الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأكراد في العهد الملكي والجمهوري (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الثورات الكوردية والحقبات الجمهورية
1. الأكراد وأول جمهورية عراقية: فترة حكم الزعيم الركن عبد الكريم قاسم (1958–1963)
في عام 1958، ومع إعلان الجمهورية العراقية، دعا رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني إلى العودة إلى العراق، وكان البارزاني لاجئاً في الاتحاد السوفيتي وقريباً من الخط الماركسي، عقب انهيار الجمهورية الكوردية القصيرة الأمد التي شكلها أكراد إيران في مدينة مهاباد، وشغل فيها الملا مصطفى البارزاني منصب وزير الدفاع. إلا أن تلك الحكومة (جمهورية مهاباد) انهارت بعد أحد عشر شهراً من نشوئها، وقضت عليها الحكومة الإيرانية بعد انسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الإيرانية (إذ كانت القوات السوفيتية قد دخلت جزءاً من الأراضي الإيرانية إبان الحرب العالمية الثانية). وكان الملا مصطفى البارزاني في ذلك الوقت قريباً من الخط الماركسي، وعُقدت في حينها مفاوضات حول إعطاء الأكراد بعض الحقوق القومية.
ففي تلك الحقبة عُقدت مفاوضات حكومية مع الجانب الكوردي الثائر لإعطائه بعض الحقوق القومية، وكان هدف عبد الكريم قاسم من كل هذا السيطرة على كامل كوردستان العراق والحيلولة دون عمليات وحركات ثورية مسلحة جديدة، خاصة بعد أن رأى الزعماء الجدد في العراق أن القضية الكوردية جزء من الحركة الوطنية في العراق، إذ شارك المثقفون الأكراد في التخطيط للعهد الجمهوري الجديد. ولذلك فإنه لدى تعيين أعضاء مجلس السيادة الثلاثة في العهد الجمهوري الجديد كان أحد أركانه العقيد خالد النقشبندي ممثلاً للأكراد، كما كان هنالك وزير كوردي من أصل عشرة وزراء، إضافة إلى تعيين ضابط كوردي، هو العقيد فتاح الشالي من أهالي السليمانية، عضواً في المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب).
وفي ضوء ذلك أعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني، خلال الأسبوع الأول من الثورة، تأييده التام والكامل للحكم الجديد في بغداد، في بيان خاص شدد فيه على أن مصير الشعبين الكوردي والعربي في العراق مصير واحد مشترك. وعندما أعلن العهد الجمهوري الجديد الدستور المؤقت للبلاد كان يشير بصراحة إلى الحقوق القومية للشعب الكوردي، إذ نصت مادته الثالثة على أن العرب والأكراد شركاء، وأن الدستور يضمن حقوقهم في إطار وحدة العراق. كما جاء شعار الجمهورية يحمل سيفاً عربياً يجاوره خنجر كوردي، وهي سابقة تعد الأولى في تاريخ الأكراد.
عاد الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني إلى بغداد بتاريخ 6/10/1958، وسط استقبال رسمي وشعبي حار في مطار المثنى أسهمت فيه جميع الأحزاب، ونزل في فندق سميراميس ضيفاً على الحكومة والثورة. وفي اليوم التالي زار الملا مصطفى عبد الكريم قاسم، وقدم له الشكر على موقفه الإيجابي من عودتهم، الذي كان ناجماً بالدرجة الرئيسية عن عزم عبد الكريم قاسم، بوصفه قائداً، على كسب ود الشعب العراقي بعربه وكورده وسائر الأقليات الأخرى لمساندة سلطته بصورة عامة، والشعب الكوردي بصورة خاصة، أو عن خشيته من أن يقف الكورد موقفاً معادياً للجمهورية الفتية في حال رفضه عودة الملا مصطفى البارزاني. وإضافة إلى العفو الذي أصدره عن البارزاني، منح عبد الكريم قاسم البارزاني والأكراد كثيراً من الامتيازات، منها إعطاؤه مسكناً في أحد القصور الملكية، وأمر ببناء مساكن للعائدين معه في ناحية بارزان، وخصص لهم رواتب شهرية، إضافة إلى عدد من الإجراءات التي مكنت الملا مصطفى من استعادة نفوذه في منطقة بارزان.
وفي عام 1959م أدى إبعاد عبد الكريم قاسم للقوميين العرب واعتماده على الشيوعيين والأكراد إلى قيام الضباط القوميين العرب بحركة آذار/مارس 1959 في الموصل، التي قادها العقيد عبد الوهاب الشواف، وكان أحد المشاركين في ثورة 14 تموز 1958م. وقد استعان عبد الكريم قاسم عليها بالشيوعيين وبالأكراد من أنصار البارزاني في الموصل، فقضوا على حركة الشواف، وقُتل عبد الوهاب الشواف على يد جندي كوردي. ويرى المؤرخون أن سرعة تحرك الأكراد، الناجمة عن التنسيق والاتصال السريع بين قاسم والبارزاني، كانت السبب في إخماد هذه الحركة (حركة العقيد عبد الوهاب الشواف).
وبعد فشل حركة الشواف مباشرة سمح عبد الكريم قاسم لأتباع الملا مصطفى البارزاني بالعودة من الاتحاد السوفيتي إلى العراق، فعبرت الباخرة الروسية «غروزيا» قناة السويس في 7 نيسان 1959م وعلى متنها 755 مقاتلاً كوردياً، وقيل إنهم 855، تتراوح أعمارهم بين الثالثة والعشرين والثالثة والثلاثين، مسلحين تسليحاً كاملاً في طريقهم إلى العراق، وكانت تواكب تلك الباخرة ثلاث بواخر أخرى هي «متشنكوف» و«نيكولاي» و«بيجورف» محملة بالأسلحة والذخائر، وأُعلن وقتها أنهم أكراد العراق يعودون إلى بلادهم في كوردستان العراق بعد تحريرها في ثورة 14 تموز 1958م.
وفي 14 تموز 1959م اتُّهم الأكراد مع المنظمات الشيوعية في أحداث كركوك التي وقعت أثناء احتفالات الثورة بعيدها الأول، وجرت اصطدامات دموية راح ضحيتها 79 قتيلاً، وكانت المصالح مشتركة بين قاسم والأكراد في محاربة التيارات القومية العربية والدينية (وقد صادف ذلك اليوم نفسه ذكرى العاشر من محرم، عاشوراء، لتلك السنة).
وبعد هذه الأحداث توطدت علاقة البارزاني بقاسم أكثر، فتقدم الملا مصطفى البارزاني بطلب لإجازة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 9 كانون الثاني 1960م، وأقرت وزارة الداخلية آنذاك الطلب، وأُعلن الحزب في 9 شباط 1960م. وكان برنامج الحزب في مجمله المطالبة بالحقوق القومية للشعب الكوردي، ونصت مواده على ذلك، إضافة إلى إشارة الحزب إلى أنه يناضل من أجل صيانة الجمهورية العراقية وتوسيع اتجاهها الديمقراطي وتعميقه.
وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم على الشيوعيين، وبدءاً من آذار 1960م، بدأ الجفاء يباعد بين عبد الكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني، بسبب مطالبة الملا مصطفى بتطبيق المادة الثالثة من الدستور بحذافيرها، وبدأت جريدة «خەبات» الناطقة بلسان الحزب الكوردي تهاجم الحكومة العراقية، فأُغلقت الصحيفة، وتمت مطاردة أعضاء الحزب الكوردي واعتقالهم. وأدت هذه النزاعات إلى مغادرة القيادات السياسية الكوردية سراً إلى كوردستان العراق، خصوصاً إذا عرفنا أن تطلعات الملا مصطفى البارزاني وتجربة الجمهورية الكوردية في مهاباد جعلته يفكر في تجربة مماثلة في العراق، وهذا الطموح فاق ما كان عبد الكريم قاسم ينوي إعطاءه للأكراد من حقوق، الأمر الذي أدى إلى زيادة الصراع بين الطرفين. وبدأ فصل جديد من فصول الثورة والحركات الكوردية عندما قدم البارزاني جملة مطالب، منها:
أولاً: جعل اللغة الكوردية اللغة الرسمية الأولى في المناطق الكوردية (كوردستان العراق).
ثانياً: أن تكون الشرطة في المناطق الكوردية من الأكراد، وكذلك وحدات الجيش المتمركزة في منطقة كوردستان، وأن تكون الأوامر في وحدات الجيش باللغة الكوردية.
ثالثاً: صرف قسم من العوائد النفطية المستخرجة من حقول نفط كركوك والموصل للأكراد.
رابعاً: أن يكون نائب رئيس الوزراء ومعاون رئيس أركان الجيش ووكلاء الوزراء من الأكراد.
خامساً: أن يكون استخدام وحدات الجيش الكوردية خارج المناطق الكوردية بموافقة القيادات الكوردية حتماً.
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، وبدأ بحشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، خصوصاً عندما اندلعت حركة كوردية بقيادة اثنين من كبار الإقطاعيين، هما رشيد لولان وعباس مامند، بدعم وإسناد من النظام الإيراني والسفارة الأمريكية في طهران. وقد استهدف رشيد لولان وعباس مامند إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، في حين استهدفت أمريكا وشاه إيران زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه.
أما الحزب الديمقراطي الكوردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كوردستان في 6 أيلول 1961، فتوقفت الأعمال كافة، وأصاب المنطقة الكوردية شلل تام، وقام المسلحون الأكراد (البيشمركة) باحتلال مناطق واسعة من كوردستان حاملين السلاح في وجه السلطة. وأدى ذلك إلى قيام عبد الكريم قاسم بحملة عسكرية على معاقل الملا مصطفى البارزاني في 11 أيلول 1961م، فحاصر الأكراد في العمادية وزاخو، ونقلوا مقر قيادتهم إلى أربيل، وفي اليوم التالي قصف سلاح الجو العراقي منطقة بارزان، وهي قرية تبعد خمسة وعشرين كيلومتراً شمال شرقي مدينة عقرة المحاذية للحدود التركية، وكانت معقلاً للبارزانيين وللحركة والثورة الكوردية. وأعلن عبد الكريم قاسم في مؤتمر صحفي يوم 23 أيلول 1961: «بلغوا أبناء الشعب على لساني أن الحركة الانفصالية الكوردية وراءها الإنكليز ويتبعهم الأمريكان، ولدينا مستمسكات تبين من وراء هذه الحركة، وسنتخذ التدابير التي تضمن سلامة الجمهورية العراقية. إن الحركة الكوردية سوف يتم القضاء عليها، ولقد ثبت أن الحكومة البريطانية وعناصر أخرى وراء هذه الحركة. إن السفارة البريطانية هي الأم، والأمريكان شركاؤها».
وفي 4 تشرين الأول 1961م سلّم الشيخ أحمد البارزاني، الأخ الأكبر للملا مصطفى البارزاني، نفسه للحكومة العراقية، وتعهد بالولاء لقاسم، وبإتاحة الفرصة له ليكون وسيطاً بينه وبين الملا مصطفى البارزاني، في حين انضم إلى الثورة الكوردية المسلحة كثير من كبار الإقطاعيين والأغوات الأكراد الذين كانوا قد فروا إلى إيران بعد ثورة 14 تموز 1958م. كما احتلت البيشمركة الكوردية سد دربندخان، وحرض القادة الأكراد القبائل الموالية لهم ضد القبائل الموالية للحكومة، وأعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإضراب العام في مناطق كوردستان العراق. وفي 9 تشرين الأول 1961م اندلع القتال بين الطرفين، واستمر نحو 17 شهراً، متصلاً أحياناً ومتقطعاً أحياناً أخرى، حتى سقوط عبد الكريم قاسم.
ويخلص الباحث من خلال قراءاته إلى أن عدة جهات حرضت الملا مصطفى البارزاني على أعمال الحركة والثورة الكوردية المسلحة، منها طبقة كبار الإقطاعيين والأغوات الذين شملهم قانون الإصلاح الزراعي وفروا إلى إيران، فوجدت فيهم طهران أداة مهمة للتأثير في النظام العراقي الجديد، ومنها الدوائر الاستعمارية المتمثلة في حلف شمال الأطلسي والإدارتين البريطانية والأمريكية وشركة نفط العراق، وقد تأثرت جميعها بثورة تموز 1958م، وكذلك السعي إلى إلهاء حكومة عبد الكريم قاسم عن المطالبة بالكويت، خصوصاً أن قاسم حاول استرجاعها وضمها إلى العراق.
وقد أيدت الوقائع التاريخية ذلك، إذ اتهم عبد الكريم قاسم، في مؤتمر صحفي عقده في مبنى وزارة الدفاع بتاريخ 23 آب 1961م، الشركات النفطية الاحتكارية بتحريض الإقطاعيين الأكراد والملا مصطفى البارزاني على أعمال العصيان المسلح، ليمارسوا ضغطاً على الحكومة العراقية في مجالين، هما مفاوضات النفط الجارية وقتها بين الحكومة العراقية والشركات النفطية الاحتكارية الأجنبية، ومطالبة العراق بالكويت والإنزال البريطاني فيها. كما اتهم عبد الكريم قاسم السفارة البريطانية بإنفاق نصف مليون دينار على هذه الأعمال العدوانية، في حين اعترف السفير البريطاني في بغداد، همفري تريفيليان، بأنه جال في كوردستان العراق واجتمع مع الشيوخ والأغوات الأكراد هناك. بيد أن من أهم نتائج هذه الحركة أنها لفتت نظر بعض الجهات الغربية إلى اتخاذ الأكراد وسيلة للتأثير في الحكم العراقي، وللتدخل في شؤون العراق الداخلية لمصلحتها.
وهكذا فشل عبد الكريم قاسم في أن يتصرف كرجل دولة، وأن يفرق بين ما هو شخصي وما هو رسمي، وفشل أكثر في وضع البرنامج الصحيح لحل المشكلة التي اعتمد في حلها على القوة العسكرية فقط. ولم يستطع أن يستوعب حقيقة أن استمرار المشكلة سيضعفه وسيزيد من التغلغل الأجنبي، وأنه يتوجب عليه كسب الأكراد وفهم وجهة نظرهم بدلاً من تركهم مكشوفين، يتعاونون مع الآخرين لحماية أنفسهم. بل الأدهى من ذلك أنه حتى عندما حاول الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن ينأى بنفسه عن الأعمال المسلحة العشائرية وغيرها في كوردستان، واتهمها بأنها أعمال رجعية استعمارية ضد مكتسبات ثورة 14 تموز/يوليو 1958، لم يعمل عبد الكريم قاسم على الاستفادة من هذا الموقف، وإنما نظر إليه كمعارض، وقرر أن يصفّيه مع العشائر والمعارضين الأكراد لسياسته في صفقة واحدة.
وكان على القيادة الكوردية أن تقدّر دوافع تلك الحركة والقائمين بها والمحرضين عليها، وألا تُغلّب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع القوى الأجنبية، سواء أكان أصحابه عرباً قوميين وحلفاءهم، أم كانوا من الكورد، كما هو الحال في تمرد الإقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند.
كما أن عبد الكريم قاسم فضّل اللجوء إلى استخدام القوة، ورفض الحوار وحل المشاكل الكوردية مع القيادة الكوردية وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكوردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت، إذ اعتبر الملا مصطفى وقادة حزبه ناكرين للجميل، وأنهم أساؤوا إلى الأيدي والصدور التي امتدت إليهم ومكنتهم من العمل بعلنية وحرية. وظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة الكوردية خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة، وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كوردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز 1958 يوم الثامن من شباط 1963.
أجزاء «الأكراد في العهد الملكي والجمهوري» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن