الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
2. سياسات الحكم العراقي ومطالب الشعب الكوردي والثورة الكوردية في 11 أيلول 1961
كان المطلب الرئيس الذي تقدم به الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى حكومة عبد الكريم قاسم يتلخص في إجراء تعديل تشريعي على المادة الثانية من الدستور العراقي المؤقت، إذ اعتبرت هذه المادة العراق جزءاً من الأمة العربية. وهذا يعني، دون لف أو دوران، أن العراق جزء من الوطن العربي، وأن الشعب في العراق جزء من الأمة العربية. فماذا يعني ذلك بالنسبة للشعب الكوردي؟ كان يعني بالتحديد أنه ليس هناك شعب كوردي له حقوقه القومية العادلة ويُعد جزءاً من الأمة الكوردية، وأنه ليس هناك إقليم في العراق الحديث يسمى كوردستان يُعد جزءاً من كوردستان الكبرى الموزعة على دول المنطقة. ومثل هذا الادعاء مخالف للحقيقة والواقع والتاريخ، وتجاوز على حقوق الشعب الكوردي المتآخي مع الشعب العربي والقوميات الأخرى في العراق. وقد رفضت حكومة عبد الكريم قاسم الإقرار بهذا المطلب، ووجدت الدعم والتأييد من جانب الأحزاب والقوى القومية، وخاصة في القوات المسلحة، ومن مجموعات غير قليلة من القوى المحافظة.
سمح عبد الكريم قاسم لنفسه بالدخول في عدة معارك على عدة جبهات دفعة واحدة، ولكنه سعى في الوقت نفسه إلى الاعتماد على بعض خصومه لمحاربة آخرين يعدّهم خصوماً له. ففي معركته ضد الشعب الكوردي وقوات البيشمركة اعتمد على القوميين في الجيش والشرطة وفي الإعلام والصحافة، وهم من أقوى المعادين له ولسياساته، في حين أبعد الشيوعيين عن هذه المجالات، وشنّ في الوقت نفسه حملة ضدهم باعتبارهم حلفاء للكورد، ونسي أنهم حلفاء له أيضاً. وكان عبد الكريم قاسم حينذاك يخوض معركة أخرى ضد شركات النفط الاحتكارية التي كانت تسعى إلى تأليب الرأي العام ضده، وكانت هذه المعركة الوطنية بالذات تحتاج إلى وحدة الصف الوطني وتأييد الشعب الكامل له. يضاف إلى ذلك إثارته موضوع الكويت باعتبارها قضاءً من أقضية محافظة البصرة، فأثار ضده حكام دول منطقة الخليج وشعوبها والحكومة البريطانية والكثير من الدول العربية وإيران. ويبدو أن عبد الكريم قاسم كان قد أرخى الحبل كله للقوميين في أجهزة الإعلام وجريدة «الثورة»، التي كانت تنطق عملياً باسمه حينذاك، لشن هجوم فكري وسياسي ضد القيادة الكوردية وضد حقوق الشعب الكوردي، بمضامين شوفينية وعنصرية بعيدة كل البعد عن مضمون الدستور المؤقت، الذي نص في مادته الثالثة على أن المواطنين من العرب والكورد شركاء في هذا الوطن. وكان لهذا تأثيره السلبي في حركة الشعب الكوردي ومواقفه، لا بسبب اعترافه بحقوق المواطنة للكورد كبقية المواطنين، إذ كان هذا الأمر إيجابياً وسليماً من حيث التشريع، بل بسبب إنكاره كون الكورد يشكلون شعباً له حقوقه المشروعة والعادلة التي ظل يناضل في سبيلها طويلاً.
بدأت الصحافة العراقية، وخاصة جريدة «الثورة»، بنشر سلسلة مقالات ذات مضمون شوفيني وعدواني ضد القوى القومية الكوردية وضد الشعب الكوردي، في محاولة لإنكار وجود أمة كوردية وشعب كوردي في العراق، وفي تراجع فكري واضح حتى عن كل ما ورد في الدستور المؤقت بهذا الصدد. وكانت هذه المقالات تُكتب من قبل قوى قومية شوفينية معادية للشعب الكوردي، ولكنها كانت تعبّر في الوقت نفسه، شاء عبد الكريم قاسم أم أبى، عن موقفه من القضية الكوردية ومن حقوق الشعب الكوردي. وعندما بدأ أحد أبرز قياديي الحزب الديمقراطي الكوردستاني حينذاك، الأستاذ إبراهيم أحمد، بشرح موقف الكورد من نصوص الدستور المؤقت، وتأكيد حقيقة أن العراق ليس كله جزءاً من الأمة العربية أو من الوطن العربي، وأن هناك أمة كوردية وشعباً كوردياً في العراق، شعر عبد الكريم قاسم بالاستفزاز، واعتبر الأمر موجهاً ضده، وأوعز بتشديد الحملة ضد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقادته بشكل خاص، فاشتدت حملة العداء للحزب في الصحف المحلية الناطقة باسم الحكومة، وخاصة جريدة «الثورة». ثم قرر الحاكم العسكري تقديم الأستاذ «إبراهيم أحمد إلى التحقيق والمحاكمة بتهمة ملفقة وفق المادة (31) من قانون تعديل ذيل قانون تعديل قانون العقوبات والمادة (13) من مرسوم الإدارة العرفية ومرسوم المطبوعات». ولم يكن هذا الإجراء خاطئاً فحسب، بل كان استفزازاً مباشراً لكل الشعب الكوردي، وتحدياً للملا مصطفى البارزاني، ورفضاً للحقوق القومية، وتجاوزاً على صحة الأفكار التي وردت في مقالات الأستاذ الراحل إبراهيم أحمد. كما أنه أسقط في أيدي الذين كانوا يسعون إلى التوسط لمعالجة المشكلة سلمياً عبر الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق آليات ديمقراطية سليمة.
وتسبب هذا الخلاف في قيام أجهزة الدولة، وخاصة الجيش، وفق تعليمات من عبد الكريم قاسم وبتأييد واسع من القوى القومية في العراق ومن الرجعية في إقليم كوردستان، باستخدام القوى الإقطاعية المتضررة من قانون الإصلاح الزراعي، التي كانت تقف تقليدياً مع الحكومات الرجعية المتعاقبة في العهد الملكي، من خلال تسليحها ومدّها بالأموال وزجّها في عمليات اعتداء على قرى بارزان والحزب الديمقراطي الكوردستاني. كما بدأ عبد الكريم قاسم باعتقال مجموعة من قياديي الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ورغم الخلاف الذي كان قائماً داخل قيادة الحزب بشأن الوضع في العراق حينذاك، وشكل المعارضة السياسية التي يُفترض ممارستها لمواجهة سياسات عبد الكريم قاسم إزاء المسألة الكوردية والحياة الديمقراطية، وإزاء توقيت طرح المطالب الكوردية، وخاصة بين القيادة التقليدية والتاريخية للحزب برئاسة الملا مصطفى البارزاني ومجموعة من المثقفين في قيادة الحزب برئاسة إبراهيم أحمد، فإن القيادة اتحدت في مواجهة سياسة عبد الكريم قاسم العنيفة ضد قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأعضائه ومؤيديه. ولا شك في أن هذا الاختلاف لم يكن شكلياً ولا مصطنعاً، بل استند إلى تقدير ميزان القوى والعواقب المحتملة في أعقاب نشوب القتال، إذ كانت الخشية من أن يتردى الوضع أكثر فأكثر، ويقود إلى انهيار ثورة 14 تموز 1958، ويحمّل الشعب العراقي خسائر فادحة تتمثل في ضياع المكاسب المهمة التي تحققت له عبر هذه الثورة، رغم النواقص الكبيرة التي برزت في مسيرتها بسبب مواقف قادة الثورة العسكريين وسياساتهم وصراعاتهم حول السلطة ووجهتها. وهذا ما حدث فعلاً.
