الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لقد أدرك الملا مصطفى البارزاني بسليقته الوطنية ما يضمره حزب البعث وسلطته للحركة التحررية الكوردية، ورأى ضرورة تعبئة أوسع للقوى الكوردية حول الثورة لمواجهة احتمالات تطور الأوضاع سلبياً، ولهذا دعا إلى عقد مؤتمر كويسنجق، الذي دام أربعة أيام بين 18 و22 آذار/مارس 1963، و«حضره ما يناهز الألفين من المواطنين، وضم مندوبين عن الحزب وقياديين من جيش الثورة (البيشمركة)، ومن الوطنيين والمثقفين ورؤساء العشائر المؤيدين للثورة الكوردية وممثلي الطوائف الدينية والقوميات الأخرى في كوردستان». وكان لهذا المؤتمر دوره البارز في تحقيق وحدة الصف الضرورية لمواجهة مؤامرات البعث لإجهاض الحركة التحررية الكوردية. ويشير السيد مسعود البارزاني في الجزء الثالث من كتابه الموسوم «البارزاني والحركة التحررية الكوردية» إلى اتخاذ جملة من القرارات، وإلى انتخاب وفد برئاسة جلال الطالباني حمل المشروع الكوردي إلى الحكومة العراقية الجديدة، وكان ذلك في آذار/مارس 1963. وانتهى الحوار مع الحكومة بالفشل، وبدأت قيادة الثورة الكوردية بالاستعداد لمواجهة تحركات الحكم البعثي.
تضمن المشروع الكوردي توزيعاً للصلاحيات بين مركز الدولة وإقليم كوردستان، منطلقاً من وجود قوميتين عربية وكوردية تتمتعان بحقوق متساوية تستند إلى حق تقرير المصير. ثم تضمن مبادئ حول الجهاز التشريعي للدولة، والجهاز القومي المختص بممارسة الشعب الكوردي لحقوقه القومية في الأمور التشريعية والتنفيذية والقضائية في منطقة كوردستان. أما الفقرة الثالثة فقد عالجت الصلاحيات التي ترتبط بالحكومة المركزية، مثل رئاسة الدولة، والشؤون الخارجية كالتمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وهيئة الأمم المتحدة، إضافة إلى الدفاع الوطني، والعملة وإصدار النقد، وشؤون النفط، والكمارك، والموانئ والمطارات الدولية، والبرق والبريد والهاتف، والسكك الحديد، والطرق العامة الرئيسة، وشؤون الجنسية، كما تتضمن شؤون الميزانية العامة للدولة، والإشراف على الإذاعة المركزية والتلفزيون المركزي، والطاقة الذرية.
أما الفقرة الرابعة فقد تضمنت ممارسة الشعب الكوردي لحقوقه المشروعة عبر مجلس تنفيذي ينبثق عن مجلس تشريعي ينتخب رئيس المجلس التنفيذي. وحُددت اختصاصات الجهاز القومي في كوردستان بما يلي: العدل، والداخلية، والتربية والتعليم، والصحة، والزراعة، والتبغ، والبلديات، والعمل والشؤون الاجتماعية، والإعمار والمصايف، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها. ثم حددت الفقرة الخامسة مالية الجهاز القومي الكوردستاني بالموارد المحلية والضرائب والرسوم التي تُجبى في كوردستان، إضافة إلى حصة كوردستان، حسب عدد السكان، من واردات النفط الخام والكمارك والمطارات والموانئ والمعارف والبنوك الحكومية والسكك والبرق والبريد والهاتف، وحصتها من المساعدات والمعونات والقروض التي يحصل عليها العراق، وغير ذلك.
أما الفقرة السادسة فقد أكدت أن منطقة كوردستان تشمل ألوية السليمانية وكركوك وأربيل، والأقضية والنواحي التي تسكنها أكثرية كوردية في لوائي الموصل وديالى. ثم تضمن المشروع مسائل أخرى مهمة، مثل أن يكون نائب رئيس الجمهورية كوردياً، وحقوق القوميات الأخرى في إقليم كوردستان، ومشاركة الإقليم في الحكومة المركزية والمجلس الوطني، وقضايا القبول في جامعة بغداد، وغيرها.
وقد رفض البعثيون هذا المشروع، ولم يخرجوا عن فكرة الإدارة اللامركزية، مما أدى إلى فشل المفاوضات بسبب إصرارهم على رفضه، ودفع البعثيون بالأمور إلى إشعال الحرب.
ففي العاشر من حزيران/يونيو 1963 بدأ القتال الفعلي بين قوات الثورة الكوردية والقوات الحكومية. ويشير السيد مسعود البارزاني إلى أن قوات الحكومة ألقت القبض على خمسة آلاف من الأهالي، اختير منهم ستة وثمانون ليُدفنوا أحياء، وسُوّي الأخدود الذي حفروه لهم بالتراب. وكانت جريمتهم أنهم رفضوا البصاق على صورة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني حين عُرضت عليهم وطُلب منهم إهانتها، ونُقل لنا أن أحدهم ردّ على هذا الطلب بقوله: «إن بصقتم أنتم على صورة رئيس جمهوريتكم، عند ذلك سيكون لكم مبرر لطلب مماثل منا». لقد واصل النظام البعثي القتال ضد الشعب الكوردي طيلة الفترة التي بقي فيها في الحكم، وسقط الكثير من الضحايا من قوات الثورة الكوردية، ولكنها حمّلت النظام البعثي خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.
وفي أعقاب سقوط حكم عبد الكريم قاسم، وتوجه البعث بالاعتقال والقتل الوحشي ضد الشيوعيين، وإصداره بيان إبادة الشيوعيين، التحق كثيرون منهم بإقليم كوردستان طالبين الأمن، وحصلوا على الحماية والدعم من جانب الملا مصطفى البارزاني. ويشير السيد مسعود البارزاني إلى أن «قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني كان يكنّ احتراماً وتقديراً عاليين لعزيز محمد، الذي مثّل الشيوعيين لدى الثورة في حينها». وكان عزيز محمد يعرف موقف الملا مصطفى البارزاني منه، وكان من جانبه يكنّ له كثيراً من الاحترام وكبير الإعجاب والتقدير.
ورغم وقوع انقلاب قومي ضد البعث في 18 تشرين الثاني 1963، فإن القتال تواصل ضد الثورة والثوار الكورد. وكانت مقاومة الشعب الكوردي وقيادة الحركة المسلحة متماسكة، والتأييد متسعاً، رغم المصاعب الكبيرة التي واجهت الشعب الكوردي في حياته ومعيشته اليومية، إذ كان الالتحاق بالحركة مستمراً، فقد التحق بها الشيوعيون العرب الهاربون من اضطهاد الحكم البعثي إلى كوردستان العراق، وكذلك الكثير من الكورد. وأُجبر عبد السلام عارف على خوض المفاوضات والتوصل إلى إيقاف القتال، بوعد بتحقيق جملة من المطالب التي طرحها الجانب الكوردي، وكان أبرز تلك المطالب وأهمها: «منح الكورد الحقوق القومية في إطار الجمهورية العراقية، وتثبيت هذا الحق في الدستور»، الذي ادعت الحكومة استجابتها له، إضافة إلى مجموعة من الالتزامات الأخرى التي أعلنتها الحكومة، منها: إطلاق سراح السجناء السياسيين، وإعلان العفو العام، وتعيين الإدارة المحلية في كوردستان، وإعادة الموظفين والمستخدمين إلى دوائرهم، وإعادة إعمار المناطق المهدمة في الشمال نتيجة الحرب، وغير ذلك.
ويلاحظ أن القوى القومية الحاكمة في بغداد حينذاك لم تجرؤ، بسبب ذهنيتها وأيديولوجيتها وسياساتها الشوفينية، على تسمية الإقليم بكوردستان العراق، بل واصلت الحديث عن «شمال العراق»، وهي إشكالية فعلية عند تلك القوى. وبالتالي كان على القوى الديمقراطية الكوردية أن تقدّر مسبقاً ما يمكن أن يحصل عند مجيء هذه القوى إلى السلطة. ولا شك في أن أوساطاً من القوى الديمقراطية الكوردية التي قادت الثورة الكوردية في الحادي عشر من أيلول 1961 كانت تدرك ذلك، وتعرف ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في حالة وصول مثل هذه القوى إلى السلطة. ويبدو أن الأحداث وحقائق الحياة فرضت نفسها أخيراً، وتدريجاً، على عدد غير قليل من الحركات القومية الأكثر وعياً، بضرورة معالجة هذه القضية بروح ديمقراطية واقعية، بعد كل المآسي التي مر بها الشعب العراقي عموماً والشعب الكوردي على وجه الخصوص.
ولم يجفّ حبر هذا الاتفاق حتى تنصلت منه الحكومة، إذ كانت تريد بالأساس استعادة أنفاسها وتعبئة قواتها لخوض معارك «حاسمة» ضد الشعب الكوردي، فبدأت المعارك مجدداً في ربيع عام 1965، واعتبرتها الحكومة مجرد «نزهة ربيعية»، ولكنها تحولت إلى كارثة جديدة، كبقية الحروب في كوردستان، على الشعب الكوردي بشكل خاص، وكلفت القوات العراقية خسائر كبيرة أيضاً. وكم هو مرعب بالنسبة للشعوب أن تكون ذاكرة حكامها المستبدين ضعيفة، تنسى بسرعة تجارب الآخرين الذين سبقوهم في ممارسة الطغيان ودروسهم، فتبدأ مجدداً أو تواصل ممارسة السياسات القاتلة ذاتها التي مارستها من قبل.
سكتت المدافع للمرة الثانية وفق اتفاقية وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو 1966، إلا أن الحكومة العراقية لم تكن صادقة في نياتها ومواقفها هذه المرة أيضاً، بل كانت تلك مناورة جديدة ومحاولة لإشراك قوى أخرى إلى جانب الجيش العراقي في محاربة الشعب الكوردي؛ فاتجهت إلى تشكيل قوات «الجاش» أو «الجحوش» الجديدة مرة أخرى من الخونة الأكراد لزجها في المعارك المحتملة ضد الشعب الكوردي، كما حاولت الاستعانة بالقوات السورية.
والجدير بالإشارة أن حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز القومية حاولت الكثير في المسألة الكوردية، ولكنها لم تستطع إنجاز شيء يذكر من اتفاقية وقف إطلاق النار وتحقيق المطالب الكوردية المعروفة، مما أدى إلى نشوء تراكمات جديدة تهدد بانفجار جديد في الوضع في كوردستان العراق، رغم أن بعض الدلائل كانت تشير إلى رغبة الدكتور عبد الرحمن البزاز في حل عقلاني للمسألة الكوردية، لم تلتقِ بمواقف مماثلة من جانب عبد السلام عارف الذي تميز بذهنية شوفينية حادة وعنجهية كبيرة. وفي عام 1966 جرت محاولة لقلب نظام الحكم قام بها رئيس الوزراء حينذاك عبد الرزاق عارف على رئيس الدولة عبد السلام عارف، ففشلت في المهد. وفي العام نفسه لقي عبد السلام عارف مصرعه في حادث سقوط الطائرة السمتية التي كانت تقله في البصرة بتاريخ 13 نيسان/أبريل 1966، ورشّح أتباعه أخاه عبد الرحمن عارف لمنصب رئيس الجمهورية بعد وفاته مباشرة، باعتباره أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في ثورة 14 تموز 1958.
ومن جديد عجزت القوى الديمقراطية والتقدمية عن تحقيق التغيير المنشود في الأوضاع الداخلية لصالح المجتمع، في حين استثمر أقصى يمين البعث للمرة الثانية أزمة الحكم التي كانت تعاني منها سلطة عبد الرحمن عارف، فأطاح به في انقلاب مباشر جرى تدبيره في القصر الجمهوري بين قائد الحرس الجمهوري عبد الرحمن الداود، ومدير الاستخبارات العسكرية عبد الرزاق النايف، وقوى البعث اليميني بقيادة أحمد حسن البكر وحردان التكريتي وصدام حسين، في بغداد في السابع عشر من تموز/يوليو 1968. وكل المعلومات المتوفرة تشير إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لم تكن على علم بهذه المؤامرة فحسب، بل كانت تعمل من أجلها، وشجعت على قيامها، وساندت القائمين بها، للتخلص من النظام الذي كان قريباً من جمهورية مصر العربية وسياستها في المنطقة، إضافة إلى خشيتها من قيام حركة يسارية ديمقراطية تتسلم زمام السلطة في بغداد. وكانت هناك معلومات غير قليلة متداولة في أوساط الدبلوماسيين والسياسيين تشير إلى أن القوى اليسارية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، تعمل على الإطاحة بنظام الحكم عبر القيام بانقلاب عسكري بمشاركة وحدات شعبية مسلحة.
الصراع بين الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف
انتهى النظام الملكي في العراق في اليوم الرابع عشر من تموز 1958، وظهر الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام محمد عارف على شاشة التلفاز ليعلنا أن حكومة شعبية ستُشكَّل فوراً، معلنين الأحكام العرفية، وداعين المواطنين إلى الحفاظ على النظام والوحدة. أما في دول الغرب (بريطانيا والولايات المتحدة) فقد كانت الثورة التي قادها الضباط الأحرار في الجيش بمثابة صدمة ومفاجأة لكلتا السفارتين صاحبتي النفوذ، كما كانت مفاجئة للعرب الآخرين، وخاصة مصر جمال عبد الناصر. أما الاتحاد السوفيتي، الذي عُدّ نصيراً للعرب في كفاحهم من أجل التحرر، فقد اعتبر وجود الجنود البريطانيين والأمريكيين في الأردن ولبنان في أعقاب ثورة العراق في 14 تموز 1958 بمثابة جرس إنذار لمنع أي توسع للشيوعية في دول المنطقة، وخاصة دول الخليج النفطية.
ظهر الخلاف بين قائدي الثورة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بعد مرور أربعة أيام على قيامها، وذلك عبر البرقية التي أرسلها العقيد الركن عبد السلام عارف إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر قائلاً إنه سيموت دفاعاً عن هدفه وهو الوحدة، وإنه سيذهب في الوقت المناسب لإعلان ولائه لسيادة الرئيس، وتجنيد نفسه وضباطه تحت إمرة سيادته. وتبعها بزيارة إلى دمشق للقاء الرئيس جمال عبد الناصر، وهو ما أغاظ الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي أحاط به الضباط الشيوعيون، فيما التفّ الضباط القوميون، ومنهم أعضاء في حزب البعث، حول عبد السلام عارف رافعين شعار الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة.
أدرك الشيوعيون أن عبد السلام عارف يشكل خطراً عليهم، وأنهم لا يمكنهم احتلال المراكز العليا في الدولة ما دام في منصب نائب رئيس الوزراء. وازداد تفاقم الخلافات بين الرجلين حول ترشيح رموز أو ضباط لمناصب أخرى، حتى أصدر رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم مرسوماً في الحادي عشر من أيلول 1958 يقضي بإعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، مبرراً ذلك بوجود ضباط أقدم منه عسكرياً، وبأنه خضع لطروحات قادة الفرق. وفي خطوة أخرى لإبعاده عن السلطة أصدر في الثلاثين من أيلول 1958 مرسوماً آخر بإعفاء عبد السلام عارف من جميع مناصبه وتعيينه سفيراً للعراق في بون، عاصمة ألمانيا الاتحادية، فكان ذلك المرسوم صدمة شديدة له وللقوميين من حوله، في حين عُدّ انتصاراً لعبد الكريم قاسم والشيوعيين. واستمرت الألسن تنقل عن عبد السلام عارف كلمات يُفهم منها أنه على استعداد لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم وتصحيح الأوضاع مرة أخرى، وقد قال له أصدقاؤه متهمين إياه: «إنك أنت الذي فرضت عبد الكريم قاسم علينا ووضعته في هذا المركز، والآن نحن غير مستعدين للتآمر عليه، ولم يمضِ على الثورة أكثر من شهرين». وفي السابع والعشرين من كانون الأول 1958 أحيل عبد السلام عارف إلى المحكمة العسكرية العليا بتهمة محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، فحكمت عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى السجن عشرين سنة.
الصراع بين الأحزاب الشيوعية والقومية
رخّص عبد الكريم قاسم العمل للأحزاب التي كانت غير مسموح بها في العهد الملكي، غير أن الساحة السياسية باتت مناسبة أكثر لنشاط الأحزاب الثورية، كالحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي، ومعهما العناصر القومية الموالية لسياسة جمال عبد الناصر باعتباره مهندس وحدة سوريا ومصر تحت علم الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. ويشير الكاتب حنا بطاطو إلى أن الحزب الشيوعي العراقي ركّز في عمله على أن يكون القوة الفاعلة على الساحة، وتمكن من كسب أعداد كبيرة من معارضي الوحدة مع جمال عبد الناصر وحشدها، وقد تصرف بتملق واضح لعبد الكريم قاسم لقمع العناصر القومية في معقلها مدينة الموصل، عن طريق مجموعات شيوعية متطرفة أطلقت على نفسها اسم «أنصار السلام»، وهو ما قاد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، آمر حامية الموصل، إلى إعلان التمرد ضد عبد الكريم قاسم في الثامن من آذار 1959.
وأُجّجت مشاعر الحقد والغضب لدى قيادة الحزب الشيوعي، فشكّلت ميليشيات المقاومة الشعبية، وجلّ عناصرها شيوعيون، لحماية النظام الجمهوري الجديد، وأُخضع العديد من الضباط للمحاكمة في محكمة الشعب، ومعهم الرموز الوطنية والقومية التي تدعو إلى الوحدة مع مصر جمال عبد الناصر.
وشارك الحزب الوطني الديمقراطي في وزارة عبد الكريم قاسم الأولى بوزيرين، هما محمد حديد وزير المالية، وهديب الحاج حمود وزير الزراعة، الأمر الذي أتاح للحزب ممارسة نشاطه السياسي على المستويين الحكومي والشعبي، وكانت علاقته حسنة مع عبد الكريم قاسم. وبعد المصادمات العنيفة بين أنصاره وأعضاء من الحزب الشيوعي في النعمانية وكربلاء والشامية قررت قيادته تجميد نشاط الحزب. وقد تأثرت الأحزاب بأجواء الخلاف بين قائدي الثورة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، الذي تمحور حول الوحدة، وهو خلاف كان في جوهره صراعاً بين الرجلين، واعتقاداً من عبد السلام عارف بأنه هو الذي قاد الثورة، فهو أحق بالرئاسة من عبد الكريم قاسم الذي أصبح الرجل الأول في العراق. وانعكس ذلك الصراع على القوى السياسية القومية والشيوعية، أما الحزب الديمقراطي الكوردستاني فقد انقسم إلى جناحين: الأول يمثله حمزة عبد الله، وهو يؤيد عبد الكريم قاسم، والثاني يمثله جلال الطالباني، وكان إلى جانب القوى القومية.
وأفضت الأوضاع المرتبكة في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز 1958 إلى حرية غير موزونة، فسحت المجال أمام التيارات السياسية المتناقضة لتجتاح الساحة العراقية، وكان الشيوعيون والقوميون والوطنيون أهم تلك التيارات. وأدى عبد الكريم قاسم دوراً رئيساً في اللعبة الحزبية رغم عدم انتمائه لأي منها؛ ففي الوقت الذي كان ينكّل فيه بالقوميين كان يفسح المجال للحزب الشيوعي لاقتناص الفرصة وملء الفراغ. «والحقيقة أن الحرج الذي مر به عبد الكريم قاسم كان يحتم عليه اتباع أسلوب المناورة مع كل الأطراف، وتأليب طرف على آخر، وضرب جماعة بأخرى، من أجل أن يستتب له الوضع بشكل مريح». وبمرور الوقت وجد عبد الكريم قاسم نفسه وكأنه المنتصر في منازلة القوميين والشيوعيين، فقال في خطاب مبرمج في كنيسة مار يوسف في بغداد بتاريخ التاسع عشر من تموز 1959: «باستطاعتنا أن نسحق كل من يتصدى لأبناء شعبنا بأعمال فوضوية»، وقد جاء ذلك بعد اضطرابات كركوك عام 1959 التي زاد ضحاياها على سبعين قتيلاً بفعل العناصر الشيوعية. ولكي يعزز عبد الكريم قاسم قوته ونفوذه، ويردع أي تمرد آخر كالذي حدث في الموصل عام 1959، أصرّ على تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة عشر من الضباط، بعضهم من الضباط الأحرار، وبينهم سعيد قزاز، وزير الداخلية في النظام الملكي، وهو من أصل كوردي، وآخرون من رموز العهد البائد من الأكراد والشيعة والسنة، لإحداث حالة توازن في العقاب. وأمام هذه الاضطرابات السياسية قرر مسؤول حزب البعث فؤاد الركابي تصفية الزعيم عبد الكريم قاسم على يد مجموعة بعثية منتخبة في شارع الرشيد في السابع من تشرين الأول 1959، وكان من بين المجموعة المنفذة شاب اسمه صدام حسين، البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً.
ولكي يتخلص الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم من صفة الشيوعي الذي قرّب رموز الشيوعيين في هياكل الدولة الأساسية، ومن ضغط إعلام «صوت العرب» من القاهرة الذي دأب على تحريض العناصر القومية للإطاحة به، رفض منح الحزب الشيوعي ترخيصاً قانونياً، ولم يتمكن الحزب من الاعتراض ولا من معرفة الأسباب، وباتت مظاهرات مؤيديه في شوارع بغداد لا تعطي انطباعاً بالقوة. وتعاظم مأزق الشيوعيين وحيرتهم عندما أجاز عبد الكريم قاسم تأسيس الحزب الإسلامي، وهدفه العداء للإلحاد والمذهب المادي للشيوعية.
وأدى ظهور الحزب الإسلامي على الساحة العراقية إلى شعور بعض الأوساط السنية والشيعية بالحاجة إلى إعادة توجيه الحياة السياسية، لا على أسس مذهبية أو طائفية، بل وفقاً لواجبات إسلامية ذات دلالات عامة. وتجسد ذلك لدى السنة في جماعة الإخوان المسلمين، على غرار ما حدث في مصر وسوريا اللتين نشطت فيهما الدعوة فترة طويلة في منظمتين متماثلتين، أما الشيعة فكانت لهم منظمة حزب الدعوة، التي ظهرت أواخر الخمسينيات على يد العالم الشاب محمد باقر الصدر، وقد عكست أفكاره الخاصة حول طبيعة النهضة الإسلامية للوقوف في وجه انتشار الأيديولوجيات التي أضعفت المجتمع الشيعي وأضعفت المسلمين في دينهم.
وخلال حكم عبد الكريم قاسم كانت الحركة الإسلامية تستمد قوتها من تحرك المرجعية التي يقودها السيد محسن الحكيم، الذي وفّر لتحركه السياسي غطاءً شرعياً، دينياً واجتماعياً. ففي بداية ثورة 14 تموز 1958 أيّد علماء الدين الشيعة عبد الكريم قاسم في مسعاه لبناء النظام الجمهوري على أنقاض النظام الملكي، الذي لم يترك ذكرى مريحة في أذهانهم، إلا أن ثلاثة أسباب كانت وراء الاختلاف والافتراق بين الطرفين:
أ. صدور قانون الأحوال الشخصية، الذي عدّه علماء الدين مخالفة واضحة وصريحة للشريعة الإسلامية، إذ ساوى عبد الكريم قاسم بين المرأة والرجل في الميراث.
ب. صدور قانون الإصلاح الزراعي، الذي عرّض مصالح بعض الشيوخ وكبار الملاكين، الشيعة والأكراد، للضرر.
ج. سيطرة الشيوعيين على كثير من قرارات الدولة، وممارساتهم الاستفزازية للشارع الديني دون ردع من الحكومة.
ويذكر علي المؤمن في كتابه «سنوات الجمر» أن حكومة عبد الكريم قاسم استهدفت في صراعها مع القوى السياسية تجريد الإسلاميين من قوتهم، وسددت لهم ضربات لا تقل خطورة عن ممارسات الشيوعيين؛ فكانت الخطوة الأساسية تتمثل في شلّ حركة العشائر وتجريدها من سلاحها، والاستيلاء على ما يقارب مليون قطعة سلاح من أيدي أبنائها، ففقدت المرجعية الدينية قوتها المادية والمعنوية التي كانت تستند إليها كلما أرادت مزاحمة الحاكم على السلطة.
وكانت السمة الديمقراطية في فكر عبد الكريم قاسم هي إبقاء كل الأحزاب المرخصة ضعيفة، بلا فعاليات مؤثرة في سلطته، بما فيها الأحزاب الكوردية. وظهر ذلك جلياً عندما وجّه الحزب الإسلامي في تشرين الأول 1960 انتقادات إلى الحكومة لتشريعها قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية، فكانت كافية لاعتقال عدد من أعضائه، وتعليق صحيفته، وإغلاق فروعه. وفي المقابل ذهب الزعيم عبد الكريم قاسم إلى اتخاذ موقف آخر، بأن وضع الحزب الشيوعي تحت مراقبة أجهزة الاستخبارات، كما عُلّقت صحيفته غير الرسمية عدة شهور متواصلة، وأُقيلت الوزيرة الشيوعية نزيهة الدليمي، ومعها وزير الأشغال العامة الشيوعي عوني يوسف، ونُقل الزعيم حسن عبود الشيوعي من قيادة حامية الموصل، وأُبعد فيصل السامر (وهو صابئي) من منصب وزير المعارف في أيار 1961. واستثمرت الأحزاب الوطنية والقومية طروحات عبد الكريم قاسم وفلسفته في إدارة الحكم، وهو ما أتاح لحزب البعث العربي الاشتراكي إرسال أحد قيادييه، علي صالح السعدي، إلى العراق سراً بغية إعادة تنظيم صفوف الحزب إثر محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في تشرين الأول 1959. وفي غضون عام 1962 تمكن علي صالح السعدي من بناء خلايا بعثية تسللت إلى داخل إدارات الدولة والقوات المسلحة والنقابات المهنية، العمالية والفلاحية، وإلى طلاب الجامعات.
وفي شمال العراق (منطقة كوردستان) وجد الملا مصطفى البارزاني أن عليه استثمار علاقة العراق بالاتحاد السوفيتي ليطلب من الزعيم السوفيتي خروتشوف التدخل لدى عبد الكريم قاسم في القضية الكوردية، غير أن عبد الكريم قاسم، بدلاً من الاستماع إلى البارزاني، ذهب إلى ملاحقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مستخدماً أسلوبه القديم القائم على دعم خصوم الملا مصطفى البارزاني في القبائل الكوردية، ورفض المذكرة حول الحكم الذاتي في تموز 1961، وهو ما قاد الزعيم القومي والوطني الكوردي الملا مصطفى البارزاني إلى الاشتباك المسلح مع وحدات الجيش العراقي، مستخدماً قوات البيشمركة ضد بعض العشائر الموالية للحكومة.
وفي الجانب السياسي وجد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في الاتحاد السوفيتي مصدراً ممكناً للدعم الدبلوماسي والاقتصادي وتوفير السلاح لجيشه، غير أنه لم يُبدِ تعاطفاً مع الشيوعية بوصفها مذهباً أيديولوجياً معارضاً للشريعة الإسلامية، وبدا عليه التخوف من طروحاتها وتغلغل عناصرها في أوساط الطبقات الفقيرة في المجتمع العراقي. ولم يكن عبد الكريم قاسم مقتنعاً بأن النموذج السوفيتي للتطور الاقتصادي يمكن تطبيقه على العراق، فضلاً عن أنه لم يكن يرى في السوفييت حليفاً مضموناً للعراق بعد تقاربهم مع مصر جمال عبد الناصر.
أما إيران، فبعد خروج العراق عام 1959 من حلف بغداد الذي عقده نوري السعيد عام 1955، عادت وفتحت ملف عائدية شط العرب وفق معاهدة عام 1937، وطلبت اقتسام الممر المائي في شط العرب بأكمله عند أعمق نقطة (خط الثالوك). وعندما رفض العراق الطلب الإيراني تدهورت العلاقات بين البلدين، وشهدت ضفتا شط العرب تبادلاً لإطلاق النار تسبب في وقف حركة السفن أمام مينائي البصرة وعبادان، وأدى ذلك إلى عقد اتفاق بين الطرفين في ربيع 1961 على استعمال الممر المائي من جديد. إلا أن إيران حذرت عبد الكريم قاسم من إسناد المجموعات العربية في عربستان (خوزستان باللغة الفارسية)، مشيرة إلى أن لديها ورقة ضغط عن طريق الجالية الإيرانية المتزايدة في العراق، وأنها قادرة على خلق مشاكل أمنية في الداخل يمكن أن تؤرق الزعيم عبد الكريم قاسم طويلاً.
أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)
- الجزء السادس
- الجزء السابع