الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991 (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
«بشت آشان» عربون المصالحة مع بغداد
قبل شاه إيران محمد رضا بهلوي التضحية بالحركة الكوردية بعد أن وجد أن جهاز مخابراته السافاك لم يعد قادراً على الوصول إلى رمز القوة العراقية صدام حسين، كما وجد أن جيشه الذي قمع الثورات الكوردية الإيرانية في السابق غير قادر هو الآخر على حسم أي معركة مع الجيش العراقي عام 1975. والحقيقة أن التجربة المرّة التي عاشها الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني وأعضاء حزبه مع سياسات الشاه الإيراني كانت محكومة بهاجس أمني لدى الشاه يتلخص في أن كرسي حكمه قد تعصف به ثورة كوردية في إيران، بعد أن أنقذته بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية من حركة رئيس الوزراء محمد مصدق الشيوعية عام 1953. وربما يجد كثير من السياسيين في أيامنا هذه أن أي حركة ثورية لا ينبغي أن تتخلى عن آراء الشباب والشيوخ ووجهات نظرهم في مجلسها أو حزبها عند اتخاذ القرارات الحاسمة، فذلك هو السبيل لكي لا ينفرط العقد، وإذا انفرط العقد فإن الضياع لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.
وهذا ما كنا نقصده بعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ألمانيا الديمقراطية (برلين) عام 1976، بعد أن باعت طهران الحركة الكوردية لبغداد ودمشق إثر اتفاقية الجزائر عام 1975، وكلتاهما لا تريد بناء دولة كوردية، بقدر ما كان الرئيس السوري حافظ الأسد يريد أن يستخدمها ورقة مساومة مع بغداد وأنقرة. وقاد ذلك فيما بعد إلى اعتقال زعيم حزب العمال الكوردستاني المعروف (PKK) عبد الله أوجلان عام 1999، بعد تهديد تركي غليظ لسورية دوّنه تاريخ الكورد. كما سجلت كتب التاريخ، سابقاً ولاحقاً، أن الولايات المتحدة الأمريكية باعت العراق لإيران عام 2011 بعد غزو أمريكي - بريطاني لأراضيه عام 2003، وكلتاهما أيضاً لا تريد بناء دولة عراقية قوية، ويريده المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي ورقة في سوق المساومات الإقليمية والدولية لبناء القنبلة النووية الإيرانية، وورقة أخرى لنشر الطائفية في دول الخليج النفطية واليمن ولبنان والمملكة العربية السعودية.
وقد يكون الانقسام في المؤتمر الذي انعقد في ألمانيا ليس ضعفاً للحركة الكوردية بقدر ما هو تصحيح لقرار الرجل الواحد، فقد ظهر حزب جديد باسم «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» مثّله السادة: عمر مصطفى وعلي العسكري ورسول مامند والدكتور خالد سعيد وآخرون، ومجموعة أخرى باسم «اللجنة التحضيرية للحزب الديمقراطي الكوردستاني» مثّلها السادة: عدنان المفتي وشمس الدين المفتي وقادر جباري والملازم جمال خوشناو والملازم فؤاد جلبي ومصطفى خوخي وغيرهم، فيما سبقهم عام 1975 انشقاق جماعة «الكوملة» التي انضمت إلى صفوف حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني.
إن ما تمخض عنه مؤتمر برلين 1976 هو مواصلة النضال والكفاح المسلح من أجل تأمين الحكم الذاتي لكوردستان العراق. وعلى الرغم من النقد الهادئ الذي وجّهه أعضاء المؤتمر لأخطاء التجربة السابقة وما حلّ بها بعد اتفاقية الجزائر عام 1975، فقد تهيأ لقيادة النضال الابن الأصغر لقائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني، مسعود البارزاني، الذي انتُخب رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني في المؤتمر التاسع في ميركه سور أواخر عام 1979، وكان جديراً بذلك من كل الوجوه. ولم تمر فترة طويلة على انتهاء المؤتمر التاسع حتى استقال سامي عبد الرحمن، عضو المكتب السياسي، من الحزب، وشكّل حزبه الجديد «حزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني». وهي حالة طبيعية في الحركات الثورية التي تواجه معضلة كبيرة تمس كيان شعب، ومنهم الكورد في كوردستان العراق.
ولكن ما كان يؤخذ على الرموز الوطنية الكوردية أن تقييم القرار السياسي الكوردي لم يُطرح بعمق قبل ظهور صدام حسين رجلاً للقرار السياسي وبعده، كما لم تؤخذ نوايا الشاه تجاه الدولة الكوردية بعمق، فضلاً عن عدم اهتمام قيادة الملا مصطفى البارزاني بتنفيذ بنود اتفاقية 11 آذار عام 1970، والشكوك والاتهامات التي طالت الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعد انشقاق الزعيم الكوردي جلال الطالباني عام 1964. وكان الأخطر على الكورد في كوردستان العراق أن تصبح قضية الشعب الكوردي تباع في المزاد لمن يدفع أكثر. فبعد أن باعها شاه إيران لصدام حسين بثمن مياه شط العرب، اشتراها الرئيس السوري حافظ الأسد، خصم صدام، بثمن تجهيز سورية بالمياه التركية مرة، وبثمن اللعبة الطائفية وابتزاز دول الخليج النفطية مرة أخرى، وذلك حين قابل الرئيس حافظ الأسد الزعيم الكوردي جلال الطالباني في دمشق عام 1975، وقابل شاه إيران في طهران في العام نفسه لمناقشة الوضع الأمني المضطرب في لبنان ووضع الكورد في كوردستان العراق، وفي عقله مقايضة المملكة العربية السعودية بالورقة الطائفية في لبنان مقابل تخليها عن صدام حسين. وقد شعر الأسد بأن مداخيل النفط العراقية قفزت من (575) مليون دولار عام 1972 إلى مليار و(844) مليون دولار عام 1974.
وفي حركة مدبّرة من الرئيس القومي العربي حافظ الأسد لإظهار اهتمامه بالوحدة العربية والدفاع عن قضية فلسطين، طرح على الرئيس العراقي أحمد حسن البكر فكرة الوحدة الاندماجية بين البلدين أثناء زيارة قام بها إلى بغداد عام 1978. وكانت محاولة لتعرية صدام حسين القومي أمام العرب عامة ودول الخليج خاصة، وهو يعرف أن أحمد حسن البكر، الأكبر سناً، سيكون على رأس دولتي الوحدة، والرئيس الأسد نائباً له، وصدام حسين كأي عضو في تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي في القطرين. ومثّلت هذه نقطة مركزية أسهمت في سرعة إزاحة أحمد حسن البكر عن السلطة عام 1979 بحجة المرض. ولكن ما فات الرئيس السوري حافظ الأسد أن مؤتمر القمة في بغداد عام 1978، في أعقاب زيارة الرئيس المصري السادات لإسرائيل، أعطى النائب صدام حسين تزكية الملوك والرؤساء والأمراء العرب، وخاصة المملكة العربية السعودية، لحيويته وذهنه المتنور وكرهه لإيران والشيوعية. وكان من عواقب ذلك أن الشيوعيين انخرطوا في الكفاح المسلح في كوردستان بعد أن طال النظام في بغداد كثيراً منهم بالاعتقال، وبأعمال القتل التي طالت رموزهم، ومنهم عزيز الحاج، مواليد 1926، الذي تخلى عن الحزب الشيوعي وهو في السجن.
وبرعاية دمشق (المخابرات السورية) أمكن توحيد المعارضة الكوردية عام 1981 ضد نظام الرئيس صدام حسين، حيث تشكلت في دمشق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقد)، وضمت الحزب الشيوعي العراقي «جماعة عزيز الحاج»، والاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة جلال الطالباني، وقيادة قطر العراق لحزب البعث، والحزب الاشتراكي العربي، وبعض القوى القومية والناصرية، وكان الغائب عنها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بسبب وجود الزعيم الكوردي جلال الطالباني. ورداً على هذا التحالف دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الاشتراكي الكوردستاني أُطلق عليه اسم الجبهة الوطنية الديمقراطية العراقية (جود)، ولم يدخل فيه حزب الزعيم الكوردي جلال الطالباني.
إن كل هذا الكرم والضيافة السورية التي أرادها الرئيس حافظ الأسد لأطراف المعارضة الكوردية والشيوعية كان من أجل معاونة الحليف الإيراني الذي دخل في حرب واسعة مع العراق بدأت عام 1980. ولعل الحديث عن التحالفات ضد العراق بات مسموعاً لرجال المخابرات العراقية المنتشرين في كوردستان وسورية، ولهم علاقات مع بعض الرموز الكوردية المؤتلفة في (جوقد) و(جود)، حين أبدى العراق قلقه من دور سوري لإراقة الدماء الكوردية متمم للدور الإيراني، خصوصاً أن منطقة كوردستان العراق صارت منطقة عمليات بين الجيشين العراقي والإيراني، وفق تقسيم اتخذته القيادة العراقية خلال الحرب مع إيران لمناطق العمليات (الجنوبي والأوسط والشمالي)، وأن القصف المدفعي والجوي الإيراني لمدن كوردستان العراق لم يكن يفرّق بين رجل البيشمركة الكوردي والجندي العراقي عام 1982. وربما كان ذلك مدعاة لجذب حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني إلى إجراء مفاوضات مع بغداد، بعد أن صنّف نفسه ممثلاً للشعب الكوردي. ولكن ذلك لم يمنع بقية أحزاب جبهة (جود) من أن تقول إنها هي من يمثل الشعب الكوردي، وخاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يرأسه مسعود البارزاني، ابن القائد والزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني، ليظهر على السطح تنافس سياسي بين حزبين كورديين أساسيين لفرض الهيمنة على كل مناطق كوردستان العراق. وقد تكون هذه رغبة قيادة الحزب الوطني الديمقراطي الكوردستاني في الانتقام من قتلة ضحاياه الـ(37) الذين قتلوا في السابع عشر من تموز عام 1976، ومنهم القيادي إبراهيم آسو، ومن معركة حكاري بين الحزبين (الوطني) و(الديمقراطي) عام 1978.
انتظر الطرفان المتنافسان، والمقصود بهما دائماً (الوطني) و(الديمقراطي)، فصل الربيع المناسب للقتال بعد فصل الشتاء، فاشتبكا اشتباكاً واسع النطاق في منطقة «بشت آشان» عام 1983. وأدت المعركة إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى والأسرى في صفوف الشيوعيين والديمقراطيين، وقتلى في صفوف عناصر الاتحاد الوطني أيضاً. وشكلت هذه المعركة بمثابة «عربون» قدّمه الاتحاد الوطني الكوردستاني لحزب البعث الحاكم أولاً، ولضمان أمن وحدات الجيش العراقي في المناطق الجبلية العصية ثانياً. وقد عبّر عن ذلك مسعود البارزاني في اجتماع عام عقد في لندن في السادس من آب عام 1986 بقوله: «حين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية كنا نقتل بعضنا بعضاً، ولو تشكلت الجبهة الكوردستانية عام 1981 لكنا قوة كبيرة، ولكن القتال استمر إلى عام 1986». فيما ذهب الكاتب الكوردي كمال مجيد في وصف ذلك القتال المرّ إلى أن عواقب القتال بين الكورد كانت «مريبة»، وربما قصد بذلك نفوذ صدام حسين وحافظ الأسد على الكورد، والأسد يريد إضعاف خصمه الرئيس صدام لحساب آية الله الخميني في الحرب المستعرة بين العراق وإيران. وقد قُتل فيها القائد علي العسكري، القائد العسكري الكوردي لقوات جلال الطالباني، فيما كان خصمه من الطرف الكوردي الآخر سامي عبد الرحمن، القائد العسكري لقوات مسعود البارزاني.
إن النيل من الخصم، أي خصم، عند نشوب الحرب بين حزبين أو مجموعة أحزاب، إنما يولّد حالة انتقام أو ثأر لا تندمل حتى بعد عقود من الزمن. فمعركة «بشت آشان» التي أنهت حياة القائد الكوردي علي العسكري لا يمكن أن يقال لعائلته أو عشيرته أو حزبه إنها أصبحت في ذمة التاريخ، كما حصل في النزاع المسلح بين حزبي الزعيمين الكورديين جلال الطالباني ومسعود البارزاني وأنصارهما بين 1994 و1996. وهذا ما يقودنا إلى تصميم الدولتين المتحاربتين العراق وإيران على إنهاك إحداهما الأخرى بعد مضي أربع سنوات على الحرب، وهو ما يعطي أياً منهما الحق في أن تتصرف مع من يعاون الخصم بمنطق الانتقام ولو بعد حين. وهذا ما ينطبق تماماً على الشيوعي الكوردي بهاء الدين نوري، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وهو يقود مجموعات الأنصار (200 - 250 مسلحاً) لمقاتلة الجيش العراقي في ساعة امتحان، لكي يوفر قاعدة أرض أمينة للأحزاب العراقية المعارضة كما أراد لهم حافظ الأسد.
وقد يظهر من يقول إن تجاهل مطالب الكورد في الحكم الذاتي هو ما دفع مجموعة أحزاب (جوقد) و(جود) إلى عدم التسامح مع حكومة بغداد، وهو كلام إن صحّ قبل الحرب مع إيران، فإن المواقف الوطنية تقاس أثناء الحرب بمقياس مختلف تماماً. وقد فهم كاتب السطور من أفراد في الدائرة القريبة من مصدر القرار أن الرئيس صدام حسين كان مستعداً لاستقبال مسعود البارزاني وجلال الطالباني في بغداد ليسمع منهما عن بقايا الخلاف حول نقاط الحكم الذاتي، رغم ما حدث للحركة الكوردية من تداعيات بعد اتفاق الجزائر عام 1975، فذلك أهون عليه بكثير من إهانة الوطن في ساعة امتحان. ووفق شريعة الإسلام فإن الدفاع عن الوطن شرف لمن يقوم به، بغض النظر عن متانة القرار السياسي من عدمها، والتاريخ الطويل من الغطرسة والتجبر الفارسي قد شمل العرب والكورد على حد سواء. وقد يكون ذلك ما دفع حكومة بغداد إلى التعاون مع حكومة أنقرة لمعالجة موضوع شائك وطويل تجاهله الأتراك على الدوام، وهو عدم السماح للكورد بالتكلم حتى بلغتهم.
أجزاء «من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس