الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

مقدمات ثورة 14 تموز 1958

رغم الانتكاسة التي تعرضت لها انتفاضة سنة 1952 فإنها لم تمر دون أن تترك أثراً، يدلنا على ذلك أن الوصي لم يدعُ نوري السعيد إلى رئاسة الحكومة، رغم أن أنصاره ازدادوا عدداً بعد الأخذ بنظام الانتخاب المباشر في سنة 1952، غير أنه توالى على الحكم ساسة تقليديون من المدرسة نفسها: جميل المدفعي ثم فاضل الجمالي.

وقد أراد فاضل الجمالي، وهو من الحاصلين على الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية، أن يتظاهر بإطلاق الحريات الفردية، ربما تأثراً بالنزعة الليبرالية التي تشبّع بها في الغرب، حتى إنه افتتح مجلة عُرفت باسم «الثقافة الجديدة» وساهم بالكتابة فيها كثير من اليساريين، ولكن قيل إنه فعل ذلك خطةً مدبرة للكشف عن بعض الشخصيات المعارضة تمهيداً للقضاء عليها.

ومع أن فاضل الجمالي هو الذي بدأ بتنفيذ سياسة التحالف مع الغرب، فإنه لم يحظَ برضا نوري السعيد لوجود بعض هذه الملامح الليبرالية، لذلك اضطر إلى الاستقالة، وكُلّف رئيس الوزراء الجديد أرشد العمري بإجراء انتخابات أخرى. وبهذه المناسبة حدث تطور مهم في تاريخ الحياة السياسية العراقية؛ فقد قرر حزبا الاستقلال والوطني الديمقراطي أن يكوّنا جبهة متحدة مع حركة أنصار السلام التي ترأسها عزيز شريف، ومع الحركة الشيوعية السرية، بقصد خوض الانتخابات، ولكن دون أن يكون هناك ارتباط دائم بين هذه الهيئات المختلفة.

ولا شك أن هذا التكتل المؤقت مهّد لقيام الجبهة الوطنية المشهورة في سنة 1957؛ ذلك أنه منذ انتفاضة سنة 1952 حاول حزبا الاستقلال والوطني الديمقراطي أن يوحدا جهودهما في النضال السياسي، والأمر الجديد هو اتفاق هذين الحزبين مع اليسار بما في ذلك الشيوعيون.

وكان من المفروض أن تظفر الجبهة المتحدة بعدد كبير من المقاعد، لا سيما أنها تتمتع بتأييد النقابات العمالية، غير أن تدخل الحكومة السافر فوّت عليها فرص النجاح في دوائر عديدة، وعادت الأغلبية من المستقلين وحزب الاتحاد الدستوري تحتل مقاعدها في البرلمان العراقي.

ويبدو أن عبد الإله قد انزعج لقيام التكتل المذكور، فدعا نوري السعيد من لندن لكي يتسلم الحكم، وقبل جميع الشروط التي قدمها الأخير لهذا الغرض، وهي تقضي بحل جميع الأحزاب وحل المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة. وإن تخلّي نوري السعيد عن الحزب الذي يتزعمه إنما يدل على أن الحياة الحزبية لم ترسخ في العراق ولم تتخطَّ الشكل الخارجي، على الأقل بالنسبة لهؤلاء الزعماء التقليديين. وتدلنا الصيغة التي وردت في أمر حل الأحزاب على الخلط بين المعارضة السياسية والاتهام بالآراء الهدامة:

«إن كل من حبّذ أو روّج أياً من المذاهب الاشتراكية البلشفية الشيوعية والفوضوية الإباحية وما يماثلها، التي ترمي إلى تغيير نظام الحكم والمبادئ والأوضاع السياسية للهيئة الاجتماعية المضمونة بالقانون الأساسي، يستحق عقوبة الحبس مدة سبع سنوات، أو الحبس المؤبد، أو الإعدام إذا كان التحبيذ قد جرى بين القوات المسلحة، سواء كان ذلك مباشرة أو بواسطة هيئات أو منظمات تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور تحت أي شعار كان، كأنصار السلام والشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك».

وقد أضاف مرسوم آخر عقوبة سحب الجنسية العراقية ممن يثبت اعتناقهم لهذه الآراء. ويُستنتج من كل ذلك أن المراسيم كانت موجهة في الأصل ضد الشيوعيين وحلفائهم، وربما خشي أعضاء حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي أن يُسلَّط السيف نفسه عليهم وقتاً ما، ولذلك كانوا يُصدرون الاحتجاج تلو الاحتجاج على إجراءات الحكومة، واضطرتهم الأحداث في النهاية إلى الانصراف نهائياً عن فكرة العمل في الإطار الدستوري. وظهرت بوادر هذا الاتجاه حين سحب حزب الاستقلال نائبيه الوحيدين اللذين تمكنا من النجاح في انتخابات أيلول/سبتمبر 1954 التي أجراها نوري السعيد.

كذلك شعرت المعارضة بضرورة توحيد صفوفها، ولهذا قرر الحزبان المتقاربان، الوطني الديمقراطي والاستقلال، الاندماج في حزب واحد يُعرف بالمؤتمر الوطني، وتكوين لجنة عليا من خمسة أعضاء لكل منهما.

وكان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والموقف المتخاذل الذي وقفته حكومة نوري السعيد، بمثابة نقطة تحول جديدة في تاريخ الحركة الوطنية العراقية؛ فللمرة الأولى تتحد جميع الأحزاب السياسية في جبهة وطنية، وتقرر اتباع نظام العمل السري. وقد ضمت هذه الجبهة حزب الاستقلال والحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث، الذي أخذ يحتل بدوره مكانة في الحياة السياسية العراقية منذ سنة 1956.

إن فكرة تعاون الأحزاب المتشابهة قد راودت زعماء الأحزاب منذ تكوينها كما رأينا، وكانت المشكلة الكبرى هي كيفية ائتلاف الشيوعيين مع غيرهم. أما حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي فقد تم اتحادهما بسهولة بعد حل الأحزاب سنة 1954، فكلاهما امتنع عن خوض الانتخابات، كما أنهما اتفقا على انتقاد سياسة الحكومة الداخلية والخارجية، لذلك قررا الاندماج في حزب جديد أسمياه حزب المؤتمر الوطني، وتقدم الحزب الجديد بطلب الترخيص له بالعمل في حزيران/يونيو سنة 1956. ويلاحظ أن برنامج الحزب ارتكز في الأمور الداخلية على معارضة الإجراءات المنافية للديمقراطية التي اتخذها نوري السعيد، فذكر أنه يستهدف «إقامة نظام برلماني، وإحلال سيادة القانون، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وفسح المجال للعمل الحزبي والتنظيم النقابي وحرية الصحافة، وإيجاد الوسائل لضمان هذه الحقوق، وفي مقدمتها إلغاء المراسيم والقوانين التي تحول دون ضمان ذلك، وتشريع ما يقتضي لتحقيقه».

ويُستنتج من ذلك أن قادة الحزبين المندمجين تمسكوا بالنظام الدستوري السابق، بالرغم من أن تجربته في العراق لم تثبت نجاحاً يذكر على نحو ما رأينا، ولم يدفع هذا الفشل قادة الحزبين بعدُ إلى التفكير الثوري.

وتأهب الحزبان للعمل، وذلك بتكوين مكتب سياسي وإعلان نظام الحزب وتوضيحه في الطلب المقدم إلى وزارة الداخلية لإجازته، غير أن الوزارة رفضت السماح للحزب الجديد بالعمل، مستندة إلى قانون الجمعيات الصادر سنة 1954. كذلك لم تنجح محاولة أخرى لاستصدار حكم من محكمة التمييز بعدم دستورية الرفض. ولا شك أن هذا الموقف هو الذي دفع بقادة حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي لكي يتحولوا عن التقاليد التي اتبعوها منذ زمن طويل، ألا وهي العمل في إطار النظام الدستوري، ويسيروا في اتجاه العمل الثوري الذي يتطلب السرية التامة. ولعل اتباع أسلوب العمل السري، المشابه لأسلوب الحزب الشيوعي، كان نقطة تقارب مهمة مهدت للاشتراك مع هذا الحزب في تكوين الجبهة الوطنية سنة 1957.

ونتبين مما سبق كيف أن هذا الائتلاف كان يبدو في كثير من الأحيان أمراً مستحيلاً؛ فقد سبق لحزب الاستقلال أن هاجم الشيوعية، ومن الجهة الأخرى كان اتجاه الحزب الشيوعي في العراق هو أن تتكتل أحزاب اليسار فقط في جبهة وطنية. وفي رأيه أن حزب الاستقلال يمثل اليمين المحافظ، أما الحزب الوطني الديمقراطي فيمثل البرجوازية الليبرالية، أي التي تدعو إلى حرية نشاط الفرد في السياسة والاقتصاد، وهو مبدأ يتناقض مع النظام الجماعي الذي ترتكز عليه الشيوعية.

ونتيجة للتقارب الذي تم بين الاتحاد السوفيتي وبعض الحكومات الوطنية غير الشيوعية في الوطن العربي، تمهد السبيل للتلاقي بين حزبي الاستقلال والبعث من جهة، والحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي من جهة أخرى.

فلما انضم العراق إلى حلف بغداد عام 1955، وظهرت في العالم العربي دول وطنية تحررية أخرى تعارض الحلف وتتمتع بتأييد الاتحاد السوفيتي، بل إن الاتحاد السوفيتي، كما هو معلوم، زوّد هذه القوى الوطنية في مصر وسوريا بالأسلحة، زالت كثير من الحواجز التي كانت تفصل بين الأحزاب الوطنية والحزب الشيوعي. وفي الوقت نفسه عدّل الشيوعيون موقفهم إزاء مبدأ القومية العربية، فقد كانت تحوم حول الشيوعيين في العالم العربي شبهات قوية بمعارضتهم لفكرة الوحدة العربية وتهاونهم إزاء قضية فلسطين، لذلك حين أخذ الشيوعيون زمام المبادرة في الدعوة إلى جبهة وطنية حرصوا على نفي هذه التهمة.

واختار الشيوعيون كامل الجادرجي لكي يقوم بالوساطة بينهم وبين بقية الأحزاب، وقدموا إليه مذكرة في أيار/مايو سنة 1955 تتضمن الأسس التي يمكن إقامة الجبهة عليها: أولاً، أنه يجب أن تقتصر الجبهة على اليساريين، والأمر الجديد هو التوسع في مفهوم اليسار بحيث يشمل «كل من يحمل فكرة تقدمية»، من أحرار الفكر إلى أقصى اليسار. وثانياً، أنه يجب الاتفاق على منهاج واحد يؤدي إلى إقامة الديمقراطية. ولكن نظراً إلى أن الشيوعيين غير متفقين على مدى الاندماج، فلا بد من أن يحتفظ كل حزب بكيانه، ولذلك تضمنت المذكرة تحفظاً بأنه يجب إيجاد ضمانات عملية كافية تجعل العناصر الوطنية والمستقلة وسائر العناصر اليسارية وغيرها ممن تؤلف الجبهة مطمئنة إلى أنها لن تصبح آلة بيد جهة من الجهات.

وبناء على ما تقدم يجب ألا يوضع أي حزب من الأحزاب أمام الأمر الواقع باتباع سياسة معينة يتحمل هو مسؤوليتها.

ويجب أن تُبذل الجهود لإزالة الوهم السائد بصفة عامة لدى الرأي العام بأن اليساريين أو التقدميين غير قوميين، وأنهم لا يهتمون بالقومية العربية. وإنما الاعتقاد الذي يجب أن يسود لدى الرأي العام العربي بصفة عامة، والعراقي بصفة خاصة، في هذا الصدد هو أن العرب أمة واحدة لها طابعها الخاص وثقافتها الخاصة وأحوالها الخاصة، مع تباين أقطارها في بعض الخصائص، وأن العرب، كأمة أو كقطر، رغم تمسكهم بقوميتهم الأصلية واعتزازهم بها، يقرّون جميع حقوق القوميات والأقليات التي يعيشون معها.

وعلى هذا الأساس فإن كل يساري أو تقدمي لا يمكن أن يكون إلا قومياً أصيلاً، ولكن قوميته هذه يجب ألا تشوبها شائبة القومية الشوفينية «المتطرفة» في أي حال من الأحوال.

ويجدر بنا أن نتساءل: هل صارت هذه النقطة الأخيرة جزءاً من عقيدة الحزب الشيوعي في العراق، أم أنها كانت مجرد وسيلة لتقريب وجهات النظر مع حزبي البعث والاستقلال؟ إننا نلاحظ أن تحولاً مهماً قد حدث عند الشيوعيين في آسيا وأفريقيا بصفة عامة بعد وفاة ستالين، إذ خفّت تبعية الأحزاب الشيوعية الأخرى للهيئة الدولية القائمة في موسكو، ولذلك لا يُستبعد أن تكون هذه النقطة جزءاً من منهج الجبهة التي أريد إنشاؤها.

أما الالتحاق بالجبهة فقد كان محل نظر من ناحية الشيوعيين: فهل يُعد اندماجاً نهائياً، أم مجرد مرحلة إلى أن تتحقق الأهداف، فيُطلق لكل حزب بعد ذلك حرية العمل؟ لقد كان هذا الرأي الثاني هو الراجح لدى أوساط الشيوعيين، يؤكد ذلك الموقف المبدئي الذي اتخذه الشيوعيون ضد الأحزاب الأخرى إبان الفترة التي تعاون فيها عبد الكريم قاسم معهم. وعلى كل حال فإن تنظيم الجبهة يدل على أنها كانت مؤتلفة من أحزاب يحتفظ كل منها بشخصيته، دون أن تندمج في حزب واحد أو شيء من هذا القبيل، فبحسب نظام الجبهة:

يجب تمثيل جميع الأحزاب المشتركة في الجبهة في اللجنة الوطنية واللجنة التنفيذية واللجان الرئيسة التي دونها بممثل أو أكثر، على أن يكون لكل حزب صوت واحد دائماً. ويجوز ضم عناصر لا حزبية إلى مختلف لجان الجبهة، بما فيها اللجنة الوطنية العليا، ولا يُتخذ أي قرار ملزم إلا إذا أجمع عليه ممثلو جميع الأحزاب. أما العناصر المستقلة فالحصول على موافقتها أمر ضروري، ولكن إذا رفض أحدهم قراراً ما فلا يؤدي ذلك إلى نقضه.

  • لا يُشترط تمثيل كل الأحزاب في اللجان الفرعية.
  • تظل جميع الأحزاب الداخلة في الجبهة مستقلة بعضها عن بعض سياسياً، وكذلك العناصر غير الحزبية.
  • في الأمور المختلف عليها يحق لكل حزب من الأحزاب أن يدعو إلى رأيه الخاص، إلا إذا كان ذلك الرأي مناقضاً لروح الميثاق والقرارات التي تُجمع عليها الأحزاب.

وقد ارتبطت الجبهة بعدد كبير من الساسة المستقلين الذين شاركوا في عدة مواقف حسب خطة الجبهة، وربما دون علمهم بوجودها، ذلك أن الجبهة، رغم كونها منظمة سرية، تمكنت من إصدار منشورات تندد فيها بسياسة الحكومة في مناسبات عدة؛ فقد فضحت موقفها من العدوان الثلاثي، كما أصدرت منشوراً آخر يكشف كثيراً من الحقائق المشينة المتعلقة بحلف بغداد وبموقف نوري السعيد من إسرائيل. وكان الاتحاد الهاشمي من أكثر الأعمال إثارة لسخط الوطنيين.

فمنذ أن حصلت إمارة شرق الأردن على استقلال شكلي سنة 1946 تكررت المحاولات لإقامة نوع من الاتحاد بين العرشين الهاشميين في الأردن والعراق، ولم تتم هذه المحاولات بسبب التمسك بامتيازات الحكام المستقلة، إلا أنه بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة رأت الحكومتان الهاشميتان أنه قد حان الوقت لتحقيق الاتحاد حمايةً للنظام الملكي في البلدين.

وكان مشروع مفصل للاتحاد الهاشمي قد رُسمت خطوطه في سنة 1947، وتمت مصادقة البرلمان العراقي عليه، ومع ذلك فقد ظل حبراً على ورق. وفي أثناء حرب فلسطين 1948 كان العراق من بين الأقطار العربية التي قبلت أن يتولى الملك عبد الله القيادة الموحدة للجيش العربي (العراقي والأردني)، وبالرغم من وجود هذه الصلات الأسرية لم يوضع نظام القيادة الموحدة موضع التنفيذ.

ذلك أن فكرة التوسع لم تغب عن أذهان مقترحي الاتحاد الهاشمي من الطرفين؛ فقد كان الملك عبد الله يسعى لتحقيقه على أمل أن يُعلن وصياً على العرش في العراق، فلما قُتل انتقل زمام المبادرة إلى العراق، وتضمن المشروع العراقي مبدأ إعلان الملك فيصل وريثاً لعرش الأردن، الذي ظل زمناً طويلاً غير مستقر بعد مقتل الملك عبد الله. وقد بادرت بريطانيا إلى إعلان ضمانها لكيان الأردن في هذه الظروف حتى تزيل مبررات الاتحاد مع العراق.

ويُعد نظام الاتحاد بين العراق والأردن، الذي أُعلن في 14 شباط/فبراير سنة 1958، إحياءً لمشروع سنة 1947؛ فتحتفظ كل مملكة بشخصيتها، على أن تقام حكومة اتحادية بجانب حكومتين إقليميتين لكل من المملكتين (العراق والأردن). وقد زيد في مشروع سنة 1958 إقامة برلمان اتحادي وعلم مشترك للقطرين.

ومن الشائعات غير الثابتة أن نوري السعيد باشا فكّر في عدم الاكتفاء بإقامة الاتحاد، وذهب إلى حد التحول عن هذا الموقف الدفاعي إلى فكرة مهاجمة الجمهورية العربية المتحدة، وأوعز إلى عبد الوهاب مرجان، رئيس الوزراء آنذاك، أن يجتاز الجيش العراقي الحدود السورية في 2 آذار/مارس 1958، غير أن رئيس الوزراء رفض التورط في تلك المخاطرة. ويقول البعض إن هذا من الأسباب التي عجّلت بانفجار ثورة 14 تموز 1958.

ثورة 14 تموز 1958 وموقفها من الأكراد في كوردستان العراق

بعد سقوط النظام الملكي في العراق يوم 14 تموز 1958 بات من المؤكد أن المنطقة الكوردية في العراق ستشهد تطورات سياسية واجتماعية ملموسة أسوة بالمناطق العربية. لقد كان من الإجراءات المهمة التي اتخذتها حكومة عبد الكريم قاسم تجاه الأكراد في الأيام الأولى من الثورة ما يلي:

أ. إصدار قانون العفو العام عن الأكراد المدنيين والمحكومين في العهد الملكي، وكان المقصود بالعفو الملا مصطفى البارزاني وجماعته الذين كانوا في الاتحاد السوفيتي (السابق).

ب. إطلاق سراح الشيخ أحمد البارزاني وأتباعه من السجن.

ج. إصدار الدستور المؤقت الذي أشار بصراحة إلى الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، وأقر بأن العراق يتكون من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد. فقد جاء في المادة الثالثة من الدستور المؤقت «أن المجتمع العراقي قائم على التعاون الكامل بين المواطنين كافة، وعلى احترام حقوق القومية داخل الكيان العراقي الواحد»، وجاء شعار الجمهورية العراقية يحمل سيفاً عربياً يجاوره خنجر كوردي.

لقد اعترض العديد من الضباط والشخصيات القومية على قرار عبد الكريم قاسم الخطير الذي سمح فيه للملا مصطفى البارزاني بالعودة إلى العراق. وقبيل السماح له ولجماعته بالعودة أرسل الحزب الديمقراطي الكوردستاني وفداً برئاسة إبراهيم أحمد، قابل الملا مصطفى البارزاني في براغ في أيلول 1958. وبعد أن سُمح رسمياً للملا مصطفى البارزاني بالعودة إلى العراق، سلّم عبد السلام محمد عارف، بصفته وزيراً للداخلية آنذاك، جوازات سفر للملا مصطفى البارزاني وأربعة من أصحابه المقربين إلى إبراهيم أحمد، الذي ذهب إلى الملا مصطفى البارزاني لمصاحبته أثناء العودة. وقد قيل آنذاك إن عبد السلام عارف نصح إبراهيم أحمد بأن يأتوا إلى العراق عن طريق القاهرة لملاقاة الرئيس جمال عبد الناصر. وأخيراً وصل الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد جواً في 7 تشرين الثاني 1958، بعد أن التقى بالرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة، وجرى له استقبال شبه رسمي في بغداد، وكان للحزب الشيوعي العراقي دور في استقباله والاحتفاء به.

موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والشيوعيين

شهد العراق منذ أوائل عام 1959 أخطر تحالف سياسي بين أطراف متباينة ومتناقضة الأهداف والمصالح؛ فقد أراد عبد الكريم قاسم استخدام الحزب الشيوعي العراقي لصالحه، كما احتضن الملا مصطفى البارزاني وجماعته ليوجههم ضد خصومه، ويجعل منهم قاعدة في المنطقة الشمالية (كوردستان) تحمي نظامه. وهكذا اندفع الحزب الشيوعي العراقي في موالاة عبد الكريم قاسم ودعم سلطته، فيما ذهب الملا مصطفى البارزاني وجماعته يثبّتون مواقعهم بين الأكراد، بانتظار الفرصة المناسبة للقيام بثورة كوردية لغرض الحصول على الحقوق القومية للشعب الكوردي، لشعورهم بانحراف الثورة عن مسارها. لقد اجتمع هؤلاء المتناقضون في تحالف أحرق البلاد، وتجلى ذلك في مذابح كركوك والموصل بمشاركة من عبد الكريم قاسم عام 1959. ولم تمضِ شهور على التعاون بين عبد الكريم قاسم والحزبين المتحالفين معه حتى بدأ كل منهم يحمل سكينه في خصره ليطعن الآخر في ظهره.

لقد استندت سياسة عبد الكريم قاسم إلى محاولة إضعاف الأحزاب والقوى السياسية كافة على الساحة العراقية، بحيث يضرب أحدها الآخر، وما إن تتم تصفية تلك القوة حتى يعمد إلى ترك القوة الأولى التي كان متحالفاً معها ليبحث عن غيرها يضرب به القوة الأولى. وهكذا استمرت سياسة عبد الكريم قاسم طوال السنوات الخمس التي حكم فيها.

وفي آذار 1960 طلب عبد الكريم قاسم من إبراهيم أحمد، سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أن يحذف من منهاج الحزب فوراً المادة التي تدعو إلى استقلال كوردستان، فرفض إبراهيم أحمد، معلقاً بأنه سيعرض الأمر على المؤتمر الخامس للحزب الذي كان مقرراً عقده في أيار من العام نفسه 1960. وكان الملا مصطفى البارزاني في ذلك الوقت قد طرد حمزة عبد الله من سكرتارية الحزب واستبدل به مجموعة إبراهيم أحمد وجلال الطالباني. وفي نهاية آذار 1961 عُطّلت جريدة «خه بات»، لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بأمر من عبد الكريم قاسم، وفي الشهر نفسه غادر الملا مصطفى البارزاني بغداد سراً إلى بارزان. وفي صيف 1961 استأنف الملا مصطفى البارزاني شن هجماته على القرى والقبائل المناوئة له، التي ساندها عبد الكريم قاسم لإضعافه، وقام الملا مصطفى البارزاني باستفزاز الحكومة وشخص عبد الكريم قاسم، وكانت بداية الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961.

اتضحت معالم القطيعة بين الملا مصطفى البارزاني والحزب منذ عام 1963، حيث بات واضحاً أن الحركة الكوردية المسلحة لا تتسع لهما معاً، وبات من المحتمل أن يتنحى أحدهما جانباً: الملا مصطفى البارزاني أو الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وكان النصر للملا مصطفى البارزاني بعد صراع بينه وبين الحزب سالت فيه دماء كثيرة من أبناء الشعب الكوردي، وبالتحديد في الانشقاق الخطير عام 1964، حيث أحكم قبضته على ما تبقى من الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ومنذ ذلك التاريخ ضاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في دوامة الملا مصطفى البارزاني وبعض قيادات الحزب، حتى انشقاق عام 1974 حيث استعاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني مكانته ودوره الطبيعي في ساحة النضال الحقيقي مع الأحزاب والقوى الوطنية والقومية التقدمية، في حين بقي الشق الآخر تحت قيادة ابني الملا مصطفى البارزاني (إدريس ومسعود).


أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←