الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
3. الأكراد والجمهورية الثالثة (حكم حزب البعث العربي الاشتراكي)
الأكراد خلال فترة حكم الرئيس أحمد حسن البكر (1968–1979)
قبل الملا مصطفى البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، البيان في البداية، وأعلن أنه يسعى إلى تنفيذ جميع ما اتُّفق عليه في بيان 11 آذار 1970، وأرسل برقية إلى الرئيس أحمد حسن البكر معلناً التزامه بالبيان نصاً وروحاً، إذا تم العمل على تنفيذ جميع ما اتُّفق عليه دون أي تغيير فيه مستقبلاً. ثم انتهج الملا مصطفى البارزاني نهجاً يهدف إلى تأخير تنفيذ إجراءات البيان وتأخير إعلانها في موعدها في 11 آذار 1974، بسبب النقص والإغفال في تنفيذ بعض البنود المتفق عليها. واتهم الملا مصطفى البارزاني الحكومة المركزية بالانفراد بالسلطة، والعمل على هدم بنود بيان (اتفاقية) 11 آذار 1970 التي سعى إليها الشعب الكوردي وقيادة الحركة الكوردية والملا مصطفى البارزاني، وذلك بعدم تنفيذ جميع ما اتُّفق عليه.
وكانت الحكومة العراقية تعلم نيات بعض أجنحة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه الملا مصطفى البارزاني، لذلك اشتعلت المواجهات بينهما، فأدت إلى تعطيل تنفيذ بيان 11 آذار/مارس. وقد حاولت الحكومة استقطاب الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتحالفه معها في إطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، على أساس ميثاق العمل الوطني، ومن أجل تنفيذ بيان 11 آذار/مارس، لكن هذه المحاولة لم تلق إلا الرفض من الحزب الديمقراطي الكوردستاني والملا مصطفى البارزاني، بل أدت إلى مهاجمته المعاهدة العراقية السوفيتية وكشف أهدافها المضادة لمصالح الأكراد، وقد صاحب هذه الحملة الهجوم على قواعد الحزب الشيوعي في كوردستان العراق نفسها.
وساءت العلاقة أكثر حين تعرض الملا مصطفى البارزاني لمحاولة اغتيال من قبل عناصر من الحكومة العراقية بتخطيط من الأجهزة الأمنية، وكانت المحاولة الأولى في أيلول/سبتمبر 1971 في «كلالة»، ولكنها فشلت، فسارعت الحكومة إلى استنكار الجريمة وأنكرت أي صلة لها بها. أما المحاولة الثانية فكانت في تموز/يوليو 1972، وفشلت كذلك، وتصرفت الحكومة إزاءها وكأنها لا تعلم بها، في حين اتهم البارزاني الحكومة العراقية بتدبيرها، مستنداً إلى وقائع وأدلة ملموسة.
وبعد فترة نسبت الحكومة المحاولتين إلى ناظم كزار، مدير الأمن العام العراقي، خلال محاكمته إثر محاولة انقلاب فاشلة على النظام العراقي والحكم عليه بالإعدام.
ومع استمرار القتال، وفي محاولة لانفراج الأزمة، بادرت الحكومة إلى التفاوض الثلاثي بين الأحزاب الثلاثة: البعث والشيوعي والديمقراطي الكوردستاني، في سبيل إيجاد مخرج للقضية وحل المشكلة الكوردية. وبدأت هذه المفاوضات في نهاية عام 1972، واشترك فيها، إلى جانب الأحزاب الثلاثة، بعض الشخصيات العربية والكوردية المهتمة بالقضية الكوردية. ولكن هذه المفاوضات فشلت أيضاً نتيجة تقديم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مشروعاً رأت الحكومة أنه بعيد جداً عن فلسفة الحكم الذاتي، إذ طالب الأكراد بإدخال المناطق الكوردية في إطار الحكم الذاتي حسب ما كان متفقاً عليه في 11 آذار 1970م بين الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث، ومن بينها منطقة كركوك النفطية وبعض المناطق الأخرى التي يشكل فيها الأكراد أغلبية. وكان رفض الحكومة من منطلق أن «كوردستان وحدة إدارية، لها شخصية معنوية، تتمتع بالحكم الذاتي، في إطار الوحدة القانونية والسياسية والاقتصادية للعراق الموحد»، بينما كان المشروع الكوردي، حسب رأي الحكومة وقيادة البعث، يطالب بنظام أقرب إلى الفيدرالية، مما يؤدي مستقبلاً إلى نشوء كيان كوردي منفصل عن العراق.
كما تقدم الجانب الكوردي إلى الحكومة وقيادة البعث بمطالب، منها:
إصدار كل القوانين والتشريعات من خلال المجلس الوطني (البرلمان).
أن تكون الشرطة في كوردستان خاضعة لسلطة الحكم الذاتي.
إلغاء مجلس قيادة الثورة.
إنشاء هيئة رقابة متبادلة على دستورية القوانين والتشريعات.
ومع تعثر المباحثات اقترح الجانب الكوردي أن تُطرح صيغتا المقترحات، الحكومية والكوردية، على الشعب العراقي لاختيار أفضلهما، ولكن حكومة العراق رفضت ذلك، وتمسكت بالمشروع الذي قدمته.
وبحلول عام 1974، وهو العام الذي يجب أن يطبق فيه قانون الحكم الذاتي وفقاً لبيان 11 آذار/مارس 1970، عُقدت أول جلسة مباحثات حول مشروع الحكم الذاتي في 16 كانون الثاني/يناير 1974 بين ممثلي الجبهة الوطنية في العراق وممثلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وكان رئيس وفد الجبهة الوطنية صدام حسين، وضم الوفد بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة وبعض الشخصيات الكوردية المستقلة.
وكان من الواضح منذ بداية المباحثات أن اتجاه كل جانب مختلف عن اتجاه الجانب الآخر؛ فبينما كان وفد الجبهة الوطنية متمسكاً بما جاء في بيان 11 آذار/مارس 1970، عدا بعض البنود المتفق عليها سابقاً والتي لا تُنفَّذ حالياً، أي بالقرارات التي يجب أن تنفذ الآن فقط، لا بجميع ما اتُّفق عليه في 11 آذار 1970، كان رأي الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن الظرف يتطلب تنفيذ جميع البنود المتفق عليها، لا بعضها فقط مع تأجيل البعض الآخر أو إهماله. فقد حاولت الحكومة وحزب البعث، خلال أربع سنوات كاملة، عدم تنفيذ جميع بنود الاتفاقية، وأصرت الحكومة على إصدار القانون بالشكل الذي ترتئيه، لا كما اتُّفق عليه، بحجة أنه لا بد من مراعاة المتغيرات.
وأدت الاختلافات في المباحثات، في 2 آذار/مارس 1974، إلى مقاطعة الوفد الكوردي الاجتماعات، وعندئذ قرر وفد الجبهة أن يُشرَّع قانون الحكم الذاتي في موعده المحدد، 11 آذار/مارس 1974، أي بعد مرور السنوات الأربع المنصوص عليها مرحلةً انتقالية في بيان 11 آذار/مارس 1970، حسب ما ترتئيه الحكومة وحزب البعث، لا كما اتُّفق عليه في 11 آذار 1970. ومع استمرار جهود الوساطة أرسل الملا مصطفى البارزاني في 9 آذار/مارس ابنه إدريس إلى بغداد حاملاً رسالة إلى حكومتها، ففاوضها، وحمل ردها إلى والده، فأجاب الملا مصطفى البارزاني في برقية باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني جاء فيها: «إن ما قدمناه، وما تم الاتفاق عليه، هو ما نعتقده صحيحاً، وهو أنه يجب تنفيذ جميع بنود اتفاقية 11 آذار 1970، وعليه فليس لدينا مقترحات جديدة، وسنلتزم من جانبنا بما يحفظ القانون». «ولقد فهمت الحكومة من هذه البرقية أنها تشير إلى أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني سيستفيد من مهلة الخمسة عشر يوماً اللاحقة لإعلان القانون» (قانون الحكم الذاتي).
ومضت الحكومة في إجراءاتها لتنفيذ بيان 11 آذار/مارس 1970، فعدّلت الدستور المؤقت، ثم صدر بيان مجلس قيادة الثورة حول الحكم الذاتي في 11 آذار/مارس 1974، وأعقبه صدور بيان سياسي تضمن «أن قانون الحكم الذاتي هو تأكيد لروابط المواطنة والأخوة التاريخية بين أبناء العراق من العرب والأكراد والأقليات المتآخية، وتطبيق لبيان 11 آذار/مارس 1970 وما تضمنه ميثاق العمل الوطني، وأن تطبيق الحكم الذاتي على أسس ديمقراطية يوفر السبل لممارسة الحقوق القومية المشروعة». وفي 12 آذار/مارس 1974 دعت الحكومة قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى الانضمام إلى الجبهة الوطنية، إلا أن الرد كان الرفض التام لما أقدمت عليه الحكومة المركزية من عدم تنفيذ جميع بنود بيان (اتفاقية) 11 آذار 1970 المتفق عليها. وتحسباً لما سيحدث اتخذت الجبهة استعداداتها للحرب، بينما «صعد الأكراد إلى الجبال». وقد شهدت هذه المرحلة متغيرات عدة أدت إلى هذا الوضع، أهمها:
إجراءات تأميم النفط العراقي، مع تصاعد أسعاره تصاعداً مطرداً، مما جعل لمنطقة كركوك ميزات اقتصادية وإستراتيجية تغري كل طرف بضمها إليه.
تصاعد الرغبة الإيرانية في سرعة إنهاء مشكلة شط العرب والحدود البرية مع العراق، على أن يكون ذلك في مصلحة طهران.
انتقام شركات النفط من الحكومة العراقية بخلق مشاكل كبيرة لها، بسبب لجوئها إلى التأميم.
ولم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأن قضية كركوك، التي بقيت عالقة بانتظار نتائج إحصاء لمعرفة نسب القوميات المختلفة في مدينة كركوك، مع علم الحكومة وقيادة البعث مسبقاً بالنتيجة، وهي الأكثرية الكوردية فيها. وخُطط لإجراء ذلك الإحصاء المهم عام 1977م، ولكن اتفاقية 11 آذار 1974 كانت ميتة قبل ذلك التاريخ بسبب إصرار الحكومة على عدم تنفيذ جميع ما اتُّفق عليه في البيان، إذ ساءت علاقات الحكومة العراقية مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومع زعيم الثورة الكوردية وقائدها الملا مصطفى البارزاني، وخاصة عندما أعلن البارزاني رسمياً حق الأكراد في نسبة من نفط كركوك. واعتبرت الحكومة العراقية إصرار الأكراد على كوردية كركوك إعلان حرب، وهذا ما دفعها في 11 آذار 1974م إلى إعلان الحكم الذاتي للأكراد من جانب واحد فقط، دون موافقة الأكراد، الذين اعتبروا الاتفاقية الجديدة بعيدة كل البعد عن اتفاقيات 11 آذار 1970م المتفق عليها سابقاً، إذ لم يعتبر إعلان 1974م مدينة كركوك وخانقين وجبل سنجار من المناطق الواقعة ضمن مناطق الحكم الذاتي للأكراد، وأُطلقت تسمية «محافظة التأميم» على محافظة كركوك.
كذلك أجرت الحكومة، تنفيذاً لبنود بيان 11 آذار 1974، تعديلاً وزارياً عيّنت بموجبه عبيد الله البارزاني، الابن الأكبر للملا مصطفى البارزاني، وزيراً، وجعلت ذلك دليلاً على وجود أشخاص من عائلة الملا مصطفى البارزاني يتجاوبون مع سياستها ومع قانون الحكم الذاتي الصادر في 11 آذار 1974م في منطقة كوردستان. وأصدر مجلس قيادة الثورة في 4 نيسان 1972 قراراً بأن يكون التعليم في المدارس الموجودة في مناطق الحكم الذاتي باللغة الكوردية، على أن يتبع ذلك اشتراك خمسة وزراء أكراد يرشحهم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الحكومة العراقية، وسمحت الحكومة للأكراد في 4 نيسان 1972 أيضاً بأن يرفعوا شكاواهم في وحداتهم المحلية باللغة الكوردية، وغير ذلك من الإجراءات التي تمثل سياسة التعددية التي اتبعها النظام السياسي في التعامل مع المشكلة الكوردية.
وفي 21 نيسان/أبريل 1974 عُيّنت الشخصية الدبلوماسية الكوردية طه محيي الدين معروف، سفير العراق في رومانيا آنئذٍ، نائباً كوردياً لرئيس الجمهورية. وفي 25 نيسان/أبريل 1974 أصدرت الحكومة العراقية بياناً أكدت فيه تصميمها على تنفيذ قانون الحكم الذاتي من جانب واحد، واستمرت في تنفيذ مشروع الحكم الذاتي ناقصاً من البنود المتفق عليها. وافتتح السيد طه محيي الدين معروف، نائب رئيس الجمهورية الكوردي، نيابة عن الرئيس أحمد حسن البكر، أول مجلس تشريعي لمنطقة الحكم الذاتي في أربيل يوم 5/10/1974، دون موافقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقيادة الحركة الكوردية. وقررت الحكومة أنها لن تتفاوض بعد ذلك مع القيادة الكوردية والملا مصطفى البارزاني، بل ستستأصله هو وجماعته (أي عادت الحكومة وحزب البعث إلى لغة القوة والعنف في حل المشكلة الكوردية).
وبحلول آب/أغسطس 1974 بلغت الحرب الكوردية الحكومية مستوى لم تبلغه من قبل، سواء من جهة اتساع المسرح، أو ضراوة القتال، أو أنواع الأسلحة لدى الطرفين، وكان لشاه إيران دور كبير في إمداد الأكراد بكل ما يحتاجون إليه من أسلحة، وكذلك في استقبال الفارين من القتال الضاري في منطقة كوردستان، إذ لجأ إلى إيران نحو 130 ألف كوردي، كلهم من النساء والأطفال والشيوخ، أما الشبان الهاربون فكانوا يُجنَّدون ويعادون للقتال ضد القوات الحكومية. وأصبح القتال بحدته هذه عبئاً ثقيلاً على الأكراد والعراقيين والإيرانيين في وقت واحد. وأدت وسائل الدعاية الغربية إلى اتساع نشاط الإعلام في نقل صور القتال، ودفعت الرأي العام الإقليمي والعالمي إلى مشاهدة حرب بالوكالة بين أطراف شعب واحد، ودفع ذلك بعض القيادات العربية إلى السعي لإيجاد حل لهذه المشكلة.
وفي تلك الأثناء كانت بغداد تندفع بخطوات سريعة نحو موسكو، وكان الإيرانيون والإسرائيليون يلحّون على الكورد بضرورة إشغال القوات العراقية في صراعات داخلية بهدف تخفيف الضغط على جبهتهم مع سوريا، وقامت واشنطن، بعد اجتماع سري بين محمود عثمان (القيادي في الحركة الكوردية) وريتشارد هيلمز رئيس وكالة المخابرات الأمريكية، بتقديم مساعدات مالية وعسكرية محدودة إلى الأكراد عن طريق إيران. وكل هذه الضغوط، ولغرض إخماد الصراع المسلح للأكراد، أجبرت القيادة العراقية على توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975، والقبول بتنازلات لإيران على حساب سيادة العراق، ومنها الموافقة على خط القعر في شط العرب حدوداً رسمية بين العراق وإيران، والتنازل عن بعض المناطق البرية. وكان هذا تراجعاً عن مذكرة عام 1969 التي أبلغ فيها العراق الحكومة الإيرانية أن شط العرب كله مياه عراقية، ولم يعترف بفكرة خط القعر، وخط القعر هو الخط الذي يكون فيه شط العرب في أشد حالات انحداره، باتجاه إيران. كما تنازل العراق لإيران عن بعض الأراضي العراقية البرية في سيف سعد وغيرها. وكانت هذه الاتفاقية كفيلة بسحب دعم الشاه للحركة الكوردية، التي انهارت تماماً في عام 1975، وانتهى المطاف بالملا مصطفى البارزاني، الزعيم القومي الكوردي وقائد ثورته، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توفي في 2 آذار/مارس 1979 في مستشفى جورج واشنطن.
لقد أصبح القتال عبئاً ثقيلاً على الشعب الكوردي وعلى العراق حكومة وشعباً، كما أدت وسائل الدعاية والإعلام الغربية إلى اتساع النشاط الإعلامي في نقل صورة المعارك، التي كانت على شكل إبادة للشعب الكوردي، في حين كانت الحكومة تعتبرها حرباً داخلية، مما أدى إلى تدخل بعض القيادات العربية لحل هذه المشكلة. ونشطت الجزائر في الوساطة بين العراق وإيران لوقف القتال في كوردستان العراق، ففي 6 آذار/مارس 1975، ومن خلال انعقاد مؤتمر دول الأوبك في العاصمة الجزائرية، وُقّعت اتفاقية بين حكومتي العراق وإيران، وقعها كل من صدام حسين نائب رئيس جمهورية العراق، وشاه إيران. وتنص الاتفاقية على تسوية مشاكل الحدود، وخصوصاً «تقسيم شط العرب» وبعض الأراضي على الحدود، وعلى أن تلتزم إيران بعد ذلك بعدم تقديم المساعدات إلى الأكراد العراقيين في كوردستان العراق، وبإغلاق حدودها مع العراق في وجه أي أنشطة كوردية معادية للعراق. وبموجبها أُجبر العراق على تقديم تنازلات من أجل حل مسألة القتال في كوردستان العراق، واستطاعت إيران بمقتضاها السيطرة الكاملة على الجانب الأيسر من شط العرب وعلى بعض الأراضي البرية على الحدود في محافظة ديالى، مقابل تعهدها بغلق حدودها في وجه القوات الكوردية ومنع دخول الأكراد. وتضمنت الاتفاقية ثماني مواد وثلاثة بروتوكولات ملحقة، أبرزها أربعة بنود هي:
البند الأول: إجراء تخطيط نهائي للحدود البرية بين البلدين بناءً على بروتوكول القسطنطينية ومحاضر لجنة الحدود لسنة 1914م.
البند الثاني: تحديد الحدود النهرية حسب خط التالوك في شط العرب.
البند الثالث: بناءً على كل هذا سيعيد الطرفان الأمن والثقة المتبادلة على طول حدودهما المشتركة، وذلك من أجل وضع حد نهائي لكل التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت.
البند الرابع: اتفق الطرفان على اعتبار الترتيبات المشار إليها أعلاه عناصر لا تتجزأ لحل شامل، ومن ثم فإن أي مساس بأحد مقوماتها يتنافى بطبيعة الحال مع روح اتفاق الجزائر لعام 1975م.
ونتيجة لهذا الاتفاق بدأت الحركة الكوردية المسلحة بالأفول، إذ كانت هذه الاتفاقية النهاية الحقيقية للثورة الكوردية المسلحة في كوردستان العراق، فسُحبت القوات والمعدات الإيرانية من كوردستان، وانهارت الحركة الكوردية المسلحة، وقام المقاتلون البيشمركة وقياداتهم بتسليم أنفسهم إما للحكومة العراقية أو لإيران. وفي 18 آذار 1975م أعلن الملا مصطفى البارزاني، قائد الثورة الكوردية وزعيمها الروحي، إلقاء السلاح، ولجأ إلى طهران، ومنها انتقل إلى أمريكا.
وبحلول فجر 13 آذار 1975م أعلنت الحكومة العراقية وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وأعلنت عفواً شاملاً عن جميع الأكراد الذين يسلمون أنفسهم وأسلحتهم حتى أول نيسان/أبريل 1975. وبعد ذلك أتاح توافر عائدات النفط (الذي ارتفعت أسعاره بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973) للحكومة العراقية إعادة إعمار المناطق التي خربتها الحرب في كوردستان العراق، وتواصلت حركة إعمار كوردستان العراق، فبدأت حركة العمران وبناء القرى العصرية الحديثة، وتبليط الطرق، وفتح المدارس، وبناء المستشفيات، وإيصال الماء والكهرباء إلى القرى النائية في كوردستان العراق. كما استقرت الأوضاع السياسية، وتولت الحكومة السلطات الإدارية الكاملة في كوردستان، وإن كانت قد اصطدمت في البداية ببعض العقبات التي أمكن تذليلها. وتغلغل حزب البعث في المناطق الكوردية بعناصره العربية والكوردية المتعاونة مع الحكومة، وتولت الشرطة العراقية مسؤولية الحفاظ على الأمن في المنطقة الكوردية كلها. وأعادت الحكومة العراقية تمركز القوات المسلحة، فوضعت بعض الوحدات في منطقة كوردستان، وتنامى حجمها حتى وصل إلى قوة فيلق (بين فرقتين وثلاث فرق مشاة وفرقة مدرعة)، بهدف إحكام السيطرة العسكرية على كوردستان كلها، والإسراع في إخماد أي ثورات كوردية جديدة محتملة، كما أنشأت العديد من المطارات في المنطقة الكوردية وبالقرب منها.
وعاش الملا مصطفى البارزاني، قائد الحركة القومية الكوردية وزعيمها، هذه المرة (بعد انهيار قواته وثورته عام 1975) لاجئاً سياسياً في أمريكا، بعد أن كان في عقد الخمسينات لاجئاً سياسياً في الاتحاد السوفيتي، حتى توفي الزعيم الخالد والقائد والأب الروحي للثورات الكوردية هناك في 2 آذار 1979م في مستشفى البحرية الأمريكية في الولايات المتحدة الأمريكية، رحمه الله وطيّب ثراه. وفي الوقت نفسه، أي في شباط 1979، سقط نظام الشاه في إيران، وتولى الخميني السلطة، وبدأ التحرش بالعراق منذ اليوم الأول تحت نظرية تصدير الثورة الإسلامية. وفي العراق تنازل الرئيس أحمد حسن البكر عن السلطة ورئاسة الحزب والدولة إلى نائبه صدام حسين، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم حزب البعث.
ويرى الباحث أننا لو ألقينا نظرة سريعة على متغيرات هذه المرحلة لوجدنا أن إجراءات تأميم النفط العراقي، مع تصاعد أسعاره تصاعداً مطرداً، جعلت لمنطقة كركوك ميزة اقتصادية وإستراتيجية تغري الأطراف المتصارعة. وفي الوقت نفسه نجد تصاعد الرغبة الإيرانية في سرعة إنهاء مشكلة شط العرب وبعض الأراضي الحدودية العراقية لمصلحتها، كما لا ننسى انتقام شركات النفط وحكوماتها من الحكومة العراقية وحزب البعث بخلق مشاكل كبيرة لهما، بسبب قيام حكومة العراق بتأميم النفط العراقي.
أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس (هذا الجزء)
- الجزء السابع
- الجزء الثامن