الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الثامن)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تأميم شركة نفط العراق

انعكس الموقف السياسي الذي أظهرته واشنطن ولندن في مؤازرة إيران ضد العراق على الجانب الاقتصادي الذي مثّلته أطراف شركة نفط العراق، وهي مجموعة شركات بريطانية وأمريكية وفرنسية وهولندية وبرتغالية، وتدهورت علاقتها بالحكومة العراقية عقب توقيع شركة النفط الوطنية العراقية اتفاقية تطوير حقل الرميلة الشمالي مع الاتحاد السوفيتي عام 1969م. وبدأ العراق المفاوضات مع شركة نفط العراق في نهاية كانون الأول 1971م بغية التوصل إلى أحسن الحلول لزيادة الدخل القومي الذي تحتاجه البلاد. ووجد صدام حسين في ذلك فرصة ميسرة أمامه لزيادة رصيده ونفوذه بين صفوف البعثيين وعامة الناس، كما وجد أن عليه استثمار الحليف الجديد، الاتحاد السوفيتي، إذا ما تعرض العراق لأي عقوبات قد تتخذها الشركات النفطية، خاصة البريطانية والأمريكية، وقاده ذلك إلى زيارة موسكو في كانون الثاني 1972م على رأس وفد علمي وتقني، داعياً إلى تحالف إستراتيجي مع الاتحاد السوفيتي.

وفي الوقت الذي أطلق فيه صدام حسين صرخته في اتحاد الجمعيات الفلاحية لاعتماد سياسة التقشف وشد الأحزمة على البطون مدة سنتين، كبلد غير نفطي، دعا إلى الإبقاء على علاقات جيدة مع فرنسا باعتبارها ثاني أكبر مستوردي نفط العراق. وتبعاً لتلك التصورات حذرت الحكومة العراقية شركة نفط العراق، بعد أن استأنفت المفاوضات مع ممثليها في آذار 1972م، من مخاطر رفضها مطالب العراق. وجرت عملية التأميم في الأول من حزيران 1972م، واتخذت سوريا الخطوة ذاتها بسبب مرور أنابيب النفط عبر أراضيها، أما شركة نفط العراق فلم يعد لديها من رد فعل إلا التهديد بمقاضاة كل دولة تشتري نفط العراق المؤمم.

وأطلق تنظيم حزب البعث (أنصاره ومؤيدوه) على النائب صدام حسين لقب «مهندس عملية تأميم النفط»، بعد ازدياد أسعاره وظهور وفرة من العملة الصعبة لم يحصل عليها أي حاكم منذ قيام الدولة العراقية عام 1921. وبدأ الشعب العراقي، الذي هزته عملية تأميم النفط في البداية، يعيش في وفرة اقتصادية، ويشتري ما كان متعذراً من الحاجات الكمالية، ويسافر إلى خارج العراق للراحة والاستجمام في الصيف، وهو ما استثمره صدام حسين، رغم إعلان أحمد حسن البكر في خطاب متلفز أن معركة التأميم هي نموذج للمعارك الكبيرة، أثبت فيها شعب العراق وقواه الوطنية والتقدمية القدرة على الصمود حتى قطف ثمارها.

وأدركت الولايات المتحدة أن تأميم حصتها في شركة نفط العراق وبقية الشركات الأجنبية سيضاعف قدرة العراق المالية، وبالتالي تجهيز قاعدته العسكرية وتوسيعها، فعمدت إلى تسخير إيران لمعاودة نشاطها مع الملا مصطفى البارزاني في كوردستان العراق، وجاء ذلك متوافقاً مع سياسة شاه إيران مع رموز كوردية متعصبة لإضعاف حكم البعث في ربيع عام 1972م. ومن سوء حظ الأكراد والملا مصطفى البارزاني أنهم لم يكونوا على دراية تامة بحقيقة دور الشاه، إذ إن إضعاف العراق لا يعني دعماً غير مشروط لكوردستان العراق، التي تتمتع بحكم ذاتي ليس له مثيل لدى أكراد إيران وتركيا وسوريا.

وظهر في ممارسات الملا مصطفى البارزاني بعد تأميم النفط أنه غير مهتم بعلاقاته مع مضيفيه السابقين السوفيت (1946–1958م) بقدر اهتمامه بمبعوثي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ورجال الشاه، وبدا وكأنه مصمم على أن يستعيض بالدعم الأمريكي عن الدعم السوفيتي. واستمرت اللعبة الإيرانية للضغط على العراق، تارة من خلال علماء الدين الشيعة في النجف وكربلاء، وتارة من خلال الأكراد، وتحديداً الملا مصطفى البارزاني في كوردستان العراق. وتشير وثائق الاستخبارات الأمريكية في مجلس النواب الأمريكي إلى أن الرئيس الأمريكي نيكسون، والدكتور هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية لاحقاً، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، كانوا يتمنّون ألا يتغلب الأكراد على حكم البعث في وقت قصير، بل أن يستمر عملهم في الأعمال التخريبية والغارات على منشآت النفط بمستوى يكفي لاستنزاف مصادر الثروة العراقية، لهدف أبعد هو زرع الشكوك بين رموز القيادة البعثية وإنهاك الثورة من الداخل.

بناء جيش قوي (1968–1975)

بدت الأسبقية التي ركز عليها قادة حزب البعث هي التفكير الجدي في بناء جيش قوي أساسه الأسلحة المتطورة، لمواجهة تحديات الثورة الكوردية التي وجدت في سوريا حافظ الأسد الملاذ والتدريب، ولمواجهة عواقب الحوار الكوردي الأمريكي المستمر مع قادة المعارضة الكوردية لوضع مزيد من الضغط على حكومة بغداد، التي قطعت العلاقات مع واشنطن عام 1967، ولمواجهة إيران في منطقة الخليج الغنية بالنفط، وأثمر ذلك توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي في التاسع من نيسان 1972م.

واعتبر الحزب الشيوعي توقيع المعاهدة مع حليفه الاتحاد السوفيتي نصراً تحقق له بعد كفاح طويل، واستؤنف الحوار بين حزب البعث والحزب الشيوعي، حتى أعلن أحمد حسن البكر في الخامس عشر من تشرين الثاني 1971م «ميثاق العمل الوطني»، الذي مهد الطريق لبناء جبهة ضد إيران وطموحاتها غير المشروعة في الخليج، وإلى ضمان كل الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب، بما فيها حرية الأحزاب السياسية والنقابية. وفي هذا أشارت جريدة «نويس دويتشلاند» (Neues Deutschland) الألمانية الشرقية في كانون الثاني 1972م إلى أن ميثاق العمل الوطني الذي أصدره حزب البعث دلل على رغبة النظام في التخلي عن السير في طريق التطور الرأسمالي. وكان توقف حزب البعث عن اتخاذ أي إجراءات ضد الشيوعيين، أو اعتقال رموز جديدة منهم، قد هيأ الظروف لدخول وزيرين شيوعيين الحكومة في الرابع عشر من أيار 1972، بناءً على نصيحة السوفيت.

الظلم والقهر اللذان يتعرض لهما الشعب الكوردي منذ تأسيس الدولة العراقية

عند التطرق إلى الظلم والقهر الاقتصادي اللذين يتعرض لهما الشعب الكوردي منذ إنشاء الدولة العراقية عام 1921م، لا بد في البداية من أن أتطرق إلى جانب سياسي مهم، وهو أن الشعب الكوردي في العراق قد أسس كياناً له بعد الحرب العالمية الأولى وقبل إنشاء الدولة العراقية، إذ بعث الشيخ محمود الحفيد في خريف عام 1918م، في تشرين الأول، بوفد إلى كفري (أحد أقضية كركوك، ويتبع حالياً محافظة ديالى بعد أن ألحقه النظام السابق بها لغرض تعريب كركوك)، حين وصل زحف الجيش البريطاني إلى كفري بعد احتلال بغداد.

وفي رسالة موجهة من الشيخ محمود الحفيد إلى قيادة الجيش البريطاني طلب تكوين دولة كوردية تحت إشراف بريطانيا وانتدابها، ورحب بالجيش البريطاني بهذا الصدد. وبعد مداولات قائد الجيش البريطاني مع المندوب السامي البريطاني في بغداد (ولسن)، أمر المندوب السامي قائد الجيش في كفري بالتوجه إلى الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وتبليغه بموافقة الحكومة البريطانية على تكوين كيان سياسي للكورد في ولاية الموصل العثمانية، أي إقليم كوردستان الحالي.

فوصل الوفد البريطاني في أواسط الشهر العاشر (تشرين الأول) من عام 1918م بقيادة الميجر نوئيل، وفي صبيحة اليوم التالي لوصوله اجتمع مع رؤساء الأكراد ووجهائهم في المنطقة، وألقى خطبة باللغة الفارسية التي كان يجيدها، وأعلن باسم الحكومة البريطانية قيام كيان سياسي كوردي بزعامة الشيخ محمود الحفيد. وبعد أيام، أي في 2/11/1918م، وصل المندوب السامي السيد ولسن بالطائرة من بغداد إلى السليمانية، وأكد أمام رؤساء العشائر ووجهاء المدينة موافقته على تكوين كيان سياسي (حكومة الشيخ محمود الحفيد)، وأعلن شفهياً حدود تلك الحكومة من جلولاء وخانقين إلى الزاب الأعلى والأراضي المحيطة بها.

ولكن الأحداث الدولية التي وقعت بعد ذلك، وخاصة إنشاء الدولة البلشفية عام 1917م في روسيا، وفضح هذه الدولة لمعاهدة سايكس بيكو، ومستجدات أخرى، جعلت بريطانيا تغير سياستها تجاه الحكومة الكوردية الفتية، فحاولت بكل السبل القضاء على آمال الأكراد في الاستقلال، وسعت إلى إلحاق إقليم كوردستان بالعراق، وهكذا قضت على حكومة الشيخ محمود الحفيد بالقوة، وأسرته ونفته إلى الهند مدة ثلاث سنوات، وحتى بعد إرجاعه من الهند إلى كوردستان عام 1922م وتشكيله الحكومة الكوردية الثانية لم يُجدِ ذلك نفعاً.

ففي عام 1925م تم رسمياً إلحاق إقليم كوردستان بالعراق بشروط، هي احترام إرادة الشعب الكوردي، والموافقة على تكوين حكومة ضمن العراق، والسماح للشعب الكوردي باستغلال ثرواته وإدارة شؤونه بنفسه ضمن الكيان العراقي.

ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تحترم تلك الشروط والمواثيق، بل على العكس اتبعت سياسة شوفينية وقمعية ضد الشعب الكوردي.

ففي غياب الديمقراطية والحوار والتفاوض الجاد لم يكن بإمكان الشعب الكوردي المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي، لذا فالسياسة التمييزية من الناحية الاقتصادية هي التي اتُّبعت ضدهم منذ إنشاء الدولة العراقية، وقد أدركت الحكومة العراقية منذ إنشائها الأهمية الاقتصادية لإقليم كوردستان.

إذ أكد الملك فيصل الأول وحكومته باستمرار أن إقليم كوردستان بالنسبة إلى العراق كالرأس بالنسبة إلى الجسد، ومع ذلك لم يحصل الشعب الكوردي طيلة هذه الفترة إلا على الظلم والقهر الاقتصادي، المتمثلين فيما يلي:

  1. حسب الإحصائيات والبيانات المتاحة حول الاستثمارات والبرامج التنموية بلغ نصيب المنطقة الكوردية منها أقل من 10%، بالرغم من أن المنطقة تسهم بنحو ثلث إنتاج النفط المستخرج في العراق، إذ بلغ إنتاج نفط كركوك/كوردستان في الثمانينات نحو 1.4 مليون برميل يومياً.

  2. نتيجة لهذه السياسة الاقتصادية التمييزية لا يوجد برنامج تنموي خاص بالمنطقة، وما أُنجز من هذه الاستثمارات عبارة عن مشاريع اقتصادية محدودة تعد على أصابع اليد، فهي مشروع واحد للإسمنت، ومعملان لإنتاج السكائر، ومعمل لتعبئة المياه المعدنية، ومعملان للنسيج والألبسة الجاهزة، في الوقت الذي تزخر فيه المنطقة بموارد اقتصادية متنوعة تتيح إنشاء صناعات ومشاريع اقتصادية عديدة.

  3. حُرمت المنطقة من استعمال مصادر المياه المتوافرة لتطوير الزراعة وتحسينها وتحديثها، إذ تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 8 ملايين دونم، 90% منها أراضٍ ديمية، لا يتجاوز إنتاج الدونم الواحد من الحنطة والشعير في أفضل الأراضي الديمية منها 250 كغم، في حين تزيد إنتاجية الدونم في الأراضي الإروائية، أي السيحية، على 1000 كغم. وحسب قوانين الري العراقية يعتبر استعمال المياه من صلاحيات الحكومة المركزية، فليس بإمكان الأكراد إنشاء شبكات الري واستعمال المياه الموجودة بكثرة في إقليم كوردستان لزيادة رقعة الأراضي الزراعية، ودون المياه لا يمكن أن تنهض الزراعة وتسهم في التقدم الاقتصادي، لذا ظلت الزراعة في إقليم كوردستان بدائية، علماً بأن نهر دجلة وروافده يمر بكوردستان العراق أولاً.

  4. لم تكتف السياسة التمييزية بهذا القدر من الحرمان، بل عمدت إلى تدمير البنية التحتية للاقتصاد الكوردستاني، وذلك عن طريق تدمير 4500 قرية و9 أقضية و30 ناحية، إذ بلغ مجموع المباني المدمرة نحو 134,675 مبنى، علماً بأن هذه المباني، إضافة إلى الأبنية السكنية، تشمل المدارس والمعاهد والمستشفيات والمساجد والمراكز الأثرية والثقافية، فضلاً عن مشاريع الإنتاج الحيواني والبستنة، وكل ذلك حسب الإحصائيات والبيانات التي تركتها الحكومة العراقية بعد سحبها الإدارات من المنطقة الكوردية في خريف عام 1991م.

ففي ظل هذه الأجواء يشعر الإنسان الكوردي بالظلم والقهر الاقتصادي والاجتماعي. وإعادة بناء المنطقة اقتصادياً سوف تؤدي إلى الازدهار والنمو الاقتصادي، ليس لإقليم كوردستان فقط، وإنما لعموم اقتصاد العراق، نظراً لتوافر الموارد الاقتصادية المتنوعة في إقليم كوردستان، فالمنفعة والنمو الاقتصادي بعد ازدهار الإقليم يعودان على الشعب العراقي بعربه وأكراده.


أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن (هذا الجزء)

→ الجزء السابع