الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

  • في 14 تموز عام 1958م دخلت قطعات الجيش العراقي الثورية بغداد، وأطاحت بالحكم الملكي (الملك فيصل الثاني وولي العهد عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد)، وانتقلت السلطة إلى الضباط الأحرار الذين أعلنوا الحكم الجمهوري في العراق. وتشكلت الوزارة العراقية برئاسة القائد العام للقوات المسلحة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، وضمّت وزيرين من الأكراد هما محمود صالح محمود وزيراً للصحة، ومصطفى علي وزيراً للعدل. وتأسس المجلس الأعلى للدولة، أو ما يسمى «مجلس السيادة»، الذي كان يتكون من ثلاثة أعضاء، أحدهم كوردي هو العقيد خالد النقشبندي، وأبدت الحكومة العراقية استعدادها لتفهّم الحقوق القومية للأكراد (2).

  • في 16 تموز عام 1958م أعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني السري تأييده التام والكامل للحكم الجديد في العراق في بيان خاص شدّد فيه على وحدة مصير الشعبين الكوردي والعربي في العراق وارتباطهما النضالي الوثيق، وجاء في البيان: «إن تقوية الحركة التحررية العربية للشعب العربي وانتصارها، وتحرير العراق من الحكم الملكي البائد، وقيام نظام جمهوري حر، يكون ضمانة للاعتراف بحقوق الشعب الكوردي».

  • في 17 تموز عام 1958م التقى وفد كوردي برئاسة السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني إبراهيم أحمد رئيسَ الحكومة عبد الكريم قاسم، وأظهرت الحكومة النوايا الطيبة تجاه الشعب الكوردي والقضية الكوردية في كوردستان العراق.

  • في 26 تموز عام 1958م أُعلن دستور مؤقت للجمهورية العراقية، وثُبّتت فيه، للمرة الأولى منذ نشأة الدولة العراقية، المساواة بين الشعبين العربي والكوردي، فقد نصت المادة الثالثة من الدستور المؤقت على أن «العرب والأكراد هم شركاء في هذا الوطن، والدستور يضمن حقوقهم القومية في إطار العراق الموحد».

  • في 5 تشرين الأول عام 1958م عاد القائد والزعيم والبطل القومي الكوردي الملا مصطفى البارزاني إلى العراق من منفاه في الاتحاد السوفيتي (السابق)، بعد أن سمحت له الحكومة العراقية، وللسياسيين الأكراد المبعدين والمنفيين، بالعودة إلى العراق. وكان في استقباله كبار القادة السياسيين العراقيين والمسؤولين في الدولة والحكومة، إضافة إلى جماهير غفيرة من أبناء العراق من جميع القوميات والطوائف، فاستُقبل استقبال الفاتحين.

  • في 25 تشرين الثاني عام 1958م غُيّر برنامج جبهة الاتحاد الوطني، في أثناء اجتماع جماهيري في بغداد، بما يعبّر عن الاعتراف بحقوق الأكراد القومية والحكم الذاتي، وجاء في وثيقة التغيير: «ترى جبهة الاتحاد الوطني أن وجود العراق نفسه يقوم على تعاون جميع المواطنين واحترام حقوقهم والحفاظ على حريتهم، وتعدّ العرب والأكراد شريكين متساويين في الوطن الواحد، وتعترف بحقوقهم القومية في إطار العراق الموحد، وسوف تساعد على تنفيذ هذه الحقوق».

  • في 24 آذار عام 1959 انسحبت حكومة عبد الكريم قاسم من حلف بغداد نهائياً، وانتهجت سياسة الحياد الإيجابي، مما عزّز ثقة الأكراد بها وشجّعهم على الدفاع عنها.

  • في 6 تشرين الأول عام 1959م عقدت القيادات الكوردية اجتماعاً تم الاتفاق فيه على برنامج الحزب ونشره في ملحق جريدة «خه بات»، وعهدوا برئاسة الحزب إلى الملا مصطفى البارزاني.

  • في 9 كانون الثاني عام 1960م منح وزير الداخلية العراقي ترخيصاً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بعد أن تقدم إليه الملا مصطفى البارزاني وعدد من أتباعه ببرنامج الحزب، الذي كان ذا توجه يساري، وحُذفت منه المادة 23 التي كانت تشير إلى نضال الحزب من أجل تقرير المصير، إضافة إلى المادة الثالثة التي تشير إلى انغماس الحزب في اليسار والدعوة إليه.

  • في 17 تشرين الأول عام 1960م، بعد الانقلاب الذي قاده جمال جورسيل في تركيا، أصدرت الحكومة التركية القانون رقم (105) إضافة إلى القانون رقم (2510) «قانون الاستيطان»، الذي يتم بمقتضاه تهجير العائلات غير المرغوب فيها (الأكراد) من ديارها في كوردستان تركيا إلى مناطق أخرى في تركيا. وبدأت الحكومة التركية الجديدة مناقشة مشروع الدستور التركي عام 1961م في المجلس التأسيسي التركي، الذي أقرّه دون أي تغيير جوهري في شأن القضية الكوردية في كوردستان تركيا.

  • في كانون الأول عام 1960 بدأت الملاحقات تطال قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وجرى لقاء بين الزعيمين الملا مصطفى البارزاني وعبد الكريم قاسم استمر ثلاث ساعات دون إحراز نتيجة.

  • في آذار عام 1960م حظرت السلطات العراقية إصدار جريدة «خه بات» (النضال) لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فغادرت القيادات بغداد سراً متوجهة إلى كوردستان العراق نظراً للأوضاع المتوترة.

  • تقدم الأكراد بمذكرة إلى رئيس الجمهورية مطالبين بتطبيق الحكم الذاتي رسمياً للمناطق الكوردية (كوردستان) على أرض الواقع، وقد اشتملت المطالب على:

    1. جعل اللغة الكوردية اللغة الرسمية الأولى في المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) ذات الحكم الذاتي.

    2. جعل الشرطة كوردية بكاملها في المناطق الكوردية، وكذلك وحدات الجيش المتمركزة في المنطقة الكوردية، وأن تكون الأوامر في الوحدات الكوردية باللغة الكوردية.

    3. للحكومة الكوردية المؤقتة في كوردستان العراق حق الإشراف على التعليم والخدمات الطبية والمواصلات والشؤون البلدية.

    4. صرف قسم كبير من عائدات النفط المستخرج من منطقتي الموصل وكركوك في كوردستان.

    5. تُترك الشؤون الخارجية والدفاع والسياسة والاقتصاد العامة للحكومة المركزية في بغداد، لكن نائب رئيس الوزراء ومساعد رئيس أركان الجيش ووكلاء الوزراء في كل الوزارات يجب أن يكونوا أكراداً.

    6. تُستخدم وحدات الجيش الكوردية خارج المنطقة الكوردية بموافقة القيادات الكوردية، إلا في حالة وجود تهديد خارجي للدولة العراقية.

  • في تموز عام 1961م رفضت الحكومة العراقية المطالب الكوردية باعتبارها تهديداً لوحدة العراق الإقليمية والسياسية، وبدأ عبد الكريم قاسم يشعر بعدم الثقة بالأكراد في كوردستان العراق، وأخذ هو وحكومته يتمسكان أكثر فأكثر بمبدأ «وحدة العراق القومية». وبدأت الملاحقات تصل إلى قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وجرى لقاء بين الزعيمين الملا مصطفى البارزاني وعبد الكريم قاسم استمر ثلاث ساعات متواصلة دون إحراز نتيجة.

  • في 6 أيلول عام 1961 حاصر الأكراد قضاءي العمادية وزاخو، كما نقلوا مقر قيادتهم إلى منطقة أربيل التي تضم منطقة بارزان والمناطق المجاورة لها في كوردستان العراق، بعد ازدياد شقة الخلاف بين الحكومة والقيادة الكوردية.

  • في 7 أيلول عام 1961م قصف سلاح الجو العراقي منطقة بارزان رداً على التحركات الكوردية فيها.

  • في 10 أيلول عام 1961م أعلن الأكراد تحدّيهم للسلطة العراقية ورفضهم لأي نداءات حكومية (3).

  • في 11 أيلول عام 1961م أُعلنت الثورة الكوردية المباركة في كوردستان العراق رداً على حملة الحكومة العراقية الشاملة على المناطق الكوردية في كوردستان.

  • في آب عام 1962م تمكن الثوار الأكراد من نسف خطوط النفط التابعة لشركة الـ(IPC) التي تنقل النفط من العراق إلى سوريا ولبنان، وأظهروا مقدرتهم على وقف تدفق النفط من العراق.

  • في نهاية صيف عام 1962م تمكن الثوار الكورد بقيادة الملا مصطفى البارزاني من السيطرة على نصف كوردستان العراق، التي تقارب مساحتها 45000 ميل مربع، ونتيجة لذلك التحق الآلاف من رجال الجيش والشرطة الكورد العاملين في هذه الأجهزة بالثورة الكوردية المباركة في كوردستان العراق.

  • في 8 شباط عام 1963م، الموافق للرابع عشر من شهر رمضان، حدث انقلاب عسكري في بغداد قامت به كوادر من حزب البعث العربي الاشتراكي، وعُيّن المشير عبد السلام محمد عارف رئيساً للجمهورية، والعميد أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء.

  • في 1 آذار عام 1963م أعلنت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة عبد السلام محمد عارف أنها تضمن «حقوق الشعب الكوردي».

  • في 5 آذار عام 1963م بدأ الاتصال الرسمي الأول بين حكومة عبد السلام عارف وقيادة الثورة الكوردية، فقدّم الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني مطالبه إلى الحكومة الجديدة مرفقة ببرقية تأييد، وأعقب ذلك أمرُه فصائل الثورة الكوردية (البيشمركة) كافة بوقف إطلاق النار دليلاً على حسن النية. والمطالب هي ما يأتي:

    1. الاعتراف بالحكم الذاتي للكورد في كوردستان العراق، على أن ترسل نسخة منه إلى الأمم المتحدة مع نسخة من الدستور العراقي.

    2. تحديد الحدود الجغرافية لإقليم كوردستان العراق بتركيا شمالاً، وإيران شرقاً، وسوريا غرباً، وسلسلة جبال حمرين جنوباً.

    3. جعل اللغة الكوردية اللغة الرسمية في مدارس المنطقة الكوردية (كوردستان العراق).

    4. مؤسسات الحكم الذاتي لإقليم كوردستان العراق:

      1. حكومة ديمقراطية برلمانية يرأسها نائب رئيس، وحكومة ومجلس وطني كوردي، وتبقى وزارات الخارجية والدفاع والمالية تحت سيطرة الحكومة المركزية.

      2. يُمثَّل الكورد في الحكومة الوطنية، وتكون حصتهم فيها مساوية لنسبتهم إلى مجموع سكان العراق.

    5. وضع الشعب الكوردي في المؤسسات العسكرية العراقية يكون كالآتي:

      1. يخدم الكورد في الجيش العراقي بنسبة تعادل نسبتهم إلى مجموع سكان العراق، ويشكلون وحدات عسكرية كوردية محضة.

      2. يخدم الكورد في جميع فروع القوات المسلحة.

      3. يكون تشكيل المؤسسات العسكرية في كوردستان مشابهاً للمؤسسات العسكرية الموجودة في الجمهورية العراقية.

    6. تتألف الموازنة من الجمارك، وتشمل ما لا يقل عن ثلثي عائدات النفط المستخرج من الآبار الموجودة في كوردستان العراق.

    7. تبقى فرق من القوات الكوردية (البيشمركة) في كوردستان العراق إلى أن يتم تشكيل الجيش الكوردي، وتزوّد الحكومة البيشمركة بالطعام واللباس والمخصصات.

    ومع أن الحكومة الجديدة وافقت على الحكم الذاتي لكوردستان العراق من حيث المبدأ، إلا أنها رفضت هذه المطالب باعتبارها مطالب متشددة، وخوفاً من أن يؤول قبولها إلى خطوة نحو استقلال الكورد في كوردستان العراق.

  • في 7-8 آذار عام 1963 عُقد اجتماع في مدينة «جوارقرنة» بين وفد شعبي من قبل الحكومة العراقية الجديدة وعدد من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني بغرض الوصول إلى تسوية الخلافات بين الطرفين، إلا أنه كان لا بد لهذه التسوية من موافقة الحكومة العراقية والملا مصطفى البارزاني، وقد شملت أسس التسوية النقاط الآتية:

    1. الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي في الحكم الذاتي لكوردستان العراق، على أن يرد هذا البند في الدستور المقبل.

    2. العفو العام عن جميع الثوار الكورد وإطلاق سراح السجناء منهم.

    3. تطهير الأجهزة من المسؤولين الحكوميين المتهمين بسوء التصرف وعدم الكفاءة في كوردستان العراق.

    4. رفع الحصار الاقتصادي عن مناطق الثورة الكوردية (كوردستان العراق).

    5. إجلاء القوات العسكرية العراقية من كوردستان وعودتها إلى ثكناتها.

    وفي الوقت نفسه أعلن راديو بغداد أن «اللجنة الوطنية للثورة العراقية تعترف بالحقوق القومية للشعب الكوردي على أساس اللامركزية».

  • في 11 آذار عام 1963 صرّح علي صالح السعدي، الكوردي الأصل، أحد قادة الحكومة العراقية الجديدة (حزب البعث)، في دمشق بأن «الحكومات المحلية الكوردية ستتولى إدارة نفسها في المجالات كافة، ما عدا الشؤون الخارجية والدفاع والمالية، فإنها ستبقى خاضعة للحكومة المركزية»، دون الإشارة إلى الحكم الذاتي.

  • قرر الزعيم والقائد الملا مصطفى البارزاني استشارة ممثلي الشعب الكوردي في مؤتمر يعقد في مدينة كويسنجق من 17 إلى 22 آذار عام 1963م، وحضره أعضاء اللجنة المركزية وكبار قادة الثورة الكوردية وممثلو القبائل والعشائر الكوردية والأقليات، وممثلون من الشعب الكوردي في جميع أرجاء كوردستان.

  • في 24 نيسان عام 1963م وُقّعت الاتفاقية الفيدرالية بين العراق وسوريا.

  • أكد الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني والوفد المفاوض، في لقاء مع الحكومة، أن كوردستان العراق تشمل مقاطعات أو محافظات كركوك والسليمانية وأربيل، والمقاطعات والمناطق التي تقطنها أكثرية كوردية في محافظتي الموصل وديالى، وأن السلطات الكوردية تكفل للأقليات الدينية والعرقية، كالتركمان والآشوريين والكلدان والأرمن، حقوقهم الاقتصادية والثقافية وحريتهم الدينية والديمقراطية، وتمثيلهم النسبي في المجالس التنفيذية والتشريعية في منطقة كوردستان.

  • في 1 حزيران عام 1963م استؤنفت العمليات العسكرية في كوردستان العراق، وعبرت فرقة عسكرية سورية تحت اسم «قوات اليرموك» بقيادة العقيد فهد الشاعر الحدود السورية إلى كوردستان العراق لتشارك في القتال ضد قوات الثورة الكوردية (البيشمركة).

  • في حزيران عام 1963م أرسل وزير الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو مذكرة احتجاج إلى حكومتي تركيا وإيران على التدخل العسكري في كوردستان العراق، وحذّر بشدة الحكومة العراقية من عواقب «القمع الدموي ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق، الذي سيؤدي إلى إضعاف الدولة العراقية».

  • في 20 حزيران عام 1963م حذّر الاتحاد السوفيتي (السابق) من أنه سيوقف مساعداته للعراق إذا ما استمرت الحكومة العراقية في عملياتها، لاتّباعها «سياسة الإرهاب والكبت ضد أبناء الشعب الكوردي في كوردستان العراق».

  • في حزيران عام 1963م قدّمت جمهورية منغوليا الشعبية طلباً لإدراج القضية الكوردية على جدول أعمال الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.

  • نظراً لاستمرار القمع الحكومي العراقي للكورد في كوردستان العراق تدهورت العلاقات بين الحكومة العراقية والرئيس جمال عبد الناصر، وشنّ الكاتب محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير جريدة الأهرام، حملة على أعضاء الحكومة العراقية الجديدة (نظام حزب البعث)، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلبون الدعم التركي والإيراني والغربي في قتالهم ضد الثوار الأكراد في كوردستان العراق.

  • في 18 تشرين الثاني عام 1963م قام انقلاب عسكري أطاح بحكومة حزب البعث، نفّذته مجموعة من الضباط القوميين العرب يدعمهم الرئيس عبد السلام عارف.

  • أوقف رئيس الوزراء العراقي الجديد الفريق طاهر يحيى العمليات العسكرية في كوردستان العراق، وفتح باب المفاوضات مع القيادة الكوردية، وكان ذلك عملاً بنصيحة الرئيسين جمال عبد الناصر وأحمد بن بيلا.


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←