الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ثانيًا: الطبيعة القانونية لحق تقرير المصير
لم يكن لحق تقرير المصير قبل النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة أي أساس قانوني (79)، ولا ينال من ذلك ما كان يَرِد بشأنه مرتبطًا ببعض جوانب التسوية السلمية التي تجيء بعد انتهاء الحرب، ومثال ذلك التسوية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وأسفرت عن معاهدات السلام التي وضعت نهاية لها.
وفي أحيان أخرى يكون هذا المبدأ هو الأصل، أو السبب الرئيسي - وربما الوحيد - الذي يدور حوله النزاع الذي أدى إلى نشوب الحرب، ومثال ذلك الحرب في فيتنام والنزاع العربي الإسرائيلي.
ولذلك ما إن يجتمع مندوبو الأطراف المتحاربة للتفاوض على وضع التسوية السلمية من أجل إنهاء الحرب حتى يصعب عليهم تجاهل التعرض لمسألة تقرير مصير الشعوب التي لها صلة بتلك التسوية أو بنشوب الحرب (80).
ومع أن مبدأ تقرير المصير قد نُصّ عليه صراحةً في المادة الأولى من الميثاق باعتباره أحد أهداف الأمم المتحدة، فإنه أثار تساؤلات عديدة ومناقشات فقهية واسعة حول طبيعته القانونية ومدى إلزاميته.
ويكشف عن ذلك موقف الفقه الغربي - في معظمه - الذي جاء مناقضًا لإضفاء صفة الحق والطبيعة القانونية الملزمة على تقرير المصير، معتبرًا أنه لا يتعدى كونه مبدأً سياسيًا وأخلاقيًا (81).
لكن التطورات التي أعقبت قيام الأمم المتحدة، وما أسهمت به من دور في تصفية الاستعمار، وبروز دور دول المعسكر الاشتراكي والدول الآسيوية والإفريقية على صعيد المجتمع والتنظيم الدوليين، قد أدت إلى تغيير المواقف، بحيث أضحى الفقه الدولي - بما فيه الفقه الغربي - في معظمه، إن لم يكن في مجموعه، يقر اليوم بأن تقرير المصير حق قانوني ملزم، وأن سمة العمومية والجانب السياسي فيه لا يفرغانه من محتواه القانوني (82)، بل إن بعض الفقه قد بلغ حدّ القول بأن حق تقرير المصير هو أهم مبدأ معترف به بشكل عام في القانون الدولي المعاصر (83).
والواقع أن القول بتمتع حق تقرير المصير بطبيعة قانونية ملزمة إنما يستند إلى ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها المتعاقبة؛ فميثاق الأمم المتحدة ينص على حق تقرير المصير - كما سلف القول - في الفقرة الثانية من مادته الأولى وفي مادته الخامسة والخمسين، والميثاق بوصفه معاهدة دولية شارعة متعددة الأطراف يضفي على الأحكام الخاصة بحق تقرير المصير سمة القواعد التعاهدية أو الاتفاقية الدولية (84)، ومن ثم تكتسب هذه الأحكام إلزامية قانونية في مواجهة الدول.
ومما يعضد تلك الإلزامية ويؤيدها ما تكشف عنه أحكام المادة (103) من ميثاق الأمم المتحدة، حيث تنص على أنه «إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق». فضلًا عما تقدم فإن حق تقرير المصير يُعدّ أيضًا من قواعد القانون الدولي العرفية (85).
والعرف الدولي - كما أشارت الفقرة (ب) من المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية - هو «العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دلّ عليه تواتر الاستعمال»، ولقد ساعد تواتر القرارات التي تبنتها الجمعية العامة ومجلس الأمن، وأحكام محكمة العدل الدولية، على جعل حق تقرير المصير قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي (86).
فلقد تواترت قرارات الجمعية العامة على تأكيد حق تقرير المصير وتدعيم قيمته القانونية، ومن ذلك على سبيل المثال ما ورد بشأنه في قراراتها أرقام: 637 أ/د-7، و1514/د-15، و2200/د-21، و2625/د-25، وغيرها.
كذلك اعترف مجلس الأمن في قراريه رقمي 183/1963 و218/1965 (87) بحجية حق الشعوب في تقرير المصير، حيث أكد فيهما تفسير الجمعية العامة لهذا المبدأ على نحو ما ورد في قرارها رقم 1514/د-15 (88).
ولقد تأكدت حجية مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها في العديد من الآراء الإفتائية لمحكمة العدل الدولية، ويمكن أن نذكر منها في هذا الصدد رأيها الاستشاري الصادر في 21 حزيران/يونيو 1971 بشأن الآثار القانونية المترتبة على إنهاء انتداب جنوب إفريقيا على ناميبيا، على الرغم من قرار مجلس الأمن رقم 276 لسنة 1970، ورأيها الاستشاري فيما يتعلق بالصحراء الغربية، حيث أشارت إلى المبدأ بوصفه حقًا للشعوب (89).
كما نصت المادة الأولى في كلٍّ من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، على أن لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير، وأن تقرير المصير حق عالمي، ودعت الدول إلى تعزيز هذا الحق واحترامه (90).
وبذلك فإن حق تقرير المصير لم يعد مجرد مقولة أخلاقية أو سياسية، وإنما أضحى حقًا قانونيًا ملزمًا.
كذلك فإنه، بسبب الصلة الوطيدة جدًا بين هذا الحق والحفاظ على السلم والأمن الدوليين، لم يعد حق تقرير المصير أمرًا وطنيًا محضًا؛ فإذا حيل بين شعب وحقه في تقرير المصير شكّل ذلك خرقًا للقانون الدولي بما يهدد السلم والأمن الدوليين، وعلى هذا فإن حق تقرير المصير في مثل هذه الحالات لا يخضع للتحفظ الوارد في المادة (2/7) من الميثاق بصدد عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، إذ يمكن القول بأن الحق في تقرير المصير يُعدّ أيضًا واحدًا من القواعد الدولية ذات الطبيعة الآمرة (91).
والقواعد الآمرة (Jus Cogens) عرّفتها المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 بأنها كل قاعدة من قواعد القانون الدولي تقبلها الجماعة الدولية في مجموعها، ويُعترف بها باعتبارها قاعدة لا يجوز الإخلال بها أو الاتفاق على ما يخالفها، ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي لها الصفة ذاتها.
ويمثل حق الشعوب في تقرير مصيرها واحدة من تلك القواعد، نظرًا لكونه شرطًا ضروريًا ومسبقًا لممارسة حقوق الإنسان وإعمالها الفعلي (92)، دون تمييز بسبب الجنس أو النوع أو اللغة أو الدين، بغرض تهيئة ظروف الاستقرار والخير اللازمة لقيام علاقات سلمية وودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ الحقوق المتساوية وتقرير المصير للشعوب.
ثالثًا: وسائل ممارسة حق الشعوب في تقرير المصير
ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (1/2) على مقاصد الأمم المتحدة، ومنها إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام. كما ينص في المادة 55 من الفصل التاسع، تحت عنوان «في التعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي»، على أنه «رغبةً في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها…».
كما توضح قرارات الجمعية العامة الأنماط التي يمكن للشعوب أن تمارس في إطارها حقها في تقرير مصيرها، ومن ذلك قرار الجمعية العامة رقم 2625/د-25 المؤرخ في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1970 حول مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، الذي ورد فيه: «إن إنشاء شعب من الشعوب لدولة مستقلة، أو ارتباطه ارتباطًا حرًا بدولة مستقلة، أو اندماجه الحر في هذه الدولة، أو أي مركز سياسي آخر يحدده بنفسه بحرية، يمثل إعمالًا من جانبه لحقه في تقرير مصيره بنفسه». غير أن ميثاق الأمم المتحدة لم يحدد كيفية ممارسة الشعوب حقها في تقرير المصير، وقد تكفل الواقع الدولي ببيان عدة وسائل يمكن حصرها في «الاستفتاء الشعبي» و«قرار هيئة ممثلة للشعب» و«المقاومة».
(1) الاستفتاء الشعبي
يُقصد بالاستفتاء الشعبي في هذا السياق أن يُترك للشعب الحرية في إبداء رأيه في مستقبله السياسي الذي يريده دون إعنات أو إكراه (93).
والاستفتاء الشعبي بهذا المعنى يجب أن يتم في ظل نظام قانوني، وتحت إشراف دولي يضمن حرية التعبير، بحيث تقر نتائجه أطراف النزاع، وحتى يكون كذلك يتعين أن تأتي نتائجه معبرة عن رغبات الشعب المعني، كما يجب أن يشمل الاستفتاء الشعبي جميع سكان الإقليم الأصليين، بما يقتضي أن يشارك فيه كل المبعدين عن الإقليم بعد عودتهم إليه (94).
ولقد أوصت القرارات واللوائح التي اتخذتها المنظمات الدولية - الإقليمية والعالمية - بصدد حق الشعوب في تقرير مصيرها بضرورة استشارة السكان حول مستقبلهم عن طريق الاستفتاء، لكونه - إذا تم على نحو يكشف عن الإرادة الشعبية، وتحققت له الأدوات والوسائل القانونية - يمثل طريقة ديمقراطية لممارسة الحق في تقرير المصير (95).
فعلى سبيل المثال نصت الجمعية العامة في قرارها رقم 3162/د-28 المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1973، والمتعلق بقضية الصحراء الغربية (96)، على أنها «تؤكد من جديد تمسكها بمبدأ تقرير المصير، وحرصها على تطبيق هذا المبدأ بما يكفل لسكان الصحراء الواقعة تحت السطوة الإسبانية التعبير الحر الحقيقي عن إرادتهم وفقًا لقرارات هيئة الأمم المتحدة الصادرة في الموضوع… وتكرر دعوتها للدولة القائمة بالإدارة، بالتشاور مع الحكومتين المغربية والموريتانية وأي طرف آخر معني بالأمر، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيم استفتاء تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة بغية تمكين السكان الوطنيين من ممارسة حقوقهم في تقرير المصير بكل حرية…».
كذلك فإن الجمعية العامة، في قرارها رقم 36/9 الصادر في 7 كانون الأول/ديسمبر 1981 والمعنون «ما للإعمال العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير وللإسراع في منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة من أهمية لضمان حقوق الإنسان ومراعاتها على الوجه الفعال» (97)، نصت على أنها «تحيط علمًا مع الارتياح بالقرار 103/د-18 الذي اتخذه مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية في دورته العادية الثامنة عشرة المعقودة في نيروبي في الفترة 24-27 تموز/يوليو 1981، وبقرار لجنة التنفيذ أن تنظم وتجري استفتاءً عامًا حرًا بشأن تقرير المصير في الصحراء الغربية…» (98).
كذلك فإن مجلس الأمن قد أعلن صراحةً، وأقرّ بالإجماع في قراره رقم 385/1976، أنه لكي يتمكن شعب ناميبيا من أن يقرر بحرية مستقبله فإنه من الحيوي أن تجري انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة ورقابتها (99)، ثم تبعه القرار رقم 435/1978 الذي يتضمن خطة عامة لتحقيق استفتاء الشعب الناميبي (100). وهذا يبيّن أهمية الاستفتاء الشعبي باعتباره إحدى الوسائل ذات الأثر في سبيل تقرير الشعوب لمصيرها، ما دام ذلك الاستفتاء قد توافرت له المقومات والدعائم التي صاغها الواقع الدولي، من حيث خضوع الاستفتاء للإشراف الدولي وضمان حياة القائمين عليه، بما يكفل للمواطنين حريتهم في التعبير عن رأيهم في شأن تقرير مصيرهم.
بيد أن الاستفتاء قد لا يصلح أداةً لممارسة حق تقرير المصير في بعض الحالات، ومن ذلك أن تكون الغالبية من سكان الإقليم ليسوا من المواطنين، وأن تمنع الدولة المسيطرة على الإقليم عودة اللاجئين والمبعدين السياسيين (101)، ولعل أبرز مثال على ذلك الاستفتاء الذي أُجري في جبل طارق عام 1967، وكان لصالح بريطانيا لأن غالبية من اشتركوا فيه كانوا من البريطانيين.
(2) قرار مباشر من هيئة ممثلة للشعب (102)
قد يتم التوصل إلى ممارسة حق تقرير المصير في بعض الحالات دون إجراء استفتاء شعبي في الإقليم المعني بتقرير مصيره، بأن يجري ذلك عن طريق قرار تتخذه مباشرة هيئة تأسيسية منتخبة من الشعب، وهو ما طُبِّق فعليًا في حالة السودان وموريتانيا وغينيا الجديدة والهند ونيجيريا. وتنبع الصفة الديمقراطية لهذه الوسيلة من كون الهيئة المعبرة عن إرادة الشعب المعني بتقرير المصير تُشكَّل وفقًا للطرق الديمقراطية، إذ تنشأ غالبًا في أعقاب انتخابات حرة يشارك فيها جميع سكان الإقليم الأصليين.
وهذه الوسيلة، وإن كانت تحمل في طياتها روح التسوية النهائية التي ترضي جميع أطراف النزاع، ليست مأمونة العواقب، إذ تحمل في طياتها من جهة أخرى مصاعب عديدة، لعل أبرزها عدم التزام الدولة القائمة بالإدارة بالقرار الصادر عن الهيئة التأسيسية، أو تدخلها في انتخاب أعضاء الهيئة بما قد يؤدي إلى تمثيل عناصر غير وطنية فيها.
(3) أشكال المقاومة وآلياتها
مما لا شك فيه أن هناك نزاعات لا يمكن معالجتها بالتسويات، ولا يمكن حلها إلا من خلال الصراع، وهذا ينطبق بشكل أساسي على النزاعات المتعلقة بالمبادئ والقيم الأساسية للمجتمع، كقضية الاستقلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها؛ ففي مثل تلك الحالات تصبح الطرق القانونية والدستورية غير صالحة لمعالجة النزاع، وأخطر ما في الأمر أن الشعوب تصبح أمام خيار الاستسلام أو المقاومة (103).
أما الاستسلام فهو في الحقيقة ليس خيارًا بقدر ما هو خضوع وإذعان، فالخيار تعبير عن إرادة حرة، وهو ما ينطبق على المقاومة. والمبدأ الأساسي لمفهوم المقاومة يقوم على أن «ممارسة السلطة تعتمد على خضوع “المحكوم” وقبوله، وأن هذا “المحكوم” قادر - في حال رغب في ذلك - على ضبط سلطة “الحاكم” أو حتى تدميرها من خلال سحب قبوله وتعاونه». وقد استعمل الناس عبر التاريخ، وفي كل أنحاء العالم، وفي ظل أنظمة سياسية مختلفة، وسائل متنوعة لمعالجة النزاعات وخوض الصراعات، منها:
المقاومة المدنية
وتقوم على استخدام تقنيات ووسائل تهدف إلى شلّ قدرة الخصم ومواجهة سلطته وأهدافه من خلال أشكال لا عنفية تنطلق من تأييد الرأي العام والتفافه حول قضيته؛ فالتظاهر والاعتصام والإضراب صور لأشكال احتجاج جماعي تمارسه الشعوب في مواجهة الاحتلال، وقد يتصاعد ذلك الاحتجاج حتى يبلغ حد العصيان المدني الذي يتجسد في مقاطعة السلطة المحتلة ورفضها جماعيًا من خلال الامتناع عن دفع الضرائب، وتعطيل الحياة اليومية، والتعبير الإعلامي الجماعي الرافض في اجتماعات علنية للقيادات والمرجعيات. وتُعدّ التجربة الغاندية في المقاومة بلا عنف التجربة الرائدة في هذا المجال، إلا أن هذا النوع من المقاومة أصبح قليل الجدوى بالنظر إلى ضآلة أثره مقارنةً بالغاية من المقاومة ونوع السلطة الممثلة (104)، مما يجعل الكفاح المسلح هو الخيار البديل.
المقاومة المسلحة
وهي بلا شك تستند إلى المقاومة المدنية وتتكامل معها، وقد كانت خيار غالبية الشعوب في رفض الاحتلال، وطريقها لتحقيق حلمها في تقرير المصير، وتتنوع تجارب الشعوب في هذا المجال بحسب القدرة والملاءمة في بلوغ النتائج، تبعًا للعناصر التالية:
(أ) طبيعة المجتمع وتركيبه.
(ب) ظروف الاحتلال وشراسته.
(ج) إمكانيات المقاومة وعمقها الإستراتيجي.
باعتبار أن هذه العناصر الثلاثة تحدد طبيعة المقاومة وأساليبها؛ فهي قد تبدأ بعمليات محدودة خاطفة وسريعة، وتنتهي بجيش من المقاومين تتوافر له القدرة على المقاومة والتصدي في سبيل بلوغ التحرير، وقد تبقى عمليات محدودة في المدن والشوارع تستنزف الاحتلال وتقضّ مضاجعه، لكنها أيضًا قد تشمل الجبال والأرياف والوديان والطرق الإستراتيجية والمواقع والتحصينات والثكنات، بما يهدد أمن المحتل ويحطم معنوياته.
ومما لا شك فيه أن هذا النوع من المقاومة يحتاج إلى وضوح منهجي يُخضع خطواته لقانون الأسبقيات والأولويات (105)، وهو ما يقتضي: أولًا تحديد العدو، ومن ثم العمل على عزله وتطويقه. ثانيًا تحييد الخصم أو الخصوم، ومنع العدو من الاستعانة بهم أو توسيع جبهته من خلال توسيع دائرة حلفائه. ثالثًا تعزيز الصداقة مع الأصدقاء، وكسب الحلفاء، وتوفير المزيد من الدعم والعمق الإستراتيجي، ووضع حد للتناقضات الداخلية وما تجره من معارك ثانوية. وهذه القواعد الإستراتيجية البديهية تتطلب إبداع مجموعة من الآليات التنفيذية والبرامج التطبيقية، استنادًا إلى ما استقرت عليه القرارات الدولية من إسباغ الشرعية على الكفاح المسلح أداةً فاعلةً بصدد ما للشعوب من حق في تقرير مصيرها واسترداد سيطرتها على ثرواتها وإقليمها.
أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع