الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
مقدمة
إن ثورة 14 تموز 1958 كانت ثمرة نضال مرير خاضه شعب العراق، بعربه وكورده وأقلياته، من أجل الحرية والكرامة والتخلص من التبعية للأجنبي. ولم تكن بالطبع وليدة ساعتها، وإنما سبق أن تم لها التخطيط والإعداد قبل اندلاعها بفترة طويلة. وكانت حقاً ثورة شعب العراق وجيشه معاً، حظيت بتأييد جماهيري واسع قلّ نظيره في التاريخ، وقد وفّر هذا التأييد الشعبي الواسع للجيش ولقادة الثورة سوراً حصيناً ضد كل من كانت تسوّل له نفسه التصدي للثورة أو النيل منها في أيامها الأولى، والتآمر عليها فيما بعد. كما أن نجاحها بتلك السرعة، وانعدام أي مقاومة تذكر، دليل آخر على أصالة الثورة وعلى الهوة السحيقة التي كانت تفصل بين النظام الملكي والشعب والجيش العراقي.
لقد فتحت ثورة 14 تموز 1958 آفاقاً رحبة أمام شعب العراق، ووضعت أساساً سليماً لتآخي القوميتين الرئيستين في العراق، العربية والكوردية، والأقليات القومية والدينية فيه، وخطت خطوات وطنية مهمة في المجالين الداخلي والخارجي.
أما فيما يتعلق بالقضية الكوردية، فإن قيادة ثورة 14 تموز 1958 أولتها اهتماماً كبيراً، ويظهر ذلك جلياً من خلال المبادئ التي وضعها الضباط الأحرار لتحركهم أثناء فترة الإعداد للثورة. وتجسد ذلك الاهتمام بعد نجاح الثورة في المادة الثالثة من الدستور الجديد، التي نصت على أن «العرب والكورد شركاء في الوطن العراقي»، وكان ذلك بتأثير جبهة الاتحاد الوطني وتعاونها، وخاصة الأستاذين كامل الجادرجي وحسين جميل اللذين ترأسا لجنة صياغة الدستور الجديد بعد الثورة.
إن أهمية هذا الاعتراف بالشعب الكوردي تتمثل في كونه جاء عن إيمان وقناعة، لا بفعل ضغط أو تهديد؛ فقد جاء نتيجة إدراك قيادة الثورة من الضباط الأحرار والأحزاب الوطنية العراقية لأهمية القضية الكوردية في وطننا الحبيب، وثقلها الكبير والمؤثر في العراق والمنطقة. وبهذه الخطوة كسبت ثورة 14 تموز 1958 لنفسها حب جميع أبناء الأمة الكوردية وتقديرهم وتأييدهم، فتحولوا إلى سند وجيش مستعد للتفاني في سبيلها. وعندما يُذكر أن الإقرار بالشراكة وبالحقوق القومية الكوردية جاء عن قناعة لا بتأثير الضغط، فإنما يُقصد أن الطرفين، أي الحكومة والشعب الكوردي، لم يكونا في حالة قتال حتى يفرض أحدهما شروطه على الآخر، بل اتفقا إدراكاً منهما لأهمية الأخوة العربية الكوردية في صرح العراق الجديد.
وبحسب تجربة الأستاذ مسعود البارزاني وقناعته، فإن العلاقة التي لا تُبنى على أساس من الثقة لا يمكن لها أن تستمر وتتطور، بل لا بد أن تصطدم بجدار صلد من المشاكل لا يمكن تجاوزه. فالثقة هي أساس بناء العلاقة بين الشعب والحكومة، مثلما هي الأساس في تكوين العلاقات الشخصية على صعيد الأفراد أيضاً. وكان الأساس بين الشعب الكوردي وحكومة ثورة 14 تموز في عهدها الأول هو الثقة، لكنها ما لبثت أن تلاشت بعدما انحرف الجميع عن مسيرة الثورة، وليس عبد الكريم قاسم وحده الذي انحرف، كما يدّعي البعض ممن يلقون عليه تبعات أعمالهم وتصرفاتهم الخاطئة إجحافاً.
إذن فالفرق بين ما حصل عليه الشعب الكوردي في ثورة 14 تموز 1958 وما حصل عليه في 11 آذار 1970 هو أن الشعب الكوردي لم يكن ثائراً ضد الحكم في الأولى، وكان الملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي، ولم يكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني آنذاك النفوذ الواسع الذي يمكنه أن يهدد به قيادة ثورة 14 تموز لانتزاع الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي، أياً كانت الصيغة التي يتم بها الاعتراف. أما في 11 آذار 1970 فقد اضطر حزب البعث إلى الاعتراف بالحكم الذاتي للشعب الكوردي في كوردستان تحت ضغط ثورة 11 أيلول 1961 وتعاظم نفوذها بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وزعامة الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني؛ فقد كانت معظم مناطق كوردستان محررة وخارجة عن سلطة الحكومة المركزية، ولم يكن بمقدور حزب البعث، الذي كان مهدداً بالسقوط وفقدان السلطة عام 1970، إلا أن يعترف بالأمر الواقع ويرضخ للحق مجبراً لا مقتنعاً بحقوق الشعب الكوردي، باستثناء عدد قليل من قادته من أمثال عبد الخالق السامرائي. بل أرادت قيادة حزب البعث كسب الوقت لتثبيت وضعها، ثم الانقلاب على ما اتفقت عليه في بيان 11 آذار 1970 مع قيادة الثورة الكوردية، وهذا ما حصل بالضبط.
ورغم أن قيادة ثورة 14 تموز 1958 لم تترجم المادة الثالثة من الدستور إلى عمل، ولم تخطط لنفسها برنامجاً واضحاً لمنح الشعب الكوردي حقوقه، فإن الثقة التي تكونت بين الطرفين في الفترة الأولى غطت على كثير من جوانب النقص القائمة في العلاقة.
أما اتفاقية 11 آذار 1970 فقد نصت على برنامج واضح وشامل، يُعد بحق إنجازاً تاريخياً عظيماً يحق للشعب الكوردي وللحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي قاد ثورة 11 أيلول 1961، أن يعتزا به إلى الأبد، لو كانت الحكومة وحزب البعث صادقين في نواياهما بخصوص تطبيق جميع البنود التي اتُّفق عليها في 11 آذار 1970. لكن ما يجب قوله هو أنها كانت تفتقر إلى عنصر الثقة المتبادلة المطلوبة؛ لذلك نرى أن أي حادث، مهما كان صغيراً، يقع هنا أو هناك كان يُفسَّر بسوء نية من طرفي الاتفاق بسبب فقدان الثقة بينهما. ويرى الأستاذ مسعود البارزاني أن علينا نحن الكورد أن نستخلص العبرة من التجربتين السابقتين: تجربة 14 تموز 1958 وتجربة 11 آذار 1970.
ويقول الأستاذ مسعود البارزاني في كتابه «البارزاني والحركة التحررية الكوردية»:
إنني أسمح لنفسي أن أبدي ملاحظاتي، وأستميح كل مناضلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والشعب الكوردي الذين مارسوا أدوارهم في تلك الفترات عذراً، لأقول بصراحة إنه كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبد الكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين، وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعبد الكريم قاسم. فمهما يقال عن هذا الرجل، الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب ألا ننساه نحن الكورد أبداً. لا شك أنه كان منحازاً إلى طبقة الفقراء والكادحين، وكان يكنّ كل الحب والتقدير للشعب الكوردي، وكان وطنياً يحب العراق والعراقيين، وكان التعامل والتفاهم معه ممكناً لو أُحسن التقدير وقُدّمت له المشورة الصادقة.
يُتهم عبد الكريم قاسم بالانحراف والدكتاتورية، لكنني أتساءل: هل من الإنصاف تجاوز الحق والحقيقة؟ لقد قاد الزعيم عبد الكريم قاسم ثورة عملاقة غيّرت موازين القوى في الشرق الأوسط، وألهبت جماهير المنطقة التواقة إلى الحرية والاستقلال، وشكّل أول وزارة في العهد الجمهوري من قادة أحزاب جبهة الاتحاد الوطني المعارضة للنظام الملكي وممثليها، ومارست الأحزاب نشاطاتها بكل حرية. ولكن لنكن منصفين ولنسأل أيضاً: من الذي انقلب على من؟
إن بعض الأحزاب سرعان ما عملت من أجل المصالح الحزبية الضيقة على حساب الآخرين، وبدلاً من أن تحافظ أحزاب الجبهة الوطنية على تماسكها الذي كان كفيلاً بمنع عبد الكريم قاسم من كل انحراف، راحت تتصارع فيما بينها، وراح بعضها يحاول السيطرة على الحكم وتنحية عبد الكريم قاسم، ناسية أولويات مهامها الوطنية الكبرى.
إنني أعتبر أن الأحزاب تتحمل مسؤولية أكبر من مسؤولية عبد الكريم قاسم فيما حصل من انحراف في مسيرة ثورة 14 تموز 1958، لأن الأحزاب لو حافظت على تماسكها وكرّست جهودها من أجل العراق، كل العراق، ووحدته الوطنية الصادقة، لما كان بإمكان عبد الكريم قاسم أو غيره الانحراف عن مبادئ الثورة.
إن عبد الكريم قاسم قد انتقل إلى العالم الآخر، ويكفيه شرفاً أن أعداءه الذين قتلوه بتلك الصيغة الغادرة فشلوا في العثور على مستمسك واحد يدينه بالعمالة أو الفساد أو الخيانة، واضطروا إلى أن يشهدوا له بالنزاهة والوطنية، رحمه الله.
لم أكره عبد الكريم قاسم أبداً، حتى عندما كان يرسل أسراب طائراته لتقصفنا في المناطق الكوردية وبارزان، إذ كنت أمتلك قناعة بأنه قدّم الكثير لنا، كشعب كوردي وكأسرة بارزانية، وأنه لا يتحمل وحده مسؤولية ما آلت إليه الأمور. وما زلت أعتقد أنه أفضل من حكم العراق حتى الآن.
إن صراع الأحزاب وانقسامها على نفسها فتحا الطريق أمام الانتهازيين والشوفينيين للالتفاف حول عبد الكريم قاسم وعزله عن القوى المخلصة، وهذا ما كان يجب على القوى والأحزاب الوطنية المخلصة ألا تسمح بحدوثه على الإطلاق. وهذا الصراع هو الذي مهّد السبيل أمام كل انحراف حدث، وأمام ضياع القيم، وبالتالي قيام انقلاب 8 شباط 1963 الأسود وما تلاه من انقلابات سوداء أخرى، حتى غدا العراقيون ينسون مساوئ الحكام السابقين بسبب الجرائم التي ارتُكبت بحقهم منذ انقلاب 8 شباط 1963، وبالأخص بعد انقلاب 17 تموز 1968 وحتى اليوم (2000)، سواء الجرائم التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب العراقي أو بحق السيادة الوطنية.
إن جميع الذين أعدمهم نوري السعيد وعبد الكريم قاسم طيلة فترة حكميهما لا يساوون نصف عدد من أُعدموا في يوم واحد من أيام حكم النظام البعثي السابق. حتى قادة حزب البعث لم ينجوا من التصفيات الجماعية، كما حدث في مجزرة عام 1979 التي راح ضحيتها خيرة مناضلي حزب البعث العقائديين، وعلى رأسهم المناضل الشريف عبد الخالق السامرائي.
لقد ذاق شعب العراق ما يكفيه من العذاب، ولم يرَ في حياته الحرية والاستقلال الحقيقيين؛ فقد رأى نفسه على طول التاريخ إما تحت حكم والٍ تركي، أو حاكم بريطاني، أو حكم فئة قليلة قفزت إلى الحكم عن طريق انقلاب عسكري دموي. فالشعب العراقي لم ينتخب برلمانه بحرية على الإطلاق، ولم يبايع ملكاً بمحض إرادته، ولم ينتخب رئيس جمهوريته بحريته ولا مرة واحدة. إنه شعب مسلوب الحرية، يحكمون باسمه، ويقتلون باسمه، ويدمرون باسمه، ويشنون الحروب باسمه، ويساومون على سيادته واستقلاله، وفي كل هذا لا يحق له إبداء رأيه على الإطلاق. كل هذا حدث في عهد حكم العراق فيه حزب ادعى أنه «حامل راية الوحدة والحرية والاشتراكية»، واتهم أسلافه بالعمالة والخيانة والدكتاتورية، وهو حزب البعث العربي الاشتراكي.
