الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

2. الأكراد والجمهورية الثانية (1963–1968)

أ. فترة حكم الرئيس عبد السلام محمد عارف (1963–1966)

في 8 شباط/فبراير 1963 نجح انقلاب الجبهة القومية في العراق، المكونة من التحالف القومي والبعثيين، برئاسة عبد السلام عارف، في الاستيلاء على الحكم والإطاحة بنظام عبد الكريم قاسم، ليصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية العراقية. وقد نص البيان الأول للانقلاب، فيما يتعلق بالقضية الكوردية، على «تحقيق وحدة الشعب الوطنية، بما يتطلب تعزيز الأخوة العربية الكوردية، وبما يضمن مصالحها القومية، ويقوي نضالها المشترك ضد الاستعمار، واحترام حقوق الأقليات، وتمكينها من المساهمة في الحياة السياسية».

وقد أدى موقف الحكم الجديد من خلال بيانه هذا إلى استجابة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وزعيمه الملا مصطفى البارزاني، الذي أرسل برقية تأييد إلى مجلس قيادة الانقلاب الجديد أكد فيها «أنهم ينتظرون من الحكم الجديد خطوات عملية لحل القضية الكوردية على أساس الحكم الذاتي الذي يرسي قواعد أزلية للأخوة العربية الكوردية». كما بادر الملا مصطفى البارزاني إلى وقف إطلاق النار على كل الجبهات في كوردستان العراق. وفي 19 شباط 1963م أرسلت الثورة الكوردية وفداً إلى بغداد بدأ مباحثاته حول القضية الكوردية، برئاسة جلال الطالباني، عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني آنذاك، عن جانب البارزاني، ومعه صالح اليوسفي عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في حين كان علي صالح السعدي يرأس الوفد الحكومي ومعه صالح مهدي عماش وزير الدفاع وحردان التكريتي، وانضم إليهما فؤاد عارف وبابا علي نجل الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. وانتهت المباحثات دون أن تسفر عن نتيجة عملية.

وفي 4 آذار 1963م جرت جولة جديدة من المباحثات، ترأس الجانب الحكومي فيها طاهر يحيى رئيس أركان الجيش (القوات المسلحة)، في حين كان الملا مصطفى البارزاني يرأس الجانب الكوردي، وكانت مطالب الأكراد هذه المرة:

أ. الاعتراف بحق الأكراد في الحكم الذاتي في كوردستان العراق.

ب. تشكيل مجلسين تشريعي وتنفيذي كورديين في كوردستان.

ج. تعيين شخصية كوردية مستقلة نائباً لرئيس الجمهورية، على أن ينتخبه الأكراد ويكون مقره في بغداد.

د. تشكيل وحدة أمن كوردية مقرها كوردستان العراق.

هـ. تخصيص حصة عادلة من الموارد المالية لإنفاقها على مشروعات عمرانية في كوردستان العراق.

و. جعل اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في كوردستان.

ز. أن يُقبل الأكراد في الكليات العسكرية ووحدات الجيش بنسبة تعادل نسبتهم إلى مجموع سكان العراق، وأن تُشكّل وحدات كوردية في كوردستان.

ح. أن تتألف موازنة منطقة الحكم الذاتي من الجمارك، وأن تشمل ما لا يقل عن ثلث عائدات النفط المستخرج من الموصل وكركوك.

ط. أن تبقى قوات البيشمركة الكوردية إلى أن يتم تحويلها إلى وحدات جيش كوردية مستقلة.

وفي يومي السابع والثامن من آذار 1963م اجتمع الوفد الحكومي العراقي، ورأى في مطالب الأكراد تشدداً كبيراً، وأن الموافقة على هذه المطالب وتلبيتها قد تؤديان إلى الانفصال. وأخيراً، ومع استمرار المفاوضات، توصل الطرفان إلى تسوية مقبولة شملت ما يلي:

أ. الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي في الحكم الذاتي، على أن يرد هذا البند في الدستور المؤقت القادم.

ب. العفو عن جميع أفراد قوات البيشمركة المعتقلين، وإطلاق سراح المسجونين منهم.

ج. سحب القوات العسكرية من كوردستان العراق وإحلال الشرطة محلها.

وفي 10 آذار 1963م أذاع راديو بغداد بياناً حكومياً جاء فيه أن الحكومة العراقية تعترف بالحقوق القومية للشعب الكوردي على أساس اللامركزية، على ألا يتعدى مفهوم اللامركزية الشؤون الإدارية.

وعقد الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعد ذلك مؤتمراً عاماً للأكراد في مدينة كويسنجق حضره أكثر من ألفي شخص، بينهم أكثر من 165 مندوباً عن اللجنة المركزية، وكبار الشيوخ وممثلو القبائل الكوردية، وقرر الحزب تشكيل لجنة من 14 عضواً و7 مستشارين برئاسة جلال الطالباني للتفاوض من جديد مع بغداد، وحددوا مطالبهم بما يأتي:

أ. إقامة جيش كوردي محلي (من البيشمركة) يشمل وحدات الشرطة.

ب. تخصيص 50 في المائة من عائدات نفط كركوك والموصل للحكم الذاتي.

ج. أن تكون الرقعة الجغرافية للحكم الذاتي محافظات السليمانية وأربيل وزاخو ودهوك والعمادية وعقرة والشيخان وخانقين، إضافة إلى كركوك والأجزاء الكوردية من الموصل وديالى.

وفي 30 آذار 1963 وصل جلال الطالباني إلى بغداد، والتقى الوفد الحكومي في جامعة بغداد، وانتهى الاجتماع دون اتفاق، لأن الحكومة اعتبرت المطالب الكوردية بمثابة وثيقة ضد وحدة الأراضي العراقية، في حين بقيت الاتصالات بين الطرفين مستمرة، لكنها تأجلت إلى أن يتضح الموقف من نتائج مفاوضات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق.

ولكي تثبت الحكومة العراقية حسن نيتها أرسلت وفداً كوردياً برئاسة جلال الطالباني إلى القاهرة، ليقدم مذكرة إلى الوفود المشاركة في مباحثات الوحدة الثلاثية التي بدأت في 8 نيسان 1963م، كما اجتمع الوفد الكوردي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقدم الأكراد إلى الوفود المجتمعة مذكرة جاء فيها:

أ. إذا بقي العراق دون تغيير في تركيبته وكيانه (نتيجة الوحدة الثلاثية) يقتصر مطلب الشعب الكوردي في العراق على البيان الصادر عن الجمهورية العراقية بشأن الحقوق القومية الكوردية على أساس اللامركزية.

ب. إذا انضم العراق إلى اتحاد فيدرالي يجب منح الشعب الكوردي في العراق حكماً ذاتياً بمفهومه المعروف دولياً دون تأويل.

ج. إذا اندمج العراق في وحدة كاملة مع دول عربية أخرى يكون للأكراد إقليم مرتبط بالدولة الموحدة على نحو يحقق الغاية من صيانة وجوده، وينفي في الوقت نفسه الانفصال عن العراق.

وفي 17 نيسان 1963م وُقّع في القاهرة ميثاق الدولة الاتحادية، وبعد أسبوع قدم الوفد الكوردي مشروعاً معدلاً لطلباته أقل تشدداً، تضمن:

أ. أن يتضمن الدستور العراقي نصوصاً على جهاز تشريعي أعلى للجمهورية، وعلى رئيس الجمهورية والحكومة، وعلى تنظيم جهاز مختص بممارسة الحكم الذاتي والأمور التشريعية والتنفيذية والقضائية في كوردستان العراق.

ب. استقلال منطقة كوردستان بماليتها الخاصة.

ج. تمثيل الأكراد في المجلس الوطني بما يتلاءم ونسبتهم إلى مجموع سكان العراق.

د. تطبيق شرط النسبة العددية فيما يتعلق بعدد الوزراء والموظفين والجامعات والكليات العسكرية والشرطة.

وأبدت الحكومة العراقية استعدادها لقبول بعض المطالب المتعلقة باللغة والمدارس والجامعات، لكنها أجّلت المطالب المتعلقة بالتشكيلات العسكرية والاستقلال المالي، ثم لم تتفق الحكومة عليها، واعتبرت المفاوضات فاشلة.

وإزاء فشل المفاوضات تصاعدت المواجهات العسكرية المسلحة، وبدأ فصل جديد من فصول الحركة الكوردية في العراق، إذ استؤنفت أعمال الثورة الكوردية المسلحة مع بداية تموز 1963م، لكنها أخذت منحى آخر هذه المرة، إذ عملت الحكومة على كسب تأييد القبائل والمشايخ الكوردية وولائها (فرساناً/جحوشاً) لمقاومة الثورة الكوردية، ومنها قبائل الزيباريين، وشكلت من هؤلاء قوات غير نظامية، وفي الوقت نفسه شكلت قوة «فرسان صلاح الدين» من العشائر الكوردية، كما شكلت قوة «فرسان خالد بن الوليد» من بعض رجال القبائل العربية في لواء الموصل، وسلحتهم لعرقلة أهداف الثورة الكوردية بقيادة زعيمها الملا مصطفى البارزاني، في حين تدفقت المعونات العسكرية والمالية على الثورة البارزانية الكوردية من إيران.

أطاح عبد السلام عارف بشركائه البعثيين في انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963، واستطاع إبعادهم وتنحية وزرائهم عن الحكم، ليصبح بعدها حاكماً وحيداً للبلاد. وأخذ عبد السلام عارف يتقرب من القاهرة وموسكو، ويزيد من تسليح الجيش العراقي، مما أثار مخاوف إيران، فأخذت طهران تتدخل في القضية الكوردية. لكن عبد السلام عارف، بعد إزاحته البعث عن السلطة، أعلن عزمه على بدء الحوار مع الكورد واستئناف المفاوضات بين الجانبين الكوردي والحكومي، فدعا إلى سحب القوات السورية (لواء اليرموك) التي كانت متمركزة لمساعدة القوات العراقية في كوردستان العراق وإعادتها إلى سوريا، وإلى فتح قنوات اتصال مع قيادة الثورة الكوردية منذ كانون الأول/ديسمبر 1963. وأعقبتها مفاوضات مثّل فيها الجانبَ الحكومي العقيدُ عبد الرزاق محمود محافظ السليمانية، ومثّل قيادة الثورة الكوردية كلٌّ من الملا مصطفى البارزاني وشقيقه الأكبر الشيخ أحمد البارزاني، وجلال الطالباني ونوري شاويس عضوي المكتب السياسي للبارتي (الحزب الديمقراطي الكوردستاني)، وذلك بعد أن توجه وفد من الحكومة برئاسة طاهر يحيى رئيس الحكومة للتفاوض مع الملا مصطفى البارزاني، وانتهت بالتوصل إلى اتفاق وقّع عليه الملا مصطفى البارزاني.

وفي 10 شباط/فبراير 1964 طلب عبد السلام عارف، رئيس الجمهورية، اجتماعاً لمجلس قيادة الثورة، فعُقد الاجتماع عصراً، وحضره العقيد عبد الرزاق محمود أيضاً، الذي أعلن موافقة الملا مصطفى البارزاني على إيقاف القتال، وأبرز ورقة صغيرة بخط يد الملا مصطفى البارزاني تؤيد ذلك. وبعد أن انفض الاجتماع صدر بيان باسم المشير الركن عبد السلام عارف رئيس الجمهورية يعلن فيه التوصل إلى اتفاق مع الملا مصطفى البارزاني، الذي نُشرت له رسالة بالمضمون نفسه، وفيما يأتي نص البيان:

بيان الرئيس عبد السلام محمد عارف بمنح الأكراد الحقوق القومية في 10 شباط/فبراير 1964م

«بناءً على مقتضيات المصلحة العامة، ولاستجابة إخواننا الأكراد لما جاء في نداء الملا مصطفى البارزاني، ورغبةً منا في إعادة الحياة الطبيعية إلى الجزء الشمالي من وطننا الحبيب، ووضع حد لمحاولات الاستعمار وأذنابه، وقطع دابر المستغلين والمتصيدين، وحقناً للدماء البريئة، وبناءً على ما تمليه مصلحة الوطن العليا، قررنا ما يلي:

  1. إقرار الحقوق القومية لإخواننا الأكراد ضمن الشعب العراقي في وحدة وطنية واحدة متآخية، وتثبيت ذلك في الدستور المؤقت.

  2. إطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين والمحكومين بسبب حوادث الحركة الكوردية، وإصدار العفو العام، ورفع الحجز عن الأموال المنقولة وغير المنقولة للأشخاص الذين حُجزت أموالهم بسبب حوادث الحركة الكوردية.

  3. إعادة الإدارات المحلية إلى المناطق الشمالية.

  4. إعادة الموظفين والمستخدمين الأكراد المفصولين.

  5. رفع القيود المفروضة على تسويق المواد المعيشية على اختلافها (الحصار الاقتصادي) عن كوردستان.

  6. الشروع بإعادة تعمير كوردستان فوراً، وتشكيل اللجان المختلفة لتذليل الصعوبات التي تعترضها وعدم التقيد بالأعمال الروتينية، مع ملاحظة تعويض المتضررين من الأكراد بسبب تلك الحركات.

  7. تعويض أصحاب الأراضي التي غُمرت من جراء سدّي دوكان ودربندخان تعويضاً عادلاً.

  8. تُتخذ التدابير بما يضمن إعادة الأمن والاستقرار إلى كوردستان. وإننا نهيب بإخواننا الأكراد العودة إلى الحياة الطبيعية لينعموا ببركات هذا البلد، وتوحيد الصف الوطني تجاه مؤامرات الاستعمار وأذنابه، وليعلم إخواننا الأكراد بأننا سنعمل على ما يضمن حقوقهم المشروعة، شأنهم شأن بقية المواطنين في الجمهورية العراقية، والله من وراء القصد.

  9. على كل الوزارات ذات العلاقة إصدار المراسيم والأوامر والتعليمات المقتضية تنفيذاً لما جاء في هذا البيان».

وهناك من يؤكد أن هذا الاتفاق هو الذي أدى إلى الانشقاق التاريخي بين رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الملا مصطفى البارزاني ورئيس المكتب السياسي للحزب إبراهيم أحمد. فبعد أن أصبح وقف إطلاق النار سارياً سارع إبراهيم أحمد، ومعه كل من عزيز شمزيني وعمر مصطفى (دبابة) أعضاء المكتب السياسي، إلى قطع جولة كانوا يقومون بها في أوروبا، والعودة إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم عن طريق إيران، حيث شرعوا في تنظيم حملة واسعة ضد الاتفاق الموقع بين رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الملا مصطفى البارزاني ورئيس الجمهورية عبد السلام عارف، وكانت حجتهم في ذلك أنه لا يلبي الحد الأدنى من مطالب الثورة الكوردية.

وبدأت في تلك الفترة أيضاً بوادر تعمق الانشقاق والصراع الداخلي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إذ بدأت خلافات جوهرية تظهر بين إبراهيم أحمد وجلال الطالباني، اللذين كانا عضوين في اللجنة المركزية للحزب، من جهة، والملا مصطفى البارزاني ومؤيديه من جهة أخرى. فدعا إبراهيم أحمد إلى تجريد الملا مصطفى البارزاني من صلاحياته رئيساً للحزب، ثم انفصل إبراهيم أحمد وجلال الطالباني عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليشكلا «المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني».

وبعد بيان شباط/فبراير 1964 استمرت المفاوضات بين الأكراد وحكومة عبد السلام عارف نحو عام، وكانت الحكومة تطلق التصريحات المطمئنة بحل القضية الكوردية، وفي الوقت نفسه تقوم باستعدادات عسكرية لاستئناف القتال. ففي 16 آذار 1964م صرح وزير الداخلية العراقي «أن الملا مصطفى البارزاني قد جدد تحديه للسلطة، ومنع الإدارات المحلية من القيام بواجباتها، وهذا وضع خطير لا يمكن التغاضي عنه». وفي 11 تشرين الأول 1964م أرسل الملا مصطفى البارزاني مذكرة طالب فيها الحكومة العراقية بتعديل المادة الأولى من الدستور لتصبح «أن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية» بدلاً من «أن الشعب العراقي هو جزء من الأمة العربية»، كما طالب بتعديل المادة 19 من الدستور المؤقت التي تنص على «أن الدستور يكفل للمواطنين عرباً وأكراداً حقوقهم القومية ضمن إطار الوحدة العراقية» إلى نص جديد هو «أن هذا الدستور يعترف بحقوق الشعب الكوردي على أساس الحكم الذاتي ضمن إطار الوحدة العراقية»، وطالب كذلك بانسحاب الجيش العراقي من ديالى وكركوك وأربيل والسليمانية. ورأت الحكومة العراقية أن هذه المطالب تكرار لموقف متشدد، وردت عليها بحل قوات الأنصار والبيشمركة، واستمرت المباحثات تواجه ظروفاً صعبة، حتى أصدرت الحكومة العراقية تعديلاً للدستور المؤقت في 9 أيلول 1965م، وأصبحت المادة 19 تنص على أن «يقر هذا الدستور الحقوق القومية للأكراد ضمن الشعب العراقي الواحد في وحدة وطنية متآخية».

كما أخذت الحكومة تعقد اتفاقات مع رؤساء العشائر والشيوخ الكورد ضد الحركة الكوردية، وخصصت مبالغ كبيرة لهذا الغرض باسم «خطة عزيز»، لأن الشخص المكلف بتنفيذ الخطة كان ضابطاً برتبة عميد اسمه عزيز الجلبي، وكان ضابطاً في استخبارات الفرقة الثانية في كركوك. وانتهى الأمر بتجميد عبد السلام عارف وعوده التي قطعها أمام وفد الحركة الكوردية وتجاهل طلباتها، خصوصاً أن وقف إطلاق النار بين الحكومة والأكراد كان هشاً، وكان انفجار الصراع وشيكاً.

وأخذت قطعات الجيش تتحرك في كوردستان العراق، وشن الجيش العراقي الهجوم على كل المواقع الأمامية للمسلحين الأكراد (البيشمركة) في 15/4/1965م، وأعلنت الحكومة العراقية على لسان وزير الدفاع اللواء عبد العزيز العقيلي أنه سيتم القضاء على الحركة الكوردية خلال فصل الربيع القادم. واستمرت المعارك في الجبهات كلها مع استمرار الاتصالات، ومع نهاية عام 1965م وصلت الاتصالات والمفاوضات إلى طريق مسدود. ودارت في نهاية كانون الأول 1965م معركة في بنجوين قرب الحدود الإيرانية إثر قيام البيشمركة الكوردية بمهاجمة القوات الحكومية، وألقت الحكومة العراقية اللوم على إيران في دعمها للحركة الكوردية المسلحة، واحتج العراق رسمياً لدى حكومة طهران واتهمها بفتح الحدود للبيشمركة وإمدادهم بالسلاح. وفي مواجهة ذلك استمرت الحكومة العراقية في تجنيد القبائل الزيبارية الكوردية وغيرها من القبائل الكوردية ضد الثورة الكوردية، مع توجيه ضربات بالطائرات والمدفعية إلى مسلحي الثورة الكوردية والملا مصطفى البارزاني. إلا أن النتائج النهائية للمناوشات العسكرية كانت في صالح الثورة الكوردية والملا مصطفى البارزاني، لتمكنهم من السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة، وإتقانهم حرب العصابات بفضل التدريب الذي تلقوه والأسلحة الحديثة التي حصلوا عليها.

واستمرت هذه الأوضاع إلى أن لقي عبد السلام محمد عارف مصرعه في حادث طائرة بتاريخ الثالث عشر من نيسان 1966، لتنتهي بذلك حقبة أخرى من تاريخ الجمهورية العراقية.


أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←