الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
في 6 أيلول عام 1930م أعلن معظم سكان السليمانية في كوردستان العراق مقاطعتهم للانتخابات البرلمانية العراقية احتجاجاً على الاتفاقية الأنجلو عراقية التي وُقّعت في 30 حزيران عام 1930م، وتطورت الأحداث سريعاً، وجاء الشيخ محمود الحفيد إلى كوردستان العراق عبر منطقة حدودية من كوردستان إيران، مما ألهب الوضع وزاد التوتر.
في 30 تشرين الثاني عام 1930م وجّه الشيخ محمود الحفيد والرائد محمود جودت بياناً إلى عصبة الأمم حول الوضع في كوردستان العراق.
في 29 كانون الثاني عام 1931م وصلت القوات العراقية إلى منطقة خورمال للسيطرة على الوضع الأمني في كوردستان العراق، بعد أن جرت بعض الاشتباكات بين الفصائل الكوردية والقوات الأنجلو عراقية في أواخر عام 1930 وأوائل عام 1931م.
في آذار عام 1931م بدأت الاضطرابات بين صفوف الأكراد في منطقة بارزان والمناطق المتاخمة لها في كوردستان العراق، مما أدى إلى بعض الصدامات بين القوات الأنجلو عراقية والأكراد في المنطقة. كما زار ممثلو السلطات الإنجليزية المنطقة والتقوا الشيخ أحمد البارزاني، وطلبوا منه وقف الانتفاضة الكوردية، لكنه رفض.
في بداية أيار عام 1931م وافق الشيخ محمود الحفيد على الاستسلام، فاقتادته القوات العراقية إلى السليمانية، ومنها إلى بغداد، ثم إلى مدينة أور حيث منفاه. وبعد تولي رشيد عالي الكيلاني الحكم عام 1941م تُرك للشيخ محمود الحفيد حرية اختيار المكان الذي يعيش فيه، فاختار السليمانية، إلى أن وافته المنية عام 1956م، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته مع كل شهداء الأمة الكوردية المجيدة.
في خريف عام 1931م قامت انتفاضة كوردية في منطقة همدان في كوردستان الإيرانية بقيادة جعفر سلطان هوران، وقضت عليها القوات الإيرانية بشدة وقسوة.
في 9 أيلول عام 1931م هاجمت القوات الحكومية العراقية منطقة بارزان في كوردستان العراق، وسُلّم الشيخ أحمد البارزاني إنذاراً حكومياً بالاستسلام، لكنه رفض الإنذار، واستمرت الفصائل الكوردية في المقاومة، ومن هنا برز نجم القيادة العسكرية للملا مصطفى البارزاني.
في 10 آذار عام 1932م وجّه كل من المندوب السامي البريطاني ووزير الداخلية العراقي إنذاراً جديداً إلى الشيخ أحمد البارزاني، إلا أنه رفض الإنذار أيضاً، وأعلن أنه لن يستسلم أبداً.
في 15 آذار عام 1932م شنّت القوات الحكومية هجوماً مكثفاً على كوردستان العراق استمر شهرين، حققت فيه القوات البريطانية الانتصار على قوات الشيخ أحمد البارزاني.
في 5 أيار عام 1932م أعلنت الحكومة التركية قانوناً للتهجير، إذ تقوم سياسة الحكومة التركية على تفريق الأكراد وتهجيرهم من كوردستان تركيا حتى يصعب عليهم القيام بأي انتفاضات أو قلاقل أمنية فيها.
في 22 أيار عام 1932م أصدرت محكمة أضنة التركية حكمها في قضية احتجاجات أرارات الكوردية في شرق البلاد (كوردستان تركيا)، فحكمت على 30 شخصاً بالإعدام شنقاً، وعلى 58 بالسجن.
في 22 حزيران عام 1932م سلّم الشيخ أحمد البارزاني نفسه مع قواته للقوات التركية، وعُقد اتفاق بين تركيا والعراق على تأمين الحدود بين البلدين سُمّي «اتفاق شيروان»، وبعد هذا الاتفاق بوقت قصير سلّمت الحكومة التركية الشيخ أحمد البارزاني للسلطات العراقية بشرط الإبقاء على حياته.
في 3 تشرين الأول عام 1932م قرر مجلس عصبة الأمم قبول العراق العربي عضواً في عصبة الأمم، فأصبح الدولة السابعة والخمسين من أعضائها، وحلّ السفير البريطاني محل المندوب السامي البريطاني في تمثيل دولته.
في 7 أيلول عام 1933م مات الملك فيصل الأول، ملك العراق العربي، بعد أن تولى حكم البلاد نحو 12 عاماً.
في 8 أيلول عام 1933م نُصّب الملك غازي ابن فيصل ملكاً على العراق خلفاً لأبيه، وحكم حتى 8 نيسان عام 1939م.
في 21 حزيران عام 1934م أقرت الدولة التركية قانون الترحيل (الرقم 2510) الذي يكرّس إبعاد الأكراد عن مناطقهم الأم (كوردستان تركيا)، وبذلك يصعب عليهم تنظيم أنفسهم أو توحيد صفوفهم للقيام بأي احتجاجات أو انتفاضات أو ثورات كوردية على الدولة التركية.
في 18 تشرين الثاني عام 1935م أقرّ مجلس الأمة التركي الأعلى القانون (1848) بتعديل بعض بنود قانون التهجير القسري لأكراد كوردستان تركيا، ويتلخص هذا التعديل في أن سلسلة من المهام المتعلقة بتهجير الأكراد قسراً من الولايات الكوردية الشرقية (كوردستان تركيا) إلى الغربية قد حُوّلت إلى إدارة وزارة الداخلية والعمل الاجتماعي والصحة، بعد أن كانت منوطة بالحكومة.
في 6 حزيران عام 1936 حوّلت الحكومة التركية ولاية «ده رسيم» الكوردية إلى ولاية ذات تنظيم خاص، وغيّرت اسمها إلى ولاية «تونجيلي»، وشكّلت منطقة دائرة التفتيش العامة الرابعة التي ضمّت الولايات الكوردية إليازيغ وتونجيلي وبينغول، أي جميع أراضي ديرسيم الكوردية سابقاً، كما شُكّلت إدارة خاصة لهذه المناطق تحت قيادة الجنرال «ألب دوغان» المفتش العام التركي.
من حزيران عام 1936 إلى عام 1937م اعترض سكان ديرسيم الكوردية في كوردستان تركيا على القانون الجديد، الذي يعمل على تطويق ديرسيم بالقوات التركية. وأرسل زعيم أكراد ديرسيم سيد رضا رسالة إلى الجنرال التركي ألب دوغان يؤكد فيها مطالب الشعب الكوردي في ديرسيم، كما أرسل نجله إبراهيم إلى الجنرال ألب دوغان لوضعه في الصورة كاملة، ولكن إبراهيم بن سيد رضا اغتيل في قرية دشت. فوجّه سيد رضا نداءً عاماً للأكراد دعا فيه إلى القيام بحركة كوردية واحدة في كوردستان تركيا ضد القوات التركية، ولبّى رؤساء العشائر في ديرسيم النداء على الفور، وبدأت حركة التمرد الكوردي ضد القوات التركية بعنف شديد. واندلعت الانتفاضة الكوردية في ديرسيم، وبلغ عدد رجالها ما يربو على 30 ألف مقاتل، شنّوا هجوماً شرساً على قطاعات القوات التركية، فدمّروا الجسور والطرق. ووجّهت القوات المسلحة التركية فيلقاً كاملاً نحو منطقة الانتفاضة، كما حضر رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو، ذو الأصل الكوردي، يرافقه وزير الداخلية التركي شكري كايا لدعم موقف القوات التركية. وظلت المعارك قائمة حتى منتصف خريف عام 1937م، حين بدأت الثلوج تتساقط على الجبال فأعاقت العمليات، وأوقف الطرفان إطلاق النار.
في 5 أيلول عام 1937م استطاعت القوات التركية هزيمة الفصائل الكوردية في كوردستان تركيا هزيمة شاملة، كما قُبض على قائد الانتفاضة سيد رضا.
في تشرين الثاني عام 1937م أصدرت المحكمة العسكرية التركية في إليازيغ حكماً بالإعدام على سيد رضا، قائد انتفاضة ده رسيم الكوردية البطلة، وأحد عشر مناضلاً من أنصاره.
في 18 تشرين الثاني عام 1937م نُفّذ حكم الإعدام في المناضلين الأبطال سيد رضا ونجله الأصغر ورئيس عشيرة بوستان قنبر آغا ورئيس عشيرة قريشان سيد حسن آغا. آلاف التحايا لأرواحهم الطاهرة التي ضحّوا بها في سبيل تحرير الأمة الكوردية في كوردستان.
في 20 تشرين الثاني عام 1937م وجّه الأكراد في كوردستان مذكرة إلى الأمين العام لعصبة الأمم طالبوا فيها بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي في كوردستان بالعيش بحرية، كما وجّهوا نداءً إلى الدول الكبرى للتدخل لدى تركيا لوقف سياستها القمعية ضد الشعب الكوردي في كوردستان تركيا.
في عام 1937م وُقّعت اتفاقية سعد آباد بين العراق وتركيا وإيران وأفغانستان، وقضت المادة السابعة منها:
«أن يلتزم كل طرف من الأطراف المتعاقدة باتخاذ الإجراءات ضمن نفوذه ضد قيام أي نشاطات للعصابات المسلحة والجمعيات والمنظمات التي تحاول تقويض المؤسسات القائمة، أو تهدد النظام والأمن في أي منطقة، أو على أراضي الطرف الآخر المتعاقد».
في 3 نيسان عام 1939م قُتل الملك غازي، ونودي بابنه فيصل الثاني ملكاً على البلاد وعمره 4 سنوات، وعُيّن الأمير عبد الإله وصياً على العرش، فحكم البلاد بالتعاون مع رئيس الوزراء نوري السعيد.
في 17 أيلول عام 1941م نُصّب محمد رضا بهلوي شاهاً لإيران.
في أواخر عام 1942م انعقد في كوردستان اجتماع تأسيسي لحزب «زيني كوردستان» أي حياة كوردستان، الذي اتخذ برنامجاً يطالب فيه بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وعلى رأسها الحكم الذاتي للأكراد في إطار الدولة الإيرانية، كما طالب بضرورة وحدة الأكراد في دولة واحدة (كوردستان) بعد تحقيق الحكم الذاتي للأكراد في كوردستان إيران وكوردستان العراق وكوردستان تركيا. وأصدر الحزب مجلة «نيشتمان» (الوطن) في مهاباد لنشر الثقافة الكوردية وترسيخ الحقوق القومية في فكر الشعب الكوردي.
في ربيع عام 1943م استطاع القائد والزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني الحصول على الكثير من السلاح بعد سيطرته على العديد من مراكز الشرطة في كوردستان العراق، ووجّه رسالة إلى الحكومة العراقية يطالب فيها برفع مستوى حياة الشعب العراقي وتحسين قطاعي الصحة والتعليم، إضافة إلى الحقوق القومية للأكراد، لكن رئيس الحكومة نوري السعيد، ذا الأصل الكوردي، ردّ بمطالبة الملا مصطفى البارزاني بالاستسلام الفوري.
في أواخر كانون الأول عام 1943م وافق الملا مصطفى البارزاني على التفاوض مع الحكومة العراقية، وعُقد لقاء بينه وبين ضباط الاتصال في منطقة «ميركه سور»، وعرض الملا مصطفى البارزاني عدة مطالب للاتفاق مع الحكومة، أهمها:
إقامة منطقة كوردستان العراق الكوردية ذات إدارة خاصة، تضم المدن الكوردية السليمانية وكركوك وأربيل ودهوك وخانقين وأجزاء من الموصل وديالى، أي كوردستان العراق.
تعيين كوردي في كل وزارة لإدارة شؤون المنطقة الكوردية (كوردستان).
تعيين كوردي نائباً لكل وزير.
الاعتراف باللغة الكوردية لغة رسمية في المناطق الكوردية (كوردستان).
إجراء الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة الاعتمادات المالية في كوردستان.
في 6 أيار عام 1944م وصل ماجد مصطفى، ممثل الحكومة العراقية، إلى منطقة الانتفاضة في كوردستان العراق، وبعد مفاوضات استمرت أسبوعاً كاملاً تم التوصل إلى اتفاق يسمح للشيخ أحمد البارزاني وكل قادة الحركة الكوردية المعتقلين سابقاً بالعودة إلى بارزان. وسافر الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد لإكمال الاتفاق، وتم التوصل إلى عدد من النقاط أهمها:
تبقى الأراضي الكوردية من كوردستان العراق التي استولى عليها الأكراد تحت إشرافهم.
يُطلق سراح جميع المعتقلين الأكراد بسبب حوادث الشمال.
من حق الأكراد المحافظة على سلاحهم، بما فيه الذي استولوا عليه في أثناء المعارك.
إمداد كوردستان بالمواد الصناعية والتموينية على أسس عادلة.
تنتقل إدارة المناطق الكوردية من كوردستان العراق إلى الأكراد.
تحصل كوردستان العراق على حقوق الحكم الذاتي في حقل الثقافة والتعليم.
تخصص الحكومة مواد لبناء المدارس والمستشفيات في كوردستان العراق.
في آب عام 1945م شنّت الحكومة العراقية هجوماً كاسحاً على المواقع الكوردية، وخرقت بذلك اتفاقها مع القيادة الكوردية، واستطاعت بعد قتال شرس دام شهراً أن تستولي على مناطق بله وكه بلند وأركوش، وعدد آخر من المناطق القريبة من الزيبار.
في 6 تشرين الأول عام 1945م أُعلن رسمياً في بغداد عن الاستيلاء على منطقة انتفاضة بارزان، وانسحب الملا مصطفى البارزاني إلى كوردستان إيران، حيث أسهم في العمل في وزارة الدفاع بجمهورية مهاباد. وشُكّلت في أربيل محكمة عسكرية حكمت على 35 شخصاً بالإعدام، من بينهم القائد والزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني والشيخ أحمد البارزاني، كما حكمت على 80 شخصاً بالسجن مدداً مختلفة، وحُظر نشاط جميع المنظمات الكوردية التي ترفع شعار القومية الكوردية.
في كانون الأول عام 1945م صدر برنامج الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وكان قائماً على أساس مبدأ الشرعية والعدالة والحضارة، ووفقاً لبرنامج الحزب فإن أهم أهدافه نيل الشعب الكوردي حقوقه القومية في كوردستان العراق، وتأسيس نظام تعليم باللغة الكوردية، وانتخاب ممثلين عن مناطق كوردستان للمشاركة في الأجهزة الإدارية، ومشاركة الأكراد بفاعلية في أجهزة الدولة العراقية ومؤسسات البلاد، وحرية النشاط السياسي، إلى غير ذلك. وقد جاء في البرنامج: «كل ما سيجري عمله في مناطق كوردستان يجب أن يتفق تماماً مع مصالح السكان الكورد فيها، فللشعوب والمجموعات العشائرية والدينية الحق في انتخاب النواب في مجلس الشعب دون أي مضايقات، بصرف النظر عن عددهم».
في 21 كانون الثاني عام 1946م تجمّع عدد كبير من القادة البارزين في الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني في أوسع مساجد مهاباد للتداول في موضوع الحكم الذاتي في كوردستان إيران، إذ كانت السلطة عملياً في أيدي الأكراد منذ مدة، وكان الجيش الإيراني قد أخلى المنطقة في أثناء الحرب مع روسيا وبريطانيا، ولم تتمكن السلطة الإيرانية بقواتها الخاصة من التغلب على الأكراد المسلحين وعلى الإدارة الكوردية القائمة في هذه المناطق.
في شباط عام 1946م اجتمع قادة الحركة الكوردية في كوردستان إيران في ساحة «جوار جرا» (المشاعل الأربعة)، وتزيّنت مدينة مهاباد بالأعلام الكوردية، وأخذت الشعارات الوطنية تدوّي من أفواه المواطنين الأكراد في كل مكان، تقابلها حوائط المدينة التي كُتبت عليها عبارات الشوق إلى حرية الأكراد. وحضرت الجماهير من مختلف أرجاء كوردستان، ومثّلت عناصرُ من القبائل الكوردية (ماش، ومنكور، وبارزان، وشيكاكي، وجلالي، وهركي، وبكزاده)، واعتلى قاضي محمد المنصة ليعلن تشكيل جمهورية كوردستان الديمقراطية، وعانقت أعلام الجمهورية المباني والجبال. وضمّت مناطق الجمهورية مهاباد وشنويه وسردشت وبانه وسقز ومياندوآب وسنندج (سنه).
في 5 شباط عام 1946م بدأ القاضي محمد ترتيب البيت الكوردي الحديث، فاستدعى عشرة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب، وطلب منهم إبداء الرأي في تأليف الحكومة الكوردية الجديدة في مهاباد.
في 11 شباط عام 1946م أُعلن تشكيل الحكومة الكوردية في كوردستان إيران، وضمّت الوزراء الآتية أسماؤهم:
الحاج بابا شيخ: رئيساً للوزراء.
محمد حسين سيف قاضي: نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع الوطني.
مناف كريمي: نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للتربية والعلوم (التعليم).
محمد أمين معيني: وزيراً للداخلية.
عبد الرحمن إيلخاني زاده: وزيراً للخارجية.
محمد أيوبيان: وزيراً للصحة.
محمود ولي زاده: وزيراً للزراعة.
خليل خسروي: وزيراً للعمل.
أحمد إلهي: وزيراً للاقتصاد.
ملا حسين مجدي: وزيراً للعدل.
مصطفى داودي: وزيراً للتجارة.
صديقي حيدري: وزيراً للإرشاد.
إسماعيل خاني: وزيراً للري.
كريم أحمدي: وزيراً للمواصلات.
وقد أقسم قاضي محمد، بصفته رئيساً للجمهورية الكوردية في مهاباد، مع الوزراء اليمين الدستورية على الإخلاص للجمهورية والقيام بواجباتهم من أجل ازدهار الشعب الكوردي وتقدمه، وصدرت القوانين باسم رئيس الجمهورية. وكان على رأس أولويات الحكومة الفتية في مهاباد ترسيخ أقدامها وإضفاء الاستقرار على أرجائها وحماية كيانها، لذا عملت على إيجاد جيش قوي في حالة استنفار دائم، وعيّن وزير الدفاع أربعة جنرالات على رأس جيش مهاباد، هم: الملا مصطفى البارزاني، ومحمد حسين سيف قاضي، وعمر خان شيكاك، وحمه رشيد خان بانه.
في 23 نيسان عام 1946 عقدت الحكومة الكوردية (جمهورية مهاباد) معاهدة مع حكومة أذربيجان لتوكيد الصداقة والروابط القومية بينهما، وانتعش النشاط الثقافي، وأصبحت مهاباد مركزاً لإصدار الأدب باللغة الكوردية، وسُمح بدفع الضريبة إلى الخزينة على دفعتين أو ثلاث.
في آب عام 1946م انسحب الاتحاد السوفيتي من شمال إيران، وعرض الإيرانيون أن تكون للأكراد محافظة يحكمها حاكم تعيّنه الحكومة الإيرانية، وكان يُتوقع أن يُعيَّن قاضي محمد حاكماً لهذه المحافظة، إلا أن السوفييت لم يعطوا قاضي محمد الضوء الأخضر لقبول هذا العرض، خاصة أن الجمهورية الكوردية كانت تتلقى كل الدعم والعون من الاتحاد السوفيتي (السابق). فعاد قاضي محمد من طهران ومعه نقطة البداية لنهاية أول حلم للأكراد في تحقيق جمهورية في العصر الحديث.
في 19 تشرين الأول عام 1946م تألفت وزارة جديدة في طهران وضعت على رأس أولوياتها بسط سيطرتها الكاملة على كامل التراب الإيراني، وبدأت باستعادة سيادتها على جميع أرجاء إيران.
في 16 تشرين الثاني عام 1946م دخلت القوات الإيرانية كوردستان إيران من مدينة تبريز بعد اشتباكات عنيفة بين الجيش الإيراني والجيش الكوردي في جمهورية مهاباد، واستمرت المناوشات مدة من الزمن حتى سيطرت القوات الإيرانية على الموقف.
في 17 كانون الأول عام 1946 سقطت جمهورية مهاباد الكوردية بعد أن دخل الجيش الإيراني مهاباد وحسم الموقف لمصلحة الحكومة الإيرانية، وبذلك انهار الحلم الكوردي في كوردستان إيران، وكانت النهاية لأول دولة كوردية في التاريخ الحديث والقرن العشرين.
في 31 آذار عام 1947م أُعدم قائد الشعب الأبيّ ورئيس جمهورية مهاباد الكوردية قاضي محمد، وأخوه صادق قاضي عضو البرلمان، وابن عمه سيف قاضي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع. أسكن الله أرواحهم الطاهرة فسيح جنات الخلد مع جميع شهداء طريق التحرير القومي الكوردي.
في 8 حزيران عام 1947م سنّ مجلس الأمة التركي الكبير القانون رقم (5098) الذي عدّل عدداً من أحكام قانون المستوطنات رقم (2510) الصادر عام 1934م، وبمقتضى المادة المؤقتة ذات الرقم (1) أُلغيت جميع القيود المؤقتة على حقوق الأفراد الأكراد الذين هُجّروا قسراً بقرار من مجلس الوزراء إلى المناطق المعينة قبل صدور هذا القانون. وقد جاء ذلك التحرك بعد انتقال النظام السياسي في الدولة التركية إلى نظام التعددية الحزبية، واشتداد نفوذ الشيوخ والأغوات الأكراد، الذين أصبحوا عنصراً يؤثر في الانتخابات التركية، مما حدا ببعض الأحزاب إلى استمالتهم إلى جانبها، فأخذ حزب الشعب الجمهوري الحاكم يحسّن علاقته بالأكراد.
في 4 شباط عام 1949 اعتُقل عدد كبير من قيادات الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وحُكم عليهم بالسجن مدداً طويلة على إثر وقوع محاولة اغتيال فاشلة ضد الشاه محمد رضا بهلوي، مما أدى إلى تعليق نشاط الحزب من جديد.
من عام 1951 إلى عام 1953م قامت حركة فلاحية كوردية في كوردستان إيران بانتفاضة في منطقة بوكان، انتشرت بسرعة في مدينتي مهاباد وبوكان، وأحرزت بعض النجاحات خلال هذه المدة. كما كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني قد نظّم صفوفه، ونال تأييد الحزب الشيوعي الإيراني (توده)، إلا أن الانقلاب الذي حدث عام 1953م على حكومة مصدق أربك التنظيم كله، وأعاد الحزب إلى النشاط السري.
في 24 شباط عام 1955م وُقّع الحلف المتبادل بين العراق وتركيا، وهو ما أُطلق عليه «حلف بغداد»، وقد انضم إلى الحلف في العام نفسه كل من إيران وباكستان وبريطانيا.
في تشرين الثاني عام 1955م أُقرّت البنية الأساسية لحلف بغداد في أعقاب الدورة التأسيسية، وضمّت مجلس وزراء دائماً وأربع لجان تعنى بمسائل مختلفة، منها لجنة الأمن التي كانت تتألف من وزراء داخلية دول الحلف. وبمساندة بريطانيا وباكستان ازداد الضغط على الأكراد إقليمياً ودولياً.
أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن