الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991 (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
التعاون بين بغداد وأنقرة عام 1984
شكّل المثلث الجبلي بين العراق وإيران وتركيا مرتعاً خصباً لتحرك مجموعات حزب العمال الكوردستاني، المعروف اختصاراً (PKK)، ضد القوات التركية. وقد يكون جبل قنديل ملاذاً آمناً لهذه المجموعات لتجنب آثار القصف الجوي الذي تلجأ إليه أنقرة دائماً إذا تعذر وصول القوات الخاصة التركية إلى المخابئ الدفينة وسط الجبال. أما قيادة حزب (PKK) فقد أوكلت إلى عبد الله أوجلان، الرجل الذي لم يكن منظّراً سياسياً بقدر ما كان يختزن حالات الإحباط وهو يدرس مع زملائه الكورد في إحدى الجامعات التركية (قسم العلوم السياسية) عن حالات اضطهاد أكراد تركيا وتهميشهم. وهو، كما قال في مؤتمر صحفي عقده في روما عاصمة إيطاليا عام 1977، على استعداد لقبول حل سلمي ديمقراطي لأكراد تركيا تُحترم فيه السيادة التركية.
التزمت تركيا الحياد في الحرب بين العراق وإيران، إلا أن ذلك لم يمنع من تنسيق العمل بينها وبين العراق على الحدود المشتركة، خصوصاً أن الرئيس صدام حسين أدرك أن يداً للمخابرات السورية وأخرى إيرانية موجودتان داخل أروقة حزب العمال الكوردستاني (PKK)، حين تمكنت قوة منه من مهاجمة أحد مخافر الدرك التركي في الخامس عشر من شهر آب 1984 في محافظة سعرت، ومهاجمة أبنية عسكرية في محافظة حكاري. وهذا ما جعل أنقرة وبغداد توقّعان عام 1984 اتفاقية للتعاون سميت اتفاقية «المطاردة الساخنة» لعناصر حزب العمال الكوردستاني، واحتوت على الأمور التالية:
- أ- الاتفاق على مكافحة العناصر «المخربة» انطلاقاً من علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين الجارين، من أجل ضمان الأمن والاستقرار على حدودهما المشتركة.
- ب- الاتفاق على القيام بالإجراءات المطلوبة على أساس التعامل بالمثل، كأن يُسمح لقوات الطرفين بمتابعة الفئات المخربة أو مطاردتها في أراضي الطرف الآخر، في حالة الضرورة القصوى فقط، ولمسافة خمسة كيلومترات، ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام.
- ج- الاتفاق على التنسيق وتبادل المعلومات الخاصة لضمان الأمن والاستقرار في مناطقهما الحدودية في المستقبل.
ولضمان تنفيذ النقاط الواردة أعلاه، أبلغت تركيا العراق عزمها على إنشاء حزام أمني على طول الحدود مع إيران والعراق وسورية بعمق عشرة كيلومترات، والبدء بشق الطرق في المناطق الكوردية لتسهيل تنقل القوات العسكرية، بما فيها الطرق المؤدية إلى الحدود السورية التركية المشتركة، لإحراج حافظ الأسد الذي سهّل وصول الخبراء السوفييت لتدريب الأكراد والأرمن في معسكرات داخل الأراضي العراقية.
ولم يكن حافظ الأسد (القومي) قادراً على تحمّل ضغط تركيا، وهي دولة قوية عسكرياً وعضو في حلف شمال الأطلسي، تستجيب لطلباتها الولايات المتحدة الأمريكية عندما يكون الأمن القومي التركي في خطر، كما حدث بين 1984 و1988. وهي لا تتوانى عن تتبع عناصر (PKK) حتى لو تطلب الأمر ذلك في أراضي دولة مجاورة، ولا يخيفها مثل هذا، فقواتها المسلحة نفذت عمليات عسكرية واسعة النطاق داخل أراضي كوردستان العراق بلغت خمس مرات بين 1995 و1997، قبل أن تطلب تركيا من الرئيس السوري حافظ الأسد تسليم خصمها عبد الله أوجلان (زعيم حركة PKK) إليها، مما قاد إلى توتر شديد بين الدولتين عام 1998، قبل أن يذعن حافظ الأسد للأمر ويطرد عبد الله أوجلان من سورية، فسرعان ما وقع في قبضة المخابرات التركية وهو في كينيا بتعاون من نظيرتها الأمريكية، وحُكم عليه بالإعدام ثم خُفّف الحكم إلى السجن المؤبد.
وفي بغداد، عندما يأتي الحديث السياسي عن التعاون التركي - العراقي ضد أفراد حزب (PKK)، يأتيك الجواب على الفور: إن أي دولة في حالة حرب، إذا قامت دولة ثالثة بزعزعة استقرار دولة صديقة مجاورة لها، فإن القرار السياسي الصحيح أثناء الحرب هو معاونة تلك الدولة الصديقة. وهذا ما حصل، فسورية حافظ الأسد، الذي يتكلم «بالقومية العربية» نيابة عن كل العرب، كانت تريد قهر تركيا بحزب أوجلان لمنعها من التنسيق مع العراق، وحجم التجارة بينهما وصل إلى حدود عشرة مليارات من الدولارات، وربما نظر إليها الأسد على أنها حرب طائفية فعمد إلى معاونة إيران. وقد ثبت ذلك التصور الخاطئ والسياسة القصيرة النظر حين سار الرئيس بشار الأسد (الابن) على خطا والده في قمع الثورة السورية بالحديد والنار بين عامي 2011 و2012، وإيران علي خامنئي هي هذه المرة من تقدم له المساعدة المالية والعسكرية لإجهاض الثورة السورية، أو بوصف آخر «الثورة السنية».
وهذا ما كان على الحركة الكوردية في كوردستان العراق أن تنظر إليه نظرة واقعية، وهي تدرك أن الحكم الذاتي إذا ما تحقق فسيكون على أرض العراق، وليس في تركيا أو إيران أو سورية، حتى وإن وصفه الزعيمان الكورديان جلال الطالباني ومسعود البارزاني بأنه لا يفي بالغرض لنيل الحقوق الكوردية. فواقع الحال أنه نوقش سابقاً وجرت مفاوضات بشأنه مع رواد القومية العربية: الرئيس عبد السلام محمد عارف، وشقيقه الرئيس عبد الرحمن محمد عارف، والرئيس أحمد حسن البكر، والرئيس صدام حسين، وليس مع التركي مصطفى كمال أتاتورك أو تورغوت أوزال، والأكيد ليس مع آية الله الخميني قائد الثورة الإسلامية عام 1979، ولا مع سلفه شاه إيران حليف الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
يتوهم الساسة العرب عموماً، والكورد بوجه خاص، في تقدير الحسابات الإقليمية والدولية، ففي خلدهم أن ما تقبله واشنطن من سياسة أصدقائها في الخليج وإيران الشاه هو بالضرورة ما ترفضه موسكو. ومن الصعوبة بمكان أن تجتمع واشنطن وموسكو على سياسة واحدة تجاه مناطق النفط في الخليج وأمن إسرائيل والأنظمة الثورية والحركات التحررية في مناطق العالم، ومنها الحركة الكوردية في كوردستان العراق. وهذا ما أقدم عليه الحزب الشيوعي العراقي عام 1985، وهو ينظم ندوتين في إيطاليا وألمانيا الديمقراطية حول السياسة المزدوجة للاتحاد السوفيتي وبقية الدول الاشتراكية في معاونة الرئيس صدام حسين في حربه ضد إيران الخميني وضد الحركة الكوردية، وخاصة البارزانيين، باعتبارهم يقودون حركة ثورية، والأممية الشيوعية ومبادئها تقول إنها تدعم حركة الشعوب المحبة للتحرر. ولكن ما فات الحزب الشيوعي العراقي أن سياسة الاتحاد السوفيتي بين 1985 و1991 قد تغيرت بفضل وجود الرئيس ميخائيل غورباتشوف، الذي انتقد سياسة أسلافه من الزعماء الشيوعيين لغزوهم أفغانستان (1979 – 1989)، وصار الرئيس الشيوعي الوحيد الذي يمكن، من وجهة نظر واشنطن ولندن، التفاهم معه حول مجمل الأوضاع في دول الشرق الأوسط، كما وصفته رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر وهو في ضيافتها عام 1984. إن مثل هذا التفاهم لا يستند إلى مبادئ وأسس نضالية، بل ارتبط بالصراع الدولي، فالولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسها في فترة الرئيس رونالد ريغان (1981 – 1989) على وشك هزيمة الشيوعية العالمية التي تزعّمها السوفييت بعد الحرب العالمية الثانية. وكان ذلك هو الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد السوفيتي من الركود، وشعب فقير يتطلع إلى حرية تدخين سيجارة أجنبية (أوروبية)، وغورباتشوف في أمسّ الحاجة إلى الدولارات مقابل بيع السلاح، والعراق يدفع ثمنه نقداً وليس بالأجل الذي كان الرئيس الشيوعي السابق بريجنيف يتعامل به مع مصر جمال عبد الناصر وسورية حافظ الأسد.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، وهي صديقة للسوفييت بين عامي 1986 و1991، فقد وجدت في الحرب بين إيران والعراق ما يشبه حرباً بالوكالة عنها، بين دولة علمانية وأخرى إسلامية متشددة. ووفق منظور معلم الاستراتيجية الأمريكية هنري كيسنجر، فإن فوز أحدهما بالحرب سيقود الآخر إلى الانتقام، فالحرب تلد أخرى. وقاد ذلك إيران بعد عام 2003 إلى أن تثأر من خصمها العراق، ونفوذها داخل العراق يفوق نفوذ دولة مستعمِرة في الحقبة الاستعمارية لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا على دول العرب حتى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بزمن.
إن قبول العراق مناقشة سبل نجاح الحكم الذاتي في كوردستان العراق مع رمزي الحركة الكوردية مسعود البارزاني وجلال الطالباني، دون دول الجوار، هو ما أربك حسابات الرئيس صدام حسين مع القادة الأتراك وبلده في حالة حرب مع إيران، التي عملت ما بوسعها في زمن الشاه لتخريب أي توجه نحو الحكم الذاتي في كوردستان العراق. أما في زمن الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، فقد اتجهت إيران إلى استثمار كورد العراق ضد حكم الرئيس صدام حسين، «فهم يُملون واجبات على الكورد ولا يعطونهم حقوقاً»، لا سابقاً ولا لاحقاً. وهذا لا ينفي وجود أخطاء لدى بغداد في إنجاز مشروع الحكم الذاتي، ولكن الخطأ الاستراتيجي للرئيس صدام كان في تعيين ابن عمه علي حسن المجيد مسؤولاً عن مكتب تنظيم الشمال لحزب البعث، ومنحه صلاحيات كاملة في التصرف في كوردستان منذ نهاية آذار عام 1987. ويمكن معرفة ذلك من الرسالة التي وجهها علي حسن المجيد إلى كافة المسؤولين في كوردستان في حزيران عام 1987، وهذا نصها:
قيادة مكتب تنظيم الشمال
مكتب السكرتارية
التاريخ: 6/1987
من: قيادة مكتب تنظيم الشمال
الموضوع: «التعامل مع القرى المحظورة أمنياً»
بالنظر لانتهاء الفترة المعلنة رسمياً لتجميع هذه القرى والتي ستنتهي موعدها يوم 21 حزيران 1987، قررنا العمل ابتداءً من يوم 22 حزيران 1987 بما يلي: (1) نعتبر جميع القرى المحظورة أمنياً والتي لم تزل لحد الآن أماكن لتواجد المخربين عملاء إيران وسليلي الخيانة وأمثالهم من خونة العراق (.) (2) يحرم التواجد البشري والحيواني فيها نهائياً، وتعتبر منطقة عمليات محرمة، ويكون الرمي فيها حراً غير مقيد بأية تعليمات ما لم تصدر من مقرنا (.) (3) يحرم السفر منها وإليها أو الزراعة والاستثمار الزراعي أو الصناعي والحيواني، وعلى جميع الأجهزة المختصة متابعة هذا الموضوع بجدية كل ضمن اختصاصه (.) (4) تعد قيادات الفيالق ضربات خاصة بين فترة وأخرى بالمدفعية والسمتيات والطائرات لقتل أكبر عدد ممكن ممن يتواجد ضمن هذه المحرمات وخلال جميع الأوقات ليلاً ونهاراً وإعلامنا (.) (5) يحجز جميع من يلقى القبض عليه لتواجده ضمن قرى هذه المنطقة وتحقق معه الأجهزة الأمنية، وينفذ حكم الإعدام بمن يتجاوز عمره (15) سنة داخل صعوداً إلى عمر (70) سنة داخل بعد الاستفادة من معلوماته وإعلامنا (.) (6) تقوم الأجهزة المختصة بالتحقيق مع من يسلم نفسه إلى الأجهزة الحكومية أو الحزبية لمدة أقصاها ثلاثة أيام، وإذا تطلب الأمر لحد عشرة أيام لا بد من إعلامنا عن مثل هذه الحالات، وإذا استوجب التحقيق أكثر من هذه المدة عليهم أخذ موافقتنا هاتفياً أو برقياً وعن طريق الرفيق طاهر العاني (.)
- يعتبر كل ما يحصل عليه مستشارو أفواج الدفاع الوطني أو مقاتلوهم يؤول إليهم مجاناً ما عدا الأسلحة الثقيلة والساندة والمتوسطة، أما الأسلحة الخفيفة فتبقى لديهم ويتم إعلامنا بأعداد هذه الأسلحة فقط، وعلى قيادة الجحافل أن تنشط لتبليغ جميع المستشارين وأمراء السرايا والمفارز وإعلامنا بالتفصيل عن نشاطاتهم ضمن أفواج الدفاع الوطني (.)
مكرر: رئاسة المجلس التشريعي (.) رئاسة المجلس التنفيذي (.) جهاز المخابرات (.) رئاسة أركان الجيش (.) محافظو (رؤساء اللجان الأمنية) نينوى، التأميم، ديالى، صلاح الدين، السليمانية، أربيل، دهوك (.) أمناء سر فروع المحافظات أعلاه (.) مديرية الاستخبارات العسكرية العامة (.) مديرية الأمن العامة (.) مديرية أمن منطقة الحكم الذاتي (.) منظومة استخبارات المنطقة الشمالية (.) منظومة استخبارات المنطقة الشرقية (.) مدراء أمن محافظات نينوى، التأميم، ديالى، صلاح الدين، السليمانية، أربيل، دهوك (.)
يرجى الاطلاع والتنفيذ كل ضمن اختصاصه (.) أنبئونا.
التوقيع: الرفيق علي حسن المجيد
عضو القيادة القطرية - أمين سر مكتب تنظيم الشمال
وقد لا يختلف أحد مع الكاتب حول القومية، أي قومية، والرئيس جمال عبد الناصر هو من أيقظ الشعور القومي العربي بعد عام 1954. وإذا أراد الرئيس صدام حسين أن يتبنى الدفاع عن «عروبة العراق» باسم «القومية العربية» و«وحدة العراق»، فهذا لا يعطيه الحق في أن يكلف ابن عمه بممارسة عمليات الإعدام بحق الكورد بطريقة «نرجسية». ففي إحدى الرسائل الواردة من ضابط أمن منطقة الحكم الذاتي اقتُرح إعدام خمسة من الكورد، وجاء الجواب: «موافق، وتنفذ العملية من قبل الأمن ويشترك الجريح في التنفيذ، وتهدم دورهم وتصادر أموال ذويهم من الدرجة الأولى ويحجزون… ويتم تصفيتهم تباعاً، وبارك الله جهودكم»، والمقصود بالجريح من جُرح في حادث اغتيال ضابط أمن وجرح آخر، وقد وقّع ذلك بتاريخ 26 نيسان عام 1987. وفي قرار آخر كان مستشفى السليمانية شاهداً على تنفيذ الإعدام بحق تسعة أكراد وُجدوا في المناطق المحظورة بين العراق وإيران، ونُظمت لهم شهادات وفاة بتاريخ 15 كانون الثاني عام 1988. ونجد في مثل هذا العمل إرهاباً للجماهير الكوردية، خصوصاً أن عمليات القتل أو الإعدام كانت تُنجز على أيدي عدة مجموعات ينتمي أفرادها إلى عشائر مختلفة، لكي لا يتحمل دمَ الضحايا أشخاص معروفون. وهو ما عمل به صدام في تصفية الكادر الحزبي حين أقدم على إعدام ستة من أعضاء القيادة القطرية في تموز عام 1979، ولم يكد يمضي أسبوع واحد على تسلّمه مسؤولياته الدستورية.
كرميان الكوردية على غرار ليديتسه التشيكية
بدأت حملات الأنفال ضد الكورد في كوردستان العراق في 23 شباط عام 1988، وهي السنة الأخيرة من حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران، واستمرت الحملة (198) يوماً، شملت كامل منطقة كوردستان العراق، وذهب ضحيتها (182000) إنسان من أبناء الكورد. ووفق ما ذكره الكاتب كاظم حبيب في الجزء الثاني من كتابه «لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكوردي في كوردستان - العراق»، فإن ضرب حلبجة بالأسلحة الكيماوية قد تم فعلاً، استناداً إلى قول صادر عن علي حسن المجيد: «إن كل قوات الجيش العراقي لم تستطع أن تفعل ما فعلناه نحن، لأن هذا (أي التهجير) يوجعهم من الأعماق». وشنت القوات الحكومية هجماتها على (280) قرية كوردية، وأدت إلى استشهاد (25000) مواطنة ومواطن كوردي بأعمار مختلفة. وشكلت مثل هذه الأوامر البربرية الأسباب الرئيسية لإعدام علي حسن المجيد عام 2010.
وهي لا تختلف عن جرائم الفرق الخاصة النازية ضد خصومها في بولونيا وتشيكوسلوفاكيا أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ كثيراً ما يتشابه المجرمون حتى وإن اختلفت دياناتهم. فهذا ما عملت عليه الفرق الخاصة الألمانية في مطاردة مناضلي المقاومة الشعبية التشيكية، كما كانت تقوم بعمليات ثأرية تحرق فيها القرى والبيوت وتفرض التهجير على ساكنيها قسراً. وكأن ما أنجزه مصطفى كمال أتاتورك وشاه إيران ضد الكورد كان على تواصل مع حاكم كوردستان الزعيم علي حسن المجيد! ولم تسلم مدينة كرميان الكوردية من الخراب والدمار والقتل على يد وحدات خاصة أرادها علي حسن المجيد، كما لم تسلم قرية ليديتسه التشيكية من أيدي الوحدات الخاصة الألمانية، وأهلها عمال مناجم دافعوا عنها بعد مقتل ممثل الزعيم النازي أدولف هتلر، حتى داهمتها القوات الألمانية في 10 حزيران عام 1942 وسوّتها بالأرض تماماً، وجمعت كل رجال القرية في ساحتها وأعدمتهم أمام أنظار أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وأطفالهم، ثم جاءت الجرافات الألمانية لتكدسهم في حفرة كبيرة. وصار ذلك اليوم في التاريخ رمزاً حزيناً يستعيد الشعب التشيكي ذكراه كل عام، بعد أن أعيد بناء القرية عام 1946. ولحلبجة الكوردية رمزها الحزين في 16 آذار من كل عام. ومن يقرأ عن الجرائم التي ارتُكبت بحق أبناء العراق من العرب والكورد والتركمان والمسيحيين وغيرهم منذ ظهور الدولة عام 1921 وحتى عام 2012، يصعب عليه، إن كان إنساناً سوياً، أن يمسك دموعه عن الانسياب. ويمكن مراجعة كتابنا «الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ» في اثني عشر جزءاً.
أجزاء «من أحبط المشروع الكوردي في كوردستان العراق؟ 1964–1991» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس (هذا الجزء)