الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

1. الأكراد والانتداب (1920–1932)

من المعروف أن المشكلة الكوردية ليست وليدة اليوم، بل لها جذورها وتاريخها الطويل، ولكنها برزت بصورة واضحة في العصر الحديث عند اصطدام الدولتين الصفوية والعثمانية عام 1514م في معركة جالديران، التي أدت عملياً إلى تقسيم كوردستان بين الدولتين الصفوية والعثمانية. فقد كانت تسود في كوردستان قبل سنة 1514م إمارات كوردية مستقلة منشغلة بتنظيم شؤونها الداخلية، لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي، إضافة إلى الاختلاف المذهبي، أدى إلى انضمام أكثرية الإمارات الكوردية إلى جانب الدولة العثمانية، وأصبحت أغلب أراضي كوردستان تحت سيطرة العثمانيين.

وفي عام 1515م، وبتفويض من السلطان العثماني، عُقدت اتفاقية مع الأمراء الكورد تتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات الكوردية على كوردستان وبقاء الحكم فيها، واعتُبرت هذه الاتفاقية اعترافاً من الدولة العثمانية بالسلطات الكوردية. وهذا الأمر ليس شيئاً هيناً، إذ يمثل اعترافاً واضحاً بوجود المشكلة الكوردية التي يقتضي حلها، حتى لو كان الحل وقتياً. وتلت ذلك، حتى بداية القرن العشرين، اتفاقات مشابهة عديدة كرّست جميعها تقسيم كوردستان وشعبها الكوردي، وبسبب ذلك تعقدت المشكلة الكوردية يوماً بعد آخر، ولا سيما بعد بدء انتشار الأفكار القومية في الشرق، وبالأخص منذ بداية القرن التاسع عشر، حين بدأت الدول الأوروبية تحتك بكوردستان عن طريق الرحالة الأجانب والإرساليات التبشيرية، وكذلك عن طريق بعض القنصليات، وأهمها البريطانية والروسية والفرنسية ثم الأمريكية. وقد أدت هذه الجهات كلها أدواراً مهمة في تحريض العشائر الكوردية ضد الدولة العثمانية خاصة، ثم الإيرانية، لكي تحصل على الامتيازات أو يزداد نفوذها في الدولة العثمانية خاصة. وبالرغم من هذا فإن الدولتين العثمانية والإيرانية لم تتمكنا من بسط سيطرتهما على كوردستان لأسباب عدة، منها طوبوغرافية كوردستان المعقدة، ودفاع الكورد عن أرضهم بشكل أو بآخر.

وخلال سنوات الحرب العالمية الأولى وقفت كثير من العشائر الكوردية إلى جانب دولة الخلافة العثمانية، ودخلت في قتال مرير، أولاً ضد القوات الروسية ومن تعاون معها من مواطني الدولة العثمانية، ومنهم العشائر الآثورية المسيحية القاطنة في مناطق حكاري، التي تقع اليوم داخل حدود الدولة التركية من جهة المثلث التركي العراقي الروسي. ومع دخول القوات البريطانية أراضي العراق وتوغلها شمالاً باتجاه المناطق الكوردية في أربيل والسليمانية، واجهت هذه القوات مقاومة شديدة من العشائر الكوردية، التي استمر بعضها في القتال لصالح الأتراك حتى بعد أن خرجت تركيا من الحرب عام 1918.

ثم جاءت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، التي تضمنت تقسيم تركيا (الدولة العثمانية)، وبما أن القسم الأكبر من كوردستان كان تحت السيطرة العثمانية فقد شملها التقسيم. وهذا الوضع الجديد زاد المشكلة الكوردية تعقيداً، وأخرجها من الطابع الإقليمي إلى الطابع الدولي، إذ تعد معاهدة سايكس بيكو أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى، وقد حطمت آمال الكورد في تحقيق حقهم المشروع في تقرير المصير للشعب الكوردي كما يرونه.

عمدت بريطانيا منذ بداية احتلالها للعراق، بدءاً بالبصرة عام 1914م، وبغداد عام 1917م، والموصل عام 1918م، إلى استغلال مسألة الاختلافات العنصرية والاجتماعية، وإظهار البلاد على أنها ذات تركيب غير متجانس، بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة. ولما كانت كوردستان العراق تحتوي على العديد من حقول النفط، وتضم في الوقت نفسه نسبة عالية من الأكراد، فقد حظيت باهتمام استثنائي في سياسة الإدارة البريطانية، وأصبحت منطقة كوردستان أكثر مناطق العراق جذباً وأهمية في تأسيس قواعد للنفوذ البريطاني، خاصة بعد أن زاد التنافس الدولي على الامتيازات والمصالح النفطية.

لم يكن الاحتلال البريطاني للعراق (1914–1918م) عملية سهلة، وقد سجل التاريخ العسكري البريطاني لتلك الحرب أن أكبر الخسائر التي تحملتها القوات البريطانية خلال سنوات الحرب خارج القارة الأوروبية كانت في العراق. ويشير تاريخ العراق المعاصر إلى مشاركة الأكراد في القتال مع بقية سكان بلاد ما بين النهرين ضد القوات البريطانية الغازية، وأولى هذه المشاركات المبكرة كانت في معركة الشعيبة في البصرة، إذ شارك الآلاف من المجاهدين الأكراد بقيادة الشيخ محمود الحفيد مع بقية المجاهدين العرب.

وكان الشيخ محمود الحفيد يتزعم الحركة الكوردية، وخاض معارك متواصلة ضد القوات البريطانية، ووصل به الأمر إلى أن يعلن نفسه ملكاً على كوردستان العراق. كما خاض معركته في منطقة أزمرداغ (جبل أزمر) ضد البريطانيين بتاريخ 22 مايس 1919، إذ زحف على رأس قوة قوامها 300 رجل وانتصر على القوات البريطانية، لينطلق ويحتل مدينة السليمانية. غير أن انتصار الشيخ محمود لم يستمر طويلاً، فقد هُزم من جديد على يد القوات البريطانية في معركة مضيق بازيان (بين كركوك والسليمانية) بتاريخ 17 حزيران 1919. وفي مناطق أربيل، وتحديداً في منطقة العمادية، ثارت عشائر البروارية والكويان في 16 حزيران 1919م، وتمكنت من قتل أفراد القوة البريطانية المحلية كلهم، ولم يتمكن البريطانيون من وضع حد لهذه الثورة الكوردية إلا في شهر أيلول/سبتمبر من العام نفسه. وقد أنهى البريطانيون ثورة الشيخ محمود عام 1919، وهي التي يطلق عليها الأكراد «ثورة الشيخ محمود الأولى»، وقبضوا عليه وحكموا عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم لاحقاً ليُنفى إلى الهند مدة عشر سنوات.

وفي عام 1920 أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على العراق، وهو انتداب وجد فيه العراقيون استعماراً لبلادهم بصيغة أخرى، ولهذا قاموا بثورتهم الكبرى عام 1920. ولكي يتجنب البريطانيون مزيداً من الخسائر أقروا بضرورة تأسيس الحكم الوطني في العراق، ووجدوا في الأمير فيصل بن الشريف حسين المرشح الأفضل لتولي عرش العراق، وكان لهم ما أرادوا، إذ تولى العرش عام 1921، واستطاع تعزيز دوره لدى العرب، ولكنه احتاج إلى مدة أطول لتعزيز مركزه لدى الأكراد. وواجه مشكلة استمرار تركيا في استخدام الورقة الكوردية من أجل تحقيق مطلبها في ولاية الموصل، إذ كانت ترى أن هذه الولاية يجب أن تبقى من ممتلكاتها، فظلت تحرض الأكراد على الثورة حتى عام 1926 وتمدهم بالدعم المطلوب.

في أيلول 1922 صدر عفو عن الشيخ محمود الحفيد، وأعيد إلى العراق، فاستقر في مدينة السليمانية، وعُيّن رئيساً للمجلس المحلي، ثم «حكمداراً»، ثم محافظاً لها، وفي تشرين الثاني من السنة نفسها أطلق على نفسه لقب ملك كوردستان. وبحلول عام 1923 استشعر البريطانيون أن الشيخ محمود الحفيد ينوي الثورة من جديد، مستفيداً من شعبيته المتزايدة بين الشعب الكوردي ومن الوجود التركي في مناطق راوندوز، ومن أجل منع أي عمل مشترك بين الشيخ محمود الحفيد والأتراك في المنطقة باشر سلاح الجو البريطاني قصفاً جوياً شديداً لمقرات الشيخ محمود في السليمانية، مما اضطره إلى اللجوء إلى الجبال بالقرب من الحدود الإيرانية. ونتيجة لطرد الأتراك من راوندوز وإلحاقها بمدينة أربيل قرر البريطانيون الانسحاب من السليمانية والموافقة على عودة الشيخ محمود الحفيد إليها.

لكنه، خلال عام 1924 وأثناء الاحتجاجات العارمة للشعب العراقي ضد معاهدة الانتداب البريطاني لعام 1922، عاد الشيخ محمود الحفيد إلى أعماله الحربية، واستطاع طرد القوات البريطانية إلى ما وراء منطقة دربند بازيان، فردت عليه بقصف جوي كثيف لقواته كبّدها خسائر كبيرة، واضطر الشيخ محمود الحفيد إلى ترك السليمانية من جديد متجهاً إلى مناطق الحدود مع إيران، لكنه استمر في الحركة الكوردية، خصوصاً في مناطق السليمانية، حتى عام 1926.

وفي 4 أيلول 1926 توصل المندوب السامي البريطاني إلى اتفاق مع الشيخ محمود الحفيد تعهد بموجبه ألا يدخل الأراضي العراقية دون إذن من الحكومة العراقية، وألا يتدخل في شؤون الدولة والعمل السياسي، مقابل استعادته أملاكه والعفو عن عدد من أتباعه. ووافقت الحكومة العراقية على هذا الاتفاق عام 1927، لكنها تنصلت منه، وقدم المندوب السامي البريطاني شروطاً جديدة، ثم جوبه الشيخ بحملة عسكرية في نيسان 1927 أدت إلى قبوله الشروط السابقة، ومقابلته المندوب السامي البريطاني في بغداد طالباً منه السماح له بالعيش في العراق.

ولكنه بدأ من جديد تحركاته ضد البريطانيين بوصفهم سلطة الانتداب، وضد حكومة بغداد التي كان يرأسها الملك فيصل، مع أن المتتبع لسيرة الملك فيصل الأول خلال حكمه العراق سيجد أنه كان يعمل على تعجيل إنهاء الانتداب وتحقيق الاستقلال. ومن هذه الزاوية نجد أن الملك فيصل حاول دائماً كسب مواطنيه الأكراد إلى جانبه، ولهذا لم يكن غريباً أن نجد كثيراً من العراقيين الأكراد قد تولوا أرفع المناصب الحكومية والعسكرية في عموم البلاد، فكان بينهم النواب والأعيان والوزير والمحافظ والمدير العام والقاضي وقادة كبار في الجيش، بل إن كثيراً من الضباط الأكراد في الجيش العثماني والجيش الشريفي هم من عملوا على بناء الجيش العراقي الجديد، يتقدمهم ضابط كوردي مرموق كان وفياً للبيت الهاشمي حتى وفاته، وهو الفريق جعفر العسكري، وقد كان كوردياً أصيلاً. ومن هذا المنطلق أيضاً نجد أن الملك فيصل وقف إلى جانب الشيخ محمود الحفيد متعاطفاً متسامحاً، انطلاقاً من رؤيته أن بلاده بحاجة إلى أوثق العلاقات بين سكانها العرب والكورد. وقد أدرك كثير من الأكراد السياسة المتسامحة للملك فيصل الأول، ولهذا نجد أن كثيراً من العشائر الكوردية المتوطنة في الجانب الإيراني من الحدود فضلت الانتقال إلى الجانب العراقي والعيش فيه.

في عام 1930 عقدت الحكومة العراقية اتفاقاً مع بريطانيا لإنهاء انتدابها على العراق، وأعرب البريطانيون عن استعدادهم لدعم منح العراق استقلاله التام وقبوله عضواً في عصبة الأمم، لكن الشعب العراقي لم يستقبل الاتفاق بالرضا والقبول، وبدأت الاحتجاجات. كذلك رفضه الأكراد من جانبهم، واعتبروا أنه لم يؤمّن لهم ما وعدهم به البريطانيون سابقاً.

وفي 6 أيلول 1930، ونتيجة قلق الحكومة العراقية من تدهور الأوضاع في البلاد، ولكي لا يستغل الشيخ محمود الحفيد الحالة وينفذ أعمالاً مسلحة، أبلغه وزير الداخلية بضرورة عدم الانجرار وراء الأحداث، وطلب منه الالتزام بما تم الاتفاق عليه عام 1927. لكن الشيخ محمود الحفيد لم يلتزم بتعهداته السابقة، ودخل الأراضي العراقية قادماً من إيران ومعه أعداد من المسلحين، وبدأ يحرض على الثورة الكوردية، مطالباً المندوب السامي بأن تترك الحكومة العراقية المنطقة الكوردية (كوردستان) من زاخو إلى خانقين، وبإنشاء حكومة كوردية تحت الانتداب البريطاني. وحذرته الحكومة العراقية والمندوب السامي، إلا أنه لم يلتفت إلى هذه التحذيرات، مما أدى إلى مواجهته بحملة عسكرية انتهت، بعد سلسلة من المعارك امتدت من 4 تشرين الثاني 1930 حتى 13 مايس 1931، باستسلام الشيخ محمود الحفيد وقبوله العيش منفياً عن موطنه، ولكن ليسكن هذه المرة في بغداد حتى وفاته، منهياً بذلك صفحة من تاريخ الأكراد طالبوا فيها بأن يكون لهم شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو شكل من أشكال الدولة.

2. الأكراد والعراق الملكي والاستقلال (1932–1958)

حقق الملك فيصل الأول حلمه في استقلال بلاده، وأصبح العراق عام 1932 دولة مستقلة وعضواً في عصبة الأمم بتاريخ 3 تشرين الأول 1932، ووافق العراق على أن يضمن حصول رعاياه من القومية الكوردية ومن القوميات غير العربية على حقوقهم الاجتماعية والثقافية بوصفهم من مواطني الدولة، شأنهم شأن غيرهم من سكان البلاد. لكن هذا الاستقلال في الحقيقة بقي يحفظ لبريطانيا العديد من امتيازاتها في العراق.

وشهدت الأيام الأخيرة من حكم الملك فيصل عصياناً للحركة الكوردية في كوردستان العراق ومطالبتها بحقوق سياسية، كان في مقدمتها حق الأكراد في الإدارة الذاتية لمناطق كوردستان، في تشرين الثاني/نوفمبر 1932. إلا أن الحكومة العراقية، وبدعم من القوات البريطانية، واجهت ثورتهم هذه بحملة عسكرية قادها الفريق بكر صدقي، وهو من الضباط الأكراد المعروفين بكفاءتهم العسكرية ووطنيتهم، والذي نفذ أكثر من حملة تأديبية ضد التمرد والعصيان في العراق الحديث. وكانت تلك أولى حركات عشيرة البارزاني، التي كان يقودها الشيخ أحمد البارزاني وشقيقاه الملا مصطفى البارزاني والشيخ صديق، الذين تعاونوا مع البريطانيين طيلة تلك المدة، وهرب بعضهم مسلّماً نفسه لقوات الحدود التركية على إثر المعارك بعد أن تكبدوا خسائر جسيمة، لتبدأ بعد الشيخ محمود الحفيد قيادة جديدة للقضية الكوردية على يد البارزانيين.

وقد واجه العراق حملة دولية ضده بسبب التشكيك في التزامه بما تعهد به بشأن الأقليات، وخاصة الأكراد. ولم يمض وقت طويل حتى أصيب الملك فيصل الأول بالمرض، مما استدعى سفره للاستشفاء وإجراء العمليات حتى وافته المنية. وفي عام 1933 أصدرت الحكومة قانون العفو العام عن جميع البارزانيين، وسمحت لهم بالعودة إلى قراهم، لكن المنطقة (منطقة بارزان) لم تهدأ، فقد ظلت عرضة لأعمال العنف، مما دفع الحكومة العراقية إلى بناء مخافر للشرطة فيها.

توفي الملك فيصل عام 1933، وخلفه ولده الملك غازي، الذي اتخذ من زميل دراسته في الكلية العسكرية الملازم فؤاد عارف مرافقاً أقدم له، وفؤاد عارف من العائلات الكوردية المعروفة في السليمانية. وفي صيف عام 1934 جرت حركة مسلحة للفلاحين الأكراد في المناطق الحدودية المتاخمة لإيران، فقمعت الحكومة العراقية هذه الحركة، وأرسلت بصورة عاجلة فصائل مسلحة إلى إيران لملاحقة الأكراد. وبعد ذلك رفع البارزانيون راية النضال للحصول على حقوق الشعب الكوردي، عندما شكّل خليل خوشفي عدة فصائل مسلحة، وهاجم مركز الشرطة، وطرد ممثلي السلطات من منطقة بارزان، وطالب بالحكم الذاتي للكورد.

ووجدت الحكومة العراقية نفسها عندئذ عاجزة عن تحطيم الأكراد منفردة، مما دعاها إلى إجراء مفاوضات مع تركيا أسفرت عن اشتراك الفصائل التركية المسلحة في الصراع ضد الأكراد، وتقدمت القوات التركية العراقية المشتركة نحو مواقع الثوار الأكراد، وتم القضاء على القوات الكوردية الأساسية في كانون الأول 1935. كما أسفر تقدم هذه القوات عن أسر 12 شخصاً من قادة الأكراد وإعدامهم، ولكن الانتفاضة وثورة الأكراد لم تخمدا نهائياً إلا في ربيع عام 1936، بعد وقوع خليل خوشفي في الأسر وتنفيذ حكم الإعدام فيه رمياً بالرصاص في آذار 1936.

كانت فترة حكم الملك غازي مليئة بالأحداث، أهمها الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي، الكوردي الأصل، عام 1936، ورافقه اغتيال الفريق جعفر العسكري وزير الدفاع، القائد العسكري والسياسي المعروف، وهو من أصول كوردية أيضاً. وأصبح الفريق بكر صدقي القائد النافذ في العراق حتى قام بعض الضباط العرب، وآخرون من أصول كوردية أيضاً، باغتياله عام 1937 في مدينة الموصل. وفي هذه الأثناء كان الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني لاجئاً في الجبال إثر ملاحقة القوات الحكومية للمقاتلين الأكراد في المنطقة عام 1936، فقبل عرض الحكومة العراقية عليه بالعودة إلى لواء السليمانية والإقامة الإجبارية فيه بعيداً عن منطقته بارزان. ومنذ تلك الفترة شهدت المنطقة هدوءاً نسبياً حتى عام 1943.

استغل الملا مصطفى البارزاني ظروف الحرب العالمية الثانية، فهرب من مكان إقامته الجبرية في السليمانية ليقوم بحركة كوردية مسلحة في منطقته، رافضاً كل الدعوات الحكومية لوقف القتال. فلجأت الحكومة إلى معالجة جديدة لمشكلة الأكراد، فشُكّلت وزارة جديدة برئاسة نوري السعيد في 25 كانون الأول 1943، دخلها ثلاثة وزراء أكراد، عُهد إلى أحدهم، وهو ماجد مصطفى، بمهمة الاتصال بالملا مصطفى البارزاني، الزعيم الكوردي وقائد الثورة الكوردية. وقد طلب الملا مصطفى في مفاوضاته مع الوزير الكوردي ماجد مصطفى عودة أخيه من تركيا، وإمداد المنطقة بالأغذية، وتحسين الإدارة المدنية، وتعيين سبعة ضباط من الجيش العراقي ضباطَ ارتباط، مقابل تسليم نفسه ووقف الثورة والحركة الكوردية، وتم ذلك فعلاً بتاريخ حزيران/يناير 1944م.

ووصل الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد ليعلن حسن نيته، وقبلت الحكومة العراقية استسلامه بشرط إبعاده عن بارزان، وأن يجمع الأسلحة من أتباعه ويسلمها إلى الحكومة، فعاد إلى كوردستان لجمع الأسلحة، واتصل بالشيوخ لوقف بعض المنازعات. إلا أن هذه الخطوة وسعت نفوذه، واستطاع أن يقوي حركته ويحصل على دعم ومساعدة بريطانية وروسية في الوقت نفسه. وقبل نهاية عام 1944 كانت الحكومة العراقية تحضّر لانتهاج سياسة توفيقية في كوردستان، لكن تحركات الملا مصطفى البارزاني أدت إلى إيقاف كل هذه المحاولات، وسرعان ما أعقب ذلك الاشتباك المسلح. وفشلت الحكومة العراقية في إلحاق هزيمة عسكرية بالثورة الكوردية، غير أنها نجحت في إقناع شيوخ عشائر كوردية أخرى بالتعاون معها ضد زعيم الثورة الكوردية وقائدها لإخراج الملا مصطفى البارزاني. ولفشل الحملة العسكرية للحكومة العراقية أسبابه، خصوصاً أن البريطانيين مارسوا منذ عام 1941 سياسة إضعاف الجيش العراقي بسبب أحداث ثورة مايس 1941 على يد حكومة رشيد عالي الكيلاني.

وفي عام 1945، وأثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، استفادت لجنة كوردية من المناسبة، فرفعت إلى المؤتمر مذكرة تعرض فيها مطالبها في كوردستان حرة ومستقلة، وتجزم، كما جاء في المذكرة، بأن السلم لن يعم الشرق الأوسط دون حل للمشكلة الكوردية، إلا أن هيئة الأمم المتحدة لم تتخذ قراراً بشأن المطالب الكوردية، ثم دُعي بعد ذلك إلى الحركة الكوردية. وأعلنت الحكومة العراقية في بيان أصدرته في 19 آب 1945 عزمها على تأديب الملا مصطفى البارزاني، ولجأ معه بعض أعوانه من البيشمركة، مما دفع الحكومة العراقية إلى الحكم عليه غيابياً، وجهزت الحكومة حملة ضده، فاضطر إلى اللجوء مع بعض أتباعه إلى بارزان، وأخذ يقود الحركة الكوردية ويثير المشاكل للحكومة العراقية التي كانت منشغلة بالحرب العالمية الثانية. وقد تركزت مطالب الملا مصطفى البارزاني، زعيم الحركة الكوردية وقائد ثورتها، فيما يأتي:

  1. تشكيل ولاية كوردية تضم كركوك والسليمانية وأربيل وخانقين وسنجار وعقرة ودهوك وزاخو والعمادية والشيخان.

  2. تعيين معاون وزير كوردي في كل وزارة من وزارات الدولة.

  3. اعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية في المناطق التي تقطنها أغلبية كوردية (كوردستان العراق).

  4. تعيين وزير كوردي مسؤول عن ولاية كوردستان.

وفي عام 1946 تأسست أول جمهورية كوردية في منطقة مهاباد في شمال إيران، وأسهم أكراد العراق في تأسيسها، إذ انتقل إلى مهاباد ما يقرب من عشرة آلاف مقاتل كوردي (بيشمركة) على رأسهم الملا مصطفى البارزاني، وعُدّ ذلك تطوراً مهماً في مسيرة الحركة الكوردية والتعاون بين الأكراد في العراق وإيران وتركيا. كما نشأ في مهاباد تنظيم سياسي هو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي دعا إلى إحياء تراث الأكراد وتاريخهم ولغتهم الكوردية، ورفع مستواهم الاجتماعي والثقافي، وتحقيق الحكم الذاتي لهم. لكن هذه الجمهورية لم يكتب لها النجاح بعد انسحاب القوات الروسية من إيران، ففي نيسان/أبريل 1947 اشتبك البارزانيون مع القوات الإيرانية التي لاحقتهم إلى الحدود العراقية، ليجدوا أنفسهم أمام القوات العراقية التي اعتقلتهم، وحكمت على أربعة من كبار قادة الأكراد، بينهم الشيخ أحمد البارزاني، أما الملا مصطفى البارزاني فقد استطاع اللجوء إلى خارج العراق. ومنذ ذلك التاريخ بدأت المنطقة تدخل حالة من الهدوء النسبي.

ومع اختيار الملا مصطفى البارزاني منفاه الجديد في الاتحاد السوفيتي طوعياً عاد الهدوء إلى كوردستان العراق، فلم تشهد المنطقة الكوردية أي أحداث تذكر، وتولى أكثر من وزير كوردي مناصب رفيعة في الحكومات العراقية المتعاقبة، ويعد وزير الداخلية سعيد قزاز النموذج الذي يذكر في هذا الاتجاه. وفتحت الحكومة العراقية الطرق لتسهيل الاتصال والانتقال وربط العراق بجيرانه الإيرانيين والأتراك.

إن حلف بغداد الذي تشكل عام 1955 منح الدول الثلاث (العراق وتركيا وإيران) فرصة للتعاون الواسع فيما بينها ومع المعسكر الغربي، وهو تعاون بين نظم سياسية كانت تعد من أخلص النظم الموالية للغرب في حربه الباردة المستعرة مع المعسكر الاشتراكي. وفي الاتجاه نفسه نفذت الحكومة العراقية مشاريع كبيرة تمثلت في بناء السدود المائية، مثل سدّي دربندخان ودوكان في السليمانية، من أجل منح المنطقة الكوردية أيضاً فرصتها في تحسين الإنتاج الزراعي. ولم يفرّق أداء الحكومة العراقية في تنفيذ خطط مجلس الإعمار بين السكان، وهي خطط وُضعت انسجاماً مع تنامي الموارد النفطية العراقية.

أما على مستوى الأنشطة السياسية والاجتماعية للسكان الأكراد، فقد شهدت هذه المرحلة مشاركة الأكراد بحماسة إلى جانب إخوانهم العرب في حرب فلسطين عام 1948، ومنهم الرئيس (اللواء) عبد الرحمن المفتي، والرئيس (اللواء) نوري مجيد سليم، والرئيس (اللواء الركن) عطا محمد، و(اللواء الركن) عبد الله سيد أحمد، وآخرون كثيرون أعتذر عن عدم ذكرهم، وسقط كثير من الشهداء الأكراد في حرب فلسطين عام 1948، ويعتز الأكراد بذلك. كما شاركت المدن الكوردية في الأحداث التي كانت تشهدها المدن العراقية الأخرى معارضةً أعمال هذه الحكومة أو تلك، ومنها أحداث عام 1952، وكذلك احتجاجات الشعب العراقي إبان حرب قناة السويس في مصر عام 1956. وكان بوسع الأكراد أيضاً أن تكون لهم أحزابهم السياسية، ومنها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كما انتمى كثير من الأكراد إلى أحزاب عراقية كانت تجمع العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية، وكان لهم حضور حتى في الأحزاب القومية العربية. ولهذا نجد أن كثيراً من المواطنين الأكراد كانوا منتمين إلى الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الأحرار، وحزب الأمة، وحزب الاتحاد الدستوري، والحزب الشيوعي، وأنصار السلام، وحزب البعث. وباختصار، فإن انتماء الأكراد إلى هذه الأحزاب لم يرافقه مطالب خاصة بمناطقهم، بقدر ما كانوا يمثلون جزءاً من الحالة الاجتماعية والسياسية العراقية.

في مايس 1958 كُلّف رجل القصر والبلاط الملكي، الكوردي أحمد مختار بابان، برئاسة الوزراء في العراق، وتعد هذه الوزارة الثامنة والخمسين من الوزارات التي شهدها العهد الملكي. ويعد أحمد مختار بابان أول شخصية كوردية تتولى مثل هذا المنصب في العراق. صحيح أنه كان هنالك كثير من الأكراد، وقد شغل بعضهم منصب نائب رئيس الوزراء، ومنهم عمر نظمي على سبيل المثال، ولكن سعيد قزاز الكوردي كان يعد الرجل الأهم، وهو وزير الداخلية العراقي الذي شغل هذا المنصب سنوات طويلة منذ عام 1955، وكان قادراً على فرض الأمن والنظام في البلاد طوال تلك السنوات. ولم تستمر حكومة أحمد مختار بابان طويلاً بسبب سقوط النظام الملكي صبيحة يوم 14 تموز 1958، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العراق السياسي.

ويرى الباحث أنه على الرغم مما يقال عن العهد الملكي، فإن هذه الفترة قد مكّنت الأكراد من استعمال لغتهم القومية، وأفسحت المجال لرجال الأكراد ليتبوؤوا مراكز وزارية مهمة في النظام السياسي الملكي العراقي. ومثال ذلك أنه عندما شكّل النظام الملكي وزارة جديدة برئاسة نوري السعيد، الكوردي الأصل، المنحدر أصلاً من منطقة عسكر، عُيّن ماجد مصطفى الكوردي وزيراً للدولة، وعُيّن بهاء الدين نوري الكوردي متصرفاً للواء السليمانية، ثم عُيّن المؤرخ توفيق وهبي وزيراً في حكومة حمدي الباجه جي، كما أن نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي في حينه، طالب بإيلاء المناطق الكوردية عناية خاصة. وكان الأكراد يتمتعون بحرية نسبية داخل مدنهم، ومكّنهم ذلك من استعمال اللغة الكوردية والكتابة بها وتسمية المدارس بأسماء كوردية، وذلك على نقيض ما كان يحدث للأكراد في الدول المجاورة.

كذلك يرى الباحث أن بريطانيا، منذ بداية احتلالها العراق بعد الحرب العالمية الأولى، كانت تحرض الأكراد وتشجعهم على عدم الاندماج في الدولة العراقية الجديدة، ولم يكن ذلك حباً في الأكراد أو إيماناً بمطالبهم، ولكن بريطانيا أرادت من وراء ذلك إجبار الحكومة العراقية على توقيع معاهدة طويلة الأمد معها، هي المعاهدة البريطانية العراقية لعام 1930، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية تطمح إلى الحصول على الاستقلال. بل أكثر من ذلك، فإن بريطانيا هددت الحكومة العراقية بأن الامتناع عن توقيع مثل هذه المعاهدة ومعاداة بريطانيا لن يعني امتناع الأكراد عن الانضمام إلى الدولة العراقية فحسب، بل سيؤدي إلى خسارة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بأكملها لصالح تركيا التي ظلت تطالب بها.


أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

الجزء الثاني ←