الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991 (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
الحكم المدني يقرر، ولكن
أظهر الرئيس عبد السلام محمد عارف رغبته الجادة في إجراء تغيير في إدارة الحكم، فاختار صديقه المحامي والسفير الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزراء في أيلول عام 1965، وهو أول رئيس حكومة مدني منذ انقلاب تموز 1958.
ولتعزيز الانطباع بولادة حقبة جديدة لحكم مدني يضع في المقام الأول «حل القضية الكوردية» في إطار قانوني وإنساني، عمد الدكتور عبد الرحمن البزاز إلى حل المجلس الوطني لقيادة الثورة، لتكون وزارة العدل مسؤولة عن السلطة التشريعية، ووعد بوضع حد لاعتقال المناوئين السياسيين، وإعادة الترخيص للأحزاب السياسية، وإحياء البرلمان، وإجراء الانتخابات بمشاركة واسعة للشعب الذي بقي غائباً عنها منذ انقلاب 14 تموز عام 1958. كما عكف على إيقاف عمليات التأميم. وكلها نقاط يجدها الكورد ضرورية لعودة الاستقرار إلى كوردستان العراق.
ولكن ما يوازي ذلك ويرجّح كفته هو إنهاء مشاركة الضباط في الحياة السياسية. ففي عقل البزاز أن مصلحة البلاد تكمن في العودة إلى حكم القانون والمدنية السياسية، وأن واجب قادة الجيش والأجهزة الأمنية دور مهني، حماةً لحدود البلاد وضابطين للأمن في الداخل. وهذا ما خالفه ووقف ضده عدد من أصحاب المصالح والمكاسب الشخصية، ومنهم وزير الدفاع اللواء الركن عبد العزيز العقيلي، فيما وجد فيه المهنيون ما يتفق مع دورهم في تدريب الجيش وتطوير قدراته لمواجهة الأعداء الطامعين والمخربين، ومنهم إيران. وقد بات رئيس وزراء إيران أمير عباس هويدا وكأنه يدير الحكومة المحلية الكوردية في منطقة حاج عمران، وهي نقطة أثارت مزيداً من الاحتجاجات التي تناقلتها وسائل الإعلام، ووضعت إيران في قفص الاتهام بتدخلها المكشوف، ليس في جنوب العراق مع علماء الدين الشيعة فحسب، بل مع الكورد في كوردستان العراق أيضاً.
جاء خبر مصرع الرئيس عبد السلام عارف المفاجئ، وهو يتنقل بطائرة (هليكوبتر) في محافظة البصرة في نيسان عام 1966، ليضفي مزيداً من الصحة على الاتهامات بالدور الإيراني في تخريب الحياة المدنية التي شرع فيها الرئيس عبد السلام عارف، والأهم البرنامج الكوردي الذي تداول فيه رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز مع الرئيس المغدور. ونعتقد أن القلق البريطاني من لقاءات الزعيمين القوميين عبد الناصر وعبد السلام عارف بين 1963 و1966 كان في محله. والأكثر منه القلق الإيراني من تطبيق الحكم الذاتي في كوردستان العراق، لأن آثاره تعني المزيد من الاضطرابات والثورات الكوردية في وجه الشاه، حتى وإن تداخلت معه قضية طرد السفير الإيراني من بغداد التي اعتبرها الشاه إهانة له.
عمد الرئيس الجديد عبد الرحمن محمد عارف، وهو عسكري وشقيق الرئيس المغدور عبد السلام عارف، إلى التشاور مع الدكتور عبد الرحمن البزاز لإيجاد حل للقضية الكوردية، وفي عقله مسألتان. الأولى النفقات الباهظة لوزارة الدفاع بفعل استمرار العمليات العسكرية في كوردستان العراق؛ فعندما أراد البزاز تقليصها ثارت عليه مجموعة من ضباط وزارة الدفاع، ووزير الدفاع عبد العزيز العقيلي شخصياً، بكلمات مهينة، وتذرعوا بالحرب المستمرة مع الأكراد. والحقيقة هي الخشية من ضياع امتيازات الحرب، ولكنها صيغت بلغة الشرف وهيبة القوات المسلحة لإحراج الرئيس الجديد عبد الرحمن عارف. إن التجاذب الحاد بين رئيس الوزراء البزاز، وهو مدني، ووزير الدفاع عبد العزيز العقيلي حول جدوى القتال الباهظ الثمن ضد الأكراد، دفع الرئيس عبد الرحمن عارف، المعروف بدماثة خلقه وبساطته في الحديث، إلى أن يستمع إلى وجهة نظر ضباط الميدان من العرب الشيعة والكورد، ولا سيما بعد إصابات مكلفة وصلته في بيانات ألوية الجيش (الرابع والثاني والخامس والرابع عشر) في حوض راوندوز، وتبادل للمواقع بين هذه الألوية وقوات البيشمركة الموالية للحكومة. وهذا ما قاد إلى مفاوضات وقف إطلاق النار في أيار/مايو عام 1966، وكان على البزاز استثمار الفرصة السانحة للاعتراف بالحقوق الوطنية للكورد عن طريق الحوار المعمّق مع أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني.
أما المسألة الأخرى فهي بيان 29 حزيران 1966، وهو برنامج من اثنتي عشرة فقرة صدر في التاسع والعشرين من حزيران عام 1966، يعترف بالطابع الثنائي القومي، وبالهوية الثقافية واللغوية الخاصة للأكراد، أي صيغة الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة العراقية الموحدة، وبترخيص قانوني للحزب الديمقراطي الكوردستاني أساساً لتسوية الخلاف. ولكن، على الرغم من التعويل الكبير على برنامج الدكتور عبد الرحمن البزاز لحل الأزمة، فإنه وقع، بعد استلام حزب البعث السلطة للمرة الثانية في تموز عام 1968، تحت تعذيب لا يرحم. كما لم يرحمه بُعد العلاقات مع عبد الناصر، إذ اعتبر الأخير أن عبد الرحمن عارف خالف شقيقه في استشارة مصر، فأوعزت المخابرات المصرية إلى اللواء الركن عارف عبد الرزاق الكبيسي، اللاجئ على الأرض المصرية، بالتسلل عبر الأراضي السورية لتنفيذ انقلاب جديد ضد عبد الرحمن عارف في الثلاثين من حزيران 1966، وكانت أطرافه مجموعة من كبار الضباط الناصريين.
اعتقد الرئيس عبد الرحمن عارف أنه تخلص من شبح الانقلابات العسكرية التي لازمت مسيرة شقيقه ولاحقت حكمه أيضاً. لكن ضغط كبار الضباط عليه عاد، وهذه المرة بتهمة تقديم تنازلات للأكراد، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة، فاضطر إلى قبول استقالة رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز في آب 1966، وإلى إخلاء سبيل قائد الانقلاب بعد مرور سنة على المحاولة. ويظهر أن الأشهر الستة الأخيرة من عام 1966 مثّلت ضغطاً مالياً على حكومة الرئيس عبد الرحمن عارف، فرض نفسه بعد أن أحدثت شركات النفط الغربية (الأمريكية والبريطانية) العاملة في العراق (IPC) انقلاباً مالياً، حين رفضت دفع رسوم إضافية لسورية على مرور النفط الخام عبر أراضيها إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، والحكومة العراقية تعتمد على عائدات النفط بدرجة أساسية. وكانت هذه هي المشكلة التي واجهت رئيس الوزراء العسكري القومي اللواء الركن ناجي طالب، الذي كلفه الرئيس عبد الرحمن عارف في التاسع من آب 1966 بتشكيل الوزارة. وكانت آثار هذه المسألة الحساسة، التي تمس معيشة المواطن العراقي، تشغل باله، كما تمس حجم النفقات التي يحتاجها الجيش، خصوصاً أن ما يقارب (50000) جندي وضابط كانوا لا يزالون في كوردستان العراق. ولعلها لم تخلُ من توجه أمريكي وبريطاني، ليس لإضعاف الاقتصاد العراقي فحسب، وإنما لمعاودة الخصوم من الشيوعيين والبعثيين نشاطهم وخلق المزيد من الاضطرابات في وجه الرئيس عبد الرحمن عارف، لمنعه من المشاركة في الحرب المخطط لها سلفاً في الخامس من حزيران عام 1967.
ومما عزز هذا الانطباع أن زيارة الرئيس عبد الرحمن عارف إلى طهران في التاسع عشر من آذار 1967، قبل أقل من ثلاثة أشهر على الحرب، فسرتها أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية بأنها محاولة من رئيس ضعيف جاء لتحسين الأجواء بين بلدين متجاورين، قبل أن يفسرها شاه إيران بأنها جاءت في وقت حرج لعبد الرحمن عارف وجيشه محشور في كوردستان العراق. وقد ذكر العميد الركن عبد الغني الراوي، نائب رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف، في مذكراته التي صدرت عام 1980، أن رموزاً عسكرية من محافظة الأنبار، محافظة الرئيس عبد الرحمن عارف، مثل عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود وعبد الغني الراوي نفسه، كانوا على صلة مباشرة بالشاه وبمدير السافاك الجنرال نعمة الله نصيري. فيما عبّر الرئيس عبد الرحمن عارف، خلال إقامته في منفاه الإجباري في تركيا، في الثامن عشر من أيلول عام 1970، عن أن شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق (IPC) أغرت عبد الرزاق النايف بالمال، تحت ذريعة المزاحمة بين شركتين أمريكية وبولونية على استثمار حقل كبريت المشراق في الموصل عام 1967. وكان للملحق العسكري بشير الطالب وللسفير العراقي في لبنان ناصر الحاني دور في زواج العمالة والتآمر على الرئيس عبد الرحمن محمد عارف لإزاحته من السلطة.
وعلى الرغم من أن العراق لم يكن دولة مواجهة مع إسرائيل ولم يتكبد خسائر ذات قيمة في حرب حزيران عام 1967، فإن الهزيمة المرّة ألقت بظلالها السوداء على جدوى تشبث العسكريين بكراسي السلطة في البلدان الثلاثة مصر وسورية والعراق، والعراق بصفة خاصة منذ عام 1958. ولكن الرئيس عبد الرحمن عارف، وكأنه يثبت للآخرين ضعف مناورته السياسية وقلة تدبيره في إدارة الدولة، ذهب إلى تكليف العسكري اللواء طاهر يحيى رئيساً للوزراء في تموز 1967. وكان على الأخير أن يتكفل نفقات إطعام الجيش العراقي الموجود في الجبهة الأردنية ورواتبه، وقد وصل تعداده فيما بعد إلى (60000) جندي وضابط، وهو ما أوجد مخاطر أمنية على البلاد، إذ كان قسم من الوحدات في كوردستان، وقسم آخر في الأردن، وآخر على الحدود مع إيران. ولم تكن لدى العراق عملة صعبة إلا من عائدات النفط، والحاجة باتت ملحّة لتجهيزه بالأسلحة والمعدات الحديثة. فكان ذلك هو الاضطراب الأمني والمالي، وزادهما ضعف القرار السياسي الحكومي في معالجة القضية الكوردية، والأثر الشيوعي بعد أن سحقهم القطار الأمريكي عام 1963.
كان التعامل مع الدولة السوفيتية، وهي المجهز الرئيسي للأسلحة، يعني في جزء منه أن يُبدي الرئيس عبد الرحمن عارف مرونة في التعامل مع الحزب الشيوعي العراقي ليمارس فعالياته التنظيمية بترخيص قانوني. وباتت المعادلة الذهبية تتمثل في أن أي ظهور للحزب الشيوعي يقابله ظهور لحزب البعث، وأن أي تقارب عراقي مع السوفييت يعني قيام الأكراد بعمل مسلح في كوردستان تحت وقع الوعود بالحصول على الحكم الذاتي، على أن تكون حقول نفط كركوك ضمن «خارطة كوردستان». وضمن هذه المعادلة السياسية شعر الكورد بأن حكومة عبد الرحمن عارف، الضعيفة عسكرياً، غير جادة في بذل مساعٍ جديدة لاستكمال المفاوضات التي بدأها رئيس الوزراء السابق البزاز، وأن عليهم ممارسة الضغط العسكري من جديد، أو على الأقل التشاور مع إيران فيما يتعلق بالمفاوضات. وفي محاولة إيرانية لإجبار البارزاني على التوافق مع مطالبها، أعلنت إيران أنها ستغلق حدودها مع كوردستان، وتُبعد الوفد الإسرائيلي من هناك، وكذلك الجرحى الكورد الموجودين في المستشفيات الإيرانية. وجاء ذلك في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه خلايا الحزب الشيوعي النائمة في الأهوار في جنوب العراق تحت اسم الحركة الثورية بقيادة عزيز الحاج (القيادة المركزية) في خريف عام 1967، وهي محاولة لإثارة الرأي العام العراقي، أثارت ردات فعل شعبية صاخبة لدى رجال الدين المسلمين، السنة والشيعة، تدعو الحكومة إلى إنقاذ البلاد من خطر «الكفر» الذي تقوّض نفوذه بزوال قاسم عام 1963.
إن أي مصالحة عراقية - إيرانية غير ذات جدوى في نظر واشنطن ولندن، وهما تعملان على الإطاحة بأنظمة الحكم العراقية التي ابتعدت عن سياسة حلف السنتو (المعاهدة المركزية) منذ عام 1959. وإذا تعذر قلب أنظمة الحكم، وهو الخيار الأول، فإن الخيار الآخر هو إضعافها بإشغالها بحروب عصابات في منطقة جبلية عصيّة يمكن أن تستمر سنوات طويلة. وهذا يعني عدم الاقتراب من حل للمشكلة الكوردية، وعدم تسهيل مهمة القائد الملا مصطفى البارزاني في التفاوض مع حكومة بغداد لإنجاز الحكم الذاتي، رغم صدق نوايا الرئيس عبد الرحمن عارف وثقة البارزاني به، خاصة أن صفة العدوانية تجاه الأكراد باتت غير متوفرة، والرئيس لا يؤمن بها. غير أن ما ظهر، على الرغم من وجود ممثل لجهاز السافاك الإيراني مع أي وفد إسرائيلي يزور كوردستان العراق، أن الملا مصطفى البارزاني كثيراً ما اشتكى من التدخل الإيراني في إجباره على اتخاذ قرارات يراها في غير صالحه، وخاصة ما يتعلق منها بالوصول إلى تفاهم مشترك حول برنامج الحكم الذاتي الذي طرحه رئيس وزراء العراق السابق الدكتور عبد الرحمن البزاز، وهو مخلص في مقاصده. ويذكر الجنرال مائير عميت، مدير الموساد الإسرائيلي، خلال استقباله نظيره الإيراني في تل أبيب عام 1966: «إن إيران تدعم الأكراد لكي يقاتلوا بغداد وليس لكي يصنعوا سلاماً. لقد اتفقنا مع الأكراد على أن النقطة التي لا يجب أن يتم التفاوض عليها هي معارضة العراقيين تشكيل جيش كردي»، لأن الملا مصطفى البارزاني لا يستطيع التنازل عن وجود البيشمركة، وإيران تقدم المساعدات للكورد على صعيد الاتصالات والذخائر والأغذية والمساعدات النقدية وعلاج جرحى معارك راوندوز. ومع وجود الأجنبي وتأثيره في سير الحركة الكوردية العراقية في كل محطة من محطات التفاهم، كان القائد الملا مصطفى البارزاني ورموزه يبحرون في وسط بحر هائج، عكس التيار، وهم يفكرون في الدولة الكوردية المستقلة. ثم جاء تطور جديد بوصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في انقلاب جديد في تموز عام 1968، وكان على القيادة الكوردية أن تتعامل مع الوجوه الجديدة بلباس جديد، وعقد الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤتمره الثامن في تموز عام 1970، أي بعد عقد اتفاقية آذار بأربعة أشهر.
أجزاء «من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس