الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ثانيًا: المشروعات البريطانية لحكم منطقة كوردستان
تجلى التدخل الدولي في جغرافية كوردستان والمنطقة المحيطة بها بصور وأساليب متعددة، إذ أسهمت فيه دول وجهات ومؤسسات مختلفة، في أشكال وظروف متنوعة، عبر مراحل التاريخ المتلاحقة.
ولقد بدأ النفوذ الأجنبي الاستعماري أولى خطواته في منطقة الخليج العربي وما حولها على شكل تغلغل اقتصادي منذ القرن السابع عشر، مع ظهور الدول البحرية القوية على مسرح الأحداث في العالم؛ ففي ذلك الوقت كانت إنجلترا وهولندا على رأس هذه الدول، بينما كانت البرتغال أسبق إلى ذلك منذ القرن السادس عشر، حيث بسطت نفوذها في منطقة الخليج في عهد حكم الصفويين الفرس في إيران. بيد أن التغلغل الأجنبي الاستعماري لم يأخذ في الحقيقة أبعاده وشموليته المعروفة إلا منذ بدايات القرن التاسع عشر، أثناء تفكك الإمبراطورية العثمانية الذي استغرق أربعين سنة (17).
ولما كانت المنطقة الكوردية (كوردستان)، والقضية الكوردية بالذات، وما تزال من أولويات اهتمام بريطانيا، فقد حاولت السياسة البريطانية أن تجد لها قاعدة لدى الشعب الكوردي، وخاصة في كوردستان العراق العربي الجديد، وأخضعت هذه المسألة الكوردية، التي يشتعل أوارها بين آونة وأخرى، لمصلحة الإستراتيجية البريطانية في الشرق الأوسط والعراق الجديد، خاصة بعد اكتشاف البترول؛ ولذلك نرى تناول المشروعات البريطانية لحكم منطقة كوردستان من خلال دور بريطانيا في مرحلة ما قبل النفط، ثم دورها الحديث (18).
(1) دور بريطانيا في منطقة الخليج ما قبل النفط
اعتبرت بريطانيا دائمًا أن منطقة الخليج العربي تدخل في دائرة نفوذها وسيادتها البحرية، لذلك دأبت على مراقبة الأوضاع وتحيُّن الفرص لتثبيت أقدامها على امتداد إمارات الساحل العربي، وتمكنت بالفعل من عقد اتفاقيات حماية معها تتيح لها التدخل في شؤونها وفي شؤون منطقة الخليج كلها وما يجاورها، بما في ذلك منطقة كوردستان.
وقد تسلل النفوذ البريطاني إلى هذه المنطقة الكوردية عبر «إيران»، لما عرضت بريطانيا على الشاه الإيراني مساعدتها لانتزاع منطقة مضيق «هرمز» من الاحتلال البرتغالي الجاثم عليها منذ عهد الشاه إسماعيل الصفوي في بداية القرن السادس عشر الميلادي. وكانت بريطانيا تتطلع إلى طرد البرتغاليين من هذه المنطقة ومن مضيق «هرمز» لأنها كانت تشكل السوق التجارية الرئيسية على شاطئ الخليج العربي آنذاك، والمركز الأول للتجارة البحرية مع الهند، فأمدّت بريطانيا «شاه إيران» بالمساعدات المالية والعسكرية عن طريق «شركة الهند الشرقية البريطانية» وبمشاركة حليفتها البحرية «هولندا»، وبذلك تمكن الشاه الإيراني من طرد البرتغاليين من مضيق «هرمز» عام 1622 للميلاد، بعد احتلال برتغالي دام مئة عام تقريبًا (19).
ولم تكن شركة الهند الشرقية البريطانية في ذلك الوقت إلا واحدة من أهم بؤر التجسس في الإمبراطورية البريطانية، وكان نشاطها التجاري في حقيقته الغطاءَ الظاهري لمهمتها الأساسية في جمع المعلومات واقتناص العملاء والمتعاونين، والتمكين لتغلغل النفوذ السياسي البريطاني، والحملات العسكرية والاحتلال، وبسط السيادة البريطانية على دول هذه المنطقة من العالم وشعوبها واستغلالها (20).
ولم تتوقف بريطانيا عند هذا الحد، بل تطلعت إلى ما وراء الخليج من شعوب وبلدان، وتولت شركة الهند الشرقية البريطانية تلك المهمة، فأوفدت إلى منطقة كوردستان عام 1820 مندوبًا فوق العادة هو المستر «كلوديوس جيمس ريج»، معتمد الشركة في بغداد، فتجول في أصقاع البلاد عام 1820 للميلاد بصفة سائح وباحث جغرافي، وأقام علاقات مع أهلها الكورد وقادتها وأمرائها، ثم وضع عنها دراسة شاملة من النواحي السياسية والاقتصادية والديموغرافية جعلها موضوعًا لكتابه «قصة مقيم في كوردستان». ومنذ ذلك الحين ازداد اهتمام بريطانيا بهذا الجزء (كوردستان) من الممتلكات العثمانية، بما في ذلك ولايات الموصل (كوردستان العراق) وبغداد والبصرة، وأخذت تتابع عن كثب ما يحدث فيه، وتتدخل أحيانًا بشكل مباشر في مسائله الداخلية ومشكلاته السياسية. ومن أمثلة ذلك أنه لما حاول داود باشا، والي بغداد، تصفية نظام الامتيازات الأجنبية، وبخاصة امتياز شركة الهند الشرقية البريطانية، وطرد وكلائها ووسطائها التجاريين (الكومبرادور)، ومعظمهم من الفرس، بادرت الشركة إلى الرد بحرب حقيقية، ونجحت فيما بعد في إلغاء تلك الإجراءات (21).
وعندما احتدم الخلاف واستحكم بين السلطة العثمانية وإيران بشأن الحدود في أواخر القرن التاسع عشر، سارعت بريطانيا وروسيا إلى التدخل في النزاع وعرضتا وساطتهما خوفًا على مصالحهما في المنطقة (كوردستان)؛ إذ كانت روسيا مدفوعة برغبتها في المحافظة على مقاطعتي أرمينيا وجورجيا (كرجستان)، مما يتطلب الهدوء واستتباب السلم بين الدولتين المتنازعتين (الدولة العثمانية وإيران)، أما بريطانيا فقد كان حرصها على استتباب الأمن بين الدولتين بدافع من استقرار المنطقة المجاورة للخليج، حيث مصالحها الاستعمارية والبحرية وطريقها إلى الهند. وسرعان ما توصلت المساعي بين الطرفين المتنازعين إلى حل سلمي، تمثل في تشكيل لجنة رباعية مشتركة روسية - عثمانية - بريطانية - إيرانية لمعالجة المسألة، وانتهت مباحثات تلك اللجنة الرباعية واجتماعاتها إلى ما سُمّي بمعاهدة أرضروم الثانية في 31 أيار/مايو 1847 للميلاد (22).
ونتيجةً لهذه المعاهدة (أرضروم الثانية في 31 أيار 1847م) كان لا بد من وضع ترتيبات نهائية وتحديد خط الحدود جغرافيًا، فتألفت لجنة فنية لهذا الغرض، لكنها لم تتوصل إلى نتيجة حاسمة رغم مضي خمس سنوات، وعُلِّقت اجتماعاتها عشرين سنة متواصلة، حتى تألفت لجنة رباعية جديدة عام 1869 للميلاد، وإذ أوشكت اللجنة الجديدة على تحديد مواطن الخلاف ووضع الحلول الحاسمة عام 1877 للميلاد، وقعت الحرب بين روسيا وتركيا العثمانية، ولم يُسفر البحث عن قرار قاطع في تلك القضية. وما لبث أن تجدد الخلاف العثماني - الإيراني بسبب الحدود مرة أخرى عام 1913، فتشكلت لجنة جديدة لهذا الغرض في العام نفسه. وقد خلّفت اتفاقية أرضروم الثانية (31 أيار 1847) نتائج سيئة على العرب، من بينها أنها أقرت لإيران حدودًا ليست لها، وبموجبها تنازلت الإمبراطورية العثمانية عن عربستان لإيران، وأطلقت يد إيران في المقاطعات الكوردية من كوردستان إيران الحالية (23).
(2) الدور البريطاني الحديث في منطقة الخليج - ما بعد النفط
تضاعف اهتمام الإنجليز بالعراق، أي بولايتي بغداد والبصرة وولاية الموصل (كوردستان العراق)، منذ السنوات الأولى للقرن العشرين، وكان ذلك نتيجة لاكتشاف النفط في ولاية الموصل/كوردستان العراق، والاهتمام البالغ بأراضي ما بين النهرين (ولايتي بغداد والبصرة)، إذ أرادوا أن يتخذوا من ولاية الموصل (كوردستان العراق) قاعدة لبث نفوذهم في الشرقين الأدنى والأوسط وإحكام سيطرتهم عليهما. فوفد الإنجليز إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق) وتجولوا في بلدانها ومدنها الكوردية لدراسة حياة شعبها الكوردي وتفهّم أوضاع بلادهم كوردستان من جميع الوجوه.
وازداد قدوم الإنجليز إلى كوردستان وتحركهم فيها مع اقتراب الحرب العالمية الأولى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصة «الميجر نوئيل» الذي تنكر في هيئة رجل دين إيراني ليتجول في كوردستان العراق (ولاية الموصل) (24).
ومنذ بدايات الحرب العالمية الأولى وخلالها اقتحم الإنجليز العراق من ناحية الخليج جنوبًا، وواصلوا احتلاله أولًا بأول، بما في ذلك ولاية الموصل وضمنها المنطقة الكوردية (كوردستان)، وبعد بضع سنوات استجمع العراقيون قواهم واندلعت أعمال المقاومة فيما يُعرف بثورة الفرات الأوسط (ثورة العشرين) عام 1920 للميلاد (25).
ولقد انتهجت بريطانيا منذ احتلالها لبلاد الأكراد (كوردستان) سياسة واضحة لاستمالة الشعب الكوردي، والظهور أمامه بمظهر المنقذ الذي يعطف على أمانيه وحقوقه القومية الكوردية في كوردستان، حتى إن «باولستون»، القنصل العام البريطاني في بغداد، دعا إلى احتلال القسم العربي من العراق، أي ولايتي بغداد والبصرة العثمانيتين فقط، وبعث إمارة بابان الكوردية في كوردستان العراق مجددًا برئاسة صديقهم «أحمد بابان». وفي مرحلة تالية أخذت الإدارة البريطانية في ولاية الموصل تضم إلى جانب الحكام المحليين من الأغوات الكورد مستشارين بريطانيين متمرسين باللعبة الاستعمارية، وتمكنت بريطانيا من خلال أولئك المستشارين من إيهام الأكراد بوقوفها إلى جانبهم، فأمدّتهم بالمساعدات المالية والعسكرية، لكن هذه المساعدات لم تبلغ في أفضل الحالات المستوى الذي يضمن للأكراد الحد الأدنى من مطالبهم وحقوقهم القومية والوطنية (26).
وما لبثت بريطانيا أن تجاهلت رغبة الشعب الكوردي في كوردستان العراق الواضحة في إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان، ورتّب البريطانيون أمر انتخاب الأمير فيصل الأول ملكًا على عرش العراق العربي الجديد، لكن عداء الأكراد لفكرة ضمهم (كوردستان العراق - ولاية الموصل) إلى العراق العربي كان شديدًا إلى درجة أن أكراد السليمانية قاطعوا الاستفتاء، في حين أيد أكراد كركوك تأجيله، ولم يؤيد انتخاب الأمير فيصل الأول سوى أكراد الموصل وأربيل (27).
ولم يكن رجوع بريطانيا عن سياستها تجاه الشعب الكوردي في كوردستان إلا بعد صمود الكماليين الأتراك وهزيمتهم لليونانيين، وقضائهم على الدولة الأرمينية، وتصميمهم على عدم منح أي حقوق قومية للأكراد في كوردستان تركيا (28).
بيد أن بريطانيا أعلنت في كانون الأول/ديسمبر سنة 1922 للميلاد، في بيان مشترك مع حكومة العراق العربي التي كانت تحت الانتداب البريطاني آنذاك، تأييدها لتأليف حكومة كوردية للوقوف في وجه الأتراك، ثم عدلت في عام 1923 عن هذا المشروع (الدولة الكوردية المستقلة)، ووقّعت مع تركيا معاهدة لوزان (24 تموز 1923)، تلك المعاهدة التي حرمت الأكراد في كوردستان تركيا من أي حقوق تُذكر، وشكلت تراجعًا عما ورد في معاهدة سيفر (10 آب 1920) من تعهدات تُلزم بريطانيا، بصفتها دولة منتدبة على العراق العربي الجديد، بإفساح المجال أمام الشعب الكوردي في ولاية الموصل الكوردية/كوردستان العراق للانضمام إلى الدولة الكوردية المستقلة التي تقوم مستقبلًا في كوردستان تركيا. ومع زوال الخيار التركي وإزاحة الشيخ محمود الحفيد من كوردستان العراق، تناست بريطانيا وتجاهلت جميع الوعود السابقة بشأن منح الأكراد حكمًا ذاتيًا واسع النطاق في كوردستان (29).
ولم يوافق مجلس عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على العراق مدة 25 سنة إلا في 16 كانون الأول/ديسمبر عام 1925، فأُلحقت ولاية الموصل/كوردستان العراق رسميًا بممتلكات العراق العربي الجديد (ولايتي بغداد والبصرة). وبعد سبعة أشهر عقد «مصطفى كمال أتاتورك» معاهدة مع لندن (حزيران 1926) تخلت بموجبها تركيا الحديثة عن جميع مطالبها في ولاية الموصل مقابل 10% من أسهم «شركة نفط العراق»، بعدما تعهدت بريطانيا لتركيا بعدم التدخل في شؤونها الداخلية لدعم الأكراد أو الأرمن.
وفي مواجهة تصاعد ضغوط القوميين العرب أنهت بريطانيا فجأة انتدابها على العراق العربي الجديد في حزيران/يونيو من عام 1930م، ومنحت العراق استقلالًا اسميًا بموجب المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1930 التي دخلت حيز التنفيذ بعد سنتين (1932). وعلى غرار معاهدة لوزان (24 تموز 1923) لم تُشر المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1930 من قريب أو بعيد إلى الشعب الكوردي في كوردستان العراق أو إلى حقوقه القومية الكوردية المشروعة، وأعرضت الحكومتان البريطانية والعراقية العربية الجديدة عن العرائض التي تقدم بها الأكراد وضمّنوها مطالبهم القومية الكوردية، بحجة أن الأكراد يفتقرون إلى التماسك السياسي الضروري لنجاح الحكم الذاتي للشعب الكوردي في كوردستان العراق، ولذلك قررت الحكومتان إبلاغ مقدمي العرائض من الأكراد «أن لا مجال لإقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق برعاية عصبة الأمم» (30).
مما دعا الشيخ محمود الحفيد البرزنجي إلى القيام بالثورة الكوردية في كوردستان العراق عام 1930م للمرة الثالثة، وأرسل رسالة إلى عصبة الأمم أبرز فيها بصورة صريحة مطالب الشعب الكوردي في كوردستان العراق (ولاية الموصل)، وأن الانتداب البريطاني يجب أن يكون «منطقيًا» وأن يمنح أكراد ولاية الموصل (كوردستان العراق) حريتهم، وطالب بقطع جميع الروابط القائمة بين الشعب الكوردي وبغداد العربية، وقال: «لا يمكننا أن نقبل بأن تُمنح الشعوب البدائية في إفريقيا - مثل ليبيريا - حق تقرير المصير، وأن نُحرَم منه في الوقت نفسه»، وأضاف: «ولولا الدعم الذي تلقته الحكومة العراقية العربية من قوات الحكومة البريطانية وطائراتها، وهي التي انتدبتها عصبتكم الموقرة لإدارة هذه البلاد باسمها، لكان تكرار التاريخ والزحف على بغداد واحتلالها مسألة أيام فقط» (31).
وكان ما توقعه الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بالفعل، إذ قدمت بريطانيا للحكومة المركزية في بغداد الإمدادات العسكرية، بما فيها الطائرات، حتى أحكمت قبضتها على الثورة الكوردية ورجالها في كوردستان العراق، وانتهى الأمر باستسلام الشيخ محمود الحفيد ونفيه إلى البصرة. بيد أن الحركة والثورة الكوردية في كوردستان العراق لم تمت باستسلام قائدها الشيخ محمود الحفيد، فحمل الراية من بعده «الشيخ أحمد البارزاني» الذي قام بحركة مسلحة عام 1932م انتهت إلى الفشل، ونُفي على أثرها الشيخ أحمد البارزاني وأخوه الملا مصطفى البارزاني إلى الجنوب بدعم من بريطانيا، التي ظلت تتظاهر بدعم الأكراد والعطف على مطالبهم الذاتية (32).
ولقد حاولت بريطانيا منذ تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921 أن تحتويه وتحدّ من قوة تسليحه، فما إن يبدو في صورة قادرة على الدفاع عن الدولة (العراق العربي الجديد) حتى تزجّ به في صراع داخلي ومشكلات من شأنها أن تضعفه وتستنزف قوته وقدراته، بتوجيهه نحو المنطقة الكوردية (كوردستان). ولعل مما يكشف عن ذلك ويؤيده أن مستودعات الجيش العراقي في آذار/مارس 1941م، أثناء قيام حركة «رشيد عالي الكيلاني»، كانت خاوية، إذ استنزفتها المشكلات الداخلية والكوردية في كوردستان العراق، ولم تنفذ بريطانيا المعاهدة الثنائية التي كانت قد وقعتها مع العراق بإمداده بالسلاح، كما بدا ذلك واضحًا أيضًا في حرب فلسطين عام 1948؛ إذ كان من مخططات بريطانيا في العراق العربي الجديد ألّا يلتقي العرب والأكراد على حال من الود أبدًا (33).
ولم يقف دور بريطانيا عند هذا الحد من النجاح لسياستها في تركيز سيطرتها على العراق (الولايات العثمانية الثلاث) ومعارضتها تأليف دولة كوردية مستقلة؛ فقد كتب «هارولد نيكلسون» أن الأكراد، الذين لم يُبدوا أي عزيمة ليصبحوا دولة كوردية مستقلة عندما كنا نشجعهم على ذلك، بدؤوا فجأة سنة 1922م يطالبون بتطبيق مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشر، وأن الأكراد يجب أن يصبحوا دولة كوردية مستقلة في حالة موافقة لندن فقط، وفيما عدا ذلك يرتكبون إثمًا لا يُغتفر (34).
ثالثًا: جمهورية مهاباد الكوردية المستقلة في كوردستان إيران
ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى بدت آثارها واضحة على دول العالم، وكان أثرها على القومية الكوردية في كوردستان إيران كبيرًا (35)؛ إذ جعل دخولُ الاتحاد السوفيتي الحرب في حزيران/يونيو 1941 من إيران ممرًا لإمدادات الأسلحة الواردة من الحلفاء بطريق الخليج العربي إلى الاتحاد السوفيتي، وكان ذلك، فضلًا عما تملكه إيران من موارد بترولية عظيمة، سببًا في أن يتحين الاتحاد السوفيتي الفرصة المواتية حتى ينقضّ على إيران. وقد واتته تلك الفرصة لما رفض الشاه الإيراني طرد البعثة الألمانية ولم يُخفِ مشاعره المعادية للسوفيت، فاجتاحت الجيوش السوفيتية والبريطانية الأراضي الإيرانية في 25 آب/أغسطس 1941م، مما دعا الشاه الإيراني، بعد ثلاثة أيام فقط من الحرب، إلى أن يأمر جيشه بوقف إطلاق النار، وتنازل عن عرش إيران لابنه «محمد رضا بهلوي». واحتل البريطانيون نقاطًا رئيسية جنوب خط «سردشت - سقز - زنجان»، في حين احتل الروس المنطقة الواقعة إلى الشمال من هذا الخط، ووُقِّعت معاهدة ثلاثية بين إيران وبريطانيا والاتحاد السوفيتي نصّت على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بستة أشهر (36).
ورغم سوء الأحوال الذي لحق بإيران بصفة عامة وبإقليم كوردستان بصورة خاصة بسبب الغزو السوفيتي - البريطاني، فإن الغزو الروسي لشمال إيران أيقظ الآمال الوطنية الكوردية بسبب تقلص نفوذ السلطة المركزية الإيرانية في المنطقة الكوردية (كوردستان إيران)؛ فقد تمكن الأكراد من الاستيلاء على الأسلحة التي تركها الجيش الإيراني وراءه، وعاد الشيوخ الأكراد الذين كانوا معتقلين في طهران إلى قبائلهم الكوردية في كوردستان إيران، مما رسّخ لدى الأكراد الاعتقاد بأحقيتهم في ممارسة الحكم الذاتي، وكان ذلك إيذانًا بمولد «جمهورية مهاباد الكوردية في كوردستان إيران» (37).
وقد مهّد لميلاد هذه الجمهورية انتشار الوعي القومي الكوردي بين الأكراد في كوردستان وتصميمهم على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؛ فتجمّع في الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير سنة 1946م عدد غفير من الأكراد في أوسع مساجد مهاباد للتداول في موضوع الحكم الذاتي للكورد في كوردستان إيران، وأحيط هذا الاجتماع بسرية بالغة، حتى إن تفاصيله ظلت مجهولة إلا لعدد محدود من الأشخاص لا يتجاوز العشرين. وقد أسفر الاجتماع عن عقد اجتماع آخر في ساحة «جوارجرا» (المشاعل الأربع) يوم 22 كانون الثاني/يناير 1946 (38)، حيث تزينت مدينة مهاباد بالأعلام الوطنية الكوردية، ورُفعت الشعارات القومية الكوردية، وتجمّع جمهور كبير من أهل المدينة بحضور أعضاء اللجنة المركزية لتنظيم «كومولا» (اختصار لـ«كومولا إزهيان إكوردستان»، أي لجنة البعث في كوردستان)، وكان معظمهم من الشباب الكورد في متوسط العمر. كما مُثِّلت عناصر من قبائل كوردية مثل (مامش ومنجور وجاوورك ورارندا)، وهي قبائل كوردية تمتد حتى الحدود العراقية، وكذلك ممثلون لقبائل كوردية في كوردستان العراق مثل (هركي وبكزادة وبارزان وشكاكي وجلالي والسادة البرخضرية).
ووقف «القاضي محمد» على المنصة الرئيسية ليعلن أنه، استنادًا إلى حق الشعوب في تقرير المصير، تم تشكيل جمهورية كوردستان الديمقراطية ضمن الكيان الكوردي الإيراني العام (39)، وأبرز الأسس والدعائم التي تبرر إعلان الدولة الكوردية في كوردستان إيران، وهي أن الأكراد يمثلون شعبًا قائمًا بذاته يعيش على أرضه كوردستان، ويشارك أممًا أخرى في حق تقرير المصير بما يراه مناسبًا، ومن ذلك الحق في الحكم الذاتي لكوردستان إيران. وبذلك أُعلن قيام جمهورية مهاباد، وتُوِّج الكفاح الكوردي الطويل بالأمل الذي كان مرجوًا في الحصول على الاستقلال الذاتي (40).
وتوجه «القاضي محمد» بعد إعلان الجمهورية الكوردية في مهاباد إلى تشكيل الحكومة، فاستدعى في الخامس من شباط/فبراير عام 1946م عشرة أعضاء من اللجنة المركزية (كومولا إزهيان كوردستان - لجنة البعث في كوردستان) إلى المركز التجاري الكوردي الروسي، وطلب منهم إبداء وجهات نظرهم حول تأليف حكومة كوردية، مفترضًا أنهم سيكونون ضمن المرشحين لعضويتها، وبعد مداولات أُعدّت قائمة بالمرشحين احتفظ فيها «القاضي محمد» برئاسة الجمهورية. وبعد ستة أيام، أي في الحادي عشر من شباط/فبراير من العام نفسه 1946، أُعلن تشكيل الحكومة الكوردية في مهاباد، ونُشر ذلك في جريدة «كوردستان»، وأقسم «القاضي محمد» بصفته رئيسًا للجمهورية مع الوزراء اليمين على الإخلاص للجمهورية والقيام بأداء واجباتهم (41).
ولقد بُذلت محاولة لأن تكون الحكومة الكوردية موسعة يُمثَّل فيها أكراد كوردستان تركيا وكوردستان العراق، إلا أنها باءت بالفشل، وعُيِّن معظم أعضاء الحكومة من «مهاباد» والمنطقة الكوردية الخاضعة للسيطرة الروسية (42). وعلى الرغم من وجود بعض الشخصيات الكوردية ذات النفوذ الكبير في الدولة الكوردية الجديدة (مهاباد)، فإنه لا يمكن القول بأي حال إنهم كانوا يمثلون كوردستان الكبيرة، في حين كان «القاضي محمد» يصرح بأنه يتحدث باسم الأكراد جميعًا (43).
لقد شُكِّلت الحكومة الكوردية في مهاباد من رجال «مهاباد» المحافظين وشيوخ القبائل الكوردية، وكانت بمثابة حكومة الطبقة العليا من الأكراد، إذ بدت السلطة التنفيذية في الجمهورية موزعة على الأسس القبلية والشخصية التي تلائم زعامة «القاضي محمد»، تلك الزعامة التي تدعمها مكانته وشخصيته، في حين تجاهلت الحكومة الكوردية تمثيل بعض المناطق الكوردية مثل (أورمية وسقز وسردشت)، كما أغفلت تمثيل منطقة أورمية «رضائية» المهمة في الشمال. ولم تفرض حكومة مهاباد سيطرتها على الأقاليم الكوردية الأخرى في كوردستان إيران، بل على العكس ظلت اللامركزية قائمة، حيث كان شيوخ العشائر الكوردية يديرون أمور مناطقهم دون توجيه من العاصمة مهاباد. ولقد كان أول عمل اهتمت به حكومة مهاباد بعد تشكيلها تأمين الدولة الكوردية الجديدة (كوردستان)، وأُنيطت هذه المهمة برجال القبائل وبالجيش الذي عمل «القاضي محمد» على تشكيله من خلال ما أجراه من اتصالات مع القبائل الكوردية لهذا الغرض على امتداد حدود كوردستان، بدءًا من قبيلة «الجلالي» على الحدود السوفيتية وحتى شمال غرب «كرمنشاه» قرب الحدود العراقية (44).
ثم فرضت الحكومة إدارة وطنية كوردية في مختلف أنحاء البلاد الكوردية، وعملت على المحافظة على النظام، وفتحت المدارس وجعلت التعليم باللغة الكوردية، كما أسست دارًا للطباعة والنشر، وأصدرت صحيفة «كوردستان» لتكون لسان حال الحكومة والحزب، بالإضافة إلى العديد من المجلات الأسبوعية والشهرية، وعالجت حكومة مهاباد مشكلات التموين والاستيراد والتصدير بحكمة عالية، وجهزت الأسواق بالمواد الطبية والغذائية اللازمة، وسعت إلى فتح المستوصفات في مناطق كوردستان النائية (45).
كما أصدرت الحكومة الكوردية دستور جمهورية مهاباد، الذي نص على حماية مصالح العمال وتشكيل النقابات، وعملت الحكومة على تحسين أحوال هؤلاء العمال، وعلى تثقيف الشعب الكوردي بغض النظر عن العنصر أو الدين أو الجنس، وأعلنت مساواة المرأة بالرجل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية (46)، وتولى الكتبة الأكراد الوظائف التي كان الفرس والآذريون يشغلونها من قبل (47).
بيد أن هذه الجمهورية الكوردية، مع ما حققته من آمال وتطلعات للشعب الكوردي، كانت محكومة بالزوال، لا سيما بعدما تخلى عنها أصدقاؤها السوفيت؛ إذ اضطر «ستالين» تحت وطأة الضغوط البريطانية والأمريكية المتواصلة إلى الوفاء بتعهد قطعه أثناء الحرب، فانسحب من إيران في التاسع من أيار/مايو 1946، تاركًا الجمهوريتين - أذربيجان ومهاباد - تواجهان مصيرهما. وما إن اجتاحت الجيوش الإيرانية القادمة من طهران جمهورية أذربيجان في التاسع من أيار/مايو 1946 (48) حتى تخلت أكثرية القبائل الكوردية عن جمهورية مهاباد، ولم تفلح محاولات «القاضي محمد» في الحصول على دعمها، وبدت لا مبالية بمصير الجمهورية، مما اضطره إلى الاعتماد على ولاء قبيلته في مهاباد وقسم من قبيلة أخرى أقل أهمية، وإلى تخفيض رتبة وزرائه إلى مديري أقسام، وتخلى عن لقب رئيس الجمهورية، وبات يقدم نفسه على أنه زعيم للحزب الديمقراطي الكوردستاني فقط، وصار يشدد أمام زواره على أن الحكم الذاتي الكوردي في كوردستان إيران هو هدفه الوحيد، كما سعى دون جدوى إلى إقناع السلطات الإيرانية بتعيينه حاكمًا لمقاطعة جديدة تتمتع بقدر من الحكم الذاتي، تمتد من الحدود السوفيتية حتى جنوب مدينة «كرمنشاه» (49).
وهو ما لم يلقَ قبولًا لدى الحكومة الإيرانية، التي هاجمت قواتها في العاشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1946م ممرًا جبليًا رئيسيًا كان يسيطر عليه الآذريون الديمقراطيون، وفي أقل من 24 ساعة انهارت جمهورية مهاباد الكوردية الديمقراطية، فوافق «القاضي محمد» فورًا على الاستسلام، وبقي في كوردستان لمواجهة مصيره بجرأة، ووفقًا للتقاليد الكوردية في الاستسلام الكامل المشرّف امتنع عن القتال، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين بادر إلى الترحيب بالجنود الإيرانيين الذين دخلوا مهاباد في 17 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه 1946 دون إطلاق رصاصة واحدة. وبعد يومين اعتُقل «القاضي محمد»، ثم أُعدم شنقًا مع أحد أشقائه وابن عمه في الساعة الثالثة من فجر يوم 31 آذار/مارس 1947، وشهدت سائر مدن كوردستان إيران موجة إعدامات مماثلة (50). وبذلك قُضي على أول جمهورية كوردية في التاريخ الحديث.
أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع