الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الثامن)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

ج. ثورة سعيد بيران الكوردية 1925 في كوردستان تركيا

هذا الرجل والشيخ الجليل «سعيد بيران» اتخذ من مدينة «كينجو» عاصمة لثورته، قبل أن تمتد لتشمل المدن الكوردية ديار بكر وبدليس وديرسيم وأرضروم. وبلغت قوته (10.000) من المتطوعين الكورد (البيشمركة)، فيما بلغت القوة التركية بإمرة «كمال الدين سامي باشا» (70.000)، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل (150) من المقاتلين الكورد، وقُتل وأُسر عدد مضاعف من الجنود الأتراك. وأصدرت القيادة التركية (كمال الدين سامي باشا) مكافأة مالية قدرها ألف ليرة ذهبية لمن يلقي القبض على الشيخ سعيد بيران. وبسبب البطش والقوة المفرطة التي مارسها القائد التركي كمال الدين سامي باشا هربت أعداد من العوائل الكوردية إلى المناطق التي كان يسيطر عليها الزعيم الكوردي إسماعيل آغا الشكاك (الملقب سمكو) في كوردستان إيران، الذي قاد هو الآخر ثورة ضد حكومة رضا خان الإيرانية عام 1924 (13). وقد ادّعت إيران في وقتها أن سمكو آغا الشكاك كان يخطط لإزاحة الشاه الإيراني عن عرشه، الذي كان يعتقد أن الله وهبه له.

فشكّل الحدثان الكورديان (ثورة سمكو آغا الشكاك 1924 وثورة الشيخ سعيد بيران 1925) درساً لبريطانيا في ألّا تترك الكورد يتدخلون أو يتحالفون مرة أخرى مع الحكومة التركية للإخلال بوضع ولاية الموصل/كوردستان العراق النفطية (الموصل، السليمانية، أربيل، كركوك، ودهوك حالياً، وأجزاء من ديالى)، التي كانت تركيا تطالب بها حتى عام 1926. كما دفعت بريطانيا بجهدها إلى محاكمة الكورد المتمردين (14) في محاكم الاستقلال التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك في نيسان 1925، والتي قضت بإعدام (91) من الثوار الكورد أمام المسجد الكبير في ديار بكر (جنوب تركيا) في 27 أيار 1925.

وكان مما قاله أحد الأكراد الذين نُفّذ بهم حكم الإعدام، وهو المجاهد عبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري: «إن على كل كوردي شريف أن يناضل في سبيل تحرير بلاده كوردستان المغتصبة من ظلم الأتراك».

فيما تمكن ثلاثة من المسجونين الشباب الإخوة، هم أولاد «بدرخان» (جلادت وثريا وكاميران)، من الهروب من السجن، وهم يروون قصص اعتقالهم لوسائل الإعلام الأجنبية ولأبناء جلدتهم، ويقولون إن محاكم الاستقلال نسخة أخرى من محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر لمحاكمة المشعوذين في الدين المسيحي. ولكن الكورد لم يكونوا كذلك إلا في نظر الشاه رضا خان في إيران، ومصطفى كمال أتاتورك في تركيا، ومن بعده «عصمت إينونو» الكوردي الأصل، رئيس الجمهورية التركية بعد أتاتورك، الذين تعاونوا (تركيا وإيران) على القتل والقتل المضاد أينما وضع الثوار الكورد أقدامهم على أرض الدولتين في كوردستان إيران وكوردستان تركيا.

د. ثورة الجنرال الكوردي إحسان نوري باشا في «أرارات» 1930 (كوردستان تركيا)

في هذه الثورة ناشد الجنرال الكوردي «إحسان نوري باشا» عصبة الأمم التدخل في الشأن الكوردي بغية إيقاف المجازر التي ارتُكبت بحق الكورد في كوردستان. ولأجل أن يطوّر ثورته الكوردية دعا إليها الكورد في كوردستان العراق وكوردستان سورية للتجمع في جبل أرارات (15) لنيل الاستقلال لكوردستان، بعد أن تمكنت قوة كوردية من اغتنام (60) بندقية و(24) عجلة، وإسقاط طائرتين، وأسر أعداد من الجنود الأتراك. وعدّتها بريطانيا، صاحبة القرار السياسي في ذلك الوقت، ونظيرتها الولايات المتحدة الأمريكية عملاً من أعمال التمرد والخروج على القانون يجب معاقبة الكورد عليه والتحالف ضدهم. وسمحت إيران للقوات التركية بمطاردة الثوار الكورد على أراضيها. وعندما أراد «الشيخ أحمد البارزاني» في كوردستان العراق معاونة إحسان نوري باشا عام 1932، استخدمت بريطانيا الطائرات المقاتلة ضده، ودعت القوات التركية والعراقية إلى إجهاض ثورة الشيخ أحمد البارزاني.

هـ. ثورة سيد رضا في درسيم عام 1937 «ثورة درسيم» في كوردستان تركيا

في هذه الثورة قال وزير الداخلية التركي «جلال بك»: «إن الأشقياء الكورد جرى تلقيحهم بلقاح الحضارة عن طريق القوة». وهو يشير بذلك إلى ميثاق «سعد آباد» الذي أخذ طريقه في قصر سعد آباد في طهران في تموز عام 1937، وضمّ دول تركيا وإيران والعراق وأفغانستان تحت رعاية بريطانية، وهدفه مكافحة الكورد في كوردستان والأفكار الشيوعية التي وُصم بها الكورد، علماً أن الكورد معروفون بتمسكهم بالدين الإسلامي الحنيف. هكذا كانت بريطانيا تشوّه الحقائق من أجل مصالحها، أو تصم بذلك على الأقل مجموعات ثائرة منهم بعد خروج الروس من السليمانية عام 1919. وفي ظن السلطات التركية أن أي تمرد آخر للكورد لا يمكن أن يستمر لمدة (48) ساعة، وأربع دول وضعت قواتها في حالة استعداد وتعاون تحت رحمة مستشارين بريطانيين يتمتعون بأفق سياسي واسع وقرار ناضج لصدّ أية ثورة كوردية.

وقبل الانتهاء من حقبة الأتراك المتعصبين لقوميتهم الطورانية، والدور الخبيث للسياسة البريطانية تجاه الكورد في كوردستان، سيظهر من يسأل عن انقلاب الفريق الركن بكر صدقي الكوردي عام 1936 وأثره في مجمل السياسة البريطانية، وعلاقته بملك العراق غازي الأول، وتوقيع رئيس الوزراء «حكمت سليمان» على اتفاقية شط العرب عام 1937، التي قادت فيما بعد، هي وأمور دينية أخرى، إلى حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران (1980 – 1988). ولندع الحاضرين يبدون آراءهم بخصوص أول انقلاب عسكري يحدث في البلاد العربية.

والجواب:

كلنا يعترف بأن الملك غازي الأول هو رمز الملوك بامتياز في المسائل الوطنية والقومية، وخاصة القضية الفلسطينية والكويت، والدعوة إلى التحريض على المستعمرين البريطانيين والفرنسيين في سورية والعراق، حتى وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة.

كانت أمام الملك غازي نقطتان مركزيتان يتعامل معهما: الأولى علاقته بضباط الجيش والتقرب إليهم وتلبية احتياجاتهم، لأنه عسكري، ولاعتباره الجيش رمز السيادة والقوة لحماية التاج الهاشمي. والثانية اهتمامه بالعشائر، وخاصة عشائر الفرات الأوسط، لأسباب تتعلق بعدم إسناد مناصب إدارية لهم، وبوزنهم ونفوذهم (الذي لا تجده بريطانيا مناسباً) بعد ثورة 1920، وبقانون الانتخابات والبرلمان الموجود لمن هو الأصلح لتمثيل الشعب.

لكن رئيس الوزراء العراقي «ياسين الهاشمي»، القومي العربي، أراد أن يجرّد الملك غازي من النقطتين، وذلك ما أزعجه تماماً، خصوصاً بوجود شقيق رئيس الوزراء «طه الهاشمي» في منصب رئيس أركان الجيش.

كانت علاقة الفريق بكر صدقي بالملك غازي قوية جداً بعد أن كلّفه بمحاربة الآثوريين في شمال الموصل عام 1933، كما كلّفه بإحباط ثورات الفرات الأوسط عام 1935، وكان من الطبيعي أن يكلّف الملك غازي الفريق بكر صدقي بالتخلص من رئيس الوزراء ياسين الهاشمي. أما اتفاقية شط العرب بين العراق وإيران عام 1937، فإذا كانت بريطانيا الخبيثة راغبة في مناصفة شط العرب لإرضاء شاه إيران «رضا خان»، لسبب جوهري هو أن إيران على حدود الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا لا تريد للشيوعية أن تطوف في الشرق الأوسط، فذلك ما لا يمكن لساسة العراق منعه، سواء بوجود الفريق بكر صدقي أو غيره، وهي التي أجبرت نوري السعيد، رئيس وزراء العراق والكوردي الأصل، على توقيع معاهدة عام 1930 البالغة الخطورة على وضع العراق السياسي والأمني.

وينبغي ألّا تغيب عنكم الرؤية بأن مصلحة بريطانيا فوق كل اعتبار، خصوصاً وهي تتلقى التقارير عن سباق تسلح يجري في أوربا لحرب عالمية جديدة. وعندما يتطلب الموقف التضحية برموز فإنها تضحّي بهم، فقد ضحّت بالفريق بكر صدقي، وبعده بملك البلاد غازي الأول عام 1939، وبزوجة ولي العهد البريطاني تشارلز الأميرة ديانا عام 1997، وبابن «غلوب باشا» (16) الذي اعتنق الإسلام في الكويت عام 2004. وكلها حوادث سيارات؟

لم يبقَ لدينا من الثورات الكوردية التي بدأت عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية إلا ثورة مهاباد عام 1946، وهي الأولى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد جاءت على خلفية تقسيم إيران في أثناء الحرب العالمية الثانية بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي عام 1941، وبقاء الجيوش السوفيتية في مناطق شمال إيران خلافاً للاتفاق على سحبها بعد نهاية الحرب، وقادت إلى ظهور حزب «توده» الشيوعي الإيراني محرّكاً لأحداث «دولة كوردية» بدعم سوفيتي. ولكن زوالها بعد سنة من تشكيلها، وإعدام قادتها ومنهم رئيسها «قاضي محمد»، هيّأ للزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني أن يبادر إلى تشكيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي لم يشهد ولادته تماماً عام 1946، وهو على أرض السوفيت لاجئاً من بطش السلطات العراقية والإيرانية بتوجيه من بريطانيا.

المصادر

  1. نزار بابان، كوردستان جنة الله وجحيم أمة، ص508-541.

  2. المتولي، محمد محسن، كورد العراق منذ الحرب العالمية الأولى 1914 حتى سقوط الملكية 1958، الدار العربية للموسوعات.

  3. موقع موسوعة مقاتل من الصحراء (الأكراد والمشكلة الكوردية)، أحداث مهمة في تاريخ الكورد.

  4. البريفكاني، عبد القادر، المحررون، رجال قرن مضى، منشورات الزمان، الطبعة الأولى، 2001، ص139، 140، 148، 151، 152، 157، 159، 162، 194.

  5. مازن بلال، المسألة الكوردية، الوهم والحقيقة، ص161-165.

  6. توفيق حمة خورشيد، الأكراد (دراسة علمية موجزة في أصل الشعب الكوردي)، ص66.

  7. شرف خان البدليسي، الشرفنامه.

  8. قال الشيخ عبيد الله النهري لأتباعه إن الأمة الكوردية أمة قائمة بذاتها.

  9. عندما بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 كان في جنوب «وان» وغربها ما يقارب 800 ألف كوردي، وقد هُجّروا منها بالقوة.

  10. المادة 16.

  11. حُكم عليه بالإعدام لترؤسه جمعية تعالي كوردستان عام 1925.

  12. تدخلت فرنسا في بلاد الشام لحماية الأقلية المسيحية المارونية منذ عام 1860، كما نذرت إنجلترا نفسها لحماية اليهود منذ عام 1850، وروسيا لحماية الأرمن منذ عام 1854، أما الكورد فلم تكن أيٌّ من الدول الاستعمارية على استعداد للذود عنهم أو الدفاع عنهم إلا في أعقاب حرب الكويت عام 1991، وذلك من أجل إضعاف سلطة صدام حسين أو تقسيم العراق! والسبب الحقيقي هو مصالحهم أولاً.

  13. أصبح سمكو آغا الشكاك ملكاً على المناطق الكوردية الواقعة غرب بحيرة أورمية، وضمّت مدن مهاباد ومامكو وخوي وقوتور وديلمان وسقز وسردشت وبانه وبوتان، كما طلب سمكو آغا الشكاك من سائر الأقاليم الكوردية في الدول المجاورة إعلان الاستقلال عن دولها.

  14. وصف إنجليزي.

  15. أرارات: جبل في جمهورية أرمينيا.

  16. يعدّ ساسة بريطانيا دور «غلوب باشا» في خدمة مصالحها خلال الحرب العربية الإسرائيلية 1948 مضاهياً لدور لورنس في الحرب العالمية الأولى.


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن (هذا الجزء)

→ الجزء السابع