الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

2. الأكراد والجمهورية الثانية (1963–1968)

ب. فترة حكم الرئيس عبد الرحمن محمد عارف (1966–1968)

تولى الفريق عبد الرحمن محمد عارف الحكم بعد مصرع شقيقه عبد السلام محمد عارف بتاريخ 13/4/1966، بعد أن حاولت مراكز القوى وتياراتها الموجودة في السلطة والقوات المسلحة، بعد وفاة الرئيس عبد السلام عارف، الوقوف إلى جانب رئيس أركان الجيش، شقيق عبد السلام عارف، وتياره المنادي بالاستمرار في برنامج عمل الرئيس السابق عبد السلام عارف المتوفى نفسه.

ومنذ اللحظات الأولى أبدى الرئيس عبد الرحمن عارف اهتماماً كبيراً بالقضية الكوردية، وكان يركز دائماً على الأخطاء السياسية التي رافقتها، وقد أكد ذلك في حديثه لصحيفة «الجمهورية» البغدادية في 23/10/1966 قائلاً: «إن قضية كوردستان هي نتيجة أخطاء سياسية وافدة، وإن إخواننا الأكراد لم يفكروا مطلقاً في الابتعاد أو الانفصال عن إخوانهم العرب، وإنما الظروف وسوء الإدارة السابقة أدت إلى تراكم الأخطاء والتوتر». وأضاف: «وقد شعر إخواننا الأكراد اليوم أن هذا الاقتتال لم يكن في مصلحة العراق، وإنما هو لمصلحة الأجنبي. ولقد مر على هذه الأخطاء خمس سنوات، ولا يمكن إصلاحها في فترة قصيرة، وإنما نحتاج إلى زمن يشعر فيه الطرف الآخر، الأكراد، بضرورة التفاهم والوفاق مع إخوانهم العراقيين العرب، ليكونوا قوة صادّة في وجه مطامع الأجنبي». وقال: «اليوم أصبح جميع إخواننا الأكراد، في الجبل أو السهل أو المدن، على ثقة بأن الواجب عليهم أن يكونوا يداً واحدة وقلباً واحداً، لأن هناك روابط عميقة ووثيقة تشد بعضنا إلى بعض، وتؤدي إلى وحدة وطنية قوية».

لقد أبدى الرئيس عبد الرحمن عارف اهتماماً كبيراً بحل القضية الكوردية، كما سعى رئيس وزرائه الدكتور عبد الرحمن البزاز هو الآخر جاهداً للتوصل إلى صيغة لحل المشكلة الكوردية ترضي الطرفين، وجرت اتصالات بين الحكومة المركزية والقوى الكوردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني.

أما ميدانياً فكان الرئيس الجديد عبد الرحمن عارف، الذي تولى السلطة، قد أمر الجيش العراقي بالاستعداد لشن هجوم واسع النطاق على معاقل الحركة الكوردية. وفي عام 1966 شكلت المجموعة المنشقة عن الحركة الثورية الكوردية حلفاً مع الحكومة العراقية برئاسة عبد الرحمن عارف، وشاركت في حملة عسكرية ضد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولم تعد هذه العمليات العسكرية بنفع كبير على الطرفين. وفي أعقاب ذلك أعلن رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز في حزيران 1966 استعداد حكومته للاعتراف بالحقوق القومية الكوردية والدخول في مفاوضات جديدة مع الملا مصطفى البارزاني، أسفرت أخيراً عن صدور بيان 29 حزيران/يونيو 1966، الذي تضمن حلاً للقضية الكوردية يخلق جواً من الوئام، ويقوي الوحدة الوطنية العراقية، ويضع حداً للاقتتال بين الإخوة الكورد والعرب وللمآسي التي حلت بالشعب العراقي.

وعندما صدر بيان 29 حزيران 1966 عن حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز في ظل حكم عبد الرحمن عارف، لم يكن صدوره من طرف واحد، أي من جانب الحكومة فقط، بل كان حصيلة لقاءات ومفاوضات ثنائية طويلة، مباشرة وغير مباشرة، مع القيادات الكوردية آنذاك، وتحديداً مع قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) والملا مصطفى البارزاني بالذات، باعتبارها القيادة المتنفذة في ذلك الوقت. وقد دعا الدكتور عبد الرحمن البزاز تلك القيادات إلى الإسهام المباشر في التحضير لقانون الانتخابات المزمع إقراره، والمشاركة في وضع الدستور الدائم للبلاد، موضحاً أن المجلس الذي سيُنتخب سيكون السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد، وسيُمثَّل الكورد فيه نسبياً (أي بنسبة مئوية إلى عدد السكان)، و«سيتمتعون بحقوق متساوية مع كل أبناء العراق».

كما أرسل الدكتور عبد الرحمن البزاز وفداً مفاوضاً من شخصيات كوردية معروفة إلى الملا مصطفى البارزاني في كلالة، فالتقى بهم وقال لهم بالحرف الواحد: «أنا لست انفصالياً، بل أريد حقوقنا الكوردية كاملة». وفي 21 حزيران 1966 صاغ البزاز الوثيقة (التي صارت البيان فيما بعد) بناءً على تلك الحوارات والمفاوضات، وكذلك بناءً على مجموعة من المطالب التي بعث بها الملا مصطفى البارزاني إلى الحكومة العراقية عن طريق السيد حبيب محمد كريم، وكان هذا الأخير أحد طلبة الدكتور عبد الرحمن البزاز في كلية الحقوق، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

وقبل أن يصدر ذلك البيان الشامل والمهم، بوصفه مشروعاً لحل القضية الكوردية، عن الحكومة العراقية التي يرأس وزراءها الدكتور عبد الرحمن البزاز ويشغل فيها منصب وزير الداخلية، التقى الدكتور البزاز في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، أي قبل صدور البيان بأيام، كلاً من جلال الطالباني وحلمي علي شريف، وكان معروفاً عنهما أنهما من معارضي قيادة الملا مصطفى البارزاني حينذاك، لكنهما أعربا عن تقديرهما لهذا المشروع، وعن أنه سيضع حداً للاقتتال في كوردستان العراق، وسيمكّن الشعب الكوردي من ممارسة حقوقه القومية على أساس اللامركزية. وقبل التاسع والعشرين من حزيران 1966م أيضاً، أي في المؤتمر الصحفي الذي عقده الدكتور عبد الرحمن البزاز في 23 حزيران، دعا البزاز الإخوة الأكراد إلى المحافظة على وحدة البلاد ورفع مستوى جميع فئات الشعب، وقال: «إن جميع المطالب الكوردية، ما عدا حق الانفصال، قد تتحقق في النهاية».

وفي ظهر يوم الأربعاء الموافق 29 حزيران من ذلك العام ظهر رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز على شاشة التلفزيون العراقي مؤكداً رغبة حكومته في وضع حد للوضع غير الطبيعي في كوردستان العراق، واستناداً إلى الفقرة الرابعة من كتاب التكليف في الحفاظ على وحدة التربة العراقية وتحقيق الوحدة الوطنية، وتأكيداً للروابط الوطنية الوثيقة القائمة بين العرب والأكراد، أعلن أن حكومته تعلن المنهاج الآتي (البيان)، وعزمها القاطع على الالتزام به وتطبيقه نصاً وروحاً بأسرع وقت مستطاع.

وقد تضمن البيان اثنتي عشرة مادة كانت جميعها شديدة الوضوح في لغتها ومضمونها، وتنص على الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي القومية والثقافية التي تميزه عن مكونات الشعب الأخرى، إذ تضمنت المادة الأولى بنداً صريحاً على أن «الوطن العراقي الواحد يضم قوميتين رئيسيتين، العربية والكوردية، وسيتساوى العرب والأكراد في الحقوق والواجبات»، هذا من دون أن تشير تلك المادة إلى ذلك أو تتضمنه بأي شكل من الأشكال، ولو بصورة غير مباشرة. أما المادة الثانية من مشروع حكومة البزاز فقد نصت على «أن الحكومة مستعدة لإعطاء هذه الحقيقة القومية وجودها الحقيقي في قانون المحافظات الذي سيعلن على أساس اللامركزية، وسيكون لكل قضاء وناحية شخصية معنوية يعترف بها، ولكل وحدة إدارية مجلسها المنتخب». فأي رؤية سياسية متقدمة كان يتمتع بها هذا الرجل في ذلك الوقت من تاريخ العراق!

وتضمنت مواد البيان الأخرى بنوداً وتعليمات، مثل فرض تعليم اللغة الكوردية في جميع المدن العراقية، واعتزام الحكومة إجراء انتخابات برلمانية ضمن المهلة التي حددها الدستور المؤقت والبيان الوزاري، وأن يُمثَّل الكورد في المجلس المقبل بنسبة عددهم إلى السكان، وأن تُشغل الوظائف العامة بحسب مبدأ الكفاءة، وأن يُخصص للمواطنين الأكراد عدد من المنح والبعثات الدراسية في الخارج، وأن يكون الموظفون الحكوميون في المحافظات والأقضية والنواحي الكوردية من الأكراد، ولا تعطى هذه الوظائف لغيرهم. كما نصت المادة الثامنة مثلاً على أن «الحياة البرلمانية تقتضي إنشاء منظمات سياسية، وسيكون للصحافة الحق في الإعراب عن رغبات الشعب».

أما المواد التي تلت ذلك فهي عن تنظيم الحياة العامة في المدن والقصبات الكوردية بعد وقف أعمال العنف والقتال المتبادل، وعلى أن تُسلَّم الأسلحة إلى الوحدات العسكرية التي سيلتحق بها أولئك المسلحون أو إلى الجهات الحكومية. ويتحدث البيان أيضاً عن صدور قرارات عفو عن الأشخاص الذين شاركوا في تلك الأعمال، وعن عودة الموظفين منهم إلى دوائرهم، وعودة النازحين والفارين إلى محال سكناهم، وتخصيص مبالغ لإعادة الإعمار في كوردستان العراق، وفتح فرع للجامعة هناك.

وبعد إعلان البيان أرسل الملا مصطفى البارزاني برقية إلى رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف وإلى حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز، أعرب فيها عن تأييده للبيان، ووصفه بأنه تعبير صادق عن الرغبة في رعاية أبناء الشعب عموماً من عرب وأكراد، وفي تحقيق ما تصبو إليه البلاد من سلم ورخاء وازدهار ووحدة وطنية. وبعد ثلاثة أيام من عرض رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز لحل القضية الكوردية، الذي تجسد في بيان 29 حزيران/يونيو، استقبل الرئيس العراقي عبد الرحمن محمد عارف وفداً كوردياً برئاسة الملا مصطفى البارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ضم كلاً من حبيب محمد كريم وعلي عبد الله ونافذ جلال وصالح اليوسفي، وأعرب الوفد الكوردي عن قبوله عرض السلام الذي تقدمت به حكومة الدكتور البزاز لإنهاء الحرب القائمة آنذاك.

لكن برنامج الدكتور عبد الرحمن البزاز، الذي عُدّ أول خطوة ناجحة في معالجة القضية الكوردية سياسياً، مثلما عدّه الأكراد أساساً لكثير مما أرادوا الحصول عليه، لم يحقق النتائج المتوقعة منه، لأنه لم يحظ بتأييد عبد الرحمن عارف، الذي كان متأثراً بموقف الضباط القوميين العرب الذين عارضوا مشروعه بشدة مدّعين أن من شأنه تقسيم العراق، مما دفع الدكتور البزاز إلى تقديم استقالته، وبذلك أُلغيت محادثات الحكم الذاتي. وبعدها قام البعثيون من جديد بانقلاب، وتمت الإطاحة بالرئيس عبد الرحمن محمد عارف في 17 تموز 1968.

وفي نهايات فترة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف، وعند الإطاحة به، كان وضع الأكراد قد أصبح مختلفاً تماماً، إذ بدا الملا مصطفى البارزاني مسيطراً سيطرة كاملة على كوردستان، وكان التحالف بين الأكراد وبعض الدول الأخرى، وخصوصاً إيران، تحالفاً متيناً يحقق هدف الأكراد في تلقي المساعدات المادية والأسلحة وتدريب المقاتلين الأكراد (البيشمركة)، كما يحقق هدف الدول الأخرى في الحفاظ على مصالحها في المنطقة، سواء بتوفير النفط أو بإضعاف العراق نفسه.

وبهذا يرى الباحث أن فترة حكم الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف انتهت، وبقي بيان 10 شباط 1964 وبيان التاسع والعشرين من حزيران 1966 حبراً على ورق، نتيجة عدم مصداقية الحكومة في تنفيذ ما اتُّفق عليه في البيانين، كما لم تُبدِ الحكومة أي مرونة للوصول إلى الحل المتفق عليه في المفاوضات وفي البيانين المذكورين، مما فوّت الفرصة المناسبة والجيدة لإنهاء المشكلة الكوردية ضمن العراق.


أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←