الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ج- المقاومة الشعبية المسلحة باعتبارها إحدى الوسائل لتحقيق تقرير المصير للشعب الكوردي
اعترف القانون الدولي - على نحو ما تقدم - للشعوب، في سعيها إلى الحصول على حقها في تقرير المصير وممارسته، بأن تسلك من الوسائل السلمية وغير السلمية ما تراه مناسبًا لها، ومن ثم فإنه إذا حيل بينها وبين الحصول على حقها بالوسائل السلمية، جاز لها أن تستخدم من الوسائل غير السلمية - بما في ذلك القوة المسلحة - ما يكفل لها بلوغ حقها.
وإذا رأينا أن المجتمع والتنظيم الدوليين قد أضحيا يعترفان للشعب الكوردي بحقه في تقرير مصيره، فإنه يكون لهذا الشعب أن يسعى إلى ممارسة حقه بالوسائل السلمية المعتادة في مثل تلك الحالات، من مفاوضات واستفتاء وغير ذلك، فإن استمرت الحيلولة بينه وبين تحقيق غايته فله أن يسلك من السبل ما يشاء، حتى لو استدعى الأمر استخدام القوة المسلحة.
ولما كانت الدول الثلاث - العراق وإيران وتركيا - ترفض منح الأكراد الحق في تقرير المصير على الأجزاء التي تخضع لسيادتها من كوردستان، وترفض التفاوض فيما يتعلق بحقهم في تقرير المصير، وتُعرض عن سماع آرائهم بطريق الاستفتاء، وهو ما يشكل جوهر قضيتهم، وتتحين الفرص فتتعقبهم بالقمع والقتل والتشريد بغية طمس قوميتهم وأملًا في وضع حد لوجودهم، فإن ذلك يجيز للشعب الكوردي في كوردستان أن يستخدم من الوسائل غير السلمية ما يراه مناسبًا للحصول على حقه في تقرير المصير.
ولما كانت المقاومة الشعبية المسلحة تقوم على دعامات وأسانيد تكفّل القانون الدولي بالكشف عنها وإبراز سبل تعزيزها، بما تختلف معه وتتباين عن جريمة الإرهاب الدولي التي ترتكبها الدول والأفراد، وكانت بعض الدول تصرّ على وصف حركات التحرر الوطني بالإرهاب، وفي هذا خلط يجافي التكييف القانوني الصحيح في القانون الدولي، فإننا نرى تناول هذا الموضوع بالدراسة على النحو الآتي (106):
1- المقاومة الشعبية المسلحة والإرهاب الدولي.
2- شرعية المقاومة الشعبية المسلحة في نطاق القانون الدولي العام.
3- شرعية المقاومة الكوردية المسلحة.
1- المقاومة الشعبية المسلحة والإرهاب الدولي
كان لفشل عصبة الأمم في تحقيق أهدافها، ولقيام الحرب العالمية الثانية، أثر كبير عند صياغة ميثاق الأمم المتحدة، فقد نص الميثاق في أكثر من مادة على تحريم استخدام القوة، ومن ذلك ما ورد في الفقرة الأولى من المادة الأولى، وفي الفقرة الرابعة من المادة الثانية، بما يقطع بأن ميثاق الأمم المتحدة حظر وحرّم بصراحة ووضوح استخدام القوة في ميدان العلاقات الدولية.
بيد أن هذا التحريم وردت عليه استثناءات يختلف الفقهاء في تحديدها، ما بين قائل بحصرها في حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن النفس (وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة) (107)، وموسِّع لها بإضافة إجراءات القسر التي تتخذها الأمم المتحدة أو التي تتم بناءً على ترخيص منها. على أن الرأي الراجح في هذا الصدد يذهب إلى أن هذه الاستثناءات إنما تنحصر في الدفاع الشرعي عن النفس من جانب، وأعمال الكفاح المسلح على طريق التحرير الوطني (المقاومة الشعبية المسلحة) من جانب آخر (108)، بالإضافة إلى إجراءات الأمن الجماعي التي تتخذها الأمم المتحدة والتي تندرج في سياق الدفاع الشرعي الجماعي.
أ- المقاومة الشعبية المسلحة (109)
يُقصد بالمقاومة الشعبية المسلحة في مفهومها الواسع (110) استخدام القوة المسلحة من جانب عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة النظامية، دفاعًا عن المصالح الوطنية ضد قوى أجنبية، سواء كانت تلك العناصر تعمل في إطار تنظيم يخضع لإشراف سلطة قانونية أو واقعية وتوجيهها، أو كانت تعمل من تلقاء نفسها، وسواء باشرت هذا الاستخدام للقوة المسلحة فوق الإقليم الوطني أو من قواعد خارج هذا الإقليم.
فالمقاومة الشعبية بهذا المعنى يُراد بها أي نشاط مسلح تقوم به الشعوب ضد مستعمريها أو محتلي أراضيها أو من يمارسون ضدها تفرقة عنصرية صارخة وصريحة، أو هي تعني بصفة عامة نضال الشعوب المسلح من أجل الحصول على الحق في تقرير المصير (111).
وعلى أساس ذلك التعريف تبرز المقومات الأساسية للمقاومة الشعبية المسلحة في أنها نشاط شعبي، بالقوة المسلحة، ضد قوى أجنبية، بدافع وطني (112).
ب- الإرهاب الدولي
يرى جانب من الفقه أن تحديد الأسباب التي تؤدي إلى ارتكاب الأعمال الإرهابية الدولية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلة تعريف الإرهاب الدولي (113)، مما يستوجب إلقاء الضوء على مفهوم الإرهاب الدولي في إطار قواعد القانون الدولي، إلا أن هناك العديد من المشكلات التي تعترض كشف اللثام عن ذلك المفهوم، ومن بينها:
ليس لهذا الاصطلاح - الإرهاب الدولي - محتوى قانوني محدد؛ فقد تعرض مدلوله للتطور منذ نشأته في أواخر القرن الثامن عشر، وتغير ذلك المدلول من وقت لآخر، فبينما كان يُقصد به في البداية تلك الأعمال والسياسات الحكومية التي تستهدف بث الرعب بين المواطنين وصولًا إلى تأمين خضوعهم وانصياعهم لرغبات الحكومات، فقد أصبح يُستخدم اليوم لوصف أعمال يقوم بها أفراد أو مجموعات (114).
وفضلًا عن ذلك فإن هذا الاصطلاح ما زال غامضًا في المجتمع الدولي، ويثير مناقشات وخلافات في القانون الوضعي الوطني والدولي، إلى جانب أن الإرهاب ظاهرة اجتماعية معقدة لها العديد من الأسباب والدوافع، والكثير من الآثار الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والدينية والعرقية (115).
ومن العقبات التي تقف في سبيل إيجاد تعريف محدد للإرهاب تلك العلاقة ما بين الإرهاب والأعمال الإجرامية من جانب، والجرائم السياسية والحق في اللجوء السياسي من جانب آخر (116).
بيد أنه، رغم تلك الصعاب، بُذلت محاولات كثيرة، سواء في الفقه الدولي أو من خلال الممارسة العملية الدولية عبر الاتفاقيات الدولية أو القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية، لتعريف الإرهاب في إطار قانوني. فيرى الدكتور عبد العزيز سرحان أنه يمكن تعريف الإرهاب الدولي بأنه: «كل اعتداء على الأرواح والأموال والممتلكات العامة أو الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي العام بمصادره المختلفة، بما في ذلك المبادئ العامة للقانون بالمعنى الذي تحدده المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وبالتالي يُعدّ الفعل إرهابًا دوليًا، ومن ثم جريمة دولية، سواء قام به فرد أو جماعة أو دولة، كما يشمل أيضًا أعمال التفرقة العنصرية التي تباشرها بعض الدول» (117).
ويرى الدكتور صلاح عامر أن اصطلاح الإرهاب الدولي يُستخدم في الأزمنة المعاصرة للإشارة إلى الاستخدام المنظم للعنف لتحقيق هدف سياسي، وبصفة خاصة مجموع أعمال العنف (حوادث الاعتداءات الفردية أو الجماعية أو التخريب) التي تمارسها منظمة سياسية على المواطنين، وخلق جو من عدم الأمن، وهو ينطوي في هذا المفهوم على طوائف متعددة من الأعمال، أظهرها اختطاف الرهائن والأشخاص بصفة عامة، وخاصة الممثلين الدبلوماسيين، وقتلهم، ووضع متفجرات أو عبوات ناسفة في أماكن تجمع المدنيين أو وسائل النقل العامة، والتخريب، وتغيير مسار الطائرات بالقوة (118).
وعرّف الأستاذ غارسيا مورا (Garcia-Mora) الجريمة السياسية مبرزًا صفة الضحية، فإذا كانت بريئة بالنسبة للعمل الإجرامي فيجب ألا يستفيد مرتكب الفعل من استثناء الجرائم السياسية فيما يتعلق بتسليم المجرمين؛ فالوحشية وفظاعة الأسلوب، وعدم الحاجة إلى استخدام مثل هذه الأساليب، تُعدّ العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الجرائم يجب اعتبارها جرائم سياسية أم لا (119).
ولدى مناقشة أعمال اللجنة التحضيرية لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ارتأى عدد من الوفود عدم إدراج الإرهاب الدولي، لعدم وجود أي تعريف عام لتلك الجريمة، ولأن تلك الجرائم كثيرًا ما تكون مشابهة للجرائم العادية المنصوص عليها في القوانين الوطنية، ومن الممكن أن تحقق فيها السلطات الوطنية وتلاحق عليها بفاعلية أكبر في إطار ترتيبات التعاون الدولي القائمة، لأسباب مماثلة لتلك المتعلقة بالاتجار غير المشروع بالمخدرات (120).
ورغم اختلاف التعريفات في الفقه القانوني الدولي بما يتجاوز حدود الحصر، فإنه يمكن القول إن من أكثر هذه التعريفات شيوعًا ذلك الذي يركز على الطبيعة غير الإنسانية للعمل الإرهابي، وهو ما أخذت به العديد من الاتفاقيات الدولية التي عُقدت من أجل مناهضة الإرهاب (121)، باعتبار أنه يعتمد العنف خارج سقف الشرعية الدولية والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ومع ذلك استأثر موضوع الإرهاب بالخطاب السياسي الدولي في الآونة الأخيرة، بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، مما حمل مجلس الأمن في 28 أيلول/سبتمبر من العام 2001 على إصدار القرار رقم 1373، الذي أعدّت مشروعه الولايات المتحدة، وأُقرّ من دون إدخال تعديلات أساسية عليه، فجاء القرار متخطيًا، في بعض نصوصه، ميثاق الأمم المتحدة نفسه والاتفاقيات الدولية وقرارات الجمعية العامة والمبادئ الأساسية في القانون الدولي العام (122).
فالقرار، بعد أن يدين الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك، وبعد أن يعرب عن تصميمه على منع جميع هذه الأعمال التي تشكل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين، يتجاهل الأسباب الحقيقية للإرهاب، ويعتبر أن الدافع لتزايد الأعمال الإرهابية هو التعصب والتطرف، دون ذكر العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المولّدة لهذا التعصب والتطرف، بما يتناقض مع القرار رقم 40/61 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1985، الذي ينص في البند التاسع منه على أن: «تحث الجمعية العامة جميع الدول، فرادى وبالتعاون مع الدول الأخرى، وكذلك أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة، على أن تسهم في القضاء التدريجي على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي، وأن تولي اهتمامًا خاصًا لجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية، والحالات التي تنطوي على انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحالات التي يوجد فيها احتلال أجنبي، والتي يمكن أن يتولد عنها الإرهاب الدولي وتعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر» (123).
وعلى الرغم من أن القرار رقم 1373 يؤكد «الحق الراسخ للفرد أو الجماعة في الدفاع عن النفس كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة»، فإنه يغفل في الوقت نفسه حق تقرير المصير وحق مقاومة الاحتلال، وهما من الحقوق الراسخة أيضًا كحق الدفاع عن النفس، وقد سبق أن أكدهما ميثاق الأمم المتحدة نفسه، فضلًا عن سلسلة من القرارات والاتفاقيات الدولية. كذلك لم يحدد القرار مفهوم الإرهاب الدولي، ولا مفهوم الإرهاب عمومًا، ولم يبيّن مواصفات ذلك الإرهاب، حتى جاء القرار مبهمًا فيما يصبو إليه، غير محدد الأهداف في توجهاته.
بيد أن تفعيله يزيد من خطورته، لا سيما أن ظروف إصدار هذا القرار جعلت له من الأهمية والشمول ما يفوق جميع القرارات الدولية السابقة في هذا الشأن، وما وُقّع من معاهدات بصدد الإرهاب، لأنه يمتلك قوة إلزامية تلقي على الدول تبعات تنفيذه، ومن يتقاعس عن التنفيذ تُتخذ بحقه التدابير بموجب المادة 41 من الميثاق، التي تؤدي إلى تطبيق حصار ومقاطعة جزئية أو كاملة، بل أكثر من ذلك، إذا ثبت أن هذه التدابير لا تفي بالغرض، فقد يصل الأمر إلى استخدام ما يلزم من الوسائل العسكرية لتطبيقه.
ومما يسترعي النظر أن القرار رقم 1373 لم يقتصر على تحديد مبادئ عامة، بل تدخّل في التفاصيل والأمور الإجرائية التي هي من صلب قوانين الدول؛ فطلب تجميد الأموال وأي أصول مالية أو موارد اقتصادية لأشخاص يرتكبون أعمالًا إرهابية أو يحاولون ارتكابها أو يسهّلون ارتكابها، أو لمن يرتبط بهم من أشخاص وكيانات وممتلكات، وبالتالي عدم توفير الملاذ الآمن لهم، وتبادل التعاون في الشؤون الإدارية والقضائية من أجل مراقبة تنفيذ هذا القرار، وطلب من الدول موافاة مجلس الأمن بتقارير عن الخطوات التي اتخذتها تنفيذًا لهذا القرار في موعد لا يتجاوز 90 يومًا من تاريخ اتخاذه (124).
واتسع نطاق القرار ليشمل دولًا بصفة الإرهاب، ولم يستثنِ حركات التحرر الوطني، في حين أن عدم وضع تعريف واضح ومتفق عليه للإرهاب سوف يؤدي إلى مشكلات عديدة لدى تطبيق أحكامه، خصوصًا إذا ما اختلطت التوصيفات، وأضحت حركات المقاومة الشعبية - التي هي في جوهرها حركات ممارسة لحق تقرير المصير على النحو المعترف به دوليًا - من بين المنظمات الإرهابية التي يتعين قمعها وضمّها إلى لائحة الإرهاب.
أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس
- الجزء السابع