآخر. إلا أن مشكلة الكورد أنهم يتحدثون مع رؤساء دول ليس بوسعهم فرض المطالب الكوردية على رئيس الدولة المعنية عبد السلام محمد عارف. وقد تكون اعتبارات المصالح المشتركة، والصداقة التي تجمع عبد السلام محمد عارف بأقرانه رؤساء العرب الثلاثة، هي ما أقنعهم أولاً بوجود يد خفية تدعم الكورد لتقسيم العراق، وثانياً بأن إعلان الحكم الذاتي خارج المدن الثلاث السليمانية وأربيل ودهوك قد يقود إلى تمرد أو ثورة شعبية تتهم حاكم بغداد بالخيانة، وثالثاً بأن القوتين الإقليميتين المجاورتين للعراق، إيران وتركيا، وهما لا تعترفان بالأمة الكوردية على كثرتها، تعدّان إجراء العراق في منح الحكم الذاتي للكورد تآمراً عليهما. ولكي يكون الرئيس العراقي عبد السلام عارف متوازناً في طرحه، فقد يقول لنظرائه إن على مؤتمر القمة العربي القادم أن يمارس ضغطاً على الدولتين تركيا وإيران، أو يوجّه إليهما نداءً، ومن خلفهما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، لإقرار حقوق الكورد، والعراق لا يمانع، وسيكون السبّاق في ذلك. وقد يكون ما جمعه الرئيس عبد السلام عارف بصورة مركزة عن القضية الكوردية هو أن الزعيم الكوردي جلال الطالباني اقترح عليه تطبيق الحكم الفيدرالي في كوردستان، وأن تكون منطقة كركوك الغنية بالنفط ضمن إقليم كوردستان، وهو أمر أفزع الرئيس عبد السلام عارف عام 1963، واعتبره، كما اعتبره العرب السنة والشيعة الذين سمعوا به، نزعة قومية للانفصال لا أقل، والناس لا يفقهون حتى مضامين الفيدرالية.


أجزاء «من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

الجزء الثاني ←