الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
في 10 شباط عام 1964م أصدر الرئيس عبد السلام عارف وقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في آن واحد بيانين يعلنان وقف إطلاق النار، وذلك تأكيداً لبيان الرئيس عبد السلام عارف «منح الحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان العراق ضمن وحدة الشعب العراقي».
في شباط نفسه من عام 1964 حيّا الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف اتفاق الرئيس عبد السلام عارف مع الزعيم الملا مصطفى البارزاني، باعتباره خطوة إلى الأمام لتعزيز سمعة العراق في نظر العالم.
بدأت المفاوضات بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية تمر بمواقف صعبة، وأحياناً حرجة جداً، على الرغم من المساعي الجبارة التي كان رئيس الوزراء العراقي الدكتور عبد الرحمن البزاز يبذلها للصلح، إلا أنها باءت بالفشل نتيجة تعنّت وزير الدفاع عبد العزيز العقيلي، الذي كان يقف في وجه الدكتور عبد الرحمن البزاز بدعم من عبد السلام عارف، الذي اتخذ موقفاً متشدداً ضد إعطاء الامتيازات للكورد في كوردستان العراق.
في كانون الأول عام 1965م بدأت المناوشات والعمليات الحربية بين القوات الحكومية والثورة الكوردية تشتد ضراوة في منطقة بنجوين الحدودية القريبة من إيران.
في 13 نيسان عام 1966م توفي الرئيس العراقي عبد السلام محمد عارف إثر تحطم طائرته العسكرية بالقرب من منطقة القرنة في لواء (محافظة) البصرة.
نُصّب الفريق عبد الرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، رئيساً للجمهورية خلفاً لشقيقه الرئيس الراحل عبد السلام عارف، وصرّح عقب تنصيبه بمنح الأكراد حكماً ذاتياً يضمن هويتهم القومية وعاداتهم ولغتهم.
ومن هذا المنطلق الوطني للرئيس عبد الرحمن عارف أقرّ قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني هدنة بين الجانبين، وبدأت المفاوضات على أساس إقرار الحقوق الذاتية الكاملة للشعب الكوردي في كوردستان العراق.
في 29 حزيران عام 1966م أذاع رئيس الوزراء العراقي الدكتور عبد الرحمن البزاز برنامجه المؤلف من اثني عشر بنداً حول القضية الكوردية، الذي سُمّي بيان 29 حزيران 1966، وهو كما يأتي:
تعلن الحكومة العراقية اعترافها بالقومية الكوردية، وبوجوب المساواة التامة بين العرب والكورد في العراق.
تنفّذ الحكومة هذا البيان من خلال إطار اللامركزية، وسيكون لكل لواء مقدار أكبر من الحكم الذاتي.
تكون اللغة الكوردية، إلى جانب اللغة العربية، اللغة الرسمية في المناطق الكوردية من كوردستان العراق.
يُمثَّل الكورد في البرلمان الجديد بممثلين حسب نسبتهم المئوية من مجموع السكان.
يُمثَّل الكورد بالتناسب (حسب نسبتهم) في إدارة الدولة العراقية والسلك الدبلوماسي والجيش والشرطة.
يُوفَد الطلاب الكورد إلى الخارج في بعثات للدراسة، وتعطى لهم المنح الدراسية والهبات، وتعير جامعة بغداد اهتماماً خاصاً للغة الكوردية وآدابها.
يُعيَّن الموظفون المحليون في المناطق الكوردية من الكورد.
يُسمح بالنشاط السياسي الكوردي، وبالصحافة السياسية والأدبية في حدود القانون.
إصدار عفو عام عن الثوار الكورد، وعودة الموظفين الكورد إلى مراكزهم السابقة.
عودة الثوار الكورد الذين كانوا سابقاً في الجيش أو الشرطة إلى مراكزهم، أما بقية القوات الكوردية (البيشمركة) فستُلحق بالحكومة العراقية حتى تعود الحياة العادية، وإعادة الفرسان (الجحوش) إلى مراكزهم بعد حلول السلام.
تخصيص اعتمادات مالية لإعمار كوردستان العراق.
إعادة توطين القرويين الكورد الذين تركوا منازلهم أو طُردوا منها.
في 26 تشرين الأول عام 1966م قام الرئيس عبد الرحمن محمد عارف بجولة تفقدية في كوردستان العراق لإظهار موقفه المتوازن، والتقى بقائد الحركة الكوردية الزعيم الملا مصطفى البارزاني، وكان هذا اللقاء الأول من نوعه بين رئيس عراقي وقائد الثورة الكوردية.
في 17 تموز عام 1968م قام حزب البعث العربي الاشتراكي بالاشتراك مع عدد من الضباط بانقلاب عسكري أطاح بحكومة الرئيس عبد الرحمن عارف.
شُكّلت وزارة عراقية جديدة برئاسة المقدم الركن عبد الرزاق النايف، مدير الاستخبارات العسكرية، واشترك فيها أربعة وزراء من الكورد.
في 30 تموز عام 1968م قام حزب البعث بانقلاب ثانٍ على رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف وأطاح به.
في 31 تموز عام 1968م شُكّلت الوزارة الجديدة، وأُشرك فيها الوزراء الكورد أنفسهم، ولكنهم استقالوا بعد أسبوع واحد لعدم جدية الحكومة العراقية (نظام حزب البعث) في حل القضية الكوردية.
في 22 تشرين الأول عام 1968م تجدد القتال بين الحكومة العراقية والثوار الكورد في كوردستان العراق.
في آذار عام 1969م هاجم الثوار الكورد شركة نفط العراق في كركوك ردَّ فعلٍ على الهجمات الشرسة للقوات العراقية.
في أيار عام 1969م أبدت الحكومة العراقية رغبتها في إيجاد حل عادل للقضية الكوردية في كوردستان العراق.
في 25 تشرين الثاني عام 1969م أصدر مجلس قيادة الثورة القرار (677) بتشكيل لجنة برئاسة عضو القيادة اللواء الركن صالح مهدي عماش لمتابعة جميع القرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة في شأن الأمور المتعلقة بالقضية الكوردية، رغبةً في تخفيف حدة القتال. وقد اتخذت الحكومة العراقية عدة إجراءات لإثبات حسن نياتها تجاه الأكراد، على النحو الآتي:
إصدار عفو شامل عن جميع المدنيين والعسكريين الذين اشتركوا في أعمال العنف في كوردستان العراق (الثورة الكوردية).
إصدار قانون المحافظات المتضمن لامركزية الإدارة المحلية، وإنشاء محافظة دهوك.
تقرر إنشاء جامعة السليمانية.
فتح مجمع علمي كوردي.
إنشاء مديرية الثقافة الكوردية.
جعل عيد نوروز عيداً وطنياً في العراق.
وهذه القرارات تشمل الوعود السابقة للحكومات العراقية المتعاقبة، علاوة على بعض العناصر الجديدة.
في كانون الثاني عام 1970م أرسلت الحكومة العراقية المبعوثين من بغداد إلى كوردستان لطمأنة القيادة الكوردية بأن الحكومة العراقية جادة في إيجاد حل سلمي.
في شباط عام 1970م جرت مفاوضات، ثم حدث توتر حول مسألة كركوك وقوات البيشمركة، مع إصرار الملا مصطفى البارزاني على توفير ضمانة خارجية لتنفيذ الاتفاق.
في 11 آذار عام 1970م صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم (288) الذي يتضمن بيان الحادي عشر من آذار 1970، ووُقّع بيان لوقف إطلاق النار، وجاء في البيان: «إن الحكومة العراقية تعترف بحق الكورد القاطنين في كوردستان العراق في ممارسة الحكم الذاتي، على أن يتم إعلان قانون الحكم الذاتي خلال مدة أقصاها أربع سنوات».
في 1 أيار عام 1970م سُمح بإعادة صدور صحيفة «التآخي» صوت الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
في 7 كانون الأول عام 1970م جرت محاولة اغتيال المناضل إدريس البارزاني، ابن الملا مصطفى البارزاني، وهو في ضيافة الحكومة العراقية ببغداد، قرب فندق شتورا، في كمين نصبته له عناصر حكومية.
في يوم الأربعاء 29 أيلول عام 1971م تعرّض الزعيم وقائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني لمحاولة اغتيال جبانة في مقر قيادته بحاج عمران، في أثناء استقباله وفداً رسمياً أرسلته الحكومة العراقية مؤلفاً من عشرة من كبار علماء الدين العراقيين. وجرت محاولة ثانية في تموز عام 1972م وفشلت كذلك، وتصرّفت الحكومة العراقية إزاءها كما تصرفت إزاء المحاولة الأولى. وعلى الرغم من المحاولتين الخائبتين من قبل أزلام النظام في بغداد، رفض الزعيم الملا مصطفى البارزاني أي ردّ فعل كوردي يتسبب في تجدد القتال وضياع جهود السلام.
في 9 آذار عام 1974م، أي قبل يومين من إذاعة تطبيق بيان 11 آذار 1970 حسب مفهوم حزب البعث ورؤيته الخاصة، أرسل الزعيم الملا مصطفى البارزاني ابنه إدريس إلى بغداد حاملاً رسالة إلى حكومتها، ففاوضها وحمل ردّها إلى القيادة الكوردية، فأجاب الملا مصطفى البارزاني ببرقية باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني جاء فيها: «إن ما قدمناه هو ما نعتقده صحيحاً، وعليه فليس لدينا مقترحات جديدة، وسنلتزم من جانبنا بما يحفظ القانون».
في مساء 11 آذار عام 1974م أذاع الرئيس أحمد حسن البكر، رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الجمهورية، من راديو بغداد قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق، علماً أن الكثير من بنوده لم يُطبَّق حسب الاتفاق بين الطرفين. وقد حاول الملا مصطفى البارزاني وقيادة الثورة الكوردية تأخير إعلانه إلى حين إنجاز كافة البنود المتفق عليها سابقاً، ولوجود ثغرات عديدة فيه. كما أن القيادة البعثية عملت المستحيل في سبيل شق صفوف قيادة الحركة الكوردية والحزب الديمقراطي الكوردستاني، إضافة إلى قيام الحكومة العراقية باغتيال العديد من كوادر قيادة الحركة الكوردية والحزب، ولكن حكمة الرئيس الملا مصطفى البارزاني وتصرفه الرصين في المواقف الحرجة فوّتا عليهم فرصاً كثيرة.
في 12 آذار عام 1974م دعت الحكومة العراقية قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى الانضمام إلى الجبهة الوطنية، إلا أن الرد كان الرفض التام.
بدأ القتال بين الحكومة العراقية وقوات الثورة الكوردية (البيشمركة) بعد ضربة مباغتة للقوة الجوية العراقية لمدينتي حلبجة وقلعة دزه، تسببت بقتل الآلاف من أبناء المدينتين الأبرياء. واشتدت المعارك بشكل شرس لم تبلغه من قبل، نظراً لاتساع جبهة القتال، واستخدام أنواع من الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً (كالقنابل الفوسفورية والعنقودية والانشطارية والنابالم)، واستخدام المئات من أحدث الطائرات المقاتلة والقاصفات الاستراتيجية الثقيلة والطائرات العمودية، تساند وحدات الجيش مع العديد من وحدات المدفعية على اختلاف أنواعها، مدعومة بالعشرات من الوحدات المدرعة الثقيلة وناقلات الأشخاص، إضافة إلى وحدات القوات الخاصة وفرق الإنزال الجوي، ومع دعم وإسناد من العديد من الوحدات التي تقدّم الدعم اللوجستي والمعلومات الاستخبارية من قوى خارجية متعاونة مع حكومة حزب البعث. ولكنها كانت في النهاية شبه مشلولة حسب تصريح نائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين، مما اضطره إلى الاتفاق حتى مع الشيطان في سبيل إحراز نصر ولو في معركة بسيطة، وذلك لردّ الاعتبار لحكومته وجيشه الذي بات يحصد الهزائم على كل الجبهات. أما قوات الثورة الكوردية (البيشمركة) المدافعة عن حقوقها القومية المشروعة فكانت قوتها في أسلحتها البسيطة وإيمانها القوي بحق قضيتها.
في 6 آذار عام 1975م، خلال انعقاد مؤتمر دول الأوبك في العاصمة الجزائرية برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين، وُقّعت اتفاقية بين حكومتي العراق وإيران، وقّعها كل من نائب الرئيس العراقي صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، وتنص الاتفاقية على تسوية مشاكل الحدود، وخاصة «تقسيم شط العرب»، مع غلق الحدود الدولية، وذلك على حساب الحركة التحررية الكوردية، وفسح المجال أمام القوات العراقية لعبور الحدود والالتفاف من الخلف للانقضاض على الشعب الكوردي وفصائله الثورية المناضلة. ولمزيد من المعلومات تُراجع محاضرة «الاتفاقيات والمعاهدات الدولية».
في فجر 13 آذار عام 1975م أعلنت الحكومة العراقية وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وأعلن العراق عفواً شاملاً عن جميع الأكراد الذين يسلّمون أسلحتهم وأنفسهم حتى 1 نيسان عام 1975م.
في عام 1976م قرر الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة فتح ملف قضية الكورد وكوردستان العراق، وإعداد العلاج اللازم لمأساة شعبه المتواصلة في التاريخ.
في 1 حزيران عام 1975م أعلن المناضل جلال الطالباني مع بعض رفاقه المناضلين في العاصمة السورية دمشق تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني (أوك)، الذي ضمّ تنظيمين كورديين هما: «كومله» بقيادة نوشيروان مصطفى أمين، و«حركة كوردستان الاشتراكية» بقيادة علي عسكري.
في أيار عام 1976م كان الملا مصطفى البارزاني يتابع بدقة تحركات الثوار الذين أعادوا تنظيم الثورة الكوردية في جبال كوردستان العراق تحت راية القيادة المؤقتة، إلى حين عودة زعيم الأمة وقائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني والحزب لقيادة الثورة.
في شباط عام 1979م، وبعد سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي، قرر الملا مصطفى البارزاني العودة إلى كوردستان العراق على الرغم من مرضه الشديد، ودعا جميع كوادر الحزب في الولايات المتحدة إلى الاجتماع، ووقف يخاطبهم: «لقد آن الأوان أن تعود الثورة الكوردية في كوردستان العراق إلى قوتها السابقة. لقد كان العائق الأكبر أمامنا هو نظام الشاه محمد رضا بهلوي، ولكن بعد سقوط هذا النظام لا بد لي من العودة إلى كوردستان. الحمد لله، ما زلت أحتفظ بما يكفي من القوة الجسدية للاشتراك في الثورة. لقد دعوتكم إلى هنا لأودّعكم».
في مساء 1 آذار عام 1979م توقف ذلك القلب الكبير المفعم بالحب لشعبه ووطنه عن النبض، ورحل أهم شخصية سياسية كوردية معاصرة، وأعظم قائد عسكري على مدى التاريخ، تغمّد الله روحه الطاهرة مع أرواح شهداء الأمة الكوردية في جنان الخلود في سماء المجد.
يوم الاثنين 5 آذار عام 1979م هو يوم الوداع الأخير لأعظم زعيم وقائد وطني، كرّس جلّ حياته من أجل وطنه وشعبه، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وستبقى ذكراه العطرة وأعماله الجليلة ورؤيته الحكيمة ومواقفه الشجاعة وأخلاقه النبيلة وزهده في الحياة خالدةً في ضمير الأمة الكوردية ووجدانها إلى أبد الآبدين (4).
أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن