الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء السابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
بداية تأزم العلاقة بين الملا مصطفى البارزاني وعبد الكريم قاسم
لقد كان لتأييد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعشيرة بارزان لثورة 14 تموز 1958 ولشخص عبد الكريم قاسم تأثير كبير في جماهير كوردستان والعشائر الوطنية، وأصبحت كوردستان قلعة حصينة للثورة، وكان على كل من يفكر في التآمر على الثورة أن يحسب حساب موقف الشعب الكوردي. وقد دأب المتآمرون على الجمهورية على زرع بذور التفرقة والشك بين عبد الكريم قاسم والقوى العربية والكوردية المتحالفة معه.
لم يأبه عبد الكريم قاسم بتلك المحاولات في البداية أبداً، إلا أنه في الأخير وقع تحت وطأتها، وراحت أفكار الشوفينيين وطروحاتهم، وهم الذين تظاهروا بالولاء له، تؤثر فيه؛ فقد أرادوا أن يجردوا عبد الكريم قاسم من أحد أقوى حلفائه وأخلصهم، ومن قوة مجرّبة كانت مستعدة للتفاني في سبيل ثورة 14 تموز.
فنشطت أجهزة المخابرات البريطانية والتركية والإيرانية من خلال اتصالاتها ببعض رؤساء العشائر الكوردية عن طريق نوري السعيد، بتعاون وتنسيق كاملين مع مسؤولين حكوميين يحتلون مراكز حساسة، من أمثال بدر الدين علي محافظ أربيل، وإسماعيل عباوي مدير شرطة الموصل، وبعض المحيطين بعبد الكريم قاسم.
وعندما رجع الملا مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي (السابق) في 7 تشرين الثاني 1958 اقترح عليه عبد الكريم قاسم أن يفتح صفحة جديدة مع جميع العشائر الكوردية التي حملت سلاح نوري السعيد ضد ثورة بارزان عام 1945، فاستحسن البارزاني الاقتراح، وكلّف عبد الكريم قاسم قائد الفرقة الثانية ومحافظ أربيل بترتيب عقد اجتماع كهذا في أربيل.
حضر معظم رؤساء العشائر الكوردية الاجتماع في أربيل، باستثناء كلحي آغا وأحمد الزيباري، لأنهما كانا أكثر من يكرهان الملا مصطفى البارزاني، وبينهم دم.
وانتهى الاجتماع بنتائج إيجابية جداً، وأزيلت الكثير من الحساسيات السابقة، وتم حل الكثير من المشاكل مع الذين توفرت لديهم النوايا المخلصة. وقد حاول البارزانيون مع عبد الكريم قاسم أن يصدر أمراً بإحالة كل من كلحي الريكاني وأحمد الزيباري إلى محكمة الشعب بتهمة جرائم قتل مثبتة عليهما، فوعد بتنفيذ ذلك، إلا أنه أهمل الأمر في النهاية.
وشاءت الأقدار أن يلقى أربعة من البارزانيين أحمد الزيباري في الموصل قرب بناية الثانوية الشرقية في 4/11/1959، فأطلقوا عليه الرصاص وأردوه قتيلاً في الحال، وانتقموا لدماء ذويهم ولثلاثين مظلوماً قُتلوا غدراً بيد جلاوزة ذلك الطاغية. فثارت ثائرة الرجعيين والموظفين الشوفينيين الحاقدين، وجعلوا من هذا الحادث حجة لتمرير مخططاتهم ضد ثورة 14 تموز، وفي مقدمتها إبعاد الوطنيين عن عبد الكريم قاسم.
وفي نهاية عام 1959 وبداية عام 1960 بدأ الفتور يخيّم على العلاقة بين عبد الكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني، وأعطى عبد الكريم قاسم صلاحيات استثنائية لبدر الدين علي محافظ أربيل وإسماعيل عباوي مدير شرطة الموصل، بذريعة استعادة الأمن والاستقرار في مناطق المحافظتين، وكان واضحاً أن هذين الموظفين منحازان إلى جانب أعداء البارزانيين انحيازاً تاماً. وباشر بتسليح العشائر المجاورة لبارزان، كالزيباريين والبرادوستيين والسورجيين والريكانيين. وفي ربيع 1960 قام الزيباريون باعتداء على قرى منطقة نزار التابعة لمنطقة بارزان، ولدى الرد عليهم من جانب البارزانيين رُفعت التقارير إلى بغداد بأن البارزانيين هم البادئون بالاعتداء. واستمرت استفزازات كثيرة من هذا النمط دون أن تتدخل الحكومة تدخلاً جاداً لوضع حد لها، فطلب الشيخ أحمد البارزاني من عبد الكريم قاسم تشكيل لجنة محايدة للتحقيق في الاستفزازات المسلحة التي وقعت، فوافق عبد الكريم قاسم على الاقتراح، وسافرت لجنة تحقيق خاصة إلى بارزان، ومثّل البارزانيين فيها صادق البارزاني. وبينما كان في طريقه إلى راوندوز لمرافقة اللجنة إلى منطقة ده شته هيرت انقلبت سيارته في 23/6/1960، فأودى الحادث بحياته. وبعدما عادت اللجنة إلى بغداد ورفعت تقريرها المحايد، الذي أكد خلاف ما جاء في التقارير السابقة، هدأت الأمور إلى حد ما، وأرسل عبد الكريم قاسم اثنين من أبناء أخيه حامد إلى بارزان لتقديم التعازي إلى الشيخ أحمد البارزاني بوفاة صادق باسم عمهما عبد الكريم قاسم.
وبالرغم من المخاطر الموجودة قام الشيخ أحمد البارزاني بزيارة إلى بغداد في 29/10/1960، وقبله بشهر كان البارزاني قد عاد إلى بغداد، وتقابلا مع عبد الكريم قاسم، وأعربا له عن كامل استعداد بارزان للدفاع عن ثورة 14 تموز، وأكدا إخلاص البارزانيين لشخص عبد الكريم قاسم، وطلبا منه وضع حد نهائي لما يمكن أن يبعد البارزانيين عنه، شاؤوا أم أبوا، فوعد عبد الكريم قاسم خيراً، إلا أنه كان يبدو أن الأمر قد بلغ مرحلة يصعب التراجع عنها.
دعوات لصهر القومية الكوردية في كوردستان العراق
قبل أن تصل العلاقات بين الشعب الكوردي والحكومة العراقية إلى القطيعة في أيلول 1961، جرت سلسلة من الأحداث التي دفعت بالأمور نحو التأزم والانفجار، وتوالت تراجعات الحكومة عن إجراءاتها الإيجابية في كوردستان فيما يخص حقوق الشعب الكوردي، التي اتخذتها تنفيذاً للمادة الثالثة من الدستور المؤقت.
وفي ربيع 1960 تزامنت الاستفزازات المسلحة من بعض العشائر الكوردية ضد البارزانيين مع ملاحقات أجهزة الأمن والشرطة لكوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وبدا واضحاً في الأشهر الأخيرة من عام 1960 أن عبد الكريم قاسم يسير نحو القطيعة مع الشعب الكوردي، وهو واقع تحت تأثير شلّة من الحاقدين والانتهازيين والشوفينيين، فاختلطت عليه الأمور، ولم يستطع في الأخير التمييز بين أعدائه وأصدقائه.
فأبعد الديمقراطيين والشيوعيين من حوله، وراح يغازل البعثيين والمتآمرين عليه لاسترضائهم، وفي كوردستان شجع الإقطاعيين وسلّحهم، وغدا يسمع ويرى من خلال تقارير موظفَين حاقدَين هما بدر الدين علي محافظ أربيل وإسماعيل العباوي مدير شرطة الموصل. في حين أن هذه الاستفزازات لم تؤخذ مأخذ الجد من جانب الحزب والبارزاني، وكان يحدوهما الأمل في تلافيها بالتعاون مع الحكومة. إلا أن أخطر ما هدد الكورد كشعب جاء في مقالة نشرتها جريدة «الثورة»، المحسوبة على عبد الكريم قاسم، تدعو فيها إلى وجوب صهر القومية الكوردية وإذابتها في بوتقة الأمة العربية، وحتى إلى استعمال القوة عند اللزوم لتنفيذ هذه العملية.
وتصدى الحزب الديمقراطي الكوردستاني بشجاعة ووضوح لدعوة صهر القومية الكوردية، وكان من واجبه أن يفعل ذلك، ونشرت جريدة «خه بات» سلسلة من المقالات التي تفضح هذه الدعوة الرجعية العنصرية، وتشرح مضارها على الأخوة العربية الكوردية وعلى الوحدة الوطنية. وجاء في مقال نُشر في جريدة «خه بات» بتاريخ 9/10/1960 بعنوان «الأمة الكوردية والمادة الثانية من الدستور العراقي المؤقت»:
«تنص المادة الثانية من الدستور المؤقت على أن العراق جزء من الأمة العربية، وهذا قول عاطفي بطبيعة الحال أكثر مما هو علمي ومنطقي، فكلمة (عراق)، كما نعلم جميعاً، تطلق حالياً على أحد مفهومين:
أولهما: أنها تعني تاريخياً وجغرافياً بلاداً أصغر رقعة بكثير من عراق اليوم.
وثانيهما: أنها تستخدم بمثابة مصطلح سياسي يقصد به بلاد تكونت بعد الحرب العالمية الأولى بتوحيد جزء كبير من العراق التاريخي مع جزء من جنوب كوردستان يطلق عليه أحياناً اسم (شهرزور)، أو ولاية الموصل بحسب التقسيمات الإدارية في الدولة العثمانية، التي أقيمت على جزء من أنقاضها الدولة العراقية الحالية، تحقيقاً لأهداف الإمبريالية البريطانية ونواياها، التي أرادت وضع يدها على مصادر الثروة في البلاد، وبالخصوص حقول النفط ومنابعه، ولتأمين سيطرتها على طريق الهند.
ولذلك لا يمكن اعتبار العراق، والحالة هذه، جزءاً من الأمة العربية، لا بالمفهوم السياسي للكلمة الذي يعني الدولة، ولا بالمفهوم الجغرافي.
لم تُعتبر كوردستان قط جزءاً من الوطن العربي، لا بجزء منها، ولا بوصفها وحدة جغرافية، ولا بالجزء الذي ضُمّ إلى الدولة العراقية، وإنما هي جزء من كوردستان.
في عصور معينة من التاريخ اتفق أن وجدت كوردستان نفسها، كلاً أو جزءاً، ضمن إطار دولة إسلامية، مثلما كان الحال في عدة دول إسلامية أخرى، وحتى في ذلك الحين لم تكن تُعتبر من البلاد العربية.
وما من شك في أن كوردستان لا يمكن أن تُعد جزءاً من الوطن العربي، وعلى هذا الأساس فمن الضروري أن تُعاد صياغة المادة المتعلقة بهذه القضية في الدستور الدائم بشكل أدق لا يسمح بإساءة التفسير أو يؤدي إلى خلاف، والصيغة المقبولة هي أن الجمهورية العراقية الخالدة تتألف من جزء كوردي (كوردستان العراقية) ومن جزء عربي (ميسوبوتاميا).
وإن الجزء العربي فقط هو الذي كان جزءاً من الوطن العربي الكبير، في حين كان الجزء الكوردي جزءاً من الوطن الكوردي وبلاده كوردستان، وإن المصالح الحقيقية للقوميين العرب والكورد يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أيضاً بوضعها في فقرة مناسبة تؤكد الوحدة العراقية.
ومن هنا نجد التناقض واضحاً بين هذه المادة والمادة الثالثة من الدستور التي تنص على أنه (… ويعتبر العرب والأكراد شركاء في الوطن)، وهو تعبير سليم إلى حد كبير يلغي المادة الثانية، إلا إذا اعتبرنا الكورد مغتصبين للأرض التي يسكنونها في العراق الحالي، وأنها كانت في الأصل بلاد العرب، وهو ما لم يحصل قط في أية فترة من فترات التاريخ».
وعلى أثر نشر هذا المقال قدّم الحاكم العسكري العام سكرتير الحزب إبراهيم أحمد إلى التحقيق والمحاكمة بتهمة وفق المادة (31) من قانون تعديل ذيل قانون تعديل قانون العقوبات، والمادة (13) من مرسوم الإدارة العرفية، ومرسوم المطبوعات.
ونشرت «خه بات» مقالات عديدة أخرى ناقشت فيها فكرة الصهر الرجعية والفاشية، وفي مقال لها في عددها 440 الصادر في 22/12/1961 تحت عنوان «محاولات صهر القومية الكوردية ونتائجها الحتمية» كتبت تقول:
«إن القومية الكوردية حقيقة تاريخية صلدة تتحطم عليها المحاولات الإجرامية كلها، من إدماجية وإلحاقية وغيرها من محاولات الاستعمار في الماضي والفاشية في الحاضر. لقد عجزت، وستعجز، المحاولات اليائسة الرامية إلى صهر القوميات أو دمجها، مهما بلغت هذه المحاولات من القوة والبطش».
وعدّدت «خه بات» نتائج سياسة الصهر والدمج كما يلي:
«1. إن ممارسة سياسة الصهر والإدماج تثير البغضاء والعداوات وتنسف الوحدة الوطنية، فلا يمكن أن يبقى الكورد حريصين على وحدة لا تجلب لهم غير العبودية والحرمان من الحقوق وإنكار قوميتهم، ولا تجلب لهم إلا النار والحديد والقيود والسجون.
إن هذه السياسة، رغم فشلها في تحقيق الصهر والإدماج، تجلب الكوارث والويلات والحروب الأهلية للدولة التي تمارسها، مما يلحق بها أعظم الأضرار المادية والمعنوية.
إن كيان الدولة التي تمارس مثل هذه السياسة يبقى هزيلاً منخوراً لا يصمد أمام العواصف والأعاصير، وإن مثل هذه الدولة تتفتت وتتجزأ حالما تتبدل الظروف وتسنح الفرص.
إن شعب الدولة التي تمارس هذه السياسة سيبقى رازحاً تحت نير العبودية وأثقال الضرائب الباهظة، ويبقى محروماً من الحقوق والحريات الديمقراطية، فالشعب الذي يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حراً.
إن الإخلاص للوحدة الوطنية والأخوة العربية الكوردية يكمن في شجب محاولات التحريض على القضاء على القومية الكوردية، وفي استنكار إنكار حقوق القومية الكوردية».
وقد جوبهت دعوة صهر القومية الكوردية بالاستنكار والاستهجان من لدن الأحزاب الوطنية والديمقراطية، وتصدى الحزب الشيوعي من خلال صحافته لهذه الدعوة الشوفينية.
ولنرَ كيف يعالج البعث مسألة الأقليات القومية في الوطن العربي، كما ورد في الكراس الذي طُبع بمطابع دار الثورة في بغداد عام 1979، وقد نوقشت هذه المعالجة في المؤتمر القومي الحادي عشر وأُقرت:
«… إن الشرط الذي وضعه الحزب للانتماء إلى الأمة العربية، والذي نص عليه الدستور في مبادئه، هو ما يلي:
العربي هو من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية، أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية.
إن هذا التحديد يعني شمول الهوية العربية لكل الأفراد والمجموعات التي ينطبق عليها هذا الشرط دون اشتراط العامل العنصري، وهو يفسح المجال واسعاً لتعميق امتزاج الأقليات والأقوام الصغيرة في الأمة العربية. أما بالنسبة للقوميات ذات الثقل السكاني النسبي التي تعيش في إطار الوطن العربي، وتمتلك لغة وسمات فيها قدر من التمايز عن اللغة والسمات القومية العربية، مثل القومية الكوردية، فلا بد من القبول بخصوصيتها القومية المحلية، وحل أي تعارض بين هذه الخصوصيات وحركة القومية العربية، لأن مثل هذه القوميات تمتلك لغات وسمات متميزة عن اللغة القومية العربية، وفي الوقت نفسه من الخطأ اعتبارها قوميات مختلفة عن الأمة العربية بالمستوى نفسه الذي تختلف فيه القومية الفارسية والهندية أو غيرها من القوميات.
ذلك أن هذه القوميات التي تمتلك لغات وسمات متميزة عن اللغة والسمات العربية، والتي تعيش في الوطن العربي منذ حقبة طويلة، كالقومية الكوردية، قد ارتبطت بالأمة العربية بوشائج عميقة الجذور، فهي أصلاً تعيش منذ نشأتها، وعبر هذه الحقبة، في الأرض التي عُرفت تاريخياً بالوطن العربي، على رغم اختلاف المسميات بين أجزائه واختلاف أسماء الدول التي قامت عليه. وهذه مسألة مهمة، فالأرض التي تعيش عليها هذه القوميات كانت جزءاً من الدول التي نشأت منذ آلاف السنين، والتي كان آخرها الدولة العباسية الكبرى، وهذه الأرض هي في الوقت نفسه موطن تلك القوميات. وعلى هذا الأساس فإن الهوية العربية للأرض التي تعيش عليها هذه الأقليات لم تأتِ عن طريق القهر أو الاستعمار أو الاستلاب، وإنما أتت نتيجة الواقع التاريخي الممتد عبر آلاف السنين، ولم يكن حول ذلك، عبر كل تلك الحقبة التاريخية الطويلة، أي جدال أو نزاع.
وقد كانت هذه القوميات، خلال مراحل التاريخ المختلفة، جزءاً حياً من الكيان العربي، مرتبطاً به ومتفاعلاً معه، ولم تكن جسماً غريباً فيه ومتناقضاً معه.
وقد بلغت الوشائج بين الأمة العربية وهذه القوميات مستوى عميقاً جداً وشاملاً في إطار العقيدة الإسلامية التي امتدت عدة قرون».
إن هذه وثيقة خطيرة للغاية، وتمثل قمة الأفكار العنصرية المقيتة، وأتمنى أن يوليها الكتّاب والباحثون والمؤرخون العرب والكورد ما تستحقه من اهتمام، ويدرسوها دراسة علمية، ويردوا عليها حسب منطق التاريخ والواقع المعزز بالحقائق التي تفند هذه المزاعم الضالة.
وما يهمني أن أشير إليه هو أن الكورد عندما دخلوا الإسلام دخلوه طواعية، ولم يكن لديهم مانع في أن ينصهروا في بوتقة الإسلام، إذ كانت الشعوب الأخرى مستعدة أيضاً لتنصهر في بوتقة الإسلام. وطالما كان العرب يحكمون باسم الإسلام فإن الكورد أدّوا أهم الأدوار في تعزيز دعائم الحكم الإسلامي، والدليل على ذلك ما قام به القائد صلاح الدين الأيوبي، البطل الكوردي المشهور. ولكن عندما ظهرت الدعوات القومية، من العرب وغيرهم، طالب الكورد بحقوقهم القومية، وهذا حق طبيعي.
أما ما تدّعيه هذه الوثيقة من أن الكورد قومية تعيش على أرض عربية، فهذا تجنٍّ على التاريخ والحقيقة، وموقف نابع من التعصب القومي الأعمى؛ فالكورد أمة أقدم من جميع الأمم الأخرى، تعيش على أرضها كوردستان، ولم يقرّ الكورد في يوم من الأيام، لا في العهد العباسي ولا في أي عهد آخر، بأن كوردستان جزء من الوطن العربي، ولن يقروا بذلك أبداً.
وحقيقة كون الكورد أمة أرضها كوردستان لا يمكن أن تُمحى بمجرد إصدار «وثيقة صفراء»، وهذه العقلية عقلية شوفينية عفا عليها الزمن، وهذا العصر ليس عصر طرح مثل هذه الأفكار الخبيثة التي لن تثمر أبداً، وستكون نتيجتها المزيد من إراقة الدماء والمآسي للعرب والكورد على حد سواء.
ولكي يكون الأمر واضحاً، فإن هذه الأفكار العنصرية لا تمثل آراء العرب الشرفاء الذين قرؤوا التاريخ واستخلصوا العبر منه.
ومن الأمثلة على ذلك موقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من القضية الكوردية؛ فقد وقف دوماً مع الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، وأقرّ حق تقرير المصير للأمة الكوردية، واعتبر ذلك من مصلحة الأمة العربية، وهو عين الصواب. ومعظم القوى والأحزاب القومية الديمقراطية في العراق، من ناصريين ووحدويين ومستقلين وغيرهم، أقرّوا حق الأمة الكوردية في تقرير المصير، ولم يدّعِ أحد منهم أن كوردستان جزء من الوطن العربي. كما أن الأحزاب الشيوعية والشخصيات ذات العقول النيرة والأفكار المتفتحة في الوطن العربي أقرّت للأمة الكوردية حقها في تقرير المصير.
كذلك يمكن الاستشهاد بتصريحات العقيد معمر القذافي حول الأمة الكوردية، وآخرها ما قاله شخصياً في آذار 1986 عندما خطب في المؤتمر الثاني لـ«المثابة العالمية»، حيث أكد أصالة الأمة الكوردية، وندّد بمحاولات إبادة الشعب الكوردي، ودعا إلى تشكيل دولة كوردية مستقلة، وأكد أنه ينطلق في ذلك من مصلحة الأمة العربية.
ونورد مقتطفات مما كتبه بعض المثقفين العرب حول العلاقة بين الأمتين العربية والكوردية، لكي يطلع الكوردي الحريص على أمته وعلاقتها بالأمة العربية على ما يقوله العرب الشرفاء بهذا الصدد.
يقول الدكتور شاكر خصباك:
«وفي رأينا أن الاتحاد العربي الكوردي لا بد أن يضع نصب عينيه هذه الحقيقة المهمة، وهي الاعتراف بالقومية الكوردية اعترافاً حقيقياً وكاملاً، لا اعترافاً مزيفاً كما كانت تفعل الحكومات السابقة، فاتحاد الكورد مع العرب لا يعني انصهار قوميتهم في القومية العربية، وإن من الخطأ أن نغير الحقائق بالإشادة بالعنصر العربي على حساب قوميتهم وعنصرهم، ولكن اتحادهم مع العرب عن رضى يجعلهم بداهة من أشد أنصار القومية العربية المتحررة، وفي هذه الحالة لا بد أن يقابلهم العرب بالمثل فيكونوا أنصاراً حقيقيين للقومية الكوردية المتحررة. فالعلاقة بين الكورد والعرب علاقة مصلحية وروحية، وهذا هو القانون الذي يتحكم في علاقة أية قومية بقومية أخرى في العالم، فعلاقة الشعوب لا تتوطد على أركان الاستغلال، بل على أركان التآخي وتبادل المصالح، وإن الاعتراف بالقومية الكوردية يؤدي بلا شك إلى ترسيخ عرى الاتحاد العربي الكوردي».
ويستطرد الدكتور شاكر خصباك قائلاً:
«لا بد من التأكيد ثانية على وجوب عدم السماح للأخطاء الماضية بالتكرر، وهذا يستدعي أن نضع نصب أعيننا الحقيقة التاريخية، وهي أن الكورد ليسوا أقلية من الأقليات العنصرية التي وردت إلى العراق، فهم السكان الأصليون لهذه المناطق منذ آلاف السنين، وحقوقهم في العراق مساوية لحقوق العرب تماماً. وما دمنا قد اتفقنا على الشراكة في هذا الوطن فلا بد أن نحاول اتباع أفضل الطرق لتدعيم هذه الشراكة، ولدينا أمثلة واضحة من أنظمة الدول الاتحادية ذوات القوميات المتعددة التي سبقتنا في مضمار التقدم الإداري، وخير لنا أن نحاول الاستفادة من تجاربها على ضوء ظروفنا، إذا ابتغينا إقامة صرح دولتنا على أسس متينة لا تزعزعها الأهواء والمطامع الشخصية، ولا يؤثر في متانتها توالي السنين».
وقدّم الأستاذ عزيز شريف، المناضل الديمقراطي المعروف وصديق الشعب الكوردي، بحثاً قيّماً عام 1950 تحت عنوان «المسألة الكوردية في العراق»، وفيما يلي مقتطفات منه:
«للشعب الكوردي الحق في تقرير مصيره كأي شعب من شعوب العالم، وهو لا يستمد هذا الحق من أي اعتبارات عنصرية، وللشعب الكوردي مفاخر لا يستمدها من نسب عنصري، وإنما يستمدها من مساهمته في تقدم الحضارة الإنسانية، ومن كفاحه المجيد في سبيل الحرية.
عندما تُبحث المسألة الكوردية يأتي الهجوم على حرية الشعب الكوردي في تقرير مصيره تحت شعار الوحدة… بين العرب والكورد تقارب نفسي تركه تاريخهما المشترك في قرون طويلة، فالعربي الذي يعرف شيئاً من التاريخ يعتبر القائد صلاح الدين الأيوبي من أسلافه الذين يعتز بهم، كما ينظر الكوردي هذه النظرة إلى السلف الصالح من رجال التاريخ الإسلامي من العرب. والتزاوج بين الكورد والعرب أكثر منه بين العرب أنفسهم (شيعة وسنة)، ولكن العرب يجهلون طبيعة المسألة الكوردية جهلاً مخجلاً. والرأي السائد في الحركة القومية العربية، أو الذي كان سائداً إلى عهد قريب، هو الرأي الرسمي، وهو أن الكورد «عراقيون»، وأن الذين يفكرون تفكيراً قومياً كوردياً إنما هم انفصاليون أعداء للوحدة العراقية، ويقال أحياناً إنهم عملاء الاستعمار البريطاني نفسه الذي يحارب القومية الكوردية ويعتبرها خطراً على أنظمة الحكم الرجعية في الأقطار الثلاثة المتجاورة.
وقد ساعد على تضليل جماهير العرب زمناً طويلاً في هذه القضية ثلاثة أسباب رئيسة، هي:
- الدعايات الشوفينية العربية ضد الكورد.
- الدعايات الحكومية.
- تبني الحركة الكوردية من قبل بعض عملاء الإنكليز».
ويلخص الأستاذ عزيز شريف بحثه في أن حل المسألة الكوردية في العراق يتضمن ما يلي:
«1. نضال الجماهير العربية الكادحة في سبيل حرية تقرير المصير للقومية الكوردية، بما في ذلك الانفصال وتأليف دولة مستقلة. 2. نضال التقدميين الكورد المطلق ضد الميول الانعزالية بين الجماهير الكوردية، ودعوتهم إلى الاتحاد الاختياري بالعراق في الظروف الراهنة القائمة».
ويقول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز حول الكورد ما يلي:
«إن أكراد العراق جزء من الأمة الكوردية التي تقطن منطقة شاسعة تشمل قسماً من الأناضول، وشمال غربي إيران وجنوب غربيها، وقسماً من شمال شرقي العراق، وقسماً صغيراً من جنوب جمهورية أرمينيا من جمهوريات السوفييت، وجزءاً أصغر من شمال سورية وشمالها الشرقي.
… إن الواعين من أكراد العراق، ككل الأكراد الآخرين، يشعرون اليوم بقوميتهم، ويتحسسون، على نحو أو آخر، بمشاعر تلك القومية، وخاصة بعد أن نما الشعور القومي في المنطقة كلها.
فحين يكون من حق العرب والأتراك والإيرانيين مثلاً، وهم جيران الأكراد ومواطنوهم في أقطارهم الثلاثة هذه، أن يشعروا بقوميتهم، ويتنادوا بشعاراتها، ويسعوا لتحقيق أهدافها، يكون من الضلالة وقلة الإنصاف أن يُنكر ذلك على الأكراد».
لعل ما أشرنا إليه من مقتطفات من كتابات بعض رجال الفكر العرب أفضل رد على مزاعم الشوفينيين الذين أعماهم التعصب، فحال بينهم وبين فهم واقع الحياة والتاريخ.
وما أود التأكيد عليه الآن هو أن الأمة الكوردية أمة قائمة، وهي إحدى الأمم الكبيرة التي تقطن الشرق الأوسط بشكل فعال، إنها أمة غُبنت تاريخياً، وتعرضت إلى تجزئة غادرة، شأنها في ذلك شأن الأمة العربية. وعلى الأمة الكوردية أن تحارب جميع الأفكار الانعزالية في صفوفها، وفي الوقت نفسه يجب عليها مقاومة جميع محاولات الصهر أياً كان مصدرها، وأن تعمل بجد على إيجاد أفضل صيغ التآخي مع الأمم الجارة كالعرب والفرس والترك.
إن الأمة الكوردية يزيد عدد سكانها على (35) مليون نسمة، وهي في الوقت الحاضر تُعد أكبر أمة بلا كيان سياسي، وسوف يستمر نضالها، مهما كلف الثمن ومهما طال الزمن، من أجل أن تنال حقوقها، تلك الحقوق التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة للأمم، والتي تتلخص في:
- الحق في اختيار نظمها السياسية وإقرارها.
- الحق في تحديد أوضاعها الاجتماعية.
- الحق في تقرير وضعها الثقافي.
- الحق في وحدة أراضيها القومية.
- السيادة المطلقة للشعوب على ثرواتها الطبيعية.
إن أساليب الصهر والقمع لا تنفع، وإن التعاون والتعايش الأخوي بين الأمم، والاحترام المتبادل، والمساهمة الإيجابية في بناء المستقبل المشرق الزاهر لأبنائها، هو السبيل القويم، وما عداه فلن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي والفشل.
وأخيراً نقول نحن الكورد لأشقائنا العرب، رداً على المزاعم التي وردت في كراس البعث المشار إليه: نحن أشقاؤكم، نشارككم المصير في السراء والضراء، إلا أن الأمة الكوردية ليست جزءاً من الأمة العربية، ولا كوردستان جزء من الوطن العربي. ونناشد العرب الشرفاء أن يتصدوا لمثل هذه الأفكار الشوفينية التي لا تخدم مصالحهم الإستراتيجية إطلاقاً.
أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع (هذا الجزء)