الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958 (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الشعب الكوردي في كوردستان العراق وثورة 14 تموز 1958
1. الفترة الأولى من الحكم الجمهوري
كان المؤمّل أن ينال الكورد حقوقهم القومية العادلة والمشروعة في ظل الجمهورية العراقية الجديدة التي أقامتها ثورة الرابع عشر من تموز 1958 الوطنية. وكان تطلع الشعب الكوردي واقعياً ومعقولاً، مرتبطاً بنضاله الطويل وتضحياته الكبيرة، وكان الحكام الجدد يدركون هذه التطلعات العادلة ويعرفونها، إذ لم يكن في مطالب الكورد ما يؤثر سلباً في تطور الجمهورية العراقية، أو في مصالح الشعب العربي في العراق، أو الأقليات القومية فيه. وكان مطلب الشعب الكوردي يتركز حول ثلاثة محاور جوهرية:
أ. ضمان التطور الديمقراطي المستقل للجمهورية العراقية، وضمان الحريات الديمقراطية للشعب العراقي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومنها التنمية البشرية.
ب. ضمان الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة، أو حقه في إقامة الحكم الذاتي أو الاتحاد الفيدرالي ضمن الجمهورية العراقية.
ج. ضمان تمتع الشعب الكوردي بحقوقه القومية المشروعة في حالة قيام الوحدة أو الاتحاد الفيدرالي بين الدول العربية، إذ إن كوردستان العراق ليست جزءاً من الأمة العربية أو الوطن العربي، بل هي جزء من الأمة الكوردية وجزء من كوردستان.
ولم يكن في هذه المطالب المشروعة والعادلة ما يمكن أن يثير الغبار حول طموحات هذا الشعب الكوردي، الذي كان في العراق حتى قبل أن يأتي العرب إليه.
ولم يتحقق للشعب الكوردي الكثير مما كان يتوقعه، كما لم يرقَ ما تحقق إلى مستوى تطلعات الغالبية العظمى من الشعب العراقي. ورغم ذلك استبشر الشعب الكوردي وبقية الديمقراطيين في العراق خيراً لأسباب عدة، منها:
أ. مشاركة الشعب الكوردي الواعية والفعالة في النضال ضد النظام الملكي الإقطاعي والهيمنة الأجنبية، وتقديمه التضحيات الغالية على امتداد الفترات المنصرمة، إضافة إلى علاقته التنسيقية الفعلية مع جبهة الاتحاد الوطني عبر الحزب الشيوعي العراقي، وقناعته المبدئية بوطنية عبد الكريم قاسم ورغبته في تقدم العراق وازدهاره والاستجابة للحقوق القومية للشعب الكوردي، إضافة إلى التفاعل الكبير الذي برز بين العرب والكورد وباقي القوميات في أعقاب انتصار ثورة 14 تموز 1958.
ب. المشاركة الفعالة للقوى الديمقراطية التي كانت تساند عموماً مطالب الشعب الكوردي في تحقيق طموحاته في إطار الجمهورية العراقية الجديدة. وكانت القوى الديمقراطية هي الأكثر تأثيراً في دور جبهة الاتحاد الوطني ونشاطها والقوى الفاعلة فيها، وهي التي حسمت الموقف أيضاً لصالح الانتفاضة العسكرية باجتياحها شوارع بغداد وعموم العراق، كما منحت العملية كلها الحصانة التي تحتاجها من احتمالات التدخل والاعتداء الخارجي، الذي كان ممكناً وواقعياً حينذاك بعد التحشيدات الأمريكية في لبنان والبريطانية في الأردن.
ج. تعيين عضو كوردي في مجلس السيادة هو السيد خالد النقشبندي، بما يؤكد اعتراف قيادة ثورة 14 تموز 1958 بحق الشعب الكوردي في المشاركة في الدولة العراقية على مختلف المستويات، إضافة إلى وجود وزراء كورد في الحكومة الجديدة.
د. دعوة الثوار الكورد الذين هاجروا قسراً إلى الاتحاد السوفيتي عام 1947، وعلى رأسهم القائد الكوردي البارز الملا مصطفى البارزاني، إلى العودة إلى العراق والمشاركة في بناء الجمهورية الجديدة، جمهورية العرب والكورد والقوميات والأديان الأخرى. وقد غادر الملا مصطفى البارزاني بلاد المهجر (موسكو، الاتحاد السوفيتي السابق) بتاريخ 21/8/1958، ووصل بغداد في 7 تشرين الثاني 1958، وكان في استقباله في مطار بغداد الدولي حشد كبير جداً من الجماهير العراقية، من عرب وكورد وغيرهم، إضافة إلى عدد كبير من الوزراء والضباط والمسؤولين وأصدقاء القائد الكوردي وممثلي الأحزاب السياسية المختلفة. وفي اليوم التالي لوصوله استقبله عبد الكريم قاسم استقبالاً طيباً، مرحباً بقدومه ترحيباً حاراً.
هـ. نص الدستور العراقي المؤقت على بعض الفقرات المهمة بشأن الكورد، وبشكل خاص: «المادة (3): يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم، ويُعتبر العرب والكورد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية. المادة (9): المواطنون سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز التمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة».
ويُستدل من هاتين المادتين (3 و9) من الدستور المؤقت الجديد على أن قيادة الثورة أخذت باتجاهين أساسيين في تشريع حقوق المواطنة: أحدهما المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، باعتبار المواطن فرداً في المجتمع، والآخر حقوق الجماعات السكانية على أساس قومي. وقد شخّص الدستور على نحو خاص العرب والكورد، ولكنه لم يشر إلى القوميات الأخرى الموجودة في العراق، مثل التركمان والآشوريين والكلدان، التي حاول المشرّع ضمان حقوقها الفردية من خلال حقوق المواطن العراقي بصفة عامة، وفق الاتجاه الفرنسي في التشريع، وهو نقص في إطار الواقع الفسيفسائي العراقي. وكانت المادة الثالثة تتضمن ضعفاً واضحاً بطبيعة الحال، وهو عدم الإشارة إلى حق الشعب الكوردي في حالة قيام الوحدة العربية واستمرار الجمهورية العراقية. فالصيغة، كما جاءت في الدستور المؤقت، حمّالة أوجه وقابلة للتفسير وفق طبيعة القوى التي تكون على رأس السلطة وموازين القوى السياسية، في حين كان المفروض في المشرّع أن يعترف للشعب الكوردي بصراحة ووضوح بحقوقه كاملة غير منقوصة، خاصة أن الدستور اعتبر العراق جزءاً من الوطن العربي، وهذا يعني أن الشعب العراقي يشكل جزءاً من الأمة العربية، وهو أمر مخالف للواقع والحقيقة والتاريخ؛ إذ إن الشعب الكوردي ليس جزءاً من الأمة العربية، بل هو جزء من الأمة الكوردية، كما أن العراق ليس كله جزءاً من الوطن العربي، بل القسم العربي منه، في حين أن القسم الكوردستاني من العراق جزء من كوردستان الموزعة على تركيا والعراق وإيران وسوريا. ومع ذلك وجد الشعب الكوردي في تلك المواد بداية إيجابية للسير المشترك في بناء الحياة الجديدة، إذ يمكن بعدها إجراء التغييرات الديمقراطية الضرورية على الدستور المؤقت عند وضعه بصيغته النهائية وعرضه على الشعب للاستفتاء عليه، خاصة أن قادة الانتفاضة العسكرية قد وعدوا بذلك، رغم التباين في وجهات نظرهم قبل القيام بالانتفاضة وبعدها.
و. الحريات الديمقراطية التي فرضها زخم الانتفاضة العسكرية وعمقها، والتي سعت إلى تحويلها من انتفاضة عسكرية إلى ثورة اجتماعية من خلال زخم الحركة الشعبية الثورية التي فرضت نفسها في الشارع، وعبّرت عن ذاتها وعن تمتعها بالحرية بصيغ وأساليب كثيرة، وبدأت بتشكيل المزيد من منظمات المجتمع المدني، ومطالبتها بتعميق إجراءات الثورة من خلال ممارسة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي قامت من أجلها الانتفاضة وناضل من أجلها الشعب طيلة عشرات السنين، ومنها الإصلاح الزراعي، واستعادة مصالح العراق النفطية، والخروج من الأحلاف العسكرية، وغيرها. وكان من الإجراءات السليمة التي مارستها حكومة الثورة تخصيص برامج باللغة الكوردية في الإذاعة العراقية، وكذلك الإجراءات الأخرى التي اتُّخذت في مختلف المجالات، ومنها إطلاق سراح السجناء السياسيين، والسماح بالنشاط السياسي الواسع للقوى والأحزاب السياسية، رغم تعثر صدور قانون جديد ينظم الحياة السياسية والحزبية في البلاد ويضعها على أسس قويمة من الحرية والديمقراطية والتعددية، ومنح إجازات رسمية من قبل وزارة العدل لتمارس الأحزاب نشاطها بصورة شرعية وعلنية، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، والخروج من حلف بغداد والمنطقة الإسترلينية، وإقامة علاقات جديدة مع الاتحاد السوفيتي ومع الدول العربية، وتطور الحياة السياسية في منطقة كوردستان ذاتها.
واستبشر الشعب الكوردي بذلك كثيراً، وتجلى ذلك في مواقف الحزب الشيوعي العراقي، وكذلك في مواقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي كان يتزعمه الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، وكان إبراهيم أحمد سكرتيره العام حينذاك. فعلى سبيل المثال لا الحصر، جاء في البيان الصادر عن الاجتماع الموسع للحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي انعقد في تشرين الأول 1958، بشأن الجمهورية العراقية ما يلي:
«إن الشعب الكوردي مستعد للدفاع عن جمهوريته الديمقراطية الجديدة حتى آخر قطرة من دمه».
وهو تعبير مجازي يؤكد روح الفرحة والأمل التي حرّكتها ثورة تموز 1958 وأجّجتها في نفوس الشعب الكوردي وقواه السياسية، ويجسدها.
وفي أوائل عام 1960 حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني/العراق على إجازته الرسمية، وفتح مقراً له في منطقة السعدون ببغداد، حيث عقد مؤتمر الحزب الخامس، وحضر جوانب من أعمال المؤتمر رئيس الحزب حينذاك الملا مصطفى البارزاني.
ولكن الثورة لم تتقدم خطوات إلى الأمام، ولم تمضِ فترة طويلة على اتخاذ جملة من تلك الإجراءات الإيجابية حتى بدأت تتراجع بخطوات حثيثة على أعقابها، وكان هناك من يدفع بها إلى الوراء بزخم متصاعد. لقد كان على ثورة تموز 1958 أن تنجز جملة من المهمات الأساسية لتعزز مواقعها في المجتمع وفي أجهزة الدولة المختلفة، وتعبئ الجماهير الواسعة من حولها. وكانت هذه الاتجاهات الجديدة في السياسة تثير حفيظة قوى داخلية وإقليمية ودولية غير قليلة، إما بسبب علاقتها الحميمة بالهيمنة البريطانية السابقة ورغبتها في استمرارها في العراق، وإما لأنها كانت من القوى القومية ذات النظرة الضيقة والشوفينية التي ترفض منح الكورد حقوقهم القومية المشروعة. فكان على الدولة الجديدة والمجتمع ما يلي:
أ. تصفية بقايا الهيمنة البريطانية على السياسة الداخلية من خلال أجهزة الدولة، والتخلص من دور معاهدة عام 1930 وتأثيرها، وإلغاء حلف بغداد (1955)، والحد من دور شركات النفط الاحتكارية الدولية ونشاطها، وغير ذلك. وكان هذا يعني التعرض للمصالح الإمبريالية في العراق، وتقديم نموذج وطني يمكن أن يُحتذى في مناطق وبلدان كثيرة في العالم.
ب. وكان على العراق التخلص من سيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، لا بإصدار قانون ديمقراطي للإصلاح الزراعي فحسب، بل بتنفيذ هذا القانون لصالح الفلاحين والريف والزراعة والتطور الاقتصادي في البلاد. وقد اصطدم هذا القانون، الذي صدر فعلاً، بمصالح الفئات الإقطاعية وشيوخ العشائر والأغوات، إذ سلبهم القاعدة الأساسية لهيمنتهم على الفلاحين والريف.
ج. وكان على المجتمع العراقي أن يرسي دعائم الحرية والديمقراطية التي غيّبها العهد الملكي لصالح الفئات المالكة لوسائل الإنتاج في الريف والمدينة، وحرم منها غالبية الشعب. وكان هذا يعني الاستجابة لمطالب الشعب في الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان العراق، الذي طالبت به الجماهير الكوردية في العراق، ووجد المساندة والتأييد من أوساط عربية واسعة في البلاد. إلا أن هذا كان يصطدم بدوره بالمصالح الإمبريالية، وبالخشية من إقامة نموذج عراقي متقدم على مستوى القطر وعلى مستوى القضية الكوردية، مما يثير الحكومتين التركية والإيرانية خشية مطالبة الشعب الكوردي في البلدين الآخرين بوجهة مماثلة.
وكان الشعب العراقي يسعى في أعقاب ثورة تموز إلى التخلص من البطالة المنتشرة في أنحاء العراق، سواء أكانت بطالة مكشوفة أم مقنّعة، وكذلك إلى تغيير واقع الفقر الشديد الذي كانت تعيش فيه نسبة عالية من سكان العراق. فإيجاد فرص عمل جديدة، وتحسين مستوى معيشة السكان، وإيجاد ظروف حياة وخدمات أفضل، يعني التخلص من الواقع الاقتصادي القائم، بحل مسألة الزراعة، وتنمية التصنيع، وتدخل أفضل وممنهج للدولة في الشؤون الاقتصادية، وتحسين التبادل التجاري لصالح العراق، إضافة إلى تغيير واقع توزيع أرباح النفط الخام العراقي بين الشركات الاحتكارية والدولة العراقية. وكانت هذه الاتجاهات تصطدم مباشرة بمصالح شركات النفط الاحتكارية وشركات التجارة البريطانية والفئات الإقطاعية والكومبرادورية التجارية.
وكان أمام الدولة العراقية الجديدة مهمة تحسين علاقاتها بالدول العربية وإزالة الجفوة مع العديد منها ومع بعض دول الجوار والإقليم، إضافة إلى التخلص من العلاقات الدولية وحيدة الجانب؛ إذ استطاعت بريطانيا فرض حصار غير معلن على علاقات العراق مع الدول الاشتراكية، واحتكار هذه العلاقات لصالح بريطانيا العظمى وبعض الدول الرأسمالية التي تتعامل معها، وخاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
واستطاع زخم الثورة الأول أن يحقق العديد من هذه المهمات على الصعد الداخلية والعربية والدولية، باعتبارها خطوات مهمة على طريق طويل. ولكن الجمهورية العراقية الجديدة ارتكبت منذ البدء أخطاء فادحة لم تنتبه لها الغالبية العظمى من السكان لأسباب عديدة، ولكن حذّرت منها بعض الشخصيات السياسية الوطنية، ومنهم بشكل خاص الأستاذ كامل الجادرجي وبعض الشخصيات الديمقراطية الأخرى. ويمكن فيما يلي الإشارة إلى أبرز تلك الأخطاء التي نشأت عنها أو بسببها اختلالات فعلية كثيرة لاحقة أثناء مسيرة الحركة السياسية الوطنية العراقية:
أ. بقاء القيادة العسكرية الفعلية التي نفّذت الانتفاضة المسلحة في قيادة السلطة، وعدم عودتها إلى معسكراتها وتسليم الأمور للقوى والأحزاب السياسية التي تشكلت منها جبهة الاتحاد الوطني والقوى العاملة معها، ومنها الحزب الديمقراطي الكوردستاني. إذ كان في مقدور القيادة العسكرية تنظيم انتخابات عامة في ضوء الدستور المؤقت، ثم تسليم السلطة لمن يختاره البرلمان لإدارة دفة السلطة التنفيذية في البلاد وتنظيم الحياة العامة على أسس ديمقراطية. وعدم إنجازها لهذه المهمة بعد فترة وجيزة من وجودها في السلطة لم يكن يعني استمرارها في الحكم فحسب، بل ارتبط أيضاً بممارستها الفردية المنبثقة عن ذهنيتها العسكرية التقليدية الفردية والآمرة ذات المضمون التسلطي.
ب. التلكؤ الفعلي في وضع دستور ديمقراطي دائم للبلاد، ورفض إقامة المؤسسات الدستورية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعدم البدء بإرساء حياة سياسية اعتيادية في البلاد.
ج. الامتناع عن الإطلاق الرسمي للحريات الديمقراطية وتكريسها في الحياة السياسية العراقية، بما فيها إجازة الأحزاب رسمياً ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، بل عمدت السلطة إلى تقنين هذه الوجهة، ومنح الإجازة لبعض الأحزاب وحرمان أحزاب أخرى منها، مما أثار أجواء غير نظيفة ومتوترة في الساحة السياسية العراقية.
د. وأدت هذه الاتجاهات إلى انقسام الحكم وأجهزة الدولة والشارع العراقي إلى تيارات سياسية عديدة متصارعة فيما بينها ومتعادية تدريجاً، مما أعطى القيادة العسكرية انطباعاً بأنها قادرة على البقاء في الحكم في ضوء الخلافات بين القوى، على قاعدة «فرّق تسد».
هـ. وأدت تلك الصراعات على مستوى الحكم والأحزاب والشارع العراقي إلى نشوء حالة تأليه الأشخاص، سواء أكان عبد الكريم قاسم أم عبد السلام عارف، وانقسام المجتمع بين تمجيد هذا أو ذاك باعتبار أحدهما المنقذ الفعلي للمجتمع من الكارثة المحدقة. ففي الوقت الذي طُرحت فيه شعارات «عاش الزعيم عبد الكريم» و«ماكو زعيم إلا كريم» و«الزعيم الأوحد»، التي كانت تعني تأييد استمرار وجوده في السلطة وفق الحكم الفردي الذي انتهجه، طُرح شعار مقابل يدعو إلى تمجيد جمال عبد الناصر ومعه عبد السلام عارف، باعتبارهما المنقذين للبلاد من الاتجاه اللاقومي لعبد الكريم قاسم وأتباعه، واعتبار عبد السلام عارف سائراً في طريق قائد الأمة العربية ومؤجج مشاعرها وموحدها جمال عبد الناصر. وكانت هذه الدعوة بدورها لصالح القائد الفرد أيضاً. وهكذا تحول الصراع من صراع يدور حول اتجاهات تطور الثورة إلى صراع على الدور الذي يُفترض أن يؤديه أحدهما في الحياة السياسية الداخلية للعراق. وكان هذا الواقع منزلقاً خطيراً للحرية والحياة الديمقراطية والتعددية السياسية في البلاد، ولدور الجماهير في هذه العملية. وكانت حصيلة هذه السياسة، وذلك التباطؤ في إنجاز ما يُفترض إنجازه بعد الثورة مباشرة، بائسة جداً وكارثية؛ فقد أدت تلك الأخطاء الفادحة في الحكم الفردي إلى ضياع جميع المكاسب التي تحققت للشعب في الفترات الأولى من الثورة، ووقع ما كان في الحسبان أصلاً، إذ استمر الحكم الفردي سائداً في البلاد.
وفسحت تلك الأخطاء والاختلالات المجال لنشوب صراعات صبيانية بعيدة عن الوعي الديمقراطي والعقل السياسي الرصين في صفوف الحركة الوطنية العراقية دون استثناء. وكان ضيق الأفق السياسي، والذاتية الحادة، وضعف التقاليد الديمقراطية في العمل والحياة السياسية الموروثة من العهد الملكي، قد تسببت في نشوء احتقانات شديدة تفجرت كلها في أيام ثورة 14 تموز 1958 وما بعدها مباشرة. ومما زاد الطين بلة تدخل الحكومات العربية والإقليمية والدولية في شؤون السياسة العراقية الداخلية، إذ كان العراق يحتل موقعاً مهماً في السياسة البريطانية والدولية بسبب موقعه الإستراتيجي واحتياطياته النفطية الهائلة. وبالتالي عُدّت ثورة 14 تموز 1958 الجديدة بمثابة تهديد خطير لمصالح الاحتكارات البترولية الدولية في العراق، مما دفع الشركات الاحتكارية إلى العمل الجاد والدؤوب للاستفادة من تلك الصراعات المحلية والعربية في العراق لتغيير الوضع بما يحقق مصالحها، خاصة أن الحكم الجمهوري كان قد بادر إلى استعادة 99.5% من الأراضي التي كانت تحت تصرف الاحتكارات البترولية للتنقيب عن النفط فيها، ثم الدور الذي أدّته الحكومة العراقية في الدعوة إلى تشكيل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عام 1960. فتضافرت بعض الجهود المحلية والعربية والدولية لتعمل معاً من أجل تغيير الوضع القائم في العراق. كما اندفعت حكومتا إيران وتركيا إلى تنسيق جهودهما مع القوى الدولية الأخرى لإثارة المتاعب في وجه الحكم الجديد وتأجيج الصراعات الداخلية، يضاف إلى ذلك أنهما كانتا تخشيان تغلغل الاتحاد السوفيتي في المنطقة، خاصة أن العراق عزز علاقاته بالاتحاد السوفيتي وبالعديد من الدول الاشتراكية الأخرى، ووقّع معها العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، مما كان يعني تهديداً غير مباشر للمصالح البريطانية والغربية عموماً في المنطقة، وبداية لنهاية احتكارها لأسواقها. أما الدول العربية فبدت وكأنها اتفقت على مواجهة الحكم الجديد باتجاهين مختلفين، ولكنهما كانا يصبّان في هدف واحد، هو خلخلة الوضع الداخلي وإضعاف النظام واحتواؤه أو إسقاطه. ففي الوقت الذي كانت فيه حكومات الأردن ولبنان والسعودية ودول الخليج تعمل ضد حكم عبد الكريم قاسم بالتعاون والتنسيق مع حكومات الدول الغربية ومع حكومتي إيران وتركيا، كانت دول عربية أخرى، مثل مصر وسوريا، تعمل باتجاه آخر، هو فرض الوحدة على عبد الكريم قاسم وعلى القوى الأخرى التي لم تر في الوحدة حينذاك أمراً ممكناً أو مناسباً، كما كانت ترى في قوة الشيوعيين وبقية اليساريين تهديداً للتيار القومي العروبي في العراق والعالم العربي. وكانت تشيع معلومات خاطئة تدّعي فيها احتمال مطالبة الكورد بالانفصال عن الجمهورية العراقية وإقامة دولة قومية كوردية، في حين كانت الحركة الديمقراطية الكوردية تؤكد وقوفها إلى جانب وحدة الجمهورية العراقية، شريطة أن يوافق الحكم المركزي في العراق على منح الشعب الكوردي حقه في الحكم الذاتي، وما ينشأ عن ذلك من حقوق وواجبات على الحكم المركزي والحكم الذاتي.
وساهم هذا التحالف الدولي والإقليمي والعربي، غير الرسمي وغير المعلن، في تشجيع متزايد للقوى المناهضة لحكومة عبد الكريم قاسم، وحبك المؤامرات لاغتياله أو إسقاطه. وساهمت عوامل عدة أخرى في تعميق شقة الخلافات وزيادة التوترات السياسية الداخلية، نشير إلى أبرزها فيما يلي:
أ. ضعف الوعي الديمقراطي وحضارة الحوار الموضوعي الهادف بين القوى السياسية العراقية والأوساط الواسعة من الشعب العراقي، وصعوبة اعتراف كل طرف سياسي، أي «الأنا»، «بالآخر» واحترامه واحترام وجهات نظره، وادعاء كل طرف امتلاك الحقيقة كلها، «الحقيقة المطلقة»، في حين يقف الطرف الثاني، «الآخر»، في مواقع الخطأ. وهكذا يتبادل «الأنا» و«الآخر» المواقع دون إحساس بالآثار السلبية الحادة والنتائج المضرة الناجمة عن هذا الصراع البدائي. ولم يكن ذلك ناشئاً عن رغبة ذاتية فحسب، بل جاء عبر قرون من الاضطهاد والقهر والمشاعر المتناقضة، بسبب السياسات التي مورست ضد العراقيين على امتداد تلك القرون الطويلة، وتواصلت في العهد الملكي والهيمنة الاستعمارية البريطانية بصيغ وأساليب قاهرة أخرى.
ب. الذهنية العسكرية العنيفة والتسلطية للقوى التي نفّذت ساعة الصفر، وفجّرت الانتفاضة العسكرية، وسيطرت على وجهة تطور الثورة، ورغبتها في الانفراد بالسلطة وحسم الأمور كما تراه مناسباً، إضافة إلى بروز خلافات شديدة في داخلها بسبب تنوعها وتقاطعها في تفاصيل الأمور.
ج. السياسات اليمينية واليسارية المتطرفة التي مارستها الأحزاب والقوى السياسية العراقية المختلفة، والتي ساهمت في تعقيد الوضع وإشاعة الفوضى في البلاد، وتوفير الأجواء المناسبة للانقضاض على الحكم وانتزاعه من أيدي عبد الكريم قاسم ومجموعة الضباط المؤيدين له، خاصة أن القوى العسكرية كانت متشبثة بالحكم، وتدافع عن وجودها فيه حتى الموت، من منطلق يدّعي أنها أكثر حرصاً وحصافة وصيانة للثورة ومكاسبها من الآخرين.
د. ورغم وجود وعي سياسي عام في صفوف الجماهير الشعبية في العراق، التي ساهمت في تفجير العديد من المظاهرات الجماهيرية والحركات السياسية والفلاحية والانتفاضات والوثبات الشعبية على امتداد العهد الملكي، فإنها لم تكن من النضوج بالقدر الكافي الذي يمكّنها من ردع الأحزاب السياسية ومنعها من تعميق خلافاتها وصراعاتها ونزعاتها، بل يمكن الادعاء بأن نسبة من أبناء المدن والأرياف قد انجرّت وراء الأحزاب وساهمت في تعميق كل ذلك، مما قاد إلى تشديد أجواء التآمر في العراق. ويمكن القول إن وعي الجماهير الضعيف، وردود أفعالها في الشارع، والسباق الهستيري بين الأحزاب لكسب الرأي العام الداخلي، كلها عوامل ساهمت في تأجيج تلك الصراعات، ودفعت الأحزاب إلى السير وراء الجماهير في هذا الصدد بدلاً من قيادتها والتأثير العقلاني في تصرفاتها اليومية وعلاقاتها المتبادلة.
هـ. ورغم التأثير الإيجابي للمشاعر القومية التي أثارتها الرؤية الناصرية وأججتها في البلدان العربية، مع صدور قرار تأميم قناة السويس ووقوع العدوان الثلاثي على مصر والدعم السوفيتي المتزايد للقضية العربية، فإن الناصرية، كاتجاه سياسي في الحكم، أدّت دوراً سلبياً في موضوع الديمقراطية، لا على مستوى مصر فحسب، بل على مستوى البلدان العربية كلها، وعلى العراق أيضاً؛ إذ لم يترك هذا التيار أي فسحة مناسبة للشعب للتفكير بهدوء وروية، بل شدد من طرحه لشعارات وحدوية غير ناضجة قادت إلى توترات عاصفة في الساحة العراقية، ودفعت الآخرين إلى طرح شعارات الاتحاد الفيدرالي، مما تسبب في معارك لم تكن مناسبة لتعزيز الحياة الديمقراطية في العراق. وكانت سياسة النظام الناصري معادية للشيوعية إلى أبعد الحدود، ومعادية للديمقراطية في آن واحد، وتجلى ذلك بشكل صارخ في السياسة المصرية الرسمية في سوريا في فترة الوحدة، وفيما تعرض له الشيوعيون السوريون على أيدي المخابرات السورية المصرية، تحت إدارة وإشراف عبد الحميد السراج وزير الداخلية حينذاك، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر فرج الله الحلو وسعد الدين الدروبي وبيار شدرفيان. وبعد سنوات عدة من الإطاحة بنظام عبد الكريم قاسم في بغداد سقط النظام الناصري في القاهرة أيضاً تحت ثقل تغييب الديمقراطية والحياة والمؤسسات الدستورية وحقوق الإنسان، وهزيمة حرب 5 حزيران/يونيو 1967، التي كانت بدورها سبباً في تأجيج المشاعر القومية. ولم يكن هذا التأجيج للمشاعر القومية قائماً على أسس واقعية وديمقراطية وعلمية، بل دفع في حقيقة الأمر إلى تكريس ثلاثة اتجاهات خطرة في الحياة السياسية في العالم العربي، ونعني بها:
أولاً: انتشار الفكر القومي الشوفيني لدى جمهرة واسعة من المثقفين وأوساط الطبقة الوسطى والصغيرة في المجتمعات العربية، وتنامي الكراهية للقوميات والأقليات القومية في المنطقة.
ثانياً: العداء لكل الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى لدى أوساط واسعة، وتراجع فكر الاعتراف المتبادل بالفكر والفكر الآخر، والتسامح، والحوار الديمقراطي.
ثالثاً: تنامي فكرة القائد البطل و«المستبد الطيب»، والقبول بتراجع الديمقراطية وبعض أبرز سمات المجتمع المدني التي كانت في بدايات نموها في بعض الأقطار العربية.
وخلال تلك الفترة نشأ تحالف داخلي وعربي وإقليمي ودولي واسع مناهض لحكومة عبد الكريم قاسم، وأجمع المتحالفون على خوض معركة متعددة الجوانب ضدها، واعتمدوا في ذلك جميع الوسائل التي يمكن استخدامها في المعركة السياسية والاقتصادية والإعلامية، واستثمار أخطاء القوى الوطنية لهذا الغرض، من أجل إثارة حفيظة عبد الكريم قاسم ضد القوى الوطنية العراقية، ومن ثم الإجهاز عليه. وفي خضم تلك الأحداث الداخلية، وبسبب طبيعة الحكم العسكري وفرديته، عجز عبد الكريم قاسم عن رؤية كل ذلك، وبدلاً من توسيع الديمقراطية والاستجابة للحقوق العادلة للشعب العراقي عموماً والشعب الكوردي خصوصاً، اتجه إلى مضايقة تلك القوى وإضعافها بأساليب ردعية استبدادية تتميز بالقسوة والعنف، بما فيها السجن والاغتيال والتغييب وتشويه السمعة والفصل من الوظيفة أو من القوات المسلحة، وغير ذلك.
وتعرضت الأحزاب السياسية، القومية مرة والديمقراطية مرة أخرى، إلى قمع شديد ومتواصل، بمشاركة الأحزاب المتصارعة وتبادلها المواقع، رغم أن القمع الذي تعرضت له القوى اليسارية والديمقراطية كان شديداً ومضاعفاً، إضافة إلى الحرب التي خاضها ضد الشعب الكوردي وقوى الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ولكن القوى القومية العربية عانت هي الأخرى، وتلقت ضربات قاسية، وأُعدم العديد من كوادرها العسكرية على نحو خاص.
وكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني من بين الأحزاب والقوى التي تعرضت للجفوة والإبعاد والقسوة من جانب الحكم، وكان السبب في ذلك يكمن في طرح الحزب في حينها مجموعة من المطالب التي لم تجد الدعم والتأييد من جانب غالبية أعضاء حكومة عبد الكريم قاسم، ولا من عبد الكريم قاسم نفسه، مما عمّق الخلافات وشدّد التوتر واحتمال الصدام المسلح، بدلاً من إعمال العقل والجلوس إلى طاولة المفاوضات والحوار الديمقراطي من أجل إيجاد الحلول العملية للمشكلات القائمة.
أجزاء «المشكلة الكوردية بعد ثورة 14 تموز 1958» (7 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع