الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

3. الأكراد والجمهورية الثالثة (حكم حزب البعث العربي الاشتراكي)

الأكراد خلال فترة حكم الرئيس أحمد حسن البكر (1968–1979)

تمكن حزب البعث العربي الاشتراكي من تجميع قواه، مستغلاً الضعف الذي شهدته أوضاع العراق في ظل حكم الرئيس عبد الرحمن عارف، واستطاع الإطاحة به في انقلاب عسكري في 17 تموز/يوليو 1968، أُطلق عليه «ثورة 17 تموز»، بقيادة الرئيس أحمد حسن البكر، ولم يشهد مواجهات عسكرية. ومنذ اللحظة الأولى اتخذت الحكومة الجديدة العديد من القرارات السياسية في مصلحة الأكراد، بهدف الحفاظ على وحدة الشعب العراقي، ومواجهة المتغيرات العديدة في المنطقة، وتنفيذ أهداف حزب البعث ذي الطموحات القومية العربية الواسعة.

ففي البيان الأول للثورة الجديدة، كما سميت، الذي أذيع صبيحة 17 تموز/يوليو 1968م، كان للمسألة الكوردية حضور، إذ ذكر البيان «أن الحكام السابقين أهملوا متعمدين الاستقرار والأمن الداخلي في ربوع الوطن، ولم يتقدموا خطوة إيجابية واحدة لحل القضية الكوردية، وأن الثورة عازمة على تحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء مشكلة كوردستان بحكمة ودراية، وبروح طابعها مصلحة الوطن، وضمان أمنه واستقراره ورفاهيته، وصيانة وحدته الوطنية».

ثم أعقب ذلك صدور دستور مؤقت جديد بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 1968، أُلغي بموجبه الدستور المؤقت السابق الصادر في عهد الرئيسين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، فقد نصت المادة 21 من الباب الثالث على أن العراقيين «متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، لا يميز بينهم بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين، ويتعاونون في الحفاظ على كيان الوطن بمن فيهم العرب والأكراد، ويقرر الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية».

وفي نهاية عام 1968 عُقد المؤتمر القطري السابع لحزب البعث، الذي تعتبر مقرراته ملزمة للحكومة كونه يقود الثورة، فأكد في تلك المقررات حق الأكراد في التمتع بحقوقهم القومية في إطار وحدة الشعب والوطن والنظام الدستوري، وأن المشكلة الكوردية يجب أن تحل حلاً سليماً حتى لا تستغلها القوى الخارجية للتدخل في شؤون العراق والضغط عليه، وأن عدم قدرة العهود الماضية على تفهم المشكلة الكوردية، وعدم الرغبة الصادقة في حلها، علاوة على التدخل الخارجي، زادت المشكلة تعقيداً، حتى إنها كادت تستعصي على الحل، بعد أن حلّ العنف في معالجتها منذ عام 1961 بدلاً من الحوار الديمقراطي الذي تستوجبه طبيعة المشكلة، التي تتضمن حقوقاً عادلة لجزء من الشعب العراقي.

ومع بداية انقلاب 17 تموز/يوليو 1968م لم يستجب الأكراد لبيانه الأول، واستمروا في الإجراءات المناوئة للحكومة، لذلك اندلع القتال عنيفاً بدءاً من تشرين الأول/أكتوبر 1968، بعد شبه توقف منذ آب/يونيو 1968. ولم يكن القتال هذه المرة كالمرات السابقة، إذ أرادت الحكومة البعثية إدارة دفة الحرب بأسلوب رادع، على الرغم من حلول الخريف والشتاء، فشارك الجيش والطيران في القتال على نطاق واسع، وعلى الرغم من الخسائر الشديدة لم تتمكن الحكومة من إحكام سيطرتها الكاملة على المنطقة الكوردية لأسباب عديدة، منها وعورة المنطقة الجبلية، والمقاومة التي جابهتها من المقاتلين البيشمركة الكورد، وقطع الطرق، وغير ذلك.

وفي تشرين الأول 1969م تصاعد الاهتمام العالمي بالقضية الكوردية، وقدمت الحركة الكوردية مذكرة إلى الأمم المتحدة تشكو فيها الحرب العنصرية التي يشنها حكام العراق العرب القوميون ضد الشعب الكوردي، وفي الوقت نفسه كانت الحكومة العراقية تعمل جاهدة على استقرار الوضع وتوفير بعض السبل للأكراد، لا جميعها. ففي 25 تشرين الثاني 1969م أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 677 القاضي بتشكيل لجنة برئاسة اللواء الركن صالح مهدي عماش لمتابعة تنفيذ كل القرارات الصادرة عن المجلسين بشأن الأمور المتعلقة بالقضية الكوردية، رغبة في إنهاء القتال. واتخذ البعث عدة إجراءات، منها إصدار عفو عام شامل عن جميع المدنيين والعسكريين الذين اشتركوا في أعمال العنف في كوردستان العراق، كما أصدر قانون المحافظات المتضمن لامركزية الإدارة المحلية، وإنشاء محافظة كوردية جديدة هي محافظة دهوك، وتقرر إنشاء جامعة السليمانية ومجمع علمي كوردي، وإنشاء مديرية الثقافة الكوردية، واعتبار عيد نوروز، العيد القومي الكوردي، عيداً وطنياً في العراق لأول مرة في تاريخ الأكراد قاطبة، وإعادة إحياء جميع القرارات السابقة للحكومات المتعاقبة الخاصة بالوضع الكوردي في كوردستان العراق.

لكن الظروف السياسية في العراق شهدت معطيات جديدة في بداية هذه المرحلة، أهمها انحياز الحكم الجديد إلى المعسكر الشرقي، مما أشعر الأكراد بأن هذا الانحياز يأتي على حساب القضية الكوردية، فتغيرت مواقفهم تجاه إيران، واستطراداً نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لإمدادهم بحاجاتهم وتجهيزاتهم العسكرية والمادية. كذلك تصاعد الخلاف العراقي الإيراني حول الحدود المشتركة في شط العرب وبعض المناطق البرية، وسعت طهران إلى إضعاف الحكومة العراقية واضطرارها إلى توجيه جهودها نحو كوردستان، حرصاً على قوة الموقف الإيراني في الجنوب، وقد وجدت إيران ضالتها المنشودة في الأكراد.

وكانت الحكومة العراقية تدرك ذلك، فعمدت إلى إجراء بعض الإصلاحات الدستورية والإدارية، ولكن الأكراد لم يعيروا ذلك أهمية بسبب عدم مصداقية الحكومة في تنفيذ النقاط المطلوبة منها، بل كانت غايتها الاستفادة من الوقت لحصر الحركة الكوردية واحتوائها. وعليه استمر الأكراد في حركتهم القومية الثورية من أجل حقوقهم المشروعة، وكانوا يتحركون هذه المرة بدعم وضغط إيراني شديد وواضح، بسبب ضغط الحكومة لإنهاء الحركة الكوردية بالقوة المسلحة، خاصة أنها تكبدت خسائر كبيرة؛ فحسب تقارير مجلة «نيو ميدل إيست» البريطانية كلفت الحرب العراقية ضد الكورد ما يقارب 30% من ميزانية العراق في عام 1969. ومن ناحية أخرى أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أن الولايات المتحدة مصممة على دعم الأنظمة المؤيدة لبلاده، ومن ضمنها إيران. واستمرت المعارك والمواجهات بين الحركة الكوردية، المدعومة بشكل علني وقوي من إيران، والقوات الحكومية العراقية.

أدت كل هذه العوامل والظروف إلى خشية بغداد من تعاظم الدور الإيراني في المنطقة ومن إجهاض انقلاب البعث الفتي، فعرضت الحكومة العراقية المفاوضات على الملا مصطفى البارزاني، وتحقق ذلك فعلاً بعد عدة لقاءات بين ممثلي الحكومة ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين والملا مصطفى البارزاني. وأفضت المفاوضات في 10 آذار/مارس 1970م إلى توقيع اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد بين الحكومة العراقية والملا مصطفى البارزاني، وأُطلق عليها «بيان 11 آذار» نسبة إلى يوم إعلانها من قبل الرئيس أحمد حسن البكر في تجمع حاشد في ساحة التحرير في بغداد، بحضور نجلي الملا مصطفى البارزاني (إدريس ومسعود) وبعض القيادات الكوردية والبعثية. وفيه اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للأكراد، مع تقديم ضمانات لهم بالمشاركة في الحكومة العراقية، واستعمال اللغة الكوردية في المؤسسات التعليمية، ولكن لم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأن قضية كركوك، التي بقيت عالقة بانتظار نتائج إحصاء لمعرفة نسب القوميات المختلفة في مدينة كركوك. وأبرز ما جاء في هذه الاتفاقية:

  1. تكون اللغة الكوردية لغة رسمية مع اللغة العربية في المناطق الكوردية، وتُدرَّس اللغة العربية في كل المدارس الكوردية، كما تُدرَّس اللغة الكوردية في كل المدارس العربية.

  2. يشارك الأكراد في الحكم دون تمييز في تولي الوظائف العامة والمهمة في الدولة، كالوزارات وقيادات الجيش والأجهزة الأمنية.

  3. نظراً إلى التخلف اللاحق بالقومية الكوردية جراء الأوضاع الأمنية في الماضي يجب وضع خطة لمعالجة هذا الوضع، عن طريق الإسراع في تنفيذ قرارات مجلس قيادة الثورة حول اللغة والحقوق الثقافية، والتوسع في فتح المدارس، والتوسع في قبول الأكراد في الجامعات والكليات العسكرية والبعثات الدراسية.

  4. أن يكون المسؤولون والموظفون المعيّنون في المناطق والوحدات الإدارية ذات الأغلبية الكوردية من الأكراد أو ممن يحسنون اللغة الكوردية.

  5. النهوض بالمنطقة الكوردية في جميع المجالات، وتخصيص ميزانية مالية لتحقيق ذلك.

  6. يتكون الشعب العراقي من قوميتين رئيسيتين، القومية العربية والقومية الكوردية، ويقر الدستور حقوق الشعب الكوردي القومية وحقوق الأقليات الأخرى ضمن الوحدة العراقية.

  7. الإسراع في تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، مع إعفاء الفلاحين من الديون المتراكمة عليهم.

  8. يكون أحد نواب رئيس الجمهورية كوردياً.

  9. حق الأكراد في إنشاء منظمات شعبية، تكون أعضاء في المنظمات الوطنية العراقية.

  10. يُعدَّل قانون المحافظات لينسجم مع مضمون البيان (11 آذار 1970).

  11. يكون استغلال الثروات الطبيعية في منطقة الحكم الذاتي في إطار الجمهورية العراقية.

  12. يسهم الأكراد في السلطتين التشريعية والتنفيذية وفقاً لنسبة عددهم إلى سكان العراق.

وقد حُددت أربع سنوات فترةً انتقالية لتنفيذ البيان وتولي الأكراد سلطات الحكم الذاتي في كوردستان العراق، كما يعد البيان التزاماً من الحكومة العراقية بتحقيق مطالب الأكراد بشأن حقوقهم القومية المشروعة ضمن نطاق العراق الموحد، وفرض مركزية السلطة، وترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية بين عناصر الشعب. ويبدو واضحاً أن مجلس قيادة الثورة كان جاداً في إنهاء المسألة الكوردية لمصلحة العراق أولاً، ثم لمصلحة الشعب الكوردي الذي هو جزء من الشعب العراقي. وقد رأت الحكومة العراقية أن هذا البيان يمثل قمة المسؤولية الوطنية، وأقصى ما يمكن منحه للأكراد، الذين لاحت أمامهم الفرصة لتحقيق آمالهم، وعليهم أن يستغلوا هذا الموقف الديمقراطي في مصلحتهم ومصلحة العراق الأم.

ولضمان تنفيذ القرارات شكلت الحكومة في 12 أيار/مايو 1971 لجنة عليا للشمال برئاسة صدام حسين، مهمتها بحث إجراءات تنفيذ بيان 11 آذار/مارس 1970، وخُوّل رئيسها اختصاصات مجلس قيادة الثورة (عدا الاختصاصات التشريعية). ونفذت الحكومة فعلاً بعض التزاماتها، لا جميعها، حسب ما تم الاتفاق عليه في بنود بيان 11 آذار 1970م، على الرغم من أن المتفق عليه كان أن تُنفَّذ جميع البنود، ولكن الحكومة حاولت التنصل من بعضها بعد أن توقعت أنها أصبحت في مركز أقوى مما كانت عليه وقت الاتفاق، وعليه حاولت إغفال المصاعب التي واجهتها. وأصدر مجلس قيادة الثورة قراره رقم 22 في 30 نيسان/أبريل 1972 بفتح العديد من المدارس في المنطقة الكوردية، وحدد التدريس فيها باللغة الكوردية، وأصدرت وزارة الإعلام العراقية جريدة كوردية هي «هاوكاري» ومجلة كوردية هي «بيمان»، وشُكّلت لجنة لمتابعة الأمور الثقافية في كوردستان العراق.


أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←