الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991 (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

انشقاق كوردي - كوردي في غير أوانه

كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر دائم الاتصال بالرئيس عبد السلام محمد عارف، عبر زيارات الأخير إلى القاهرة أو عن طريق مبعوثين ترسلهم بغداد إلى القاهرة لدفع مشروع الوحدة بينهما خطوة إلى الأمام. وقد يكون الرئيس المصري محرجاً بعض الشيء من تكرار الحديث عن القضية الكوردية عام 1964، خشية الاتهامات التي تلاحقه بأن مصر، الدولة العربية الكبرى، تريد تقسيم العراق إلى دولتين عربية وكوردية. وكانت هناك اتهامات عربية للرئيس عبد الناصر بأنه يريد تقسيم اليمن إلى دولتين شمالية وجنوبية، بعد أن أرسل جيشه لدعم الجمهوريين عام 1962 ضد الإمام البدر الذي كانت تدعمه المملكة العربية السعودية.

تلك سياسة مؤذية للعرب التواقين إلى التحرر والوحدة بعد قرون من الاحتلالين العثماني والبريطاني. وهي مؤذية حين تصل المشورة البريطانية والإيرانية إلى أذهان الرموز الكوردية بأن غاية الرئيسين جمال عبد الناصر وعبد السلام عارف من تصليب عود العروبة هي دمج القومية الكوردية بالقومية العربية، الأمر الذي يتطلب إجهاض مشروع الوحدة بأي ثمن.

إن عقد مؤتمر حزبي لمجموعة المكتب السياسي، الذي يديره المحامي جلال الطالباني وإبراهيم أحمد، في ناحية ماوت في نيسان عام 1964، دون استشارة قائد الحزب الديمقراطي الكوردستاني الملا مصطفى البارزاني، مثّل اختلافاً في الرؤية الأيديولوجية والعشائرية حول اتفاق الملا مصطفى البارزاني مع حكومة عبد السلام عارف في العاشر من شباط عام 1964، وهو ما يعني الانشقاق. وكان أهم قرارات مؤتمر ماوت تجريد الملا مصطفى البارزاني من صلاحياته رئيساً للحزب. ويشير السيد حبيب محمد كريم، عضو المكتب السياسي الجديد، إلى تأثير هذا القرار في الساحة الكوردستانية، فيقول: «وقد أدت اتفاقية شباط عام 1964 إلى خلق حالة خطيرة من الانقسام بين صفوف الحزب وقوات البيشمركة والجماهير بشكل عام». وبرّر أعضاء المكتب السياسي ذلك بأنهم لا يريدون الخضوع للنزعة العشائرية التي يتكلم بها الملا مصطفى البارزاني. أما الرئيس عبد السلام عارف فاتخذ من ذلك مبرراً لعدم جدوى التفاوض مجدداً مع الكورد، لأنه لا يعرف مع من يتفاوض، ومن هو ممثل الشعب الكوردي، ولماذا الطالباني وليس البارزاني. وكان الرئيس المصري جمال عبد الناصر على علم ودراية بما حصل في كوردستان العراق، ويخشى أن يتجدد القتال بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكوردية، وهو ما يريده شاه إيران الذي يكره العرب والكورد، ويكره زعامة جمال عبد الناصر ومشروعه القومي. وقد أفصح عن استراتيجية الشاه مدير المخابرات الإيرانية (السافاك) نعمة الله نصيري بقوله إن محمد رضا بهلوي «متشوق جداً إلى نشوب حروب متواصلة بين إسرائيل والعرب بصورة تجعل الجيوش العربية منشغلة ومستنزفة، ولا تدع مجالاً للالتفات إليها أو العمل ضدها لجهة احتلال خوزستان (مناطق النفط الإيرانية)، رغم أن الإيرانيين كانوا على استعداد لمواجهة جميع الاحتمالات بما فيها احتمال الحرب مع العراق».

أما كره الشاه محمد رضا بهلوي للكورد وللملا مصطفى البارزاني، فقد سجّله جهاز مخابراته بوصف البارزاني جنرالاً شيوعياً، وهو ما يعني أنه مستعد للتعاون مع أي انشقاق في الحزب الديمقراطي الكوردستاني يُفرز قيادة جديدة. وحمله ذلك على استقبال الزعيم الكوردي جلال الطالباني وإبراهيم أحمد على أراضيه ومنحهما حق اللجوء السياسي، بعد الاتهامات المتبادلة والقتال بين قوات الزعيمين البارزاني والطالباني في تموز عام 1964.

إنه انشقاق في غير أوانه، لا يعطي فرصة سياسية ناجحة للتعامل مع دولتي إيران والعراق. فالأولى دولة مستقرة، قوية عسكرياً، ومدعومة بقوة من الولايات المتحدة الأمريكية. والثانية ترى فيه لعبة سياسية تديرها أصابع من خارج الحدود، وهي تتابع رد فعل الملا مصطفى البارزاني بتشكيل برلمان وحكومة محلية من أحد عشر وزيراً في كوردستان العراق في تشرين الأول عام 1964 لفرض الأمر الواقع. ولم تكن حكومة الرئيس عبد السلام محمد عارف طرفاً في ذلك الانشقاق، ولا رغبة للرئيس المصري جمال عبد الناصر في إعادة الحديث عن الحكم الذاتي، بقدر ما تصدّرت الحديثَ علاقةُ إيران بإسرائيل، فالأولى اعترفت بالثانية دولةً منذ عام 1950، والنفط الإيراني يصل إلى إسرائيل بانتظام منذ عام 1954، في حين لا يجد الكورد في مناطقهم غرب إيران ما يكفيهم للتدفئة في الشتاء، ولا العرب في جنوب إيران وهم يمشون بأقدامهم بين آبار النفط. ويذكر الدكتور الكوردي عصمت شريف أن أول اتصال بين الكورد وإسرائيل جرى عبر السفارة الإسرائيلية في اليونان، وعزّزه بدرخان بالاتصال بإسرائيل مباشرة، وذلك من أجل الحصول على مساعدات عسكرية وطبية إسرائيلية للحركة الكوردية المسلحة. ويشير السيد مسعود البارزاني إلى أن ديفيد كمحي، وهو أحد رجال الموساد، وصل إلى كوردستان للتنسيق مع الثورة الكوردية عام 1963.

لم تكن مثل هذه الاتصالات مكشوفة للناس في العراق والبلدان العربية أو لأبناء كوردستان، ولكنها لم تكن سرية تماماً، خاصة أن رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول تحدث عنها لاحقاً. ومثل هذه الاتصالات، وإن كانت مستهجنة ومرفوضة في عواصم عرب المشرق، فإن بعض دول العرب في شمال أفريقيا، وخاصة المغرب، كان يجد فيها مصلحة مشتركة، وكان على العراق أن يجد الحل المناسب لها قبل أن تصل العلاقة إلى تلك الدرجة. ويرى خبراء المهنة السياسية أن سياسة إسرائيل العليا، وهي في قلب دول عرب المشرق، لم تكن تريد في كل الأحوال دعم القضية الكوردية لنيل الحكم الذاتي، لأن ذلك يُبطل التدخل الأجنبي، بقدر ما كانت تريد إشغال الجيش العراقي، والعراق هو العمق الاستراتيجي لدولتي المواجهة سورية والأردن في النزاع العربي - الإسرائيلي. وهذا ما أشار إليه الملحق العسكري الإسرائيلي في طهران يعقوب نمرودي، وهو يهودي من أصل عراقي كوردي، قضى ثلاثة عشر عاماً في وظيفته ويتكلم العربية، إذ قال إنه مهندس العلاقات بين إيران وإسرائيل ذات النتائج السياسية والاقتصادية العميقة مع إيران الشاه. وربما احتوت ذاكرة بعض أعضاء المكتب السياسي المنشقين عن الملا مصطفى البارزاني أن تكون إسرائيل حلقة وصل مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما تعمقت تلك العلاقة.

ولكن القليل من أبناء كوردستان يدرك أن لإسرائيل مشروعاً اسمه مشروع بن غوريون لعام 1954، يهدف إلى تقسيم وتفتيت دول العرب السنة المحيطة بإسرائيل، وعمق هذه الدول العراق، عن طريق الطائفية. وكانت إيران ترى في ذلك أمراً مفيداً، ولكنها لم تكن مرتاحة لاستمرار المفاوضات بين الملا مصطفى البارزاني وحكومة بغداد، ولا لهدنة القتال المؤقتة بين الجيش العراقي والبيشمركة الكوردية في حوض راوندوز. وإذا ما تمكنت إيران من جلب الملا مصطفى البارزاني إلى جانبها ضد العراق في قضية الخلاف على الممر المائي شط العرب، فإنها ستمنعه من أي لقاء مع موفدين عراقيين بشأن الحكم الذاتي. وبذلك يكون الشاه قد أنجز هدفين في آن واحد: استنزاف الجيش العراقي، وإحباط المشروع الكوردي للحكم الذاتي في كوردستان العراق، دون قلق من كورد إيران.

وفي تركيا التي كان يحكمها الجنرال جمال جورسيل، نص دستور الانقلابيين لعام 1961 على عدم السماح للأقليات القومية في تركيا بأن تكون لها أحزاب سياسية. وفي عام 1965 حددت المادتان (89 و90) من قانون الأحزاب السياسية رقم (648) الصادر في تموز عام 1965 أنه لا حاجة إلى إنشاء حزب سياسي قومي لسكان البلاد أو حزب يدافع عن مصالح الأقليات القومية، وألّا تعمل، منذ لحظة صدور القانون، منظمات كوردية سياسية أو اجتماعية، سرية كانت أو علنية، في كوردستان تركيا. ولم يتدخل الجنرال التركي جمال جورسيل في النزاع القائم بين حكومة بغداد والكورد في كوردستان العراق، فيما فسّرت بريطانيا تجدد القتال بين الجيش العراقي والميليشيات الكوردية في نيسان عام 1965 على أنه شأن داخلي.

وقالت بريطانيا إنها لا ترتاح لتقارب الرئيسين القوميين عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر في رؤية استراتيجية تقضي بأن يُقدم عبد السلام عارف العسكري على بناء دولة مؤسسات مدنية فيها حرية التعبير والانتخابات، تقود بتوجيه قيادي إلى برنامج واضح يحكم فيه الأكراد أنفسهم في كوردستان العراق، أي الحكم الذاتي. وخلال زيارة للزعيم الكوردي جلال الطالباني إلى لندن، قادماً من إيران، في أيار/مايو عام 1965، دعا في مقابلة تلفزيونية مع شبكة (BBC) العراقيين إلى الاتحاد من أجل إسقاط الديكتاتورية العسكرية في العراق، واعتبرت بغداد ذلك من قبيل الأعمال غير الودية بين دولتين تتبادلان السفراء. وعندما احتج العراق عبر سفيره في لندن الدكتور عبد الرحمن البزاز على المقابلة التلفزيونية، وعلى استقبال موظف الخارجية البريطانية روجر ألن للسيد جلال الطالباني، ردّت الخارجية البريطانية بأن اللقاء مع الزائر جرى خارج أسوار وزارة الخارجية، وأنها بيّنت للسيد جلال الطالباني أن الكورد يمكنهم التفاهم مع العناصر العربية المعتدلة في بغداد، دون أن تذكر للسفير العراقي الدكتور عبد الرحمن البزاز أن الطالباني طلب وقف توريد السلاح إلى العراق. وقد يكون في ذلك طلب مزدوج ممزوج برغبة إيرانية وكوردية في إبقاء العراق ضعيفاً، ولكنه في كل الأحوال رغبة لأعضاء المكتب السياسي الذي يديره جلال الطالباني بالتضامن مع صهره إبراهيم أحمد في عزل قيادة الملا مصطفى البارزاني وحكومته المحلية التي شكلها في تشرين الأول عام 1964، أو في القول إنها حكومة غير شرعية لا ينبغي لحكومة بغداد التعامل معها في قادم الزمن.

وعلينا ألّا ننسى أن المجتمعات القريبة في بنيتها من المجتمع الكوردي، أو المجتمع العراقي عموماً، تنشأ فيها الصراعات حول ثلاث قضايا نرى أن لها أهمية: الصراع حول السلطة ومركز اتخاذ القرار في الحزب وإصدار الأوامر والتوجيهات، والصراع حول الجاه والمركز الاجتماعي داخل الحزب والمجتمع، والصراع حول الثروة التي يُراد التصرف بها، سواء في الحزب أو من خلال سلطة الدولة. ونعتقد أن الصراعات التي تنشأ داخل الأحزاب السياسية تتداخل مع المشكلات والخلافات الشخصية التي يصعب علاجها في غالب الأحيان لارتباطها بالأمزجة البشرية والمصالح الخاصة. وهذا ما سجلته كتب التاريخ عن ازدراء الفرس للعرب، ومارسه شاه إيران في علاقاته مع الشعوب العربية، وقاد مع الزمن إلى طرد السفير الإيراني من بغداد أثناء تقديم أوراق اعتماده للرئيس عبد السلام عارف عام 1965، وكذلك في الخلاف الشخصي الذي نشأ بين الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد خلال حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي.


أجزاء «من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←