الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء السابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
4. الأكراد خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين (1979–2003)
أ. الأكراد خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين قبل الحصار (1979–1990)
في 16 تموز/يوليو 1979 أعلن الرئيس أحمد حسن البكر بشكل مفاجئ تنازله عن الحكم ورئاسة الحزب والدولة لنائبه صدام حسين، ليتولى الأخير مسؤولية القيادة، وكانت فترة حكمه مواصلة للمبادئ والسياسة نفسها التي خطّتها ثورة 17 تموز/يوليو 1968، ومكملة لعهد سلفه الرئيس أحمد حسن البكر. وبدا الرئيس الجديد صدام حسين أكثر تمسكاً بالإنجازات التي تحققت في كوردستان العراق، وأولى منطقة الحكم الذاتي اهتماماً وصل إلى حد قيامه بزيارات إلى المنطقة مرتدياً الزي الشعبي الكوردي، وشهدت المنطقة، كما لاحظنا، تطوراً واستقراراً ملموسين، إلى أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية في 4 أيلول/سبتمبر 1980، ليدخل العراق مرحلة تاريخية جديدة استنزفت ماله وأمنه ورجاله وكل منجزاته. وخلال تلك الفترة، حتى قبيل نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، بدا الأمر كما لو أن الحكومة العراقية قد توصلت إلى حل نهائي للمشكلة الكوردية.
وإثر قيام الحرب العراقية الإيرانية سنحت الفرصة مرة أخرى للحزب الديمقراطي الكوردستاني لكي يحمل السلاح، غير أن الحزب كان قد تعرض لانشقاقات كثيرة أضعفته، وكذلك فعلت وفاة الزعيم الثائر وقائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني في 2 آذار/مارس 1979. كما ظهرت أحزاب كوردية أخرى مناوئة له، لعل أهمها الاتحاد الوطني الكوردستاني برئاسة جلال الطالباني (تأسس عام 1975 في سوريا). ونشطت في الآونة الأخيرة أيضاً الأحزاب الدينية الكوردية، التي لاقت دعماً خارجياً واستجابة لدى الأكراد، الذين عُرف عنهم عبر التاريخ تمسكهم الشديد بالدين الإسلامي الحنيف. ولا شك أن إيران حاولت تحريك الأكراد لمصلحتها، ولكن إجراءات الأمن الشديدة في المنطقة الكوردية لم تمكّن إيران (الثورة الإسلامية) من تنفيذ ما نفذه شاه إيران في أوائل السبعينات.
كانت الحرب العراقية الإيرانية (أيلول 1980 – آب 1988م) حرباً نظامية وشبه نظامية في الوقت نفسه، تمتد على جبهة مواجهة طولها أكثر من ألف ومئتي كيلومتر. ومع ذلك استغلت إيران منطقة حاج عمران الكوردية، فجعلتها لفترات طويلة جيباً عراقياً محتلاً من قبل القوات الإيرانية، وكانت قد احتلتها عبر تجنيد بعض العناصر الكوردية الموالية لها، نظراً إلى الصعوبات التي تمثلها هذه المنطقة لأي قوات عسكرية تحاول استعادة السيطرة عليها. كما أمعن العراق في الدعاية المضادة لقصف إيران منطقة «مندلي»، وهي منطقة حدودية يسكنها أكراد شيعة (فيليون)، بهدف تأليب الأكراد والشيعة معاً على العراق. وباستثناء ذلك، ومعه بعض التحركات السياسية الكوردية المعارضة، لم يكن للأكراد تأثير يذكر في مسار الحرب العراقية الإيرانية، سوى استخدامهم أداةً من قبل أحد الطرفين المتحاربين ضد الطرف الآخر.
ومنذ بدء الحرب العراقية الإيرانية في أيلول 1980 وإلغاء اتفاقية الجزائر (آذار 1975) عاد الدعم الإيراني للأكراد، وسعت إيران بالتنسيق مع سوريا إلى إقامة تحالف مع الأحزاب الكوردية المعارضة بقيادة جلال الطالباني في عام 1981، كما سعت إلى التحالف مع مسعود البارزاني، الذي استجاب لوعود إيران بدعمه، وأعتقد أنه لم يكن أمامه حل آخر غير ذلك، في شن هجمات ضد الحكومة العراقية. ومن أجل تجنب مثل هذه الهجمات انتهجت الحكومة العراقية سياسة لتهدئة الوضع، وعملت على استغلال التنافس بين القيادات الكوردية، إضافة إلى توجهها نحو تركيا لتوقيع اتفاق أمني للمطاردة الحثيثة للأكراد بين تركيا والعراق في عام 1984.
عمّقت الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م) هوة الخلاف بين الحزبين الكورديين الرئيسيين في كوردستان، فاتجه الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود البارزاني، الذي خلف والده الملا مصطفى البارزاني، نحو إيران إلى درجة إعلان تحالف بينهما عام 1983، وحاول مسعود البارزاني من أجله توحيد جهود الأكراد في كوردستان العراق للضغط على الحكومة العراقية وإجبارها على منح الأكراد حقوقهم القومية. بينما اتخذ حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة جلال الطالباني موقفاً مغايراً، ففتح قنوات اتصال مع النظام العراقي، بل إن الحكومة العراقية استغلت هذا التقارب في تشجيع جلال الطالباني على إثارة أكراد إيران، بقيادة الدكتور عبد الرحمن قاسملو، ضد حكم آيات الله في إيران، استنزافاً للجهود الإيرانية من الداخل.
وعموماً فإن كلا الحزبين الكورديين قد فشل في تحالفاته؛ فالحزب الديمقراطي الكوردستاني، على الرغم من تحالفه مع إيران وتبنيه وجهة نظرها للضغط على الحكومة العراقية، لم ينجح في إقناع طهران بتسليمه منطقة حاج عمران الحدودية، إذ أصرت إيران على السيطرة عليها بوساطة القوات التابعة للجبهة الإسلامية. كذلك فإن طهران، على الرغم من دعمها للحركة الكوردية العراقية في أواخر السبعينات والثمانينات، لاحقت الحركة الكوردية الإيرانية بقيادة الدكتور عبد الرحمن قاسملو، بل إن هناك اتهامات بضلوعها في اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو في النمسا.
في حين فشل حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني في مباحثاته مع الحكومة العراقية للتوصل إلى صيغة مقبولة للحكم الذاتي، على الرغم من سياسته المعتدلة نحو الوطن، ومساعدته على إثارة أكراد إيران ضد حكومتهم. وكانت النتيجة النهائية تصاعد الخلاف بين الحزبين الرئيسيين في كوردستان، مما أضعف تأثيرهما على الحكومة المركزية، وأدى إلى تفجير الصراع الكوردي الكوردي، وسمح للقوى الأجنبية بالتغلغل داخل فصائل الأكراد، وكان ذلك كله ضد مصلحة القضية الكوردية نفسها.
وباستثناء أحداث أمنية قليلة ومسيطر عليها فقد تأكدت سيطرة الحكومة المركزية في العراق على منطقة كوردستان طوال حقبة الثمانينات. إضافة إلى ذلك فإن تحسن الأداء العسكري للعراق في نهاية الحرب أتاح للحكومة العراقية إمكانية تحريك قوات عسكرية نحو كوردستان العراق، وكان الرد الحكومي العراقي قاسياً في الفترة الأخيرة من الحرب، إذ كانت الحكومة العراقية عازمة على إنهاء المشكلة الكوردية من جذورها، فاستخدمت القوة العسكرية، بما في ذلك «الغازات الكيمياوية»، ضد القوات الإيرانية وحلفائها الأكراد في مناطق كوردية جبلية وعرة، في «حلبجة» في 16 آذار/مارس 1988. وثارت وقتها ردود فعل دولية عنيفة «لم تخرج عن حدود الإدانة الأدبية»، وواجهت الحكومة العراقية ذلك بنفي استخدام الغازات الحربية.
وبانتهاء الحرب بين إيران والعراق في 8 آب/أغسطس 1988م برزت ردود فعل ما بعد الحرب، التي تتخذ غالباً صورة تصفية حسابات أو محاولة تحقيق مطالب مؤجلة، وهو ما حدث خلال الربع الأخير من عام 1988، حين صعّد مسعود البارزاني الموقف في كوردستان، وهو الذي كان الرئيس صدام حسين يهدف أصلاً إلى معاقبته على موقفه أثناء الحرب، إذ كان يميل إلى التحالف مع إيران. وهنا يجب أن يعلم الجميع أن سبب ذلك هو فقدان ثقة الأكراد وقيادتهم بالحكومة وحزب البعث، بسبب نكث الوعود بشكل مستمر، وعدم وجود حل آخر في حينه.
واستمرت الحكومة العراقية في محاولة تدعيم المؤسسات الثقافية الكوردية، فصدرت 15 مطبوعة دورية، بين جريدة ومجلة، باللغة الكوردية، وأُنشئت قناة تلفزيونية كوردية، وإذاعة كوردية تبث 22 ساعة يومياً، وصارت الوثائق الرسمية تكتب بالكوردية والعربية. كما أصدر النظام، طبقاً للسياسات السلمية، قراراً في 6 أيلول/سبتمبر 1988 بالعفو عن الأكراد الفارين إلى تركيا وإيران، وبناءً على ذلك عاد آلاف الأكراد إلى موطنهم في كوردستان العراق. وبعد الانتهاء من الحرب العراقية الإيرانية استمر النظام السياسي في عمليات الأنفال حتى عام 1989، حين أعلن إجراء انتخابات برلمانية في منطقة الحكم الذاتي في كوردستان العراق.
وطغى على هذه القضية تسارع المواقف السياسية في المنطقة، التي امتزجت باحتفالات العراق بالنصر في حربه على إيران، ثم بالصراع مع القوى الغربية بحجة امتلاك العراق أسلحة غير مسموح بها. وبعد أقل من عامين فقط احتل العراق الكويت في 2 آب 1990، ودخل في حرب طاحنة مع ثلاث وثلاثين دولة، أدت إلى تدهور أوضاعه وحصاره وتغيير وجه المنطقة.
ويرى الباحث أن الحركة الكوردية في هذه المرحلة لم تُخفِ وقوفها مع الأجنبي ضد حكومة العراق من أجل تحقيق مصالحها، لأن الحكومة وحزب البعث أجبرا القيادة الكوردية على ذلك لغرض البقاء على قيد الحياة قبل أن تفنى وتباد على يد الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث، علماً بأن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي تعترف بالوجود القومي الكوردي، وأن الدساتير والتشريعات تعترف جميعها بحقوق هذا الشعب الذي يشكل خمس الشعب العراقي، ولكنها كلها كانت حبراً على ورق عند التطبيق.
ب. الأكراد خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين بعد الحصار (1990–2003)
خرج العراق منتصراً في حربه مع إيران في 8 آب 1988، ومسيطراً على أوضاعه الداخلية، لكنه بدأ يواجه هجمة غربية غير مسبوقة، زادها سعيراً قرار الرئيس صدام حسين احتلال الكويت بتاريخ 2 آب 1990. ومنذ ذلك التاريخ تعرض العراق لأبشع القرارات، التي سمحت بفرض الحصار الاقتصادي عليه بموجب القرار الدولي 661 بتاريخ 6 آب/أغسطس 1990، وسمحت بالعدوان العسكري عليه في 17/1/1991، وأدت إلى إضعاف السلطة المركزية للعراق والقوات المسلحة العراقية، وشجعت الأحزاب الكوردية المعارضة على حمل السلاح مرة أخرى أملاً في الحصول على حقوقها المشروعة والمقررة دستورياً.
ففي عام 1991، وإثر الضربة العسكرية المدمرة التي وُجّهت إلى العراق في 17 كانون الثاني 1991، شهد العراق فترة من عدم الاستقرار فقدت فيها السلطة المركزية السيطرة على أجزاء من البلاد لفترة وجيزة. واستغل الأكراد بتواتر متصاعد غزو العراق للكويت، وأعلنوا ثورتهم على النظام الحاكم، ففي آذار 1991م شهدت مدن السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك موجات عنف شديدة بين البيشمركة التابعين لكلا الحزبين الكورديين من جهة والحكومة العراقية من جهة أخرى، وتمكنوا من السيطرة على المؤسسات والدوائر الحكومية والمستشفيات كافة. ومن جديد استخدم الغرب ورقة الأكراد مرة أخرى للضغط على الحكومة العراقية، إذ تقدمت هذه الدول بقيادة أمريكا إلى مجلس الأمن بمشروع لاستصدار القرار 688 في 5 نيسان 1991م بتشكيل قوة لتوفير الحماية للأكراد، وتكونت هذه القوة من وحدات أمريكية وبريطانية وفرنسية، وحُددت لها ثلاثة أشهر لتنفيذ مهمتها، وانسحبت بنهاية تموز 1991م تاركة مجموعة من المراقبين الدوليين.
غير أن انسحاب الجيش العراقي من الكويت في الأول من آذار/مارس 1991 مكّن الحكومة العراقية من السيطرة على منطقة كوردستان، ثم وجد الأكراد العراقيون أنفسهم في ظروف معيشية بالغة السوء في أعقاب سحق الحركة الكوردية، الذي أعاد طرح مسألة الحكم الذاتي، مما دعاهم إلى اللجوء إلى التفاوض مع الحكومة العراقية في أعقاب اضطرابات آذار ونيسان 1991 وانتفاضتيهما، وذلك بهدف التوصل إلى صيغة جديدة للحكم الذاتي الصادر في مطلع السبعينات. وفعلاً فُتح حوار مع الحزبين الكورديين المذكورين في منتصف عام 1991، وبدأت جولة من المحادثات المطولة استمرت حتى آب/أغسطس من العام نفسه، ونظراً لتعثر المفاوضات اتجه الأكراد إلى محاولة الحصول على درجة أكبر من الحكم الذاتي.
وعليه أنجزت الحكومة العراقية مشروعاً جديداً بصيغة جديدة غير متوقعة لقانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان في 28/5/1991، مكوناً من خمسة أبواب و28 مادة، مستنداً إلى البيان التاريخي الصادر عن مجلس قيادة الثورة في الحادي عشر من آذار 1970، الذي وضع الأسس السلمية لمعالجة المسألة الكوردية على أساس الوحدة الوطنية والأخوة التاريخية بين العرب والأكراد، ومن أجل تطوير وتعزيز تجربة الحكم الذاتي التي تمثلت في القانون رقم (33) لسنة 1974، وتواصلت عبر سبعة عشر عاماً. وأُعلن توصل الطرفين إلى اتفاق متكامل، وتحدثت الحكومة وكل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني عن قرب توقيع اتفاق شامل، إلا أن الأحزاب الكوردية انسحبت، وظل الاتفاق معلقاً. وعلى الرغم من أن أياً من الأطراف لم يعلن السبب في عدم توقيع الاتفاق، فإن جميع الدلائل تشير إلى سببين لذلك:
الأول يتعلق بالاختلاف حول مضمون الاتفاق، فالحزبان الكورديان يؤكدان من طرفهما أن هناك مشكلتين رئيسيتين ظلتا عالقتين: الأولى تتمثل في تحديد المنطقة الكوردية (منطقة الحكم الذاتي)، إذ طالب الأكراد بضم منطقة كركوك الغنية بالنفط إليها، في حين قالت السلطة المركزية إن هذه المنطقة تضم أعراقاً مختلفة، ففيها التركماني والكوردي والعربي، وإن الحل المقبول هو إلحاق المناطق الكوردية فقط بمنطقة الحكم الذاتي. والثانية تتعلق بنوع العلاقة بين السلطة المركزية والمنطقة الكوردية (منطقة الحكم الذاتي)، ففي الوقت الذي أصرت فيه السلطة المركزية على أن الحكم الذاتي هو الحل المقبول لديها، طرحت الأحزاب الكوردية الحكم الذاتي الموسع، وتطور الأمر إلى حد المطالبة بالحل الفيدرالي والإصرار عليه، على أساس أن إقامة دولة فيدرالية تضم إقليماً كوردياً هي الحل الذي لا يمكن التنازل عنه.
أما السبب الثاني، وهو الأهم والحقيقي الذي منع التوصل إلى اتفاق، فيتمثل في معارضة الولايات المتحدة له، إذ قامت بتحذير الحزبين الكورديين ثم منعهما من توقيع الاتفاق، وبررت ذلك بأنها تعمل على تغيير النظام عن طريق إضعافه، وأن مثل هذا الاتفاق سيعطي النظام في العراق قوة ودعماً كبيرين.
وهناك سبب ثالث هو وصول وفد تركي رفيع المستوى إلى بغداد لعرقلة المفاوضات. ثم ارتأت الحكومة العراقية سحب القوات المسلحة والإدارة العراقية من منطقة كوردستان العراق، إما بسبب اتفاقية الانسحاب ووقف الحرب التي وقعت مع أمريكا وحلفائها، أو للشعور بأن هناك محاولة لجر القوات المسلحة إلى معركة جديدة لتدمير ما تبقى منها، لكنها في الوقت نفسه استمرت في تقديم المساعدات الغذائية والصحية والتعليمية للمنطقة رغم ظروف الحصار.
بعدها قامت الولايات المتحدة وبريطانيا، دون اللجوء إلى الأمم المتحدة، بإعلان منطقتي شمال خط العرض 36 وجنوب خط العرض 32 مناطق محمية من قبلهما، ومنع الطيران العراقي من التحليق فوقها. وهكذا أصبحت كل من أربيل والسليمانية ودهوك مناطق خارج إدارة السلطة المركزية، ومناطق نفوذ لأطراف إقليمية ودولية مختلفة، فإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا دخلت تركيا وإيران بنفوذهما إلى المنطقة. وأصبح واضحاً أن الحزبين الكورديين الرئيسيين في المنطقة، الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يترأسه السيد مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكوردستاني الذي يترأسه السيد جلال الطالباني، قد امتلكا فرصة غير مسبوقة للتصرف في المنطقة، وبالفعل سيطر كل حزب على منطقة من مناطق كوردستان، وبصورة عامة كان نفوذ الاتحاد الوطني الكوردستاني كبيراً في منطقة السليمانية وجزء من منطقة أربيل المحاذي لها، في حين كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتمتع بنفوذ كبير في الجزء الأكبر من منطقة أربيل ودهوك. ثم أجرى الأكراد الانتخابات التشريعية في كوردستان بتاريخ 19 أيار/مايو 1992، وأعلن مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، تحديداً في 9 أيلول 1992، موت اتفاقية الحكم الذاتي التي وقعها أكراد العراق مع صدام حسين.
وهكذا استمرت منطقة كوردستان العراق بعيدة عن السلطة المركزية، وأنشأ كل من الحزبين الكورديين الرئيسيين إدارته الخاصة، ثم جرى الإعداد لانتخابات تشريعية للمنطقة في عام 1992. وفي ظل العداء التاريخي بين قادة الحزبين الكورديين، وهو عداء امتد إلى أتباعهم، جرت الانتخابات التي قيل إنها أعطت كل حزب نسبة 50% من الأصوات، وإن كانت مصادر غير رسمية أكدت أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني حصل على أكثر من هذه النسبة. ونتيجة لهذه الانتخابات شُكّلت إدارة جديدة حملت في داخلها بذور الخلاف بين الطرفين، إذ اقتُسمت جميع المناصب مناصفة، فلكل وزير من حزب نائب من الحزب الآخر، وهكذا في المناصب نزولاً. وبالفعل شهدت المنطقة في الفترة من 1992 حتى عام 1996 فترات من الاقتتال الدامي بين الطرفين، وصل إلى حد الاقتتال المسلح في شوارع أربيل.
لقد استمرت العلاقات بين الحزبين متوترة، والخلافات بينهما متصاعدة، واندلع القتال بين مقاتلي الحزبين في أواخر شهر آذار 1994، واستخدم الطرفان كل ما تيسر لهما من الأسلحة في القتال الشرس والعبثي الذي دفع ثمنه الشعب الكوردي المنكوب، إذ قُتل المئات من أبنائه، ودُمّرت المدن والقرى، وأتت الحرب بين الحزبين على البقية الباقية من الاقتصاد المدمر أصلاً بسبب الحروب السابقة.
ورغم جميع المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية المنضوية تحت لواء الجبهة الكوردستانية لوقف هذا القتال، فإنها باءت كلها بالفشل، واستمرت المعارك بينهما، وإن تخللتها هدنة لفترات من الزمن بعد جهود مضنية بذلتها الأحزاب الوطنية للجمع بين القيادتين، وحل المسائل المختلف عليها حلاً سلمياً، بما يحقق مصالح الشعب الكوردي الذي عانى الأمرّين من تلك الحرب. وهكذا ضاعت أحلام الشعب الكوردي، الذي وجد نفسه في ظل ذلك الصراع الذي أحدثه قادته، وفي ظل الحصار الدولي، يعيش في وضع مأساوي ليس له مثيل.
وفي 12 تشرين الأول 1996 اندلعت جولة جديدة من مسلسل القتال الكوردي الكوردي بين الحزبين الكورديين الرئيسيين، أشد عنفاً وفتكاً بالأرواح وتدميراً للممتلكات، شملت مدن السليمانية وكويسنجق وجمجمال وبلدات أخرى، واستخدم الطرفان كل الأسلحة المتاحة، منزلين أفدح الخسائر بالأرواح والممتلكات، ليس بين صفوف المتقاتلين وحسب، بل بين صفوف المدنيين المسالمين. إن كل الذرائع التي ادعاها الطرفان لاستمرار القتال لا يمكن قبولها، وإن قيادتي الحزبين تتحملان المسؤولية الكاملة عن المآسي التي حلت بالشعب الكوردي، والتي فاقت ما تعرض له على أيدي الحكومات العراقية كما يدّعون، وكل ذلك في محاولة من كل حزب لتصفية الحزب الآخر، كما حاول كل حزب إقامة تحالفات إقليمية لإضعاف خصمه. ويبدو أن جلال الطالباني، بما عُرف عنه من خبرة سياسية قديمة، قد نجح في إقامة تحالفات عديدة مكنته من الظهور بمركز أقوى من مسعود البارزاني، بل إن بعض المصادر غير الرسمية بدأت تتحدث عن إعداد الاتحاد الوطني الكوردستاني لحملة عسكرية كبرى، بعد أن مهّد لذلك بحملات صغيرة، للسيطرة على منطقة كوردستان العراق كلها، وقد حصل من أجل تحقيق ذلك على دعم قوى إقليمية.
هذا الوضع دفع مسعود البارزاني إلى طلب المساعدة من السلطة المركزية العراقية، من خلال إرسال رسالة خطية إلى الرئيس العراقي صدام حسين يطلب منه فيها إرسال قوات عسكرية لمواجهة هجوم الاتحاد الوطني الكوردستاني، فسرعان ما دخل الجيش العراقي واستولى في 30 آب 1996 على مدينة أربيل عاصمة الإقليم الكوردي، وبررت الحكومة العراقية هذا العمل بأنه كان ضرورياً لمنع عملية تآمرية كبيرة كانت تستهدف العراق كله.
وبعد انسحاب القوات العراقية إثر إنجاز مهمتها، وبعد فترة من الاقتتال بين الحزبين، تمكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة مسعود البارزاني من السيطرة على جميع المناطق الكوردية، في حين لجأ جلال الطالباني وأتباعه إلى إيران، ثم عاودوا الهجوم واستعادوا منطقة السليمانية واستقروا فيها. وهكذا أصبحت منطقة كوردستان في عام 1997 منقسمة إلى قسمين:
القسم الأول: محافظة السليمانية، التي تعتبر منطقة إدارة الاتحاد الوطني الكوردستاني ووجوده.
القسم الثاني: منطقتا أربيل ودهوك، اللتان تعتبران منطقتي وجود الحزب الديمقراطي الكوردستاني وإدارته.
وفي ظل هذه الظروف غير الاعتيادية شهدت منطقة كوردستان العراق تطورات كثيرة، لعل أهمها وأخطرها الاجتياحات التركية المتعددة للمنطقة بحجة ملاحقة أتباع حزب العمال الكوردستاني التركي PKK (حزب عبد الله أوجلان)، وقد نتج عن هذه الاجتياحات تدمير إضافي للمنطقة، إضافة إلى إقامة مناطق نفوذ تركية فيها. ثم مدت إيران نفوذها في المناطق المجاورة لها عن طريق تشجيع الأحزاب الدينية هناك. هذا إضافة إلى النفوذين الأمريكي والبريطاني المتعاظمين، اللذين يحاولان باستمرار تقريب وجهات نظر الحزبين بغية استكمال مخططاتهما. كما أن محاولات أطراف أخرى، كبعض الدول العربية التي تختلف مع السياسة العراقية، وطموحات إسرائيل الثابتة الرامية إلى إضعاف العراق الرافض لوجودها، لم تعد خافية. وإضافة إلى الاقتتال الدامي بين الحزبين الكورديين الرئيسيين في كوردستان العراق، كانت هناك مواجهات دامية حاول فيها كل حزب تصفية الأحزاب والتجمعات الأصغر في مناطق نفوذه.
وبعد الأحداث الدامية التي وقعت في أربيل نشطت قيادات أحزاب الجبهة الكوردستانية في السعي إلى الجمع بين القيادتين الكورديتين من أجل التوصل إلى حل لخلافاتهما، ودخلت الولايات المتحدة على الخط، بما تملكه من تأثير قوي على الطرفين، ساعيةً إلى الجمع بين مسعود البارزاني وجلال الطالباني في واشنطن من أجل تحقيق المصالحة بينهما، فدعت القيادتين الكورديتين إلى الحضور إلى الولايات المتحدة لبحث الخلافات بين الطرفين وإيجاد السبل الكفيلة بتجاوزها. وبالفعل تم اللقاء بين الطرفين، وأُجريت المباحثات حول السبل الكفيلة بعودة العلاقات الطبيعية بينهما وعودة الأمن والسلام إلى كوردستان، بحضور ديفيد ولش، مساعد وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت آنذاك، وتم التوصل إلى «اتفاقية واشنطن» في 17 أيلول 1998، التي وقعها السيدان مسعود البارزاني وجلال الطالباني، والتي سميت «اتفاقية المصالحة والسلام»، وقد تضمنت البنود التالية:
إدانة الاقتتال في كوردستان والحيلولة دون عودته من جديد.
إقامة حكومة موحدة على أساس نتائج انتخابات عام 1992.
توحيد الإدارتين الكورديتين وإجراء انتخابات جديدة.
إعادة الإيرادات الكمركية إلى خزينة حكومة الإقليم الموحدة.
وهكذا عاش الشعب الكوردي في العراق عصره الذهبي في نهاية التسعينات تحت حماية منطقة حظر الطيران التي راقبتها الولايات المتحدة وبريطانيا، وكان في الوقت نفسه يحصل على مساعدات صدام حسين ودعمه (المواد التموينية)، انطلاقاً من نظرته الوطنية إلى العراق ووعوده السابقة لهم بوصفهم أبناء الشعب العراقي.
وقبيل الغزو الأمريكي للعراق في آذار/مارس 2003 نحّى الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني خلافاتهما جانباً لإنشاء قيادة مشتركة برئاسة زعيميهما جلال الطالباني ومسعود البارزاني، وكان للأكراد دور رئيس في احتلال العراق من خلال قوات البيشمركة الكوردية، ومن خلال التعاون الوثيق مع القوات الأمريكية قبل احتلال بغداد في 9 نيسان 2003م. ولم تشارك قوات البيشمركة الكوردية في الأيام الأولى للحرب الأمريكية على العراق التي بدأت في 20 آذار/مارس 2003، ولم تكن الجبهة الشمالية العراقية في مجملها ساحة للقتال كما كان الحال في الجبهة الجنوبية، خاصة بعد أن رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية بالعبور من أراضيه، إلا أن المقاتلين الكورد البيشمركة قاموا، برفقة وحدات من القوات الأمريكية، بالضغط العسكري على القوات العراقية في مدينة الموصل الشمالية في أواخر أيام الحرب عشية احتلال بغداد، كما قدموا قبل ذلك دعماً لوجستياً للقوات الأمريكية، لا سيما لبعض طواقم القوات الخاصة الأمريكية وعناصر الاستخبارات التي تسللت إلى تلك المنطقة لتمهد البيئة وتساعد في عملية غزو العراق. وقد عُيّن الاثنان لاحقاً في مجلس الحكم العراقي، إضافة إلى ثلاثة أعضاء آخرين من الأكراد.
ويرى الباحث أن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي اعترفت بالوجود القومي الكوردي، وأن الدساتير والتشريعات العراقية تعترف جميعها بحقوق هذا الشعب، لكن الحكومة مع الأسف لم توفَّق في تنفيذها بالشكل الصحيح، بل كانت حبراً على ورق، أي إنها كانت تنكث بوعودها لشعبها الكوردي العراقي. وبسبب عدم مصداقية الحكومة والحكومات السابقة في عهودها للشعب الكوردي، أسهم الأكراد بقوة في تسهيل مهمة احتلال العراق من قبل القوات العسكرية الأمريكية وإسقاط حكم صدام حسين، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل تاريخ العراق، يتضح أنها الأسوأ في عصره الحديث.
أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع (هذا الجزء)
- الجزء الثامن