الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
في أيلول عام 1922م عاد الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية في كوردستان العراق، واختاره الإنجليز رئيساً للمجلس المحلي الكوردي المنتخب، ثم حاكماً عاماً للأكراد، وذلك بعد أن ثار الأكراد في كوردستان العراق على تتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وحدثت اشتباكات بينهم وبين القوات البريطانية شمال مدينة السليمانية. وعمدت الحكومة البريطانية إلى تهدئة الأوضاع الكوردية في كوردستان العراق، فاتفقت مع الشيخ محمود الحفيد على العودة إلى كوردستان العراق على أن يقتصر نشاطه على لواء (محافظة) السليمانية.
في 10 تشرين الأول عام 1922م أُعلن عن حكومة كوردية في كوردستان العراق برئاسة الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود الحفيد، ووُزّعت الحقائب الوزارية كالآتي:
الشيخ قادر الحفيد: رئيساً للوزراء.
حفيد الشيخ عبد القادر: رئيساً للأركان.
الشيخ محمد غريب: وزيراً للداخلية.
عبد الكريم علكة: وزيراً للمالية.
مصطفى باشا يامولكي: وزيراً للجمارك.
أحمد البرزنجي: قائداً للشرطة.
صالح زكي صاحبقران: وزيراً للدفاع الوطني.
حجي ملا سعيد: وزيراً للعدل.
في 18 آذار عام 1922م أعلن الشيخ محمود الحفيد نفسه ملكاً على كوردستان العراق، ورفع علم المملكة الكوردية ذا اللون الأخضر، وفيه دائرة حمراء في وسطها هلال، بينما حملت طوابع البريد التي أُصدرت صورة خنجرين وعبارة «حكومة جنوب كوردستان».
في عام 1922م عقدت الحكومة التركية اتفاقاً مع زعيم الأكراد العراقيين الشيخ محمود الحفيد جاء فيه:
تعد الحكومة التركية بمنح الاستقلال لكوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وبعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
تعترف الحكومة التركية بالشيخ محمود الحفيد حاكماً لكوردستان في السليمانية.
يحق للحكومة التركية استخدام القوة المسلحة لكوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) في حالة الحرب.
في 16 أيار عام 1922م قصفت الطائرات البريطانية مدينة السليمانية بشكل مكثف، وشكّلت بريطانيا لجنة إدارة مؤقتة في السليمانية من الأكراد المتعاونين معها.
في شباط عام 1923م أرسلت حكومة الملك فيصل العراقية والبريطانيون إنذاراً إلى الشيخ محمود الحفيد طالبين منه الحضور إلى بغداد مع جميع أعضاء حكومته، لكن الشيخ رفض ذلك.
في 30 نيسان عام 1923م عُقد البروتوكول البريطاني العراقي، الذي جعل مدة المعاهدة البريطانية العراقية الأولى أربع سنوات اعتباراً من تاريخ الصلح مع تركيا، وتقرر ضم السليمانية إلى العراق العربي وتأسيس إدارة كوردية فيها تضمن حقوق الأكراد القومية.
في 16 آذار عام 1923م أذاع مجلس الوزراء العراقي بياناً يشدد على ضرورة احترام الحقوق القومية للأكراد في كوردستان العراق، وينص على:
إن الحكومة العراقية الملكية لا تنوي تعيين موظفين عرب في الأقضية والنواحي الكوردية من كوردستان العراق، عدا الموظفين الفنيين.
لا تنوي الحكومة العراقية إجبار سكان الأقضية والنواحي الكوردية على استعمال اللغة العربية في مراسلاتهم الرسمية.
إن حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في الأقضية الكوردية المذكورة ستُؤمَّن تأميناً صحيحاً.
في عام 1923م عُقد مؤتمر في مدينة لوزان السويسرية، ووُقّعت فيه المعاهدة التي سُمّيت باسمها (معاهدة لوزان) في 24 تموز 1923م. وكان مصطفى كمال أتاتورك قد رتّب الأمور بينه وبين المندوبين الأكراد في مجلس الأمة التركي الأعلى قبيل المعاهدة بمدة، فأعرب مندوب أرضروم حسين بك عوني عن موقفه قائلاً: «إن هذا البلد يعود للأتراك والأكراد، ويحق لأمتين فقط أن تتكلما من هذا المنبر: الأمتين الكوردية والتركية»، وأيّده في ذلك باقي المندوبين الأكراد في المجلس. فأرسل مجلس الأمة التركي الأعلى برقية إلى لوزان مفادها أن الأكراد في كوردستان تركيا لا يرغبون في انفصال كوردستان التركية عن تركيا، وأن الحكومة التركية تتعهد بتلبية حقوق الأكراد القومية، فأُلغيت فكرة استقلال كوردستان تركيا، وجاء في المعاهدة الموقعة فيما يخص الأكراد ما يأتي:
البند (38): تتعهد الحكومة التركية بتأمين الدفاع الكلي والناجز عن حياة المواطنين وحريتهم، بغض النظر عن الأصل والقومية واللغة والعنصر أو الدين.
البند (39): لن توضع أي قيود في وجه أي مواطن تركي بخصوص التداول الحر لأي لغة كانت في العلاقات الخاصة أو التجارية، أو في مجال الدين أو الإعلام أو مختلف المطبوعات أو الاجتماعات العامة.
في 29 تشرين الأول عام 1923م أُعلنت الجمهورية التركية الحديثة الأتاتوركية، ونُصّب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لها، وبدأت الخطوات الأولى للصراع الكوردي في كوردستان تركيا مع الدولة القومية التركية.
في 19-30 تشرين الثاني 1923م سيطرت القوات العراقية والبريطانية على السليمانية، وأجبرت القوات البريطانية الشيخ محمود الحفيد وقواته الكوردية على الفرار إلى كوردستان إيران، وعُيّن الضابط السياسي البريطاني «جابمن» حاكماً للسليمانية.
في شتاء عام 1924م عقد القادة الكورد في كوردستان اجتماعاً في «بالو» قرروا فيه تنشيط الحركة الكوردية السرية، واتفقوا على إرسال مذكرة إلى عصبة الأمم عبر سوريا.
في 29 كانون الأول عام 1924م وُضعت الحدود بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد، وعُرفت باسم «خط بروكسل». وفي اليوم التالي تشكلت لجنة تقصّي الحقائق الأممية التابعة لعصبة الأمم، وتألفت من الكونت ب. تيليكي، وم. فيرسن، والعقيد باوليس، للذهاب إلى المنطقة الكوردية (كوردستان) وتقديم تقرير إلى عصبة الأمم.
في تشرين الثاني عام 1924م سافر علي رضا، نجل الشيخ سعيد بيران، إلى مدينة حلب عبر دياربكر للتنسيق بصورة نهائية مع القادة الكورد الآخرين في تنظيم انتفاضة وثورة كوردية، وانعقد هناك مؤتمر شارك فيه عدد كبير من الشخصيات الكوردية في كوردستان تركيا وكوردستان العراق وكوردستان سوريا.
في 15 تشرين الثاني عام 1924م التقى علي رضا بسيد عبد القادر في إسطنبول، وأطلعه على التحركات السرية الكوردية في كوردستان وضرورة التأهب للانتفاضة والثورة.
في كانون الأول عام 1924م ألقت الحكومة التركية القبض على خالد جبرانلي الكوردي، كما اعتُقل حاجي موسى ويوسف ضياء، بعد أن شعرت تركيا بخطورة التكتيك الكوردي في كوردستان تركيا ومفعول تحركات خالد جبرانلي وجمعية الاستقلال. فردّ الأكراد في كوردستان تركيا على ذلك باختيار الشيخ سعيد بيران رئيساً لجمعية «استقلال كوردستان»، كما حُدّد موعد بدء انتفاضة الأكراد في كوردستان تركيا تحت قيادة الشيخ سعيد بيران يوم العيد القومي للأكراد، رأس السنة الكوردية «نوروز»، الموافق 21 آذار 1925م.
في 8 شباط عام 1925م بدأ الشيخ سعيد بيران التحرك الميداني، فزار الولايات الشرقية (كوردستان تركيا)، وفي أثناء جولته التفقدية في منطقة بيران وزيارته لأخيه عبد الرحيم بيران وصلت قوة عسكرية تركية بقيادة الملازم أول حسني أفندي للقبض على عدد من الأكراد، إلا أن أكراد بيران رفضوا تسليمهم، فوقع صدام مسلح نتج عنه قتل عدد من الجنود الأتراك، وأسر بعض الضباط الترك ومنهم حسني أفندي.
في 11 شباط عام 1925م استولى طاهر بيران، شقيق الشيخ سعيد بيران الآخر، على البريد من ليجة إلى قرية سيردي، ووصل على رأس وحدة تضم 200 مقاتل إلى كينجو، وسلّم الشيخ سعيد بيران الوثائق والأموال التي استولى عليها. وأصبحت هذه الأحداث البداية الحقيقية لحركة الشيخ سعيد بيران وثورته، وبهذا بدأت الانتفاضة الكوردية قبل موعدها المحدد بنحو 41 يوماً، فضلاً عن نقص الاستعداد التكتيكي للأكراد، فأصبحت العشوائية هي التي تقود دفة الأمور، والعاطفة هي التي تسيطر على هذه الانتفاضة الكوردية بقيادة سعيد بيران.
في 14 شباط عام 1925م سيطر الأكراد في كوردستان تركيا على محافظة كينجو سيطرة تامة، ووقع المحافظ والموظفون الأتراك في الأسر، وتولى فقيه حسن رئيس عشيرة مودان منصب المحافظ الجديد في كينجو. وصدر قانون استثنائي يحمل توقيع الشيخ سعيد بيران يقضي بأن تكون كينجو عاصمة مؤقتة لكوردستان تركيا، وانتقلت السلطة الدينية والمدنية إلى الشيخ سعيد بيران، وأُرسلت جميع الضرائب والأسرى إلى كينجو. كما أصدر الثوار الكورد نداء أعلنوا فيه إلغاء ضريبة العُشر الصعبة، ودعوا السكان الكورد بدلاً من ذلك إلى تقديم العون للثوار، فلاقى ذلك استحساناً واسع النطاق بين صفوف الجماهير الكوردية.
في 22 شباط عام 1925م عقد مجلس الوزراء التركي جلسة طارئة امتدت من وقت متأخر من ليلة 22 شباط حتى صباح اليوم التالي، وشارك في الاجتماع رئيس الأركان التركي فوزي باشا، وأفضى الاجتماع إلى إعلان حالة الطوارئ في منطقة الانتفاضة (كوردستان تركيا) ووضعها تحت الأحكام العرفية مدة شهر كامل، حتى يستطيع الجيش التركي مقاومة انتصارات الانتفاضة الكوردية.
في 25 شباط عام 1925 عدّل مجلس العموم في البرلمان التركي المادة (1) من قانون العقوبات الخاص بخيانة الوطن، الذي سُنّ في 15 نيسان عام 1923م (القانون 556)، على النص الآتي: «منع تكوين المنظمات السياسية، واعتبار الأشخاص القائمين بمثل هذه الأعمال أو المنتسبين إلى مثل هذه التنظيمات خونة».
في 28 شباط عام 1925م تقدمت الانتفاضة الكوردية بشكل سريع على الأرض، والتفّ حولها آلاف الأكراد من كل جانب، فقد استولت الثورة الكوردية على ليجة وخاني، وانضمت إليها قوات صالح بك، وفصائل حاجي حسن وعمر فارو، وعشائر مستيان وبوتاني في جنوبي «جابكجور»، كما انضمت إلى الانتفاضة فصيلة كبيرة تابعة للشيخ شمس الدين في ضواحي دياربكر، وبلغ عدد الفصائل الكوردية زهاء 20 ألف مقاتل، مما أربك الحكومة التركية وأثار الذعر بين قياداتها.
في 2 آذار عام 1925م استقالت حكومة فتحي بك في أنقرة، وفي اليوم التالي ترأس عصمت باشا إينونو، ذو الأصل الكوردي، الحكومة التركية الجديدة، وشدد في برنامجه الذي ألقاه في مجلس الأمة التركي الكبير على ضرورة القضاء على مثيري الاحتجاجات واستتباب الأمن في البلاد، وبمقتضى هذا البرنامج أعدّت الحكومة التركية تدابير عسكرية لقمع انتفاضة الشيخ سعيد بيران الكوردية في كوردستان تركيا.
انتفاضة الأميرة الفيلية الجسور «قدم خير» عام 1925م، انتقاماً لقتل الشاه رضا بهلوي شقيقَها الأمير شامراد، آخر أمراء إمارة اللُّر الصغرى الكوردية، غيلةً وغدراً. وقد حملت الأميرة قدم خير لواء الثورة والتمرد الكوردي لتخليص الشعب الكوردي في كوردستان إيران من هذا الحاكم الإيراني المستبد الظالم رضا شاه.
في 4 آذار عام 1925م سنّ مجلس الأمة التركي القانون رقم (578) الخاص بالحفاظ على النظام، الذي يمنح السلطات التركية صلاحيات واسعة لمحاربة الحركات الشعبية وأي نشاط معارض للسلطة، ويسمح لها باستخدام جميع تدابير حالة الطوارئ. كما اتخذ مجلس الأمة التركي الأعلى قراراً بتشكيل محكمتين للاستقلال: الأولى لعموم تركيا، مقرها الدائم أنقرة، وتتمتع بصلاحيات محدودة (إذ كان لا بد من مصادقة مجلس الأمة التركي في حالة إصدار أحكام الإعدام)، والثانية في الولايات الشرقية الكوردية (كوردستان تركيا)، وتتمتع بصلاحيات مطلقة.
في 11 آذار عام 1925م أمر الشيخ سعيد بيران بشنّ هجوم على دياربكر من جميع الجهات، لكن القوات التركية المتفوقة عدداً وعتاداً سيطرت على الموقف، فأصدر الشيخ سعيد بيران أوامره بالانسحاب والتراجع نحو «درخاني».
في 1 نيسان عام 1925م استطاعت القوات الحكومية التركية شنّ هجوم على منطقة الانتفاضة الكوردية من الشمال والجنوب والجنوب الشرقي في آن واحد، وقاد القوات التركية الجنرال كمال الدين سامي باشا، ولم يجد الأكراد مفراً من التراجع باتجاه «بالو». وفي الوقت نفسه أصدرت القوات التركية بياناً وعدت فيه بمنح مكافأة قدرها ألف ليرة ذهبية لمن يلقي القبض على الشيخ سعيد بيران، و700 ليرة ذهبية لمن يأتي بجثته، وكان ذلك بداية تحول في المعارك لمصلحة القوات التركية، وبداية انهيار الانتفاضة الكوردية في شرق الأناضول.
في 6 نيسان عام 1925م اضطر الشيخ سعيد بيران، يرافقه 300 فارس، إلى التراجع نحو منطقة سالهان.
في 11 نيسان عام 1925م حوصرت القوات الرئيسة للانتفاضة الكوردية وحُطّمت ودُمّرت في وادي كينجو، وأُلقي القبض على قادتها، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بيران والشيخ علي والشيخ غالب ورشيد آغا ومحمد آغا وتيمور آغا، وبذلك قُضي عملياً على انتفاضة الشيخ سعيد بيران الكوردية في كوردستان تركيا.
في 13 نيسان عام 1925م اعتُقل سيد عبد القادر ونجله سيد محمد وكور عبد الله سعدي وزعماء عشائر هوشينان الكوردية.
في 14 أيار عام 1925م بدأت محاكمة عدد كبير من الأكراد في كوردستان تركيا الذين شاركوا في انتفاضة الشيخ سعيد بيران، وقد حُكم على عدد منهم بالإعدام في 27 أيار عام 1925م، وأودع الآخرون السجون التركية.
في 29 أيار عام 1925م بدأت محاكمة الشيخ سعيد بيران، التي استمرت شهراً كاملاً، وكان معه في قفص الاتهام الشيخ عبيد الله النهري والشيخ إسماعيل والشيخ عبد اللطيف والرائد قاسم إسماعيل وحاجي خالد عبد الحميد والشركسي رشيد، وآخرون من قادة الانتفاضة الكوردية.
في 3 أيلول عام 1925م قدّمت اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم لتقصي الحقائق في شأن الحدود بين تركيا والعراق تقريرها إلى عصبة الأمم، بعد أن أجرت كل الدراسات، وعبّرت فيه عن رأيها لمصلحة انتداب عصبة الأمم لبريطانيا مدة 25 عاماً، ووجوب أن يكون للأكراد في كوردستان تركيا إدارتهم ومحاكمهم وأجهزتهم التعليمية، واعترفت باللغة الكوردية رسمياً في كوردستان.
في 29 حزيران عام 1925م صدر الحكم بالإعدام شنقاً على أبطال الانتفاضة الكوردية في كوردستان تركيا، الشيخ سعيد بيران ورفاقه، ونُفّذ الحكم في اليوم التالي.
في 15 كانون الأول عام 1925م انعقد مجلس عصبة الأمم، واتخذ نتائج قرار لجنة تقصي الحقائق (خط بروكسل) أساساً لخط الحدود بين تركيا والعراق، ومنح بريطانيا حق الانتداب على العراق مدة 25 عاماً.
في 16 كانون الأول عام 1925م صادقت عصبة الأمم على قرار لجنة تقصي الحقائق بشأن الحدود بين العراق وتركيا، وأُلحقت المنطقة الكوردية (ولاية الموصل/كوردستان العراق) بالعراق العربي، وثُبّت «خط بروكسل» حداً فاصلاً بين الدولتين.
في تشرين الأول عام 1926م تم الاتفاق مع الشيخ محمود الحفيد على عدم التدخل في الشؤون السياسية في كوردستان العراق، وأن تغادر أسرته كاملة العراق، مقابل ردّ أملاكه، والسماح له بتعيين شخص لإدارة هذه الأملاك، إضافة إلى إرسال ابنه «بابا علي» للدراسة في بغداد.
في أيار عام 1927م اندلعت في كوردستان تركيا انتفاضات جبال ساسون الكوردية بقيادة محمد علي يونس، وفي الوقت نفسه انتهجت الحكومة التركية سياسة تشتيت الأكراد وتفريقهم في كوردستان تركيا.
في 19 حزيران عام 1927م صادق مجلس الأمة التركي الأعلى على القانون ذي الرقم (1097) القاضي بتهجير الأكراد من الولايات الشرقية الكوردية (كوردستان تركيا) إلى الولايات الغربية.
في آب عام 1927م أسس الأكراد جمعية «خويبون» الكوردية في كوردستان تركيا في مؤتمر سري للمنظمات الكوردية ضمّ أعضاء تنظيمات مثل «كوردستان تعالي جمعيتي» و«كورد تشكيلات جمعيتي» و«كورد ملت فرقه سي» وبقية الجمعيات الكوردية على الساحة، كما حضره عدد من زعماء العشائر والوطنيين الأكراد، واستمر نحو 45 يوماً. وفوّضت جمعية خويبون الفريق إحسان نوري باشا ليقود الحركة والثورة الكوردية في جبال أرارات في كوردستان تركيا.
في 5 كانون الأول عام 1928م صدر عن مجلس الأمة التركي الأعلى القانون ذو الرقم 1178، وينص البند الأول منه على: «يحق لمجلس الوزراء التركي إبطال مفعول القانون ذي الرقم 1097 بخصوص الأشخاص الكورد المرحّلين إلى الولايات الغربية الذين لم يسهموا عملياً في انتفاضة الشيخ سعيد بيران والأعمال اللاحقة». وبناءً عليه نقلت السلطات التركية الأكراد الذين لم يشاركوا في انتفاضة الشيخ سعيد بيران من أماكنهم الأصلية إلى أماكن أخرى متفرقة.
في أيار عام 1928م شكّل المجلس التركي الأعلى لجنة مصالحة مع الأكراد في كوردستان تركيا، ضمّت 12 نائباً وعدداً من المسؤولين في الولايات الشرقية. والتقت لجنة المصالحة التركية بالوفد الكوردي برئاسة إحسان نوري باشا في بلدة «شيخلي كوبري» في المنطقة المحايدة التي تفصل بين الفصائل الكوردية والقوات التركية، وأكد أعضاؤها لإحسان نوري باشا أن الحكومة التركية ستعلن عفواً عاماً عن المنتفضين الأكراد، كما عرضوا عليه منصباً رفيعاً في الدولة التركية، على أن يستسلم الأكراد ويسلّموا أسلحتهم للقوات التركية. لكن الوفد الكوردي رفض اقتراحات لجنة المصالحة التركية، وأكد أن مطلبه الوحيد هو اعتراف تركيا بحقوق الأكراد القومية في كوردستان تركيا، وانتهت المفاوضات دون نتيجة.
في أيار عام 1928 عاد إسماعيل آغا سمكو الشكاك من كوردستان تركيا إلى كوردستان العراق، وأقام شمال مدينة راوندوز، إلا أن الحكومة العراقية طلبت منه مغادرة أراضيها بسبب قلق الحكومتين الإيرانية والتركية.
منذ نهاية عام 1928م إلى بداية عام 1930م حشد الأكراد في كوردستان تركيا قواتهم في المناطق الجبلية الوعرة شرق البلاد، وأصبح جبل أرارات ملجأهم الرئيس، وصارت معظم الولايات الكوردية الشمالية والشرقية في كوردستان تركيا في أيدي الأكراد عملياً، وأُنشئت إدارة مدنية كوردية بزعامة إبراهيم باشا، وأصبح الأكراد في شرق كوردستان تركيا يتصرفون بنوع من الإدارة الذاتية المستقلة.
في 6 نيسان عام 1930م هزم الأكراد المنتفضون في كوردستان تركيا فوجاً من القوات التركية في منطقة «كيري»، مما زاد الأمور اشتعالاً، وجعل الجيش التركي يتحرك بكثافة وقوة نحو شرق تركيا (كوردستان تركيا).
في 21 حزيران عام 1930م قُتل إسماعيل آغا سمكو الشكاك غيلةً وغدراً عند مدينة شنويه الكوردية في كوردستان إيران، عندما كان في طريقه للتفاوض مع مندوب الحكومة الإيرانية.
في أواخر تموز عام 1930م استطاعت القوات التركية تحقيق الانتصار والقضاء على الانتفاضة الكوردية في كوردستان تركيا، بعد أن تعاملت الحكومة التركية مع الفصائل الكوردية بالمعدات الثقيلة والدعم الجوي، مما أجبر الأكراد على الفرار إلى المناطق الجبلية الوعرة على الحدود بين كوردستان الإيرانية وكوردستان التركية. واستمرت المعارك الطاحنة في أرارات إلى أن وصلت القوات التركية إلى مؤخرة الفصائل الكوردية بمساعدة الحكومة الإيرانية، حين سمحت لها بدخول حدودها للالتفاف على أكراد كوردستان تركيا من الخلف.
أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن