الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التآخي العربي الكوردي (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
حقائق تاريخية للقضية الكوردية
كان يمكن ألا تتحول حقوق الشعب الكوردي إلى قضية في الشرق الأوسط؛ فلو أُنصف هذا الشعب العريق وتمتع بكيانه القومي مثل سائر الشعوب، لما كانت هناك قضية أو مسألة كوردية. ولكنها الآن قضية معقدة تثير المشاكل لأصحابها مثلما تثيرها لجيرانهم، أي إنها مشكلة للكورد ولجيرانهم أيضاً.
كيف نشأت هذه القضية الكوردية ولماذا؟
كثيرون لا يزالون يرددون أنه لم يكن للكورد كيان سياسي عبر التاريخ، ولم تكن لهم دولة. أما الحقيقة فإن الكورد سعوا دوماً منذ مئات السنين إلى أن يكون لهم موقع بين الأمم والشعوب. فإذا تجاوزنا أمر أول دولة كوردية في التاريخ، وهي الدولة الميدية قبل نحو سبعة وعشرين قرناً، فإن القرون الأخيرة شهدت إمارات ودويلات كثيرة في المناطق الجغرافية للبلدان الحالية (إيران والعراق وتركيا)، حين كانت الحدود السياسية لهذه البلدان مختلفة عما هي عليه الآن. والكورد يعدّون دولة صلاح الدين الأيوبي، بشكل ما، دولة كوردية طابعها العام إسلامي، مثلما كانت دولة كريم خان زند في إيران دولة كوردية، أما ولاية شهرزور والإمارات الكوردية فكانت دويلات بحد ذاتها.
وكانت هناك نحو (40) إمارة كوردية خلال القرون الأربعة الماضية، من بينها على سبيل المثال إمارات بدليس وبوتان وسوران وبابان وغيرها، كما ذكرنا في فصل من فصول الجزء الثاني من كتابنا هذا. وقد جرى سحق هذه الكيانات الكوردية وتدميرها نتيجة الصراع الرهيب بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، أو نتيجة ضعف هذه الإمارات الكوردية وتغير الأوضاع الاجتماعية فيها وقلة مواردها.
كيف ينظر الإخوة العرب إلى المشكلة الكوردية؟
إن الرؤية العربية المشتركة لقضايا استقرار المنطقة وسلامها، إذا توحدت، ويجب أن تتوحد، ستساعد على حل كثير من المشاكل، بما فيها المشكلة الكوردية في العراق، وعلى إنهاء المواقف العنيفة والسلبية المختلفة. ونعتقد أن الرؤية العربية الكوردية المشتركة لسلام المنطقة واستقرارها ممكنة وضرورية في الوقت نفسه؛ ممكنة وضرورية لأنها تنبع من أساس هو وحدة المصالح والمنافع بين الشعبين الكوردي والعربي، ومن ضرورة توحيد مواقفهما في هذه المرحلة الأولى التي تنتقل فيها منطقتنا إلى القرن الحادي والعشرين.
وأعتقد أن السلام في منطقة الشرق الأوسط واستقرارها مفهوم عام، ولا شك أن هناك في رأينا حلين:
- حل أمثل منشود، وقد يكون بعيد المنال.
- وحلول ممكنة ومعقولة قد يكون تحقيقها ممكناً إذا وُجّه الجهد إليها ورُكّز عليها.
أما القضايا التي تتطلب الحل من أجل سلام الشرق الأوسط، في رأيي الشخصي، فهي:
- قضية الشعب الفلسطيني الذي يجب أن ينال حق تقرير المصير كباقي الشعوب، وحق العودة إلى أراضيه في فلسطين، وله الحق في أن يمارس سيادته الوطنية على أرض وطنه. ولا شك أن الحل المقترح المقبول عربياً الآن هو حل قائم على سلام شامل وعادل، وتطبيق القرارات الدولية ومقررات مؤتمر مدريد، كما يحاول الإخوة الفلسطينيون تحقيق اتفاق أوسلو. ولا شك أن الكثيرين يعرفون أن الشعب الكوردي وقف دوماً مع الشعب الفلسطيني واشترك معه في نضاله السياسي في كل المراحل؛ ولا أعود إلى التاريخ القديم، ولكن في العصر الحديث أيضاً وقف الكورد مع قضية الشعب الفلسطيني وتبنّوها بوصفها قضية إنسانية عربية وإسلامية.
- حل النزاع العربي الإسرائيلي، وهو ليس مقتصراً على المشكلة الفلسطينية، فهناك أراضٍ محتلة أخرى كمنطقة الجولان السورية، ولا يمكن أن يكون هناك سلام شامل دون عودة الجولان إلى وطنها الأم، ودون انسحاب غير مشروط للقوات الإسرائيلية من لبنان، وكذلك منطقة الأحواز العربية في إيران، وهناك مسائل أخرى تدخل في النزاع العربي الإسرائيلي يجب أن تُحل.
- حل النزاعات العربية العربية، فقد أسهمت كثيراً في إثارة المشاكل والإخلال بالسلام وزعزعة استقرار المنطقة؛ فالغزو العراقي المعروف للكويت هو الذي أدى إلى تصدع الصف العربي وإنهاء التضامن العربي وإهدار جهود وثروات عربية طائلة. لذا لا يمكن من دون حل النزاعات العربية أن يكون هناك مجال لتكوين رؤية عربية كوردية، بل لا يمكن تحقيق رؤية عربية أصلاً.
- لا بد من حل القضية الكوردية، فلا أمن ولا استقرار في المنطقة، باعتراف الجميع وآخرهم الاشتراكية الدولية، دون حل القضية الكوردية. فالقضية الكوردية ليست قضية أقلية قومية، بل قضية أمة كوردية مقسمة قسراً، وهي ليست مقتصرة على العراق، بل مشتركة مع تركيا، وهناك نزاعات في كوردستان إيران وفي سوريا أيضاً وغيرها.
فالقضية الكوردية قضية شعب يبلغ تعداده نحو (40 – 45) مليون نسمة. وبعض الإخوة، حين يتكلمون عن تعداد الشعب الكوردي، يرجعون إلى الكتب والإحصاءات القديمة، وكأن الكورد عاجزون عن الإنجاب والتكاثر!
فيتمسكون بإحصاءات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وينسون ما وصل إليه عدد الكورد الآن، والفرق كبير. لذا يجب على الإخوة العرب أن يدركوا هذه الحقيقة. فقد أشار أحد الإخوة إلى أن عدد الكورد في العراق (3 – 4) ملايين، في حين أن الكورد في المنطقة الكوردية التي تديرها الحكومة الكوردية هناك أكثر من ذلك الرقم، فكيف بالكورد خارج تلك المنطقة، في مناطق الموصل والشيخان وكركوك وخانقين وغيرها من المدن العراقية؟ بل إن بغداد هي أكبر مدينة كوردية من حيث عدد السكان الكورد. لذلك على الإخوة أن يكونوا دقيقين في هذه المسألة؛ فالقضية الكوردية تتعلق بنحو (40 – 45) مليون إنسان كوردي، ولا يمكن أن تبقى مُتجاهَلة في حل نزاعات المنطقة، ولا سيما أن أحد السياسيين قال إن الكورد مشاغبون ومثيرو مشاكل.
- حل الخلافات العربية الكوردية والخلافات العربية الإيرانية والخلافات العربية التركية أمر مهم، وهي تدور حول المناطق المتنازع عليها مثل لواء الإسكندرونة. وهناك مشكلة المياه، وهي مشكلة خطيرة جداً أرجو أن ينتبه إليها كل الباحثين والمناضلين من أجل سلام عادل، لأنها ستكون المشكلة الأولى في المنطقة في القرن الحادي والعشرين، وهي مشكلة عويصة مع زيادة السكان وحاجة البلدان إلى المياه. أما الخلافات العربية الإيرانية، وإن كانت قد خفّت، فهناك الآن مسألة جزر الخليج، وبعض المسائل بين العراق وإيران (منطقة الأحواز العربية).
- وهناك نقطة أخرى هي إزالة أسلحة الدمار الشامل، ولكن يجب أن يكون ذلك على كل من يملكها. فقد كان التركيز على العراق (قبل الاحتلال)، ونحن وإن كنا قد عانينا من أسلحة الدمار الشامل (الكيماوي) في حلبجة وغيرها، فإن المنطق والحق يتطلبان إزالة أسلحة الدمار الشامل في إيران وتركيا وإسرائيل وغيرها. أما حصر الموضوع في العرب، والقول إنه لا يجوز أن يمتلك العرب هذه الأسلحة، فأمر غير عادل ومريب ومخيف. لذلك يجب أن تُزال أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط كله، وأن تكون المنطقة خالية من هذه الأسلحة. أما السماح للبعض بامتلاكها وامتلاك القنبلة الذرية ومنع الآخرين منها فشيء لا يمكن أن يستمر، ولا سيما إذا أخذنا في الحسبان تغير الظروف مستقبلاً بالضرورة.
ولا بد لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة من مراعاة الظروف والأوضاع الدولية المتغيرة. وهذه مسائل مهمة وجدية، وكل منها يحتاج إلى دراسة خاصة، ولكني أكتفي بوضع عناوين لها، وأؤكد أن الكورد مستعدون دوماً لتوحيد الرؤية مع إخوتهم العرب في مهمة بناء الرؤية العربية الكوردية المشتركة لسلام المنطقة واستقرارها، لأن ذلك من المنافع والمصالح الأساسية للشعبين الصديقين العربي والكوردي، ولأنه ضرورة آنية حتى لحل المشكلة الكوردية في العراق:
- ضرورة إيجاد توافق بين الوحدة العراقية وتعزيزها من جهة، وتمتع الشعب الكوردي بحقوقه القومية المشروعة من جهة أخرى.
- التوجه نحو الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان سبيلاً لدعم الوحدة الوطنية العراقية في إطار دولة العراق.
- إن حل القضية الكوردية في العراق على أساس الديمقراطية والتعددية والفيدرالية واحترام حقوق الإنسان سوف يعزز الوحدة الوطنية في إطار الدولة العراقية.
- قضايا السلام في المنطقة والصراعات الدائرة حولها؛ إذ يجب انسحاب القوات الإسرائيلية من كل الأراضي التي احتلتها في عدوان الخامس من حزيران 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، سبيلاً لإقرار السلام العادل والشامل في المنطقة.
- الجزر الثلاث في الخليج العربي (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).
- منطقة عربستان (المحمرة) في إيران.
- مشكلة المياه مع تركيا (دجلة والفرات)، وكذلك مع إيران بخصوص قطع الروافد المائية النابعة من إيران.
- مشكلة السودان.
إن القضية الكوردية لم يعد بحثها محرماً كما كان في السابق لأسباب عديدة في حينها، بل يجب الآن بحثها، وهو أمر مفضّل ومقبول ومتفق مع مسيرة التاريخ ومع تيار التطور الاجتماعي، وبالتالي فإن هذه الأفكار الجديدة ستنتصر حتماً على الأفكار القديمة البالية مهما كانت الصعوبات ومهما طالت المسيرة.
ويعمل الكورد على أن تكون اللقاءات والمحاضرات والمناقشات والحوارات والمفاوضات عاملاً مهماً في تعزيز التفاهم والتعارف بين الشعبين العربي والكوردي، وبذلك نستطيع أن نغلق النوافذ أمام الجهات التي لا تريد خيراً لوطننا وشعبنا، والتي تستغل قضايا حقيقية موجودة لا يمكن للسياسة الناعمة نفيها أو إنكارها، سواء أكانت في كوردستان العراق أم في جنوب السودان أم في لبنان أم في كوردستان إيران وكوردستان تركيا؛ فكلها قضايا حقيقية موجودة تعاني منها مجتمعاتنا في هذه البلدان. ولا يجوز للمريض أن يخفي مرضه عن الطبيب، لأن هذا الإخفاء سيؤدي إلى الموت دون علاج، وكذلك لا يجوز إخفاء هذه القضايا الأساسية الموجودة، بل يجب بحثها والعمل على إيجاد حلول حقيقية ناجحة لها وفق مقاييس العصر، وهذه المقاييس هي:
- الديمقراطية.
- حقوق الإنسان.
- حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهنا أود أن أؤكد نقطتين:
- إن الديمقراطية لم تعد مسألة ترفيهية أو سياسية فحسب، بل أصبحت الدواء لجميع المشاكل التي يعاني منها مجتمع الدول العربية، أي إن الديمقراطية هي المفتاح لحل جميع القضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا.
- إن هذا العصر هو عصر الكيانات الكبيرة، عصر الاتحادات بين الشعوب، حتى الشعوب التي لا تجمع بينها روابط قومية أو لغوية أو حضارية مشتركة.
ولكن التاريخ برهن على أن الوحدات القائمة على الظلم والقسر لن تدوم ولن تصمد أمام العواصف والمشاكل، وأن الوحدات أو الاتحادات القائمة على المساواة الحقيقية والديمقراطية والمنافع الاقتصادية المشتركة هي التي تستطيع أن تبقى وتصمد وتزدهر مهما كانت المشاكل ومهما هبت عليها العواصف.
والتجربة أمامنا في التسعينيات واضحة، إذ انهارت دول متعددة القوميات (كالاتحاد السوفيتي السابق)، في حين تزدهر دول أخرى وتنمو، وتصرّ الشعوب التي تكوّنها على البقاء ضمن الاتحاد الاختياري القائم فيها.
فالشعب الكوردي في كوردستان من دعاة الاتحاد الاختياري في هذه الدولة (العراق)، ومن دعاة الوحدة الوطنية العراقية، ومن دعاة الكيان العراقي الدولي الواحد المستقل الديمقراطي. وحين يدعو الشعب الكوردي في العراق إلى الديمقراطية والفيدرالية وحقوق الإنسان، فإننا نعتقد أن هذه عوامل أساسية لحماية الوحدة الوطنية العراقية وصيانتها، وبالتالي لصيانة الكيان العراقي المستقل وحمايته، فيستطيع أن يبقى ويصمد أمام كل المصائب والأحوال.
وقد قال الزعيم القومي العربي الراحل جمال عبد الناصر للزعيم الكوردي البارز والرئيس السابق للعراق جلال الطالباني بخصوص الكورد ما يلي:
أ. يجب أن تُطرح القضية الكوردية على الرأي العام العربي، ونحن العرب شعب صديق للشعب الكوردي، نعيش معكم على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
ب. يجمعنا الدين الإسلامي الحنيف بعضنا مع بعض.
ج. وتجمعنا روابط ووشائج عديدة ومتعددة.
د. ويجب أن يبين العرب للكورد أنهم ليسوا ضد حقوق الشعب الكوردي.
هـ. وكذلك الكورد ليسوا ضد الحركات الثورية للتحرر العربي.
ويتطلب ذلك من الشعب الكوردي أن يبين لإخوته العرب أن مطالب الكورد مشروعة ومعقولة، وأن الكورد:
أ. لا يريدون القتال، وإنما يدافعون عن أنفسهم حين يُفرض عليهم القتال.
ب. يؤكدون التفاوض والحوار مع إخوانهم العرب، لأنه لغة العصر، بل من مستلزمات حل القضايا العالقة في كل الدول العربية.
ج. ويعتقدون أن القومية العربية ذات نزعات تحررية وإنