الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء السادس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

دلالة تمرد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل

تبقى ثورة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، كما أسماها وأرادها القوميون العرب، حدثاً يستأثر باهتمام المؤرخين؛ فقد كشفت الغطاء عن أحقاد دفينة وعداوات متنوعة قديمة وحديثة، وكانت أيضاً نتيجة تفاعل عوامل خارجية وأخرى داخلية، فلولا المدد العسكري الذي أرسله جمال عبد الناصر عن طريق سوريا لما نشب التمرد مطلقاً.

وكانت المشاعر التي دفعت إلى التمرد والثورة تنبع من أصول مختلفة: فمنها المنافسة التاريخية على السيطرة على الصحراء السورية الكبرى، ومنها المنافسة بين القاهرة وبغداد، والمنافسة بين القبائل البدوية الرحالة والحضر المستقرين في المدن، والمنافسة بين العرب والأكراد، والنزاع العقائدي بين اليمين واليسار، والنزاع بين القوميين العرب أنفسهم، وإن لم يصرح القوميون العراقيون بذلك علانية.

استمرت الإذاعة والصحافة المصرية في حملتها العنيفة قبل محاولة عبد الوهاب الشواف وانقلابه في الموصل وخلالها وبعدها، مستغلة كل حدث أو حديث لتبرهن أن عبد الكريم قاسم وأعوانه قد خانوا قضية القومية العربية، كما تراها القاهرة التي ترفع لواءها منذ انتصارها في تحرير أراضيها من القواعد الأجنبية ووقوفها في وجه الغزاة الأجانب عام 1956. وقد اشتدت الحملة وبلغت مداها حين قررت حكومة العراق، بموافقة المعتدلين اليساريين وحتى بعض أنصار العهد القديم، إقامة علاقات دبلوماسية مع دول الكتلة الشرقية ومع الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية. وجرت مفاوضات اقتصادية بين هذه الأقطار والعراق انتهت إلى اتفاقات اقتصادية لتبادل السلع وإلى اتفاقات ثقافية. وقد رأس الوفد العراقي الدكتور إبراهيم كبة، وزير الاقتصاد، وهو أستاذ في كلية التجارة في بغداد معروف بميوله الماركسية، واستطاع بأسلوبه الماركسي أن يصل إلى نتائج طيبة مع الروس والدول الأوروبية الشرقية، رغم اتهامات الدعاية المصرية والأوساط البرجوازية المحافظة له بالشيوعية. ولكننا اكتشفنا بعد ذلك أن الشيوعيين لا يعدّونه منهم، وإن كان على وفاق معهم، مفاوضاً أولاً، ثم مؤيداً لهم في مطالبتهم عبد الكريم قاسم بالاشتراك في الوزارة. ولا نشك في تزامن ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل مع التغيير الجذري للسياسة العراقية تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، الذي جعل موقف إبراهيم كبة محل خلاف كبير.

وكان الجو الدولي المتأزم في ذلك الوقت يشجع التفسيرات المبسطة المبنية على المذاهب التقليدية، التي كان ينادي بها دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة، ويردد صداها حليف مؤقت له غير متوقع هو جمال عبد الناصر، وتتلخص في أن عبد الكريم قاسم «حليف الشيوعية»، وأن الاتحاد السوفيتي كان في ذلك الوقت منهمكاً بالتعاون مع الأحزاب الشيوعية في العراق ومصر وسوريا في مؤامرة كبرى تهدف إلى تحقيق المصالح الروسية وبسط النفوذ السوفيتي الكامل على الشرق الأوسط. ولذلك بدا للمراقبين في الداخل والخارج أن الشيوعيين يمارسون نفوذاً متزايداً في إدارة الشؤون في العراق.

ولكن، كما حاولنا أن نوضح من قبل، فإن اضطراب الأحوال في ربيع عام 1959 لا يمكن أن يُنظر إليه ببساطة على أنه محاولة يائسة من الشيوعيين لتولي زمام الحكم في العراق فقط، بل كان هناك صراع من نوع آخر يقوده الجناح المتطرف من القوميين العرب، ويؤيده جمال عبد الناصر، ضد أي وفاق أو ائتلاف يضم جميع العناصر، بمن فيهم الشيوعيون، الذين كانوا على درجة كبيرة من التنظيم ولهم الدور الرئيس، كما يضم آخرين غيرهم ممن يؤيدون قيام روابط خاصة بين الشعوب العربية، ولكنهم لم يكونوا على استعداد للاندماج في الجمهورية العربية المتحدة وإخضاع العراق للسيطرة المصرية.

ومنذ بداية مسيرة ثورة 14 تموز 1958 اختار عبد الكريم قاسم أن يقوم بدور المحافظ على التوازن بين القوى المتخاصمة، بهدف القضاء على التطرف من كلا الجانبين، وكان تحقيق هذا الهدف الرئيس هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من الحرب الأهلية، مع أن محاولات التدخل الخارجية كانت تشغل باله كلياً، وخاصة في أعقاب أحداث تمرد عبد الوهاب الشواف في الموصل. لكن وقوع هذه الأحداث قلّل من الضغط الذي كان عبد الكريم قاسم يمارسه منذ بدء العام على الشيوعيين وعلى من هم أقل تنظيماً من الجانب اليساري المتطرف، وقد اكتشف عبد الكريم قاسم أن أحداث الموصل أدت إلى زيادة نشاط الشيوعيين.

وعلى هذا كانت الحرب الأهلية في الموصل في آذار 1959 طعنة رئيسة للآمال المعقودة على تأسيس حكومة مستقرة خلفاً للحكم الملكي الهاشمي القديم. وقد امتدت أعقاب هذه الحرب إلى بغداد وأواسط العراق وشماله، وساد البلاد خلال الأسابيع التالية جو من فقدان العدالة وانتشار الفوضى، وجاوز التعسف في ملاحقة المشاركين في الأحداث والقبض عليهم اعتباطاً كل حدود النظام والقانون. ولعل ما أظهرته عواقب أحداث الموصل أنها عرقلت جهود عبد الكريم قاسم لإيجاد توازن بين الفئات المتخاصمة داخل العراق، بل عرّضت هذا الهدف العظيم لأكبر خطر واجهه منذ ثورة 14 تموز 1958. فالأمر بالنسبة إلى عبد الكريم قاسم هو أن اليساريين هرعوا إلى نصرته حين أراد أهل اليمين الإطاحة به، ومن الطبيعي إذن أن يميل إليه أهل اليسار ولو لوقت ما.

حوكم المشتركون في تمرد الشواف أمام محكمة الشعب، ولأول مرة وافق عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام في أربعة من الضباط المحكومين. ومع أن سمعة المحكمة قد انهارت بسبب سلوك رئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي، ولم تعد تصلح حتى لتحقيق الأغراض السياسية التي أُنشئت من أجلها، فإنها في هذه المرة فسحت للمتهمين مجال الدفاع عن أنفسهم، رغم وضوح ارتكابهم ما أدينوا به.

أما الحزب الشيوعي فقد تبنى سياسة رعناء عنيفة، عبر ميليشيات المقاومة الشعبية التي زاد عددها على (110) آلاف، جلّهم من عناصر الحزب الشيوعي، لاستئصال كل أشكال المعارضة من أية جهة كانت، وهذا ما أوقع الفزع في قلوب القوميين العرب، وخاصة من كان منهم في الموصل. وقد انقطع الطلاب الموصليون عن الدوام في الكليات، ويمكن معرفة الجو السائد تلك الأيام من تسمية الشيوعيين لهؤلاء الغائبين بـ«الخونة». وكانت المعارك تنشب في ساحات الكليات بين حين وآخر، إلا أن أكثر الطلبة كانوا ينأون بأنفسهم عن ذلك العراك، وقد يتدخلون أحياناً بسرعة لمنع الأطراف من التشابك أو لفك الاشتباك إن حصل. وكانت هناك أخبار عن طلقات متفرقة تُسمع أثناء الليل، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها القوميون المتطرفون الذين يأبون أن يدخل أحياءهم من يشكّون في كونه شيوعياً. واشتد الصراع في كل أنحاء العراق، وبخاصة في الموصل، وتعقّد بسبب الانقسام الديني، حيث بُدئ بمهاجمة المسيحيين بزعم أنهم شيوعيون.

دأب الناس على ردّ أخطاء الماضي إلى قصور النظام العراقي الملكي الهاشمي ونوري السعيد باشا، ومنها طريقة النظر إلى المشكلة الكوردية. وبعد ثورة 14 تموز 1958 سادت المحافل المعنية بالأمر موجة من التفاؤل، وعُدّت الحفاوة الكبيرة الشاملة التي قوبل بها الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني عند عودته إلى بغداد في 7 تشرين الثاني 1958 فاتحة عهد جديد في العلاقات الكوردية العربية ضمن الدولة العراقية.

ترجع رغبة الأكراد في وجود كيان مستقل لهم إلى عهد بعيد في التاريخ. وكان ضعف الإدارة العثمانية، وانعدام طرق المواصلات، وطبيعة المنطقة الجبلية، وضمور الموارد العامة، موانع تحول دون التدخل الخارجي. ولكن اكتشاف النفط بغزارة في بلاد ما بين النهرين قطع هذه العزلة، وبدأت الأفكار الحديثة وطرق الحياة الجديدة تتسرب إلى الأكراد، بصورة غير متساوية، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

ومع أن بلاد الأكراد (كوردستان) تقع في المناطق الجبلية من الأقسام الشمالية من العراق، فإن الانتقال من تلك المناطق إلى المدن في جنوبها ظل مستمراً، حيث انتقلت للسكن فيها، وفي بغداد بخاصة، مجموعات كبيرة من الأكراد. ولأن تسرب الأفكار الحديثة إلى الأكراد كان متقطعاً ودون انتظام، فكذلك كان تأثيرها، ولم يكن مستغرباً بطبيعة الحال أن تختلف آراء قادة حركة الحكم الذاتي حول أفضل طرق التنظيم وخير وسائل العمل لتحقيق أهدافهم.

وكان رؤساء العشائر الأكراد التقليديون ما يزالون أقوياء في كوردستان العراق، وكان من الواضح أن البارزانيين أكثر القبائل نفوذاً، وأن الملا مصطفى البارزاني يحتفظ بسجل حافل من الوطنية وقيادة الحركة الكوردية المسلحة والثورة لسنين طويلة: ضد الإدارة البريطانية المؤقتة، وضد الحكومة العراقية في ظل الانتداب، وضد الحكومة القائمة قبل الثورة. وهو ما جعل بعض المتكلمين باسم حلف بغداد عام 1955 يفسرونه بأنه توثيق لروابط العراق مع إيران وتركيا لمواجهة أي تهديد بحرب أهلية في الشمال، كانوا يزعمون أن الشيوعيين الروس يحرضون الملا مصطفى البارزاني على إثارتها.

ومع أن موقف الملا مصطفى البارزاني كان جيداً في نظر أكثر قطاعات الرأي العام، فإن سمة أخرى من ماضيه قوبلت بخليط من العواطف؛ ذلك أنه قضى بضع سنين من سنوات نفيه في الاتحاد السوفيتي، وهذا ما دفع الجناح اليميني المتطرف إلى النظر إليه أداةً خطرة جديدة تضاف إلى قوة الشيوعيين في البلاد، في حين ظن الجناح اليساري أنه سيعود شيوعياً، أو على الأقل مؤيداً للكتلة الشرقية في الحرب الباردة وعدواً لبريطانيا العظمى. أما المحافظون العراقيون فقد عدّوا تجربة الملا مصطفى البارزاني في الاتحاد السوفيتي سبباً إضافياً لمعارضة المطالب الكوردية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يجهروا برأيهم هذا أثناء فترة الحماس الثوري. ونعتقد أن كلتا النظريتين خاطئة، فالبارزاني رجل دين ظل طيلة حياته وطنياً وثائراً كوردياً صلباً لا يلين. أما عداوته لبريطانيا العظمى سنوات عديدة فمردّها سياسة بريطانيا وأعمالها بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، التي دفعتها إلى توسيع حدود العراق في كوردستان العراق لتشمل المنطقة التي يكوّن الأكراد غالبية سكانها (ولاية الموصل)، دون أن تنص على ما يضمن حقهم في الحكم الذاتي، أو على الأقل دون أن تبدي رغبة في إعمال مثل هذا النص حتى لو وُجد مبدئياً.

ولكن هذا كله أصبح جزءاً من الماضي، والملا مصطفى البارزاني أدهى من أن يصرف وقته في التفكير بمثل هذه الاتهامات، في الوقت الذي تقتضي فيه مصلحة القضية الكوردية إقامة علاقات جيدة وصيانتها مع أقطار أخرى، ومنها بريطانيا، لكي يكسب العطف الدولي لقضيته الوطنية والتأييد المباشر أو غير المباشر لها. وقد شهدنا وصول الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد في 7 تشرين الثاني 1958، والاحتفال الكبير الذي استُقبل به في مطار بغداد. وقد أخبرنا مصدر ثقة أنه رفض طلباً من وفد من الجناح اليساري بقطع علاقاته مع بريطانيا.

ومثل هذه الاعتبارات كانت تصدق على محاولات اليساريين المتطرفين دفع الملا مصطفى البارزاني إلى الوقوف إلى جانب روسيا في الحرب الباردة الدائرة وقتذاك، ولم يكن الباعث على هذه المحاولات الرغبة في تقوية القومية الكوردية، وإنما الأمل في كسب تأييد إضافي لأهداف اليساريين في توسيع الصراع الطبقي داخلياً وجرّ العراق إلى الانحياز للشرق في الحرب الباردة. وكان الكفاح والضجة من أجل هذه الأهداف قد حوّلا الرأي العام عن الموضوع الرئيس، وهو وضع الأكراد في دولة العراق. وأدرك الزعماء الأكراد أن مسودة الدستور المؤقت الجديد، الذي أعلنته حكومة الثورة في تموز 1958، قد نصت للمرة الأولى في تاريخ العراق، في المادة الثالثة منه، على أن الأكراد شركاء العرب في المجتمع العراقي، ويتمتعون وإياهم بالحقوق نفسها. ولكن الدستور لم يكتفِ بتجاهل القومية الكوردية فحسب، بل زاد على ذلك فنص في المادة الثانية منه على «أن العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية». وقد أثار هذا النص، بطبيعة الحال، شكوك الأكراد وقلقهم؛ فالأكراد أقلية كبيرة في العراق، ولكنهم سيصبحون حتماً أقلية صغيرة جداً إذا ما انضم العراق إلى اتحاد أو وحدة مع أقطار عربية أخرى، مما يؤدي إلى التفريط بمصالحهم القومية بل ضياعها. ومع أن عبد الكريم قاسم أوضح مراراً أن استقلال العراق مصون ومضمون ما بقي على قيد الحياة، وأن أي تقارب للعراق مع أي قطر عربي آخر سيأخذ شكل التعاون لا الانصهار، فإن الأكراد كانوا يرون في أمثال هذا التعاون، كما جرى في التعاون في حلف بغداد عام 1955، تهديداً لمصالحهم وخطراً على الحركة الكوردية.

وقد غطى على هذه المسائل في الفترة الأولى من عهد عبد الكريم قاسم تعاونُ الأكراد معه في حل المشاكل الطارئة والعاجلة، وكان لتأييد الأكراد لقاسم خلال عام 1959 الدور الكبير في تغلبه على محاولات القوميين العرب المتطرفين للإطاحة به والمجيء بغيره. وفي هذا المجال وجد زعماء الأكراد أنفسهم يقفون في خندق واحد، جنباً إلى جنب، مع القوى اليسارية ومنها الشيوعيون، وقد حاول خصوم الأكراد استغلال هذا الوضع فوصفوهم بالشيوعيين. ولا شك أن بين الأكراد، كأي جماعة أخرى، بعض العناصر اليسارية، وكانت الأفكار الثورية في كوردستان نفسها تتمخض عن ثورة اجتماعية، لكن غالب الأكراد، ومنهم قادتهم، لم يكونوا مع هذا وذاك من معتنقي العقائد اليسارية؛ فالشيوعية والقومية الكوردية لا يمكن أن تتفقا ما دام الفكر الشيوعي يعطي تقليدياً الأفضلية للصراع الطبقي على التحرر الوطني.

وقد بدا هذا الاتجاه واضحاً عام 1959 وما بعده، حين حاولت المنظمات الشيوعية في كوردستان العراق أن «تدمج» الأكراد مع غيرهم في المنظمات المختلفة، موجّهة الجهود نحو متابعة الصراع الطبقي بدلاً من الكفاح في سبيل الهوية القومية.

ويرى البعض أن عبد الكريم قاسم كان رجلاً وطنياً ذا أفكار بسيطة، ولكنه كان قادراً بإستراتيجية ماهرة على أن يمنحها القوة. أما القضية الكوردية فقد كان قاسم يشارك فيها هواجس الغالبية من مواطنيه، ولم يكن راغباً في الاعتراف بقومية كوردية داخل العراق، ولذلك لم يكن كفؤاً لمعالجة ما كان يُعدّ مشكلة داخلية وخارجية بالغة التعقيد يمتد تأثيرها إلى الحقول السياسية والإدارية.

فالقضية الكوردية تركة ثقيلة ورثها العراق عن بريطانيا، التي استخدمت كل مهارتها السياسية، لأسباب تقدم شرحها، لإدخال المناطق الشمالية من كوردستان العراق المسكونة بالأكراد ضمن حدود دولة العراق الجديدة. وقد أيّد الهاشميون وأعوانهم بريطانيا في مسعاها هذا، وربما أيدها أيضاً غيرهم من الحكام العرب. والمهم أنه لم يُنص على ضمان حقوق الأقليات في العراق، سواء أكانوا أكراداً أم آثوريين، وكلا الفريقين أُدخل في حدود العراق بمبادرة بريطانية.

حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

معروف عن العقيد الركن عبد الوهاب الشواف أنه كان أحد أبرز الضباط الأحرار، وذا أفكار ديمقراطية، وينتمي إلى عائلة معروفة، وكان على خلاف مع العقيد عبد السلام عارف قبل ثورة 14 تموز 1958. وعند قيام الثورة صدر أمر تعيين العقيد عبد الوهاب الشواف حاكماً عسكرياً عاماً، ولكن تحت ضغط عبد السلام عارف أُلغي الأمر في 15 تموز 1958، وعُيّن بدلاً من ذلك آمراً لحامية الموصل، فعدّ عبد الوهاب الشواف ذلك إبعاداً وإجحافاً بحقه، وهو كذلك.

التحق عبد الوهاب الشواف بمنصبه الجديد وهو يغلي غضباً، لكنه، كغيره من زملائه الضباط الأحرار، كتم ما في نفسه من ألم ومرارة. وهنا ينبغي تقدير أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار والضباط الأحرار على ما تحملوه من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في ذلك الوقت، إذ وضعوا مصلحة البلد فوق مصلحتهم.

بقيت هذه العقدة تلازم عبد الوهاب الشواف، وهو يفكر في طريقة للانتقام من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف. ولم يمضِ وقت طويل حتى أقيل عبد السلام عارف من مناصبه وأُبعد هو الآخر، لكن عبد الكريم قاسم لم يتراجع عن الأمر السابق بصدد الشواف، ولم يُعِده إلى بغداد لتسلم مسؤولية قيادية.

وأعتقد أن ذلك واحد من أخطاء عبد الكريم قاسم، وكان عليه أن يعوّض الشواف عما أصابه من غبن يعلمه هو وعبد السلام عارف.

وبعد أن اشتد الصراع بين القوميين العرب وعبد الكريم قاسم استغل البعثيون والقوميون العرب الآخرون موقف الشواف، والتفّوا حوله وحرّضوه على القيام بحركة ضد عبد الكريم قاسم. واقتنع الشواف في الأخير، وراح يخطط لحركته مستنداً إلى البعثيين والقوى القومية الأخرى وبعض رؤساء العشائر العربية والكوردية، وكان القاسم المشترك بين هذه المتناقضات العداء لعبد الكريم قاسم، وأكثر من هذا كان لرؤساء العشائر أمل في إيقاف تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّ من سلطتهم الإقطاعية واستغلالهم للفلاحين.

كما أن الجمهورية العربية المتحدة، بعدما تدهورت علاقاتها مع الحكومة العراقية، عملت بنشاط ضد عبد الكريم قاسم، وأطلقت العنان لعبد الحميد السراج، وزير الداخلية السوري في الإقليم الشمالي، لإرسال كل المساعدات اللازمة للشواف ومساعدته في حركته، وكان ذلك تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للعراق.

انتهز عبد الوهاب الشواف فرصة انعقاد مؤتمر أنصار السلام في الموصل في 5/3/1959، الذي استفز المشاعر القومية والدينية لقطاع واسع من أهالي الموصل، فأعلن حركته يوم 8/3/1959 بدعم وإسناد مكشوفين من عبد الحميد السراج وزير داخلية الإقليم الشمالي. ولم تدم حركته أكثر من 24 ساعة، إذ قُتل العقيد عبد الوهاب الشواف في مقره في اليوم التالي، وهرب من تمكن من ضباطه إلى سوريا.

واعتقل العقيد عبد الوهاب الشواف في اليوم الأول لحركته كل من شك في ولائه من ضباط لوائه لعبد الكريم قاسم، كما اعتقل العديد من المدنيين المناوئين له، وقتل ضباطه عدداً منهم وهم أسرى بين أيديهم، ومنهم كامل قزانجي.

وبعد مقتل الشواف واستعادة الضباط الموالين لعبد الكريم قاسم السيطرة على اللواء الخامس وعلى مدينة الموصل، قامت مفارز من المقاومة الشعبية التابعة للحزب الشيوعي بأعمال انتقامية وحشية ضد أبناء الموصل، ويُعتقد أن فرع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الموصل ساعدها في ذلك، بقيادة مسلحين من أبناء العشائر الكوردية والزحف على الموصل.

لقد حاول الشوفينيون العرب، وما زالوا يحاولون، إسناد تلك الأعمال اللاإنسانية التي وقعت في الموصل بعد إخماد حركة الشواف إلى الملا مصطفى البارزاني والبارتي، وكأن ما حدث كان مدروساً ومخططاً. ولا بد من توضيح الحقائق، لأنه لا العشائر الكوردية ولا الملا مصطفى البارزاني كانوا يخططون لذلك.

إن جماعة العقيد عبد الوهاب الشواف أيضاً لم يقصّروا في القتل والتعذيب والاعتداء على كل من عارضهم، وأذاقوا الضباط والجنود الكورد في اللواء الخامس أشد صنوف العذاب. وكما هو معلوم فإن الملا مصطفى البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والشعب الكوردي برمته كانوا مع عبد الكريم قاسم، وبالتأكيد لم يكن من مصلحة الشعب الكوردي، ولا من مصلحة الشعب العراقي في ذلك الوقت، أن يُقضى على عبد الكريم قاسم. وقد دافع الكورد عن عبد الكريم قاسم وثورة 14 تموز، وحسناً فعلوا، وكان ذلك هو الموقف الصحيح، وقد أدى الضباط والجنود الكورد دوراً بارزاً في إخماد حركة العقيد عبد الوهاب الشواف داخل مقر اللواء الخامس.

إلا أن ما حدث بعد القضاء على الشواف من أعمال قتل وسحل في الموصل لم يكن إطلاقاً بعلم جميع قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والملا مصطفى البارزاني أدان بشدة ما وقع من جرائم في الموصل. مع أن ما حدث أصبح جزءاً من تاريخ العراق، إذ صُفّيت الحسابات في حينه، ولست بحاجة إلى تبرئة ساحة أحد أو إدانة أحد أو استرضاء أحد، ولكن هذه هي الحقيقة.

وأياً كانت المبررات، سواء لما قام به الشواف وضباطه من أعمال القتل والتعذيب، أو للعمليات الانتقامية التي حدثت بعد القضاء على حركة الشواف والتي كانت أكثر قسوة ووحشية، فإنها لم تكن مبررات مقبولة على الإطلاق.

ولا شك أن تلك الأعمال الانتقامية كانت سبباً مهماً في حدوث الجفاء بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي، الذي تحمّل وزر تصرفات مراهقين من المقاومة الشعبية بقيادة عبد الرحمن القصاب وعدنان جلميران، خاصة ما حدث في الدملماجة، تلك المجزرة التي يندى لها الجبين.

وأعقبت أحداث الموصل سلسلة من التطورات الخطيرة التي عمّقت العداء بين الأحزاب العراقية، وبين القوميين وعبد الكريم قاسم. وكان من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها عبد الكريم قاسم موافقته على إعدام الزعيم الركن ناظم الطبقجلي، قائد الفرقة الثانية في كركوك، ورفعت الحاج سري، مدير الاستخبارات العسكرية، فرغم كونهما متواطئين مع عبد الوهاب الشواف لم يشتركا فعلياً في الحركة، وكانا من الضباط الأحرار اللامعين، ويتمتعان بتقدير الجيش والشعب واحترامهما. وقد تدخل الملا مصطفى البارزاني لدى عبد الكريم قاسم، ونصحه بعدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام بحقهما، وكان البارزاني يزور أخاه الشيخ أحمد البارزاني في مصيف هوري في ذلك الوقت، فأرسل ابن أخيه صادق خصيصاً إلى بغداد لنقل رسالته إلى عبد الكريم قاسم حول الموضوع.

لقد كانت أحداث الموصل من أولها إلى آخرها بداية لمرحلة جديدة من الصراع الدموي في العراق، ولا أحد ينجو من اللوم والمسؤولية.

القوميون والشيوعيون والكورد، جميعهم أخطؤوا بحق أنفسهم وبحق بلدهم وشعبهم؛ لقد أخطؤوا بحق العراق.


أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس (هذا الجزء)
  7. الجزء السابع

→ الجزء الخامس  |  الجزء السابع ←