ونرى أن سياسة عبد الكريم قاسم الفردية والاستبدادية، وأوضاع كوردستان المعيشية والحياتية المتردية، والخشية من فقدان المكاسب التي تحققت حتى ذلك الحين، نشّطت رفع تلك المطالب الكوردية وعجّلت به، وهي مطالب عادلة بطبيعة الحال، ولكنها قادت في ظل تلك الظروف المعقدة على مختلف المستويات إلى طريق مسدود، طريق الصدام المسلح. لقد أصبحت تلك الأحداث جزءاً من التاريخ، ويتطلب منا التعامل معها على أسس واقعية وفق الفترة الزمنية التي حصلت فيها؛ إذ يبدو للمتتبع أن الخلاف الذي وقع بين أطراف القيادة الكوردية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن مجرد رغبة عبثية في النقد، بقدر ما كان تبايناً في وجهات النظر بشأن مدى صواب طرح تلك المشكلات في حينها، وكان بالإمكان تأجيلها إلى فترة لاحقة، رغم عدالة المطالب المطروحة من جانب القيادة الكوردية وصوابها، خاصة أن شركات النفط الاحتكارية كانت تطالب برأس عبد الكريم قاسم بسبب مواقفه الوطنية الجريئة منها ومن مصالحها في العراق. وهذا ما صرح به عبد الكريم قاسم نفسه في أحد اجتماعات مجلس الوزراء حين قال: إننا نصدر حكماً بالإعدام على أنفسنا بإصدارنا القرار رقم 80 لسنة 1961، وبتشكيلنا شركة النفط الوطنية، واستعادتنا للأراضي التي كانت تحت تصرف الشركات الأجنبية للتنقيب عن البترول فيها. وقد تحقق هذا فعلاً، إذ أطيح به بالتعاون الوثيق بين شركات النفط الاحتكارية والقوى الإقطاعية والرجعية في العراق في الثامن من شباط/فبراير 1963. وليس في هذا القول أي اتهام يمكن أن يوجَّه إلى الحركة الكوردية حينذاك، إذ إنها كانت تناضل في سبيل الحقوق المشروعة، بل هو يطرح أهمية العناية بالسياسات اليومية أو التكتيكات التي يُفترض أن تمارَس في مواجهة قضية معينة، إذ لا يمكن عزل هذه القضية أو تلك عن القضايا الأخرى المحيطة بها والمؤثرة فيها. ومع ذلك فما كان في مقدور الشعب الكوردي تجنب الصدام المسلح مع سياسة عبد الكريم قاسم وأساليب حكمه، بسبب سياساته الداخلية ومواقفه الاستبدادية، وكذلك بسبب تآمر القوى القومية العربية والإمبريالية العالمية والرجعية في العراق ضد حكومته. فسياسة عبد الكريم قاسم هي التي ساهمت بشكل خاص في إيصال الأوضاع في العراق إلى تلك النتيجة، التي استثمرتها القوى الخارجية، وعملت على تأمين القطار المناسب لنقل البعثيين إلى السلطة.
وفي حينها وقعت هنا وهناك في كوردستان بعض الأحداث المثيرة، ومنها مقتل أحد كبار الإقطاعيين المناوئين للحركة الكوردية والمؤيدين للحكومات العراقية المتعاقبة، ثأراً في نفوس المقاتلين من أتباع الملا مصطفى البارزاني، وهي أحداث اعتبرها عبد الكريم قاسم تحرشاً به واستفزازاً له وإثارة للمشكلات، فاتخذ إجراءات شديدة ضد قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد وأربيل لا تتناسب مع طبيعة الحدث. كما سلّح بعض العشائر الكوردية التي كانت تقف باستمرار، ومنذ العهد الملكي، إلى جانب السلطة المركزية في بغداد وضد حركة التحرر الوطني الكوردية، مما أثار الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ودفع الوطنيين وأصدقاء الحزب ومؤيديه في الجيش والشرطة إلى الالتحاق بكوردستان. وحاول عبد الكريم قاسم أن يكسب بعض الوجوه القيادية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى جانبه، ويثيرهم ضد رئيس الحزب الملا مصطفى البارزاني، إذ كانت هناك بعض المشاكل الخاصة بالعمل القيادي في إطار قيادة الحزب، ولكنه لم يفلح في المحصلة النهائية، إذ أدرك الجميع أن الضربة قادمة، ولا بد من مواجهة الوضع بقوى موحدة. فتلبدت الغيوم، وتراكمت الحوادث، وتجمعت قبل ذلك وبعده جملة من الظواهر الأخرى التي هزت عبد الكريم قاسم، بما فيها محاولة الانقلاب عليه بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل عام 1959، ثم محاولة اغتياله عام 1961، وتنامي نشاط الشيوعيين من جهة والقوى القومية المضادة لهم من جهة أخرى، ثم أحداث كركوك المؤلمة عام 1959، إضافة إلى التحرك الكوردي الجديد. وفي حينها نشرت جريدة الحزب الديمقراطي الكوردستاني المركزية «خه بات» مقالاً افتتاحياً انتقدت فيه اعتبار العراق جزءاً من الوطن العربي، فردّت على هذا المقال جريدة «الثورة» والصحف الحكومية بمقالات غاضبة ذات مضمون شوفيني، مستنكرة طلب الكورد العادل. وبهذا الصدد كتب السيد حبيب محمد كريم، الشخصية المعروفة والعضو القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني حينذاك، عما نشأ في أعقاب نشر هذين المقالين، مشيراً إلى بعض العوامل التي شددت الصراع وأفقدت لغة التفاهم السياسي، فقال: «وأعقب ذلك وقوع حادث آخر، وهو إقدام أربعة من البارزانيين العائدين من الاتحاد السوفيتي، ومن الحرس الخاص للملا مصطفى البارزاني، على قتل أحمد آغا الزيباري في مدينة الموصل انتقاماً من المومأ إليه لسبق قيامه بقتل آباء هؤلاء الأربعة وغيرهم من البارزانيين في العراق عندما كانوا في الاتحاد السوفيتي، وانزعاج عبد الكريم قاسم الشديد من هذه العملية، وتقديم الفاعلين إلى المحاكم، وإصدار أحكام طويلة بالأشغال الشاقة بحقهم، وقيام بعض منتسبي الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتحريرهم أثناء عملية نقلهم من قبل السلطات الحكومية من كركوك إلى سجن السليمانية».
وزاد من غضب عبد الكريم قاسم صدور مذكرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني الموقعة من مكتبه السياسي بتاريخ 30/6/1961، والموجهة إليه، مع صورة منها إلى رئاسة مجلس السيادة وإلى جميع الأحزاب والهيئات الوطنية. وتضمنت المذكرة 19 شكوى احتجاجية ضد تصرفات الحكومة وأجهزة الدولة إزاء الكورد والمنطقة الكوردية، وقدمت في المذكرة نفسها 11 مطلباً لتنفيذها من أجل إعادة العلاقات الطبيعية بين الحكومة والحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وانصبّت أبرز تلك الشكاوى على التجميد العملي للمادة الثالثة من الدستور المؤقت تجميداً كاملاً؛ ففي الوقت الذي تشير فيه تلك المادة إلى أن الجمهورية العراقية جمهورية العرب والكورد، يلاحَظ في الممارسة العملية إهمال مصالح الكورد وحقوقهم كلياً، ووقوع التمييز الفعلي لصالح العرب ضد الكورد في مختلف المجالات، بما فيها مجالات التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والكف عن التعليم باللغة الكوردية في المحافظات الكوردية، واضطهاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأعضائه، ومكافحة الصحافة الكوردية، وشن حملة على الكورد والإساءة إليهم، وإهانة الشعب الكوردي بوصف وثباته وانتفاضاته وثوراته التحررية الوطنية وكأنها من صنع الاستعمار، وممارسة سياسة «فرّق تسد»، إضافة إلى إجراءات اعتقال الكورد وحبسهم وتعذيبهم، وسكوت الحكومة على الاعتداءات والاغتيالات التي تعرض لها الكورد في كركوك وغيرها، وغير ذلك. وأخيراً طالبت المذكرة بسحب القوات الحكومية التي أرسلت إلى كوردستان إلى مقراتها الأصلية، والكف عن إجراء تحركات عسكرية في المنطقة الكوردية، وسحب رؤساء الإدارات والأمن والشرطة والمسؤولين الذين كان لهم دور بارز في الأحداث ضد الكورد، وإعادة الموظفين الكورد المبعدين إلى مواقعهم، وتطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت، وتطهير أجهزة الدولة من العناصر المعادية لروح ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وإطلاق الحريات الديمقراطية للشعب، وإنهاء فترة الانتقال، وإلغاء الأحكام العرفية، وتنفيذ مقررات مؤتمر المعلمين الكورد عام 1960 لتطوير الثقافة الكوردية، وجعل اللغة الكوردية رسمية في جميع الدوائر الرسمية في منطقة كوردستان، وإزالة آثار جميع سياسات التفرقة العنصرية المتبعة ضد الكورد، وإطلاق زراعة التبغ في كوردستان، وتعديل قانون ضريبة الدخل بما يرفع العبء الثقيل عن كاهل الفلاحين وفق القانون الجديد.
فأثارت هذه المذكرة حكومة عبد الكريم قاسم والقوى القومية اليمينية في الجيش، وقررت تنظيم الحملات العسكرية والجوية وشنها ضد القوى الكوردية المسلحة في كوردستان العراق، مما دفع قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى إعلان الثورة في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1961.
وأدى الوضع المتوتر، وغضب عبد الكريم قاسم من مواقف الملا مصطفى البارزاني، إلى إصداره الأوامر بتوجيه ضربات عسكرية لقوى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وخاصة في منطقة بارزان، إضافة إلى تحريك قوى كوردية مرتزقة (جحوش) مناهضة للبارزاني لشن حملات عسكرية لاستنزاف الكورد. واستُخدمت الطائرات في قصف القرى الكوردية وتدميرها، مما أدى إلى قتل الكثير من المواطنين الكورد الأبرياء.
وكتب السيد جلال الطالباني عن هذه الفترة يقول: «لقد أيدت هذه الحركة التحررية الديمقراطية للشعب الكوردي بقوة الجمهورية العراقية وساندتها ودافعت عنها عندما كانت تسير على المنهج الديمقراطي، ولكن عندما انحرفت القيادة العسكرية لثورة 14 تموز 1958 عن النهج الديمقراطي، واختارت الدكتاتورية أسلوباً للحكم، اصطدمت بالحركة التحررية الديمقراطية الكوردية، خاصة عندما مارست تلك القيادة سياسة قمع القوى التقدمية العربية والكوردية، وتنكرت لحقوق الشعب الكوردي الديمقراطية والقومية، مما أدى إلى اندلاع الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961 في كوردستان العراق».
لم يكن بدء القتال في كوردستان المسألة السلبية الوحيدة في سياسة عبد الكريم قاسم حينذاك، بل تميزت مجمل سياساته في الحقل الداخلي بالتدهور والنكوص عن مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية التي ناضلت من أجلها جماهير الشعب العراقي، وساندت في ضوء ذلك الثورة، وكانت العنصر الحاسم في حسم الانتفاضة العسكرية لصالح الشعب. فمن على منصة المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي تحدث سلام عادل، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، مشيراً إلى تدهور الأوضاع السياسية في العراق، قائلاً:
«أُحصي حتى الآن (269) شهيداً من الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين المخلصين، وقد اغتيلوا على أيدي العناصر الرجعية والإقطاعية وعصابات الإجرام التي تعمل بمعرفة الحكومة وبإشراف بعض أجهزتها البوليسية، أو نتيجة إطلاق النار على المظاهرات السلمية من جانب قوات القمع الحكومية. كما أصدرت المجالس العرفية أحكاماً بالموت على (106) من المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين، أُبدل قسم منها بالسجن المؤبد أو السجن عدة سنوات، وقد نُفذ حكم الإعدام بأربعة من الجنود الذين ساهموا في قمع مؤامرة عبد الوهاب الشواف في الموصل عام 1959. وطبقاً لإحصاء أولي لم يشمل جميع الأحكام، أصدرت المجالس العرفية ضد العناصر الديمقراطية والوطنية أحكاماً بالسجن تجاوزت (4 آلاف سنة)، بينها أحكام عديدة بالسجن المؤبد. وتعرضت المنظمات والنقابات العمالية وجمعيات الفلاحين والمواطنون عموماً إلى (7510) حوادث اعتداء، وقد اقترنت هذه الاعتداءات بتوقيف الآلاف من ضحاياها وإبعادهم، وباستثناء من قُتل نتيجة هذه الاعتداءات أصيب (1527) شخصاً بجروح، وهُجّرت (3424) عائلة من محلات سكناها، وأُحرقت أو نُهبت الكثير من دور الفلاحين وأكواخهم».
وإذا كان سلام عادل محقاً فيما طرحه وما أشار إليه من تجاوزات وضحايا في صفوف الشيوعيين والديمقراطيين، فإننا سنجد في الأدب السياسي القومي ما يماثل تلك الشكوى من وقوع التجاوزات على القوى القومية في العراق. ومن هنا تأتي أهمية أن نرى العملية من جانبيها؛ إذ لا بد من إعادة دراسة أحداث الموصل عام 1959 وكركوك وبغداد وغيرها بعين نقدية واعية وحريصة على فهم ما وقع حينذاك، لا من أجل إدانة هذا الحزب أو ذاك، ولا من أجل إصدار حكم قطعي بهذا الصدد، بل من أجل بناء ذهنية ديمقراطية نقدية عند المواطنة والمواطن في العراق، نظرة نقدية ديمقراطية إزاء الذات وإزاء الآخر؛ إذ بدون ذلك يصعب التعلم من دروس التاريخ، ويصعب تكريس المعايير والقيم الديمقراطية ذات الطبيعة العامة والشمولية في العراق، الذي تعرض على مدى قرون طويلة لسياسات استبدادية وقهرية.
وبسبب تلك الأوضاع تميزت الحالة الاقتصادية والمعيشية للجماهير بالتدهور؛ فاتسعت البطالة، وتعددت الإضرابات العمالية، وتنوعت الوفود العمالية والفلاحية المحتجة على تردي الأوضاع المعيشية والأمنية، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية للسكان وإيجارات دور السكن بنسب عالية، وارتفعت الضرائب، إذ كانت الدولة بحاجة إلى مزيد من الموارد لتغطية نفقاتها الحربية في كوردستان العراق. ويشير زكي خيري إلى أنه «من 19 إلى 22 آب 1962 أضربت مدينة السليمانية إضراباً عاماً احتجاجاً على الاعتداءات الوحشية التي تعرضت لها الجماهير في المدينة من جراء القمع العسكري… كما قدّم 2000 من أهالي الناصرية مذكرة مطالبين بوقف الإرهاب البوليسي في المدينة، وطالب 4800 مواطن في العمارة و21586 مواطناً من النجف بمعالجة المشاكل الاقتصادية ووقف الإرهاب، وكذلك تقدم 1004 من الكاظمية و2124 من الحلة و779 من السماوة بمذكرات مشابهة».
واستنزفت حرب عام 1961 ضد الشعب الكوردي وقيادته السياسية، التي تواصلت رغم نداءات الحزب الشيوعي وقوى ديمقراطية أخرى ودعواتها ومظاهراتها المطالبة بالسلام في كوردستان وبإيقاف العمليات الحربية، إمكانيات الحكم، وفجّرت بشدة أكبر الصراعات داخله وفي البلاد. وكانت الحصيلة تنامي الأجواء التآمرية، وسقوط الجمهورية الأولى تحت ضربات القوميين والبعثيين وحلفائهم من الإقطاعيين والكومبرادور المحلي، وكذلك الحكام العرب وغير العرب، إضافة إلى شركات النفط الاحتكارية في الخارج، في انقلاب 8 شباط/فبراير 1963 الدموي، الذي توجّه بالقتل والتنكيل ضد الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين وضد اليسار عموماً. وقد أيّد الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم، وتوقع أن يكون هناك موقف أفضل إزاء المسألة الكوردية، رغم معرفته الجيدة بمواقف القوى القومية العربية عموماً من المسألة الكوردية.
ولم يمضِ وقت طويل على وجود التحالف البعثي القومي في السلطة حتى بدأت الحرب التنكيلية بالشعب الكوردي في كوردستان العراق مجدداً، وشاركت بعض القوات السورية في القتال إلى جانب القوات العراقية ضد الشعب الكوردي. ففي حزيران/يونيو 1963 قامت قوات النظام والحرس القومي بدفن 260 مواطناً وهم أحياء في إحدى القرى الكوردية التابعة لمحافظة أربيل، دون أن يشعروا بالحرج من الرأي العام العراقي والعربي والدولي، علماً بأن المجتمع الدولي لم ينتبه إلى هذه المأساة الإنسانية في كوردستان بسبب الجرائم البشعة التي ارتكبها النظام في بغداد وفي بقية المدن العراقية في أعقاب انقلاب 8 شباط 1963 مباشرة، واستمرارها حتى سقوط النظام بانقلاب حليف البعث السابق عبد السلام عارف، ومعه القوى القومية الناصرية وغيرها، في 18 تشرين الثاني 1963. وفي آب/أغسطس 1963 أصدر قادة الحكم البعثي الأوامر إلى جلاوزة النظام والقوات المسلحة الموجودة في كوردستان العراق بجمع كافة سكان قريتي سوريان وده كان في قضاء زاخو في دهوك وإبادتهم جميعاً، دون تمييز بين الرجل والمرأة، أو الشيخ المسن والمريض والطفل، ثم دفنهم جماعياً. وخلال العام نفسه أمر أحد القادة العسكريين جنوده بحرق قرية فلاحية بكاملها تابعة لقضاء كويسنجق، فأتى الحريق على جميع سكان القرية. وقامت قوات البعث عام 1963 بجمع سكان قرية «سبارة» في قضاء حلبجة، وصوّبت نيران رشاشاتها إلى 25 مواطناً وأردتهم قتلى أمام أنظار ذويهم من النساء والأطفال والشيوخ. وأقدم النظام البعثي القومي خلال عام 1963، وقبل انتقال السلطة إلى أيدي القوميين وحدهم، على حرق ما يقارب نصف قرى كوردستان العراق وتشريد سكانها، وكان الهدف من ذلك بث الرعب في نفوس الفلاحين الكورد لكي يتركوا الريف والمناطق الحدودية الكوردية.
أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع