الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

إذا كانت الدولة ظاهرة تاريخية، بمعنى أنها تمتد بجذورها إلى التاريخ القديم، فإن الدولة القومية - وهي الصورة السائدة للدولة الآن - بما تتضمنه من شعب وإقليم محدد وحكومة ذات سيادة، ظاهرة حديثة نسبيًا، إذ يرتبط ظهورها بالأحداث التي صاحبت انتقال أوروبا من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، لا سيما في أعقاب معاهدة صلح وستفاليا عام 1648، التي يُؤرَّخ بها لظهور الدولة القومية.

وإذا كان القانون الدولي المعاصر قد منح كل شعب الحق في إنشاء دولته المستقلة، وهو ما عُبِّر عنه بحق كل شعب في تقرير مصيره، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن كل شعب قد تحقق له بالفعل قيام دولته المستقلة؛ فالحق في قيام الدولة لا يرتبط بقيامها بالفعل، إلا أن توافر الحق في قيام الدولة يمثل سندًا شرعيًا للشعب لكي يسعى - بكل الوسائل - إلى تجسيد حقه في قيام دولته واقعًا ملموسًا.

ويُبنى حق الشعب الكوردي في إنشاء دولته الكوردية المستقلة في كوردستان على أساسين قانونيين هما: أولًا حق الشعوب في تقرير المصير، وثانيًا الشرعية الدولية، وهو ما سنتناوله في بحثنا (محاضرتنا) هذا؛ إذ نستعرض في الأول منهما الحق في تقرير المصير أساسًا قانونيًا لقيام الدولة الكوردية في كوردستان، ونتناول في الثاني القضية الكوردية في المجال الدولي باعتبارها أساسًا جوهريًا في قيام هذه الدولة الكوردية (كوردستان) (1).

1- حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره

يُعدّ الحق في تقرير المصير أحد الأسس القانونية - إن لم يكن أهمها بالفعل - التي يُبنى عليها حق الشعب الكوردي في إنشاء دولته الكوردية المستقلة في كوردستان، وهو أحد الحقوق المشروعة الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب الكوردي، على النحو الذي نصت عليه معاهدة سيفر في 10 آب/أغسطس 1920: «منح الاستقلال الذاتي للأكراد في كوردستان، والتنويه بإمكان منحهم الاستقلال إذا ما أثبت الشعب الكوردي رغبته في ذلك» (2).

وقد تأكد هذا الحق - أي استقلال الأكراد في كوردستان - من خلال موقف عصبة الأمم إزاء الحقوق القومية الكوردية في كوردستان؛ إذ لما رُشِّح العراق، بعد توقيع المعاهدة العراقية الإنجليزية عام 1930، للانضمام إلى عضوية عصبة الأمم عام 1932، دعا مجلس العصبة (لجنة الانتدابات) إلى وضع الشروط التي يمكن على أساسها إنهاء الانتداب على العراق وإخراجه منه، ومن بين تلك الشروط ما نصت عليه المادة العاشرة: «الحقوق المثبتة للأكراد في كوردستان العراق/ولاية الموصل الكوردية تُعدّ تعهدات ذات شأن دولي، استنادًا إلى ما اعترفت به الحكومة العراقية العربية الجديدة في تصريحها المؤرخ في 25 أيار/مايو سنة 1925».

ومن ثم فسوف نتناول في هذا الموضوع حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره باعتباره أحد الأسس القانونية لقيام الدولة الكوردية (كوردستان)، وذلك من خلال ما يلي (3):

أ- الأطماع الاستعمارية ونشأة المشكلة الكوردية.

ب- حق الشعوب في تقرير المصير: مضمونه وطبيعته القانونية.

ج- المقاومة الشعبية المسلحة باعتبارها إحدى الوسائل لتحقيق تقرير المصير للشعب الكوردي.

أ- الأطماع الاستعمارية ونشأة المشكلة الكوردية

احتل العثمانيون العراق وأجزاء من كوردستان، وانتزعوهما من إيران بعد معركة «جالديران» الفاصلة عام 1514م بقيادة السلطان سليم الأول (ياوز سليم)، الذي بدأ زحفه بالإعلان أن احتلال إيران للعراق وأجزاء من كوردستان وأرمينيا منذ عام 1508م خرقٌ لحدود الدولة العثمانية (4)، أي قبل تحرك السلطان سليم الأول بنحو ست سنوات.

ثم بعد عشرين عامًا من الاحتلال العثماني لتلك المنطقة، أي في عام 1534م، زار السلطان العثماني «سليمان القانوني» الولايات العثمانية الثلاث، وهي بغداد والبصرة والموصل/كوردستان (العراق الحالي)، وجعل طريق عودته إلى العاصمة إسطنبول عبر كوردستان (ولاية الموصل)، وحلّ في أربيل أربعة أيام استقبل خلالها قادة الأكراد وأمراءهم لدعم سلطة الدولة العثمانية، واجتهد في إقامة علاقات ودية مع الشعب الكوردي في كوردستان العراق (ولاية الموصل) (5).

وظل الوضع في كوردستان على حاله حتى عام 1639م (معاهدة زهاب/قصر شيرين)، عندما رسمت الإمبراطوريتان العثمانية والفارسية حدودهما وتقاسمتا منطقة كوردستان على النحو الذي ما زال قائمًا إلى الآن، باستثناء بعض التعديلات الطفيفة، وقد ورثت هذا التقسيم الدول التي نشأت عند زوال هاتين الإمبراطوريتين، وهي: العراق وإيران وتركيا وسوريا. وكافأ العثمانيون الأكراد على ولائهم فأقاموا 16 إمارة كوردية تتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق، وكان على هذه الإمارات الكوردية في المقابل تقديم الجنود عند الضرورة، وجباية الضرائب، وتوفير الحد الأدنى من الأمن على الحدود الشرقية للإمبراطورية العثمانية (6).

بيد أن الأمور الإدارية والسياسية في كوردستان العثمانية لم تبقَ على وتيرة واحدة في ظل الحكم العثماني، إذ مرت البلاد الكوردية (كوردستان العثمانية) بمراحل عدة وتغيرات متباينة تبعًا لمدى انصياعها وولائها للسلطان العثماني، ولكن منطقة كوردستان تمتعت رغم تلك التغيرات باستقلال شبه ذاتي امتد حتى منتصف القرن التاسع عشر وظهور التنظيمات الإدارية بعد عام 1850م (7)، وما كان من دمج المناطق الكوردية العثمانية في ولايات الدولة العثمانية (8).

وخلال الحرب العالمية الأولى عقدت بريطانيا وفرنسا معاهدة سرية في أيار/مايو 1916م حول الترتيبات المقبلة في الشرق الأوسط بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وقد سُمّيت هذه المعاهدة «سايكس - بيكو» (16 أيار/مايو 1916) (9) نسبةً إلى ممثلَين دبلوماسيين لبريطانيا وفرنسا آنذاك. وقُسِّمت الإمبراطورية العثمانية بموجب تلك المعاهدة إلى منطقتي نفوذ لبريطانيا وفرنسا؛ فاشتملت المنطقة البريطانية (الحمراء) بصورة رئيسية على وادي الرافدين (ميسوبوتاميا)، أي ولايتي بغداد والبصرة (العراق العربي الجديد)، من جنوب منطقة خانقين في كوردستان الجنوبية/كوردستان العراق شمالًا حتى جنوب الكويت. واشتملت المنطقة الفرنسية (الزرقاء) بشكل رئيسي على المناطق التي تُعرف الآن بسوريا ولبنان، وكذلك الجزء الجنوبي من كوردستان تركيا (ولاية الموصل ومنها كوردستان العراق الحالية)، أي كوردستان الشمالية (تركيا) وكوردستان الغربية (سوريا). أما فلسطين فكانت منطقة «بُنّية» تقرر أن يكون لها كيان دولي مستقل. وقد انضمت روسيا إلى معاهدة سايكس - بيكو في 26 نيسان/أبريل 1916م على أن تُلحَق بها المناطق الشمالية الشرقية من كوردستان تركيا، وهي التي تضم بشكل رئيسي الجزء الشمالي الغربي من كوردستان، وهكذا قُسِّمت بلاد الأكراد (كوردستان) (10).

ولما كان تقسيم كوردستان بين الإمبراطوريتين العثمانية التركية والصفوية الفارسية عام 1639م (معاهدة الحدود - زهاب/قصر شيرين) بمثابة المعول الأول في هدم كيان المنطقة الجغرافية لكوردستان، فقد بدت كوردستان في صورة تثير أطماع الدول الاستعمارية التي تسابقت في اقتسام الإقليم الكوردي واحتلال أراضيه واستغلال خيراته، وقد أدى ذلك إلى تأجج جذوة النضال الوطني للشعب الكوردي في كوردستان، الذي كانت جمهورية «مهاباد الكوردية المستقلة» أحد مظاهره.

ونرى تناول تلك التطورات في واقع النضال الكوردي كما يلي:

أولًا: تقسيم كوردستان لأول مرة - معاهدة تنظيم الحدود لعام 1639م (معاهدة زهاب/قصر شيرين).

ثانيًا: المشروعات البريطانية لحكم كوردستان.

ثالثًا: جمهورية مهاباد الكوردية المستقلة في كوردستان إيران.

أولًا: تقسيم كوردستان لأول مرة - معاهدة تنظيم الحدود لعام 1639م (معاهدة زهاب/قصر شيرين)

احتل العثمانيون بلاد ما بين النهرين (ولايتي بغداد والبصرة)، أي ميسوبوتاميا (العراق العربي الجديد)، و(ولاية الموصل) كوردستان، وانتزعوها من إيران بعد معركة «جالديران» عام 1514 للميلاد بقيادة السلطان العثماني سليم الأول، الذي بدأ زحفه بالإعلان أن احتلال إيران للعراق (بلاد ما بين النهرين) وأجزاء من كوردستان وأرمينيا منذ عام 1508م خرقٌ لحدود الدولة العثمانية، أي قبل تحرك السلطان سليم الأول (ياوز سليم) بنحو ست سنوات. ثم بعد عشرين عامًا من الاحتلال العثماني، أي في عام 1534م، جاء السلطان العثماني سليمان القانوني بنفسه إلى بلاد ما بين النهرين (العراق): ولايتي بغداد والبصرة، وولاية الموصل (كوردستان)، زائرًا متفقدًا، وجعل طريق عودته إلى العاصمة إسطنبول عبر ولاية الموصل/كوردستان، وحلّ في «أربيل» أربعة أيام استقبل خلالها قادة الأكراد وأمراءهم لدعم سلطان الدولة العثمانية، واجتهد في إقامة علاقات حسنة مع الشعب الكوردي في كوردستان/ولاية الموصل (11).

ومنذ عام 1514م (معركة جالديران) لم يثبت الشعب الكوردي في كوردستان على حال واحدة في علاقاته مع الدولتين العثمانية والإيرانية، إذ وثّق الأمراء الأكراد علاقاتهم مع الصفويين الفرس في حالة الصدام مع العثمانيين، في حين كان الشاه الإيراني يتحين الفرصة لاحتلال بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي)، أي ولاية بغداد وأجزاء من ولاية الموصل/كوردستان العراق، وقد واتته الفرصة في عام 1622م. وأصبح الشغل الشاغل للسلطان العثماني استعادة بلاد ما بين النهرين (العراق)، حتى تمكن السلطان العثماني مراد الرابع من استعادتها عام 1638م مستعينًا بالأكراد من ولاية الموصل (كوردستان العراق) لتحقيق غايته. ونتيجةً لهذه الحرب عُقدت معاهدة ثنائية إيرانية - عثمانية عُرفت باسم «معاهدة تنظيم الحدود لعام 1639م» (زهاب/قصر شيرين)، قُسِّمت كوردستان بموجب أحكامها لأول مرة في تاريخها، وأصبح الشعب الكوردي في كوردستان يعيش، أثرًا لهذا التقسيم، تحت سلطتين: إحداهما صفوية فارسية، والأخرى عثمانية تركية، على النحو التالي (12):

  1. أصبحت أراضي العشائر الكوردية (كلهر والكلور والأردلان) بكاملها خاضعة لإيران.

  2. انقسمت أراضي العشائر الكوردية (المكري) على الحدود الجديدة إلى قسمين: بقيت بلاد (ولاية) شهرزور الكوردية تابعة للحكم العثماني، بينما تأجل البتّ في وضع المناطق الكوردية الأخرى مثل (سقز وزهاب ودرنه وجنوب كرمنشاه) في كوردستان إيران الحالية، إذ اتفق الجانبان على أن يُترك أمر تسوية باقي المناطق الكوردية من كوردستان ووضعها لاتفاقية مقبلة.

  3. بقيت المناطق الكوردية من كوردستان الواقعة إلى جوار هذه الأراضي الكوردية على وضعها الإداري السابق (13).

ونتيجةً لتلك المعاهدة (قصر شيرين) لتقسيم الحدود عام 1639 أصبحت مدينة الموصل العربية وما حولها من المناطق الكوردية باشوية، وكذلك مدينة شهرزور الكوردية باشوية، واستقلتا عن باشوية بغداد، بينما ظلت بقية الإمارات الكوردية - الجزيرة والعمادية وسوران - تحت سيطرة بكواتها (أغواتها) من الأكراد، واستمرت إمارة بابان الكوردية المشهورة في صعودها.

ولقد تجلت أبعاد هذه المعاهدة (قصر شيرين/زهاب 1639 لتقسيم الحدود) وآثارها في تحقيق فوائد سياسية للجانبين الصفوي الفارسي والعثماني التركي، إذ فتحت أمامهما سبل التعاون ضد أي تحرك كوردي يستهدف في المستقبل تحقيق الحرية والاستقلال لكوردستان، وباتت علاقات كوردستان مع الجانبين تتسم بالمهادنة أحيانًا وبالقلاقل أحيانًا أخرى، تبعًا لتحركات الأمراء الأكراد وتطلعاتهم في ضوء الأوضاع السائدة (14).

ولقد بذل الصفويون الفرس والعثمانيون الأتراك جهدهم في إخضاع الإمارات الكوردية في كوردستان؛ ففي أثناء عملية تفكك الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، التي استغرقت أربعين سنة، قام العثمانيون الأتراك بإخضاع معظم أنحاء كوردستان بواسطة الحملات العسكرية التأديبية المتتالية، ونجحت تلك الحملات العسكرية العثمانية في إخضاع الإمارات الكوردية الساعية إلى المحافظة على امتيازاتها. وفي بعض الأحيان تعاون الأكراد مع الإمبراطوريتين (العثمانية والفارسية) وعملوا في صفوفهما، ومنهم من قاتل تحت راية العثمانيين في حروبهم الثلاث ضد روسيا، في حين اختار بعضهم البقاء على الحياد، أما القبائل الكوردية المسيحية فقد انضمت إلى الثوار الأكراد أو بقيت على ولائها للعثمانيين. وكالعادة نجح العثمانيون في تجنيد بعض القبائل الكوردية للقتال ضد الثائرين من الأكراد، ولما سعى زعماء الأكراد إلى الحصول على مساعدة روسيا وبريطانيا وبلغوا في ذلك غاياتهم، نصب لهم العثمانيون المكائد، وسعوا إلى تأليب القبائل الكوردية في كوردستان بعضها على بعض، لدرجة أن الزعماء الأكراد الذين كانوا ينتصرون في المعارك سرعان ما كانوا يخسرون كل شيء بخداعهم أثناء المفاوضات، ثم يُنفَون أو يُسجنون أو يُغتالون (15).

الاحتلال الأفغاني لإيران وظهور نادر شاه عام 1723

وفي خضم هذا الصراع التاريخي الناجم عن معاهدة تنظيم الحدود عام 1639م (زهاب/قصر شيرين) داهم الأفغان إيران واحتلوها عام 1723، مما عطّل اتفاقية الحدود (زهاب/قصر شيرين) لعام 1639 ونال من أثرها، لا سيما أن الحاكم الأفغاني لم يعترف بها. وقد أدرك العثمانيون كيف يستفيدون من هذه المتغيرات، فاستولوا على إمارة الأردلان الكوردية في إيران الفارسية بمساعدة البكوات والأغوات الأكراد، وواصل العثمانيون تدخلهم شرقًا حتى احتلوا أصفهان، مما استوجب تسوية سريعة للأمور، فعقد الطرفان العثماني والأفغاني معاهدة للصلح عام 1728م أصبحت بموجبها الأقسام الغربية الكوردية من كوردستان إيران/فارس تابعة للسلطنة العثمانية، أي توحدت المنطقة الجغرافية لكوردستان لأول مرة تحت سلطة واحدة.

لكن الأمور تغيرت لما برز نادر شاه، وهو الضابط الإيراني الذي استطاع استعادة المناطق الكوردية الإيرانية (كوردستان إيران) من العثمانيين، بيد أنه لم يلبث أن انهزم في الحرب، فاستعاد العثمانيون عام 1731م المناطق الكوردية من كوردستان التي كانت تحت سيطرتهم في إيران، وأُعيد سريان معاهدة تقسيم الحدود لعام 1639 (زهاب/قصر شيرين) مرة أخرى (16).


أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع

الجزء الثاني ←