بقي أخيراً أن أشير إلى أن كتابة التاريخ أمانة يجب الالتزام بها على من يقرر الخوض فيها. ولا اعتراض على إبداء رأي أو تعليق على حدث لا يتفق مع قناعة الكاتب، إلا أن تشويه الحقائق والتاريخ عمل يُعد خيانة بحد ذاته.
صدر في السنوات الأخيرة عدد من الكتب في العراق، واضح جداً أن أجهزة الأمن والمخابرات العراقية أملت على مؤلفيها كثيراً من المواضيع، حتى إن بعض كبار ضباط الأمن والمخابرات ألّفوا كتباً بأقلامهم اللئيمة لتشويه تاريخ العراق وقواه الوطنية. ويبدو أن جزءاً مهماً من غاية هؤلاء الحاقدين هو تشويه تاريخ حركة التحرر الكوردية وقادتها العظام، وإظهار الشعب الكوردي بأنه مرتبط بالأجنبي وأن ثوراته ليست إلا بأمر الاستعمار، ناسين أو متناسين أن الاستعمار هو الذي حرم الشعب الكوردي من حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وفي تقرير المصير، وأنه هو نفسه الاستعمار الذي أسس لهؤلاء الشوفينيين الدول التي يتحكمون فيها برقاب شعوبهم.
إنهم يعدّون مراسلة الملا مصطفى البارزاني للمسؤولين البريطانيين عمالة وارتباطاً مشبوهاً. ورغم أني لا أريد مناقشة ما كتبه وما سيكتبه بعض الذين أعماهم التعصب والاستعلاء القومي، لأنني واثق من أن نضال الشعب الكوردي وتضحيات قادته أرفع من أن تنال منها تلك الأقلام الخبيثة، فإن الحقيقة التي يتغافل عنها هؤلاء الحاقدون هي أن البريطانيين، عندما راسلهم الملا مصطفى البارزاني، كانوا هم الحكام الفعليين للعراق؛ إذ ما الفائدة من توجيه الرسائل إلى وزير أو إلى رئيس الوزراء أو إلى الملك، ولا أحد منهم يملك سلطة اتخاذ القرار دون موافقة السفير البريطاني؟ إن مراسلة البريطانيين مباشرة كانت أمراً طبيعياً جداً وتوفيراً للوقت.
ثم إن هناك سؤالاً آخر نطرحه على هؤلاء الحاقدين الشوفينيين: ماذا كان يفعل أسلافهم عندما كانت الطائرات البريطانية تقصف بارزان والسليمانية وتنكّل بنساء كوردستان وأطفالها؟ وأين كانوا أثناء قيام ثورة العشرين العظمى؟
لا شك أن هؤلاء الحاقدين من سلالة أولئك الذين كانوا خدماً أذلاء للمسؤولين والضباط البريطانيين الذين أخمدوا ثورة شعب كوردستان وثورة العشرين. ومن الأفضل لهؤلاء الشوفينيين أن يقرؤوا التاريخ جيداً، ويراجعوا ملفات وزارة الخارجية والمخابرات البريطانية، ويتقصوا حقائق علاقات «لورانس باشا» بأسلافهم، ليتبين لهم من الذين تحدوا الاستعمار البريطاني ورفضوا سلطته، ومن الذين خدموه ووالوه ولاءً مطلقاً على حساب الشرف والمبادئ والوطنية.
إن أكثر ما أخشاه هو أن يخرج الجيل الكوردي الناشئ عن المألوف ويتهم زعماءه الأوائل بأنهم لم يبدوا «المرونة الكافية» مع بريطانيا المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى، ولم يقدّروا الظروف حق قدرها، وإلا «لكانت كوردستان دولة مستقلة ذات سيادة» أسوة بباقي شعوب المنطقة.
لقد حاولت أن أسلط الضوء على فترة حساسة ومهمة جداً من حياة الشعب الكوردي، والحزب الديمقراطي الكوردستاني بصورة خاصة، وهي فترة (1958–1961)، وحاولت نشر ما توفر من الوثائق المتعلقة بتلك الفترة، وسعيت إلى إبداء ما رأيته ضرورياً من ملاحظات، وإني شخصياً أتحمل مسؤوليتها، وأكون شاكراً لمن يقدم أية مساعدة لتوضيح أي غموض أو تصحيح أي خطأ.
كوردستان العراق في ظل العهد الملكي
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914–1918) انهارت الإمبراطورية العثمانية، وتقاسمت دول الحلفاء ممتلكاتها، وأعيد رسم خارطة المنطقة من جديد بصورة تخدم مصالح الاستعمار لا مصالح شعوب المنطقة، كما جرى بالنسبة للأمة العربية والأمة الكوردية. لكن الفرق بينهما هو أن عدداً من الدول تأسس في الوطن العربي، بينما لم تتأسس أية دولة في أي جزء من كوردستان، بل ألحق الاستعمار كل جزء منها بدولة من دول المنطقة بالضد من إرادة شعب كوردستان.
وهذا التقسيم غير العادل الذي جرى لكوردستان للمرة الثانية بعد الحرب العالمية الأولى كان سبباً لعذابات شعب كوردستان ولمشاكل المنطقة ونزاعاتها، وسيبقى كذلك ما لم يتم التوصل إلى حل عادل للقضية الكوردية.
وكان العراق من بين الكيانات الهزيلة التي صنعها الاستعمار البريطاني، ونصّب على شعبه حكومة اختار لها عناصر مرتبطة به فكراً وروحاً، وفي مقدمتهم نوري السعيد باشا، ذو الأصل الكوردي، الذي كثيراً ما وُصف العهد الملكي بأنه عهده. كما استورد البريطانيون الأمير فيصل بن الحسين، شريف مكة، ونصّبوه ملكاً على العراق، وكان هذا الإجراء بحد ذاته إهانة للشعب العراقي.
وبعد سيطرة القوات البريطانية على معظم أراضي العراق وانتزاعها من القوات التركية، راح الموظفون السياسيون البريطانيون يهيئون الأسباب والوسائل لتأسيس دولة العراق، وعندما تقرر استفتاء الشعب في شكل الحكم الذي يرغب فيه قاطعته الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب الكوردي.
ولم تنتهِ المشاكل بين بريطانيا وتركيا بانتهاء الحرب، بل ظهرت مشكلة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية مشكلةً جديدة يصعب حلها، إلى أن اتفق الطرفان على إحالتها إلى عصبة الأمم، التي قررت في 30/9/1924 تعيين لجنة دولية لدرس مشكلة ولاية الموصل وتقديم التوصيات إلى العصبة لإصدار قرارها. فوصلت اللجنة إلى بغداد في 16/1/1925، وقامت بجولة في منطقة كوردستان للوقوف على آراء أبنائها، وعند إجراء الاستفتاء أعرب الكورد عن رغبتهم في الاستقلال، إلا أن بريطانيا وقفت ضد رغبتهم لتعارضها مع مصالح الاستعمار، وجرى إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق مع إعطاء ضمانات أكيدة للكورد بتمتعهم بحقوقهم الإدارية والثقافية. ولا بد من الإشارة إلى أن الكورد من جانبهم يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية عن عدم نيلهم الاستقلال، بسبب سوء تقديرهم لظروفهم الذاتية وللظروف الدولية.
ويعترف إدموندز، المستشار السياسي البريطاني في وزارة الداخلية، في رسالته إلى السير هنري دوبس، المندوب السامي البريطاني في العراق، بأن الأكراد أنقذوا كيان العراق، فيقول:
«إن زيارة اللجنة أعطت زخماً شديداً للشعور الوطني الكوردي الذي جرف في طريقه عدداً كبيراً من المستائين الذين كان أكثرنا تفاؤلاً يتوقع وقوفهم إلى جانب تركيا، فإذا بهذا الشعور يدفعهم إلى المعسكر المعادي للترك. إن الاستجوابات الطويلة كادت كلها، وعلى حد سواء، تكون ذات اتجاه قومي غلّاب، لكنها لم تتخذ طابع الانفصال بصورة عامة. وإن كورد السليمانية وجهوا ما يمكن وصفه بالضربة القاصمة في المعركة الدائرة للمحافظة على كيان العراق، وإنهم لعلى إدراك تام بما فعلوا. أترى ستفتح الحكومة العراقية عينيها بهذه المناسبة، وتتبنى سياسة كريمة بعيدة النظر إزاء الكورد؟
إن تقرير لجنة العصبة جاء مؤيداً لأماني الكورد. وبعد أن أنقذوا العراق في لحظة من أخطر اللحظات التي مرت به، باتخاذ قرار تصديق المعاهدة الأنجلو-عراقية في تلك الليلة التاريخية 10/6/1925، عادوا لينقذوا البلاد من تجزئة قاتلة بوقفتهم الخالدة في السليمانية اليوم.
إن قادة الرأي العام الكوردي يحق لهم أن يختالوا على الملأ ويفخروا بأنفسهم على دولة أبوا أن يكونوا لها مواطنين أذلة».
ونصت توصيات لجنة عصبة الأمم على ضم المنطقة الواقعة جنوب «خط بروكسل» كلها إلى العراق، على أن يُراعى الشرطان التاليان:
- أن يبقى العراق تحت الانتداب البريطاني مدة خمسة وعشرين عاماً.
- أن تُراعى حقوق الكورد، وتكون اللغة الكوردية اللغة الرسمية في المنطقة الكوردية.
وإلا فقد يكون أكثر نفعاً أن تبقى المنطقة تحت السيادة التركية.
الدستور العراقي لعام 1925
لقد وُضع مشروع هذا الدستور في لندن، وشرّعه مجلس تأسيسي عراقي دون أي تعديل، وقد وُضع بشكل لا يتعارض مع أحكام معاهدة عام 1922 التي تربط العراق ببريطانيا، ولا يمس مصالح الطبقة الحاكمة.
إن القانون الأساسي، وإن كان ينص على بعض المظاهر الديمقراطية في نظام الحكم، لم يمكّن الشعب العراقي من ممارسة حرياته الديمقراطية، كما أن الشعب الكوردي لم يُعامل على أساس كونه يشكل القومية الثانية في العراق بعد القومية العربية، ولم يُراعَ في الدستور إدخال أي نص يتعلق بحقوق الكورد القومية.
أما النواب فكانوا يُفرضون من قبل بريطانيا والبلاط، ولم يدخل المجلس منذ تأسيسه وحتى ثورة 14 تموز 1958 أي نائب عن الفلاحين والعمال الذين يشكلون الأكثرية الساحقة من شعب العراق، إذ كان المجلس حكراً على أتباع النظام من الإقطاعيين والأثرياء.
لقد عبّر الشعب العراقي عن امتعاضه من الوضع السياسي في مناسبات عديدة، وعبّر عن شجبه له من خلال المظاهرات والانتفاضات، كما حدث في وثبة كانون الثاني 1948 وانتفاضة تشرين 1952.
إن بريطانيا كانت الحاكم الفعلي للعراق، سواء أثناء فترة الانتداب أو بعدها، وقد تشكلت في العهد الملكي تسع وخمسون وزارة منذ 25/10/1920 حتى ثورة تموز 1958، كما تألف ستة عشر مجلساً نيابياً، وأُعلنت الأحكام العرفية ست عشرة مرة أيضاً. وتحت ستار محاربة الشيوعية دأب النظام الملكي على محاربة القوى السياسية المعارضة، حيث صدر في 22/8/1954 مرسوم بإسقاط الجنسية العراقية عن كل من تتهمه السلطات المختصة بالشيوعية.
أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع