الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

ب- حق الشعوب في تقرير المصير (ومنها الشعب الكوردي): مضمونه وطبيعته القانونية

تكرّس حق تقرير المصير أخيرًا في القانون الدولي بعد أن مرّ بمخاض عسير، وخضع لتأويلات شتى أخذت تتعمق وتتطور شكلًا ومضمونًا على مستوى القانون الدولي والسياسة الدولية؛ فقد عرفت المجتمعات الإنسانية القتال والغزو منذ وقت طويل، وكانت القوة هي العامل الأساسي الذي يحدد الإمبراطوريات والممالك، حتى أضحى من الطبيعي أن يسيطر القوي على الضعيف وأن يكون الحق للقوة، وفي المقابل يمارس الضعفاء أو المعتدى عليهم حق الدفاع عن النفس وعما يملكون بأقل الوسائل الممكنة (51).

وقد تباينت مواقف الدول من هذا الحق واختلفت كتابات الفقهاء بصدده، ويرجع ذلك إلى التناقض في المنطلقات الأيديولوجية والاعتبارات السياسية للدول والفقهاء، على أن كتّاب القانون الدولي الوضعي يُجمعون على أن الثورة الأمريكية عام 1776 والثورة الفرنسية عام 1789 هما صاحبتا الفضل في الاعتراف لأول مرة وبصورة واضحة بحق الشعوب في تقرير مصيرها للتخلص من الاستعمار والنظم الاستبدادية الحاكمة (52)، ومنذ ذلك التاريخ برزت الآراء حول مضمون حق الشعوب في تقرير مصيرها وطبيعته القانونية وأشكال ممارسته ووسائلها.

ولذلك نرى تناول هذا الموضوع بالتفصيل، فنعرض أولًا حق تقرير المصير ومنطلقاته الأيديولوجية والدولية، ثم ثانيًا الطبيعة القانونية لحق تقرير المصير، ثم ثالثًا وسائل ممارسة حق تقرير المصير (53).

أولًا: حق تقرير المصير ومنطلقاته الأيديولوجية والدولية

تعددت التعريفات واختلفت في بلوغ وصف حق الشعوب في تقرير المصير ومضمونه، على مدى المرحلة الزمنية التي مرّ بها منذ نشوء ذلك الحق والتصريح به حتى النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها المتعاقبة، وذلك لاختلاف المنطلقات الأيديولوجية والمصالح السياسية للدول (54).

ذلك أن الصراعات التي نشأت خلال العصور الوسطى، وقامت على إثرها إمبراطوريات وممالك، تسببت في تدمير قوة كبيرة من البشر، وحالت دون تقرير مصير الشعوب وفق إرادتها. وكانت الثورة الفرنسية أول من أشار في القرن الثامن عشر إلى مضمون حق تقرير المصير، عندما أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية في 19 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1792 إعلانًا يتضمن مساندتها لجميع الشعوب التي تطالب بالحرية، ولا شك في أن الثورة الفرنسية قد استندت إلى الأفكار التحررية التي نادى بها عدد من فلاسفة عصر النهضة الأوروبية، أمثال فولتير وجان جاك روسو وجون لوك ومونتسكيو وغيرهم.

وإذا كانت الثورة الفرنسية قد دفعت على الصعيد النظري بفكرة حق تقرير المصير مبدأً أساسيًا، فإن ذلك لم يَحُل بينها وبين تثبيت أركانها إمبراطوريةً استعمارية في القرن التاسع عشر، شأنها في ذلك شأن الإمبراطوريات الأوروبية الأخرى، بل إن فرنسا كرّست وصايتها واستبدادها على مناطق عدة في آسيا وإفريقيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بضمانة عهد عصبة الأمم الذي أعطى الجمهورية الفرنسية حق «الانتداب» على تلك المناطق - وهو المصطلح المخادع البديل للاستعمار - بما يتعارض مع حرية الشعوب الخاضعة للانتداب ومستقبلها.

إلا أن شعار حق تقرير المصير أسهم فيما بعد في إيقاظ القوميات الأوروبية التي أخذت تطالب بحقوقها، ومن هنا ارتبط تصاعد الحركات القومية الأوروبية بالتوسع الاستعماري الأوروبي خلال القرن التاسع عشر (55). ومع نهاية الحرب العالمية الأولى أخذ حق تقرير المصير يشق طريقه، وبخاصة مع إعلان ما عُرف بمبادئ «ويلسون» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضمنت مبدأ حق تقرير المصير في إطار المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها في خطابه أمام الكونغرس، وجاء فيها قوله: «إنه يجب حتمًا رعاية مصالح السكان ورغباتهم عند الفصل في الطلبات الخاصة بالسيادة وبتبعية الأراضي» (56).

بيد أن مبادئ ويلسون هذه، التي اعتُبرت مواقف متقدمة لصالح الشعوب المضطهدة، لم تُحترم حتى في عهد واضعها الرئيس «ويلسون» نفسه، عندما دعمت حكومته حركة الاستيطان الصهيونية في فلسطين، ثم ساندت بريطانيا في تنفيذ «وعد بلفور» عام 1917 لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بما يتعارض مع عهد عصبة الأمم وصك الانتداب البريطاني على فلسطين، وبما يناقض مبدأ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وكان لهذا المبدأ الذي دعا إليه «ويلسون» دور أساسي في إثارة الأقليات القومية لإضعاف الدول الأوروبية ذات الأنظمة الديكتاتورية التي تحالفت مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وعملت الولايات المتحدة من خلاله على تعزيز الشخصيات القومية الأوروبية المتنافسة على الزعامة الدولية بقصد النيل من الدول الكبرى، وبخاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، مما مهّد لسياسة أمريكية نشطة على المستوى الدولي أخذت تظهر وتتأكد بين الحربين العالميتين، عندما اتخذت هذه السياسة موقفًا محايدًا من الصراعات الدولية والأوروبية طوال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي (57).

وعمدت الثورة البلشفية الروسية في تشرين الأول/أكتوبر 1917 إلى إصدار ما سُمّي «إعلان السلام» الذي يقر بحق تقرير المصير لشعوب الإمبراطورية الروسية، والذي عُمِّم فيما بعد واعتُبر حقًا لكل حركات التحرير في المستعمرات، وذلك فيما صرح به «لينين» عام 1920م، قاصدًا من ورائه إضعاف الدول الاستعمارية بوجه عام، واكتساب التأييد لسياسة الشيوعية الجديدة. لكن ديكتاتورية الحزب الواحد التي مارسها «لينين» ومن خلفه في القيادة السوفيتية قضت على مبدأ حق تقرير المصير داخل جمهوريات الاتحاد السوفيتي، كما أسقطت هذا المبدأ في السياسة الخارجية عندما قمعت بقوة الدبابات الانتفاضات السياسية في ألمانيا الشرقية والمجر وتشيكوسلوفاكيا، حتى بلغت مغامرة الدخول إلى أفغانستان عام 1979 التي تحولت إلى كابوس بالنسبة للسوفيت (58).

وقد شهد القرن العشرون ميلاد حركات التحرير المقاومة للاستعمار على امتداد العالم الثالث، إذ استطاعت الشعوب عقب الحرب العالمية الثانية أن تحقق استقلالها واحدًا تلو الآخر، وتمكن العديد منها من انتزاع حريته، وتأسست منابر ومنظمات عالمية، كحركة عدم الانحياز، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ثم منظمة المؤتمر الإسلامي، لتعلن رفضها لكل أشكال الاستعمار، مما أبرز تيارًا عالميًا رافضًا للاستعمار والتبعية ومتمسكًا بالاستقلال وحق تقرير المصير. وعلى الصعيد القانوني فشلت عصبة الأمم في صيانة السلم الدولي وتجاوزت حق تقرير المصير بما شرعته من نظامي «الوصاية» و«الانتداب»، بخاصة من قبل فرنسا وبريطانيا، مما أسهم في تأجيج التوتر وانفجار الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك تصاعدت المطالب بحق تقرير المصير بين شتى الأقليات على صعيد المجتمع الدولي، لما يشكله من قاعدة أساسية لاستقرار السلم والأمن الدوليين.

بيد أن اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما لاقاه العالم فيها من أهوال، والتفكير في إنشاء منظمة الأمم المتحدة بهدف تنظيم حياة المجتمع الدولي وضمان سلامه وأمنه فيما بعد الحرب، قد أضفى على حق تقرير المصير قدرًا كبيرًا من الشرعية. وإذا كانت مقترحات «دومبارتون أوكس» قد جاءت خالية من نص صريح أو ضمني على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما يُعزى إلى أن هذه المقترحات إنما كانت تقليدًا لعهد عصبة الأمم، فإن ميثاق الأمم المتحدة الذي انتهت صياغته في مؤتمر «سان فرانسيسكو» عام 1945 قد تضمن نصًا صريحًا على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وذلك بفضل التعديلات التي تقدم بها الوفد السوفيتي في المؤتمر على مقترحات «دومبارتون أوكس» (59).

فلقد نص ميثاق الأمم المتحدة على حق تقرير المصير صراحةً في موضعين منه، هما: الفقرة الثانية من المادة الأولى (الفصل الأول: المقاصد والمبادئ)، والمادة الخامسة والخمسون (الفصل التاسع: في التعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي) (60)؛ إذ تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى على أن أحد مقاصد الأمم المتحدة هو «إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير…»، أما المادة الخامسة والخمسون فقد نصت فقرتها الافتتاحية على أنه «رغبةً في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية وودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير…».

وإذا كان هناك غموض في مضمون حق الشعوب في تقرير المصير كما ورد في المادتين (1/2) و(55)، فإنه يمكن إزالة ذلك الغموض بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية للميثاق، حسبما جاء في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، من أن حق الشعوب في تقرير مصيرها - كما ورد في هاتين المادتين - إنما يعني إلغاء السيطرة الأجنبية على الشعوب التابعة وتمكينها من الاستقلال (61)، وهو المعنى الذي تأكد وازداد وضوحًا فيما بعد من خلال النص عليه في العديد من قرارات الأمم المتحدة (62).

ولعل من أبرز هذه القرارات قرار الجمعية العامة رقم 1514/د-15 الصادر في 14 كانون الأول/ديسمبر 1960 بعنوان «إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة» (63)، الذي يُعدّ أحد إسهامات الأمم المتحدة الأبلغ أثرًا في تطوير مفهوم حق تقرير المصير، وفي إدانة الاستعمار بجميع أشكاله والتعجيل بتصفيته، حيث جاء فيه:

«إن الجمعية العامة… تعلن: لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي».

كذلك نصت المادة الأولى من العهدين الدوليين لحقوق الإنسان (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، اللذين اعتمدتهما الجمعية العامة وعرضتهما للتوقيع والتصديق في قرارها رقم 2200/د-21 الصادر في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، على ما يلي:

«1- تملك جميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وتملك بمقتضى هذا الحق حرية تقرير مركزها السياسي وحرية تأمين نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

2- يجوز لجميع الشعوب، تحقيقًا لغاياتها، التصرف الحر في ثرواتها ومواردها الطبيعية…» (64).

كما أن «إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة»، الذي أقرته الجمعية العامة في قرارها رقم 2625/د-25 في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1970، نص فيما يتعلق بحق تقرير المصير على أن «لجميع الشعوب، بمقتضى مبدأ تساوي الشعوب في حقوقها وحقها في تقرير مصيرها بنفسها المكرس في ميثاق الأمم المتحدة، الحق في أن تحدد بحرية ودون تدخل خارجي مركزها السياسي، وفي أن تسعى بحرية إلى تحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي…» (65).

مما تقدم، ووفق ما جاء في نصوص الأمم المتحدة وقراراتها، يمكن أن نحدد مضمون حق تقرير المصير بأنه يعني مساواة الشعوب في الحقوق، وإلغاء سيطرة أي شعب على شعب آخر في كل صورة من صور السيطرة أو الهيمنة، سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا.

فحق تقرير المصير مؤداه حق كل شعب في اختيار نظامه السياسي وحكومته، واستخدام ثرواته الطبيعية كما يشاء، والتمتع بتراثه الروحي والمادي دون قيد (66)، وأن يحيا الحياة التي يشاء، وعليه أن يعترف بالحقوق ذاتها لجميع الشعوب الأخرى وأن يحترمها (67).

ويشمل المركز السياسي الذي يحق لكل شعب أن يحدده بحرية، على أساس تساوي الشعوب في الحقوق بمقتضى الحق في تقرير المصير، كلًّا من المركز السياسي الدولي والمركز السياسي الداخلي (68)، ومن ثم فإن تطبيق مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير على الصعيد السياسي له دعامتان متساويتان في الأهمية: الأولى حق الشعوب في أن تقرر مركزها الدولي، والثانية حقها في أن تختار وتطور بحرية النظام السياسي الداخلي الذي ترغب فيه وتراه محققًا لمصالحها.

وبالنسبة لحق الشعوب في أن تقرر مركزها الدولي، فقد عُرِّفت أنماط ممارسة هذا الحق بصورة واضحة ووافية في «إعلان مبادئ القانون الدولي» (قرار الجمعية العامة رقم 2625) السالف الإشارة إليه، حيث نص على أن:

«إنشاء شعب ما دولة مستقلة وذات سيادة، أو ارتباطه أو اندماجه بملء حريته بدولة مستقلة، أو اكتسابه أي مركز سياسي آخر يقرره بنفسه بحرية، يمثل إعمالًا من جانب هذا الشعب لحقه في تقرير المصير».

كذلك عرّف الإعلان ذاته حق الشعوب في أن تقرر مركزها الداخلي حين نص على أن «لكل دولة الحق في أن تختار وتطور بحرية نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية».

ومن ثم تكون للشعب الحرية الكاملة في اختيار شكل الحكومة الذي يريد، والتحرر من سيطرة حكومة دولة أخرى أو تدخلها، وأن يكون لهذه الحكومة - التي اختارها الشعب - السلطة والقدرة على اتخاذ القرار على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية (69).

وبذلك يمكن القول إن حق تقرير المصير - كما تحدد مضمونه - حق مقرر لجميع الشعوب؛ فكلمة «شعوب» كما وردت في الفقرة الثانية من المادة الأولى وفي المادة الخامسة والخمسين من الميثاق من الشمول بحيث تدخل تحتها جميع الشعوب دون استثناء بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو اللون، وهو ما تكشف عنه وتؤكده قرارات الأمم المتحدة في مناسبات عديدة من خلال الممارسات الدولية.

ومع أن من الملاحظ أن كلمة «شعوب» ليس لها تعريف متفق عليه ومقبول، ذلك أن ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها المتعاقبة، إذ تستخدم كلمة «شعوب»، لم تبين المقصود بها، حتى إنه ليس هناك نص صريح في دلالته يؤدي إلى تعريف من هو «الشعب» صاحب الحق في تقرير المصير (70)، فإنه توجد بعض العناصر التي يمكن اعتبارها عند تحديد «الشعب» الذي يحق له ممارسة تقرير مصيره (71)، ومن بينها:

  1. تشير عبارة «شعب» إلى كيان اجتماعي يملك هوية واضحة وله خصائص مميزة.

  2. تنطوي عبارة «الشعب» بداهةً على رابطة بين هذا الشعب وبين أرض ما، حتى لو كان قد طُرد منها وحلّت محله بصورة مصطنعة مجموعة سكان آخرين.

  3. لا ينبغي أن نخلط بين الشعب والأقليات الإثنية أو الدينية أو اللغوية، التي تكفلت بوجودها وحقوقها المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

على أنه تجدر الإشارة إلى أنه قد أضحى من المسلّم به في نطاق الأمم المتحدة والفقه الدولي أن الشعوب الخاضعة للهيمنة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي أو التفرقة العنصرية ينطبق عليها وصف الشعوب كما جاء في الميثاق، ومن ثم يكون لها الحق في تقرير المصير، وذلك بغض النظر عن الاختلافات حول تعريف مفهوم «الشعب» وتحديد من يتوافر له الحق في تقرير المصير (72).

حق تقرير المصير ومبدأ السلامة الإقليمية للدولة

نرى من الأمور ذات الأثر في اكتمال الحديث عن مضمون الحق في تقرير المصير أن نتناول علاقته بمبدأ الوحدة السياسية والسلامة الإقليمية للدولة؛ ذلك لما يشكله هذا المبدأ من أهمية عند تقدير أيهما أولى بالتطبيق: هل يطغى مبدأ السلامة الإقليمية على الحق في تقرير المصير حتى ينال منه في سبيل تحقيق السلم والأمن الدوليين، أم أن للحق في تقرير المصير شأنًا يجب اعتباره بما لا يقدح فيه مبدأ السلامة الإقليمية للدول؟

فلقد ورد في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة أنه «يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة…» (73)، وجدير بالذكر أن عبارة «ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة» كانت قد أضيفت في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 بغية ضمان السلامة الإقليمية والوحدة السياسية للدول الصغيرة الضعيفة.

وهو ما تم التأكيد عليه في قرار الجمعية العامة رقم 1514 (د-15) لعام 1960، حيث جاء فيه: «كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لأي بلد تكون متنافية ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه» (74).

وإذا كان مبدأ الوحدة السياسية والسلامة الإقليمية على هذا القدر من الأهمية، فإن أبرز ما يبيّن علاقته بحق تقرير المصير قرار الجمعية العامة رقم 2625 (د-25) «إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة»، حيث ورد فيه: «لا يجوز أن يُؤوَّل شيء مما ورد في الفقرات السابقة (وهي فقرات تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها) على أنه يجيز أي عمل أو يشجع على أي عمل من شأنه أن يمزق أو أن يخل جزئيًا أو كليًا بالسلامة الإقليمية والوحدة السياسية للدولة المستقلة ذات السيادة التي تلتزم في تصرفاتها بمبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير مصيرها بنفسها الموضح أعلاه، والتي لها من ثم حكومة تمثل شعب الإقليم كله دون تمييز بسبب العنصر أو العقيدة أو اللون» (75).

وهذا يكشف عن أن العلاقة بين تقرير المصير ومبدأ السلامة الإقليمية للدولة إنما تتمثل في أنه يجب على الدولة ذات السيادة، حتى يمكنها أن تجعل من سلامتها الإقليمية ووحدتها السياسية موضع احترام الجماعات الأخرى، أن تلتزم في تصرفاتها بمبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير، وأن تراعي كيف تستفيد منه هذه الجماعات قدر الإمكان، وأن تكون لها - من ثم - حكومة ممثلة لشعب الدولة كله دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو العقيدة (76).

وبعبارة أخرى، فإن التزام الدولة باحترام حق الشعوب في تقرير المصير إزاء رعاياها شرط سابق على تمسكها بسلامتها الإقليمية ووحدتها السياسية؛ إذ يتعين أن تعمل الدولة على احترام هذا الحق، وتسعى إلى ترسيخه من خلال قيام حكومة لهذه الدولة تمثل شعب الدولة كله دون تفرقة أو تمييز، وما دامت هذه الحكومة تعامل مواطنيها على قدم المساواة، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تدّعي إحدى الأقليات داخل الدولة حقها في الانفصال استنادًا إلى حق تقرير المصير (77)؛ فالمطالبة بالانفصال استنادًا إلى حق تقرير المصير في مثل هذه الحالة تُعدّ انتهاكًا لمبدأ السلامة الإقليمية والوحدة السياسية للدولة (78).

ومن ثم يمكن القول إنه إذا كان حق تقرير المصير يتمتع بالأولوية على مبدأ الوحدة السياسية والسلامة الإقليمية للدولة في حالات الاستعمار أو الاحتلال أو التفرقة العنصرية، فإن هذا الحق، ما دام قد طُبِّق بمنح الاستقلال لمن شاء من الشعوب، وباندماج من شاء منها في دولة أخرى، وبقيام حكومة ممثلة للشعب كله داخل الدولة، فلا يجوز بحال أن تستخدمه جماعات داخل الدولة لتسعى عن طريقه إلى الانفصال بزعم أنه حق سابق على مبدأ السلامة الإقليمية للدولة.


أجزاء «الأسس القانونية في قيام الدولة الكوردية» (7 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←