الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء السادس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

2- شرعية المقاومة الشعبية المسلحة في نطاق القانون الدولي العام

ارتبط تطور النظرة إلى مسألة خضوع السكان للسلطة المحتلة بالتطور الذي طرأ على مفهوم السيادة في ظل الاحتلال، وعلى مدى مشروعية الحرب.

فعندما كانت الحرب مشروعة، ونتائجها من ثم مشروعة، وكان للمحتل على الإقليم الذي اكتسبه سلطة تماثل السلطة السابقة عليه، وكان الإقليم المحتل يُعدّ جزءًا من إقليم الدولة المحتلة، وجب على السكان التزام مطلق بالطاعة والولاء إزاء السلطة المحتلة (125)، حتى إن جانبًا من الفقه يعتبر الإخلال بهذا الالتزام نوعًا من جرائم الحرب التي تعطي سلطات الاحتلال الحق في محاكمة من لا يلتزم بالطاعة من هؤلاء السكان (126). ومن ثم لم تكن حركات المقاومة الشعبية المسلحة ضد سلطات الاحتلال، في ظل القانون الدولي التقليدي، إلا نوعًا من الحروب الداخلية أو الأهلية التي تخضع لتنظيم القانون الدولي العام (127).

بيد أن هذه النظرة أخذت في التطور، وإن يكن ببطء، خلال القرن التاسع عشر، ثم أُثيرت المسألة بتوسع في أواخره عندما طُرحت للنقاش في مؤتمر لاهاي عام 1899 (128). وإذا كانت قرارات مؤتمر لاهاي لعام 1899 لم تنص على واجب الطاعة نحو السلطة المحتلة، فإن الأنظمة الملحقة بالاتفاقية فرضت بعض الالتزامات على السكان تجاه السلطة المحتلة، واستمرت نظرة الفقه - في معظمه - إلى حركات المقاومة الشعبية المسلحة باعتبارها نوعًا من النزاعات غير ذات الطابع الدولي (129).

ولقد استمر الجدل حول هذه المسألة حتى منتصف القرن الماضي تقريبًا، حين صدرت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 (130)، وحين استقر القانون الدولي على اعتبار أن الاحتلال لا ينقل السيادة على الإقليم المحتل بمجرد قيامه، وإنما تظل السيادة لدولة الأصل، ويقتصر أثر حالة الاحتلال على منع دولة الأصل صاحبة السيادة من ممارسة هذه السيادة على الإقليم المحتل (131)؛ فالاحتلال ما هو إلا حالة فعلية مؤقتة، وهو وإن قطع صلة مباشرة الدولة لاختصاصات السيادة على الجزء المحتل من إقليمها، فإنه لا يخوّل دولة الاحتلال نقل حقوق السيادة إليها، وإنما تظل هذه الحقوق محفوظة لدولة الأصل حتى تنتهي حالة الاحتلال (132).

ومن ثم فإنه، على ضوء كون الاحتلال حالة فعلية مؤقتة لا تؤثر على سيادة دولة الأصل إلا بحجبها مؤقتًا عن الممارسة، لم يعد ثمة أساس قانوني أو نظري يبرر الطاعة، أو يجعل من ثورة أهالي الأراضي المحتلة ضد قوات الاحتلال خرقًا لأية التزامات أو مبادئ دولية (133). بل حتى لو بحثنا الأمر في ضوء أحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 لما وجدنا نصًا يحول بين أهالي الأراضي المحتلة وحقهم في الثورة على سلطات الاحتلال، وإنما يمكن على العكس استنتاج أن الاتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف، والخاصة بمعاملة أسرى الحرب (134)، تجيز المقاومة الشعبية المسلحة ضد سلطات الاحتلال (135)؛ حيث تنص الفقرة الثانية من مادتها الرابعة (أولًا) في تعريف أسرى الحرب على: «الأشخاص الذين يقومون بحركات مقاومة نظامية، ويتبعون أحد أطراف النزاع، ويعملون داخل أراضيهم أو خارجها، حتى لو كانت هذه الأراضي محتلة».

ورغم أن هذه المادة اشترطت في رجال المقاومة بعض الشروط (136) التي تبدو صعبة التحقيق، إذ تجعل رجال المقاومة يتماثلون مع الجنود أفراد القوات المسلحة النظامية دون اعتبار للاختلاف الكبير في ظروف كل منهما، فإن هذا لا ينفي اعترافها الصريح بالمقاومة الشعبية المسلحة ضد سلطات الاحتلال حال توافر هذه الشروط، وهو ما يُعدّ - رغم الانتقادات الموجهة إلى هذه الشروط (137) - تطورًا في النظرة إلى المقاومة الشعبية المسلحة وطبيعتها الدولية.

ولقد سار جانب كبير من الفقه في الاتجاه ذاته، حيث اعترف بحق سكان الأراضي المحتلة في الثورة على سلطات الاحتلال (138)، بل إن بعضهم مال إلى تقرير ما أسماه «واجب» الثورة المفروض على هؤلاء السكان بموجب علاقة الولاء والتبعية القائمة بينهم وبين دولتهم المحتلة أراضيها، ودعا آخرون إلى تطبيق قوانين الحرب وأعرافها والقواعد الإنسانية الخاصة بتخفيف ويلاتها على أفراد قوات المقاومة، دون أفراد القوات النظامية لسلطات الاحتلال الناشئة عن وجود غير شرعي واجتياح للإقليم المحتل بالمخالفة لأحكام القانون الدولي؛ فبينما يصبح السكان أحرارًا في الدفاع عن أنفسهم ووطنهم ضد المحتل بالوسائل المختلفة، تبقى قوات الاحتلال مقيدة باتباع قوانين الحرب وأعرافها في صدد معاملة السكان المدنيين وأسرى أفراد المقاومة (139).

بيد أنه، على الرغم من اعتراف اتفاقية جنيف الثالثة صراحةً بالحق في المقاومة الشعبية المسلحة، وإسباغها حماية أسرى الحرب على رجال المقاومة الذين تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها، فإن هذه الخطوة لم تكن كافية؛ حيث أخذ جانب مهم من الفقه، وعدد متزايد من الدول - لا سيما تلك التي حصلت على استقلالها نتيجةً لحروب التحرير والمقاومة الشعبية المسلحة التي مارسها سكانها - يطالب بالتوسع في تطبيق حماية أسرى الحرب، وإضفاء الطابع الدولي على حركات المقاومة الشعبية المسلحة. كذلك فإن التطورات التي حدثت في الأسلحة القتالية وإدارة المعارك جعلت تطبيق بعض الشروط التي نصت عليها الاتفاقية لإسباغ حماية أسرى الحرب على رجال المقاومة أمرًا من الصعوبة بمكان (140).

وقد ترتب على ذلك أن طالب بعض الفقهاء بوجوب تفسير الشروط الأربعة تفسيرًا موسعًا يتلاءم مع التطورات ويواكبها، وتجاوز بعضهم ذلك إلى القول بوجوب تنقيح قانون الحرب تنقيحًا شاملًا بهدف الوصول إلى كفالة حماية أفراد المقاومة، وأن من الواجب تقليل عدد الشروط التي يُلزَم أفراد المقاومة باستيفائها وتحديدها، ليكون لهم وصف المقاتلين القانونيين، وذهب آخرون إلى القول بالاكتفاء بقيام نوع من التنظيم والعلانية ليكون لأفراد المقاومة الحق في الحصول على وصف أسرى الحرب (141).

وبينما أغفل ميثاق الأمم المتحدة النص على حق الشعوب والأقاليم التابعة في الدفاع عن نفسها، واقتصر على تنظيم العلاقة بينها وبين الدول التي تقوم بإدارتها في الفصول الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، دون أن يحدد صورة واضحة لكيفية ممارسة هذه الشعوب حقها في تقرير المصير، فقد أصدرت الجمعية العامة عدة قرارات تؤكد في مجموعها حق استخدام القوة للوصول إلى تقرير المصير، وتضمنت هذه القرارات صياغات مختلفة لتأكيد هذا الحق (142).

ومن أبرز هذه القرارات القرار رقم 2649/د-25 المؤرخ في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1970 (143)، والقرار رقم 2852/د-26 الصادر عام 1971، الذي جاء فيه أن الجمعية العامة تؤكد أن الأشخاص المشتركين في حركات المقاومة، والمقاتلين في سبيل الحرية في جنوب إفريقيا وفي الأقاليم الخاضعة للاستعمار والسيطرة الأجنبية والاحتلال الأجنبي، الذين يناضلون في سبيل حريتهم وحقهم في تقرير المصير، ينبغي في حالة اعتقالهم أن يُعامَلوا معاملة أسرى الحرب وفقًا لمبادئ اتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف لعام 1949 (144).

كذلك أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 3103 (الدورة 28) في 12 كانون الأول/ديسمبر 1973 بشأن المبادئ الأساسية المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية، وقد تضمنت فقرته التنفيذية الخامسة: «إن استخدام المرتزقة من قبل النظم الاستعمارية والعنصرية ضد حركات التحرر الوطني التي تكافح في سبيل حريتها واستقلالها من نير الاستعمار والسيطرة الأجنبية يُعتبر عملًا إجراميًا، ويُعاقب المرتزقة بناءً على ذلك باعتبارهم مجرمين»، وأوضحت الفقرة التنفيذية السادسة أن انتهاك المركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون السيطرة الاستعمارية والأجنبية والنظم العنصرية أثناء المنازعات المسلحة تترتب عليه مسؤولية تامة وفقًا لقواعد القانون الدولي.

وفي القرار رقم 39/159 الصادر عن الجمعية العامة في دورتها التاسعة والثلاثين عام 1984، الخاص بعدم قبول سياسة إرهاب الدول، حثّت الجمعية كل الدول على احترام حق الشعوب في تقرير المصير بما يتفق وميثاق الأمم المتحدة، وبالمثل حق الشعوب في أن تختار بحرية، وبدون أي تدخل خارجي، نظمها السياسية والاجتماعية، وأن تتابع تنميتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية (145).

وأكدت ما سبق أن حثّت عليه في القرار رقم 40/61 الصادر في 9 كانون الأول/ديسمبر 1985، الذي ينص في البند التاسع منه على أن: «تحث الجمعية العامة جميع الدول، فرادى وبالتعاون مع الدول الأخرى، وكذلك أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة، على أن تسهم في القضاء التدريجي على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي، وأن تولي اهتمامًا خاصًا لجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية، والحالات التي تنطوي على انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحالات التي يوجد فيها احتلال أجنبي، والتي يمكن أن تولّد الإرهاب الدولي وتعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر» (146).

ولدى مناقشة موضوع الإرهاب الدولي في جلسات الجمعية العامة في نيسان/أبريل وآب/أغسطس من عام 1996، تم التأكيد على أهمية التمييز بين الإرهاب الدولي وحق الشعوب المحرومة في تقرير المصير والحرية والاستقلال، ولا سيما الشعوب الخاضعة للأنظمة الاستعمارية والعنصرية أو غيرها من أشكال السيطرة الأجنبية (147).

ومن ثم يمكن القول إن الجمعية العامة قد أنشأت قاعدة عرفية مؤداها التسليم للشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي أو النظم العنصرية بالحق في النضال المسلح من أجل تقرير المصير، والقضاء على الاستعمار والتسلط الأجنبي (148).

ولم تقتصر الجمعية العامة على ما صرّحت به من حق الشعوب في تقرير المصير عن طريق الكفاح المسلح، وإنما ذهبت إلى ما هو أبعد مدى، بدعوة الدول والمنظمات الدولية إلى تقديم كل وسائل الدعم المادي والمعنوي إلى حركات المقاومة الشعبية المسلحة.

وقد أثمرت تلك الدعوة حتى بلغت غايتها، إذ نشطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل عقد مؤتمر للنظر في إحداث تعديلات في اتفاقيات جنيف، وفي الشروط اللازمة لإضفاء وصف أسرى الحرب على رجال المقاومة الشعبية المسلحة الذين يقعون في الأسر. وهكذا تم في عام 1977م إقرار بروتوكول تفسيري للفقرة الثانية من المادة الرابعة (أولًا) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 (149)، بحيث أضحت الشروط اللازمة لإسباغ حماية أسرى الحرب على رجال المقاومة تنحصر في أن يكون وصف أفراد المقاومة كمقاتلين ظاهرًا، بما يسمح بتمييزهم عن غير المشاركين في حركة المقاومة من المدنيين، سواء تحقق هذا الظهور عن طريق علامة مميزة أو زي عسكري، أو عن طريق حمل السلاح ظاهرًا، وذلك بالإضافة إلى شرط احترام قوانين الحرب وأعرافها (150). وهذه الشروط ينبغي أن تتوافر لدى المنظمة القائمة، بحيث لا تؤدي مخالفة فردية إلى فقدان أفرادها جميعًا وصف المقاتلين، كذلك ذهب البروتوكول إلى تفسير شرط انتماء حركة المقاومة إلى أحد أطراف النزاع تفسيرًا واسعًا، سواء عن طريق الاكتفاء بتحقق نوع من الرابطة الواقعية بإحدى الدول الأطراف في النزاع، أو الاعتراف لها بنوع من الشخصية الدولية من جانب دولة أو عدد من الدول (151).

وهكذا فإن القانون الدولي قد أضحى يعترف بالصفة الدولية لحركات المقاومة الشعبية المسلحة، ويضفي عليها الشرعية الدولية، وذلك من خلال القانون الدولي الاتفاقي كما تجسّد في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكول 1977 الملحق بها، ومن خلال القرارات العديدة التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي اعترفت فيها بحركات المقاومة الشعبية المسلحة وبشرعية كفاحها المسلح وتمثيلها لشعوبها، كما اعترفت لها بحق حضور اجتماعاتها ومؤتمراتها بصفة مراقب، فضلًا عن ممارسات الدول التي تجسدت في اعتراف عدد كبير منها بهذه الحركات، والدخول معها في علاقات دولية، ومدّ يد العون إليها (152).

أ- الأساس القانوني لاستخدام القوة من جانب حركات المقاومة الشعبية

انتهينا فيما تقدم إلى أن القانون الدولي يعترف بالشرعية لحركات المقاومة الشعبية المسلحة، ويضفي على رجالها حماية أسرى الحرب، فما الأساس القانوني الذي تستند إليه حركات المقاومة الشعبية في استخدامها للقوة المسلحة، على الرغم من الحظر الوارد في المادة (2/4) من الميثاق على استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية؟

واقع الأمر أن استعمال حركات المقاومة الشعبية المسلحة للقوة يقوم على ثلاثة أسس هي:

أولًا: حق الدفاع الشرعي

يذهب جانب من الفقه إلى تأسيس مشروعية لجوء حركات المقاومة الشعبية إلى استخدام القوة المسلحة، ضد الدولة المستعمِرة أو المحتلة أو القائمة بممارسة العنصرية الصارخة، على حق الدفاع الشرعي (153).

ذلك أن حق الدفاع الشرعي، كما قررته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (154)، يتسع، وفقًا لما يراه هذا الجانب من الفقه، ليشمل بالإضافة إلى الدول الشعوبَ والأفراد وحركات المقاومة.

فالقول بقصر حق الدفاع الشرعي عن النفس على الدول فحسب يقتضي في الوقت ذاته، من ناحية المنطق والعدالة، أن يقتصر حظر استخدام القوة على الدول فحسب؛ إذ لا معنى لأن يُحظر استعمال القوة على الدول والشعوب وحركات المقاومة، في حين يكون حق الدفاع الشرعي مقصورًا على الدول وحدها دون حركات المقاومة الشعبية. فضلًا عن أن الاستعمار أو الاحتلال الأجنبي أو التفرقة العنصرية تمثل صورًا من العدوان المستمر والدائم على الشعوب الخاضعة لها، بما يشكل حالة من الخطر تهدد تلك الشعوب، وتجيز لها دفع العدوان عنها، ويكون ذلك عن طريق استعمال حقها في الدفاع الشرعي.

ثانيًا: الحق في تقرير المصير

يذهب جانب آخر من الفقه إلى تأسيس مشروعية استخدام حركات المقاومة الشعبية للقوة المسلحة على الحق في تقرير المصير (155)؛ ذلك أن الحق في تقرير المصير قد بات مستقرًا في القانون الدولي ومعترفًا به للشعوب، بحيث يترتب للشعوب الحق في السعي إلى ممارسته بكل الوسائل، بما فيها القوة المسلحة، إذا حيل بينها وبين ممارسته بالوسائل السلمية. فالحظر الوارد في المادة (2/4) من الميثاق على استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لا ينطبق على السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول فحسب، بل كذلك على استخدامها أو التهديد بها على أي وجه يتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة، وأحد هذه المقاصد «تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس احترام مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير». ومن ثم فإن استخدام القوة المسلحة أو الإجراءات القمعية لفرض السيطرة على الشعوب وسلبها حقوقها التي كفلها ميثاق الأمم المتحدة يشكل خرقًا لهذا الميثاق، بما يرتّب حقًا لصالح تلك الشعوب في أن تمضي سعيًا لاسترداد حقوقها، ولو بلغ الأمر استعمال القوة المسلحة في سبيل ممارسة حقها في تقرير المصير، ولا يُعدّ ذلك خروجًا على مبدأ تحريم استخدام القوة، وإنما هو عمل مشروع (156).

ولا يقدح في ذلك أو ينال منه أن ميثاق الأمم المتحدة قد أغفل بيان حق الشعوب والأقاليم التابعة في الدفاع عن نفسها، واقتصر على تنظيم العلاقة بينها وبين الدول التي تقوم بإدارتها، دون الكشف الواضح عن كيفية ممارسة هذه الشعوب حقها في تقرير المصير؛ إذ إن الجمعية العامة أكدت ممارسة ذلك الحق، وبيّنت كيفية استخدامه في العديد من قراراتها التي أقرت مشروعية لجوء الشعوب إلى النضال المسلح للحصول على حقها في تقرير المصير (157)، ولا يوجد أدنى شك في أن هذه القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تدخل ضمن القرارات ذات الطابع الإلزامي للدول (158).

ثالثًا: ضمان احترام حقوق الإنسان

يذهب جانب من الفقه إلى تأسيس مشروعية استخدام حركات المقاومة الشعبية للقوة المسلحة على الحق في ضمان احترام حقوق الإنسان (159).

ذلك أنه من المسلّم به أن حقوق الإنسان قد اكتسبت، مع ظهور ميثاق الأمم المتحدة وما تلاه من مواثيق دولية ذات طابع إنساني، أهمية كبيرة في إطار القانون الدولي الوضعي، وأصبح يُنظر إلى انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان بوصفه انتهاكًا للقانون الدولي يتعين العمل على إزالته.

والأصل أن علاقة الدول بمواطنيها مسألة يحكمها القانون الداخلي، فإذا ما وقع انتهاك لأحد الحقوق الأساسية للإنسان إزاء فرد أو مجموعة من الأفراد داخل الدولة، فإن هناك من الوسائل القانونية الداخلية ما يتيح للأفراد الوصول إلى ضمان احترام هذه الحقوق.

بيد أنه لما كان انتهاك حقوق الإنسان يشكل سياسة عامة ومنهجًا قمعيًا تقوم به سلطات الاستعمار أو الاحتلال، أو حتى سلطات الدولة الوطنية، تجاه سكان المستعمرة أو الأراضي المحتلة أو جماعة معينة من سكان الدولة، فإنه يصبح من حق أولئك الذين يُمارَس ضدهم انتهاك حقوق الإنسان أو التفرقة العنصرية أن يكوّنوا حركة شعبية تستخدم السلاح لإزالة هذا العدوان على حقوق الإنسان، وهو ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 39/2 (الدورة التاسعة والثلاثون - 1984) عن الموقف في الجنوب الإفريقي، إذ حثّت في الفقرة التنفيذية السابعة من القرار كل الحكومات والمنظمات على اتخاذ الإجراء الملائم، بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، لمساعدة شعب جنوب إفريقيا المضطهد في كفاحه المشروع من أجل التحرر الوطني (160).


أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس (هذا الجزء)
  7. الجزء السابع

→ الجزء الخامس  |  الجزء السابع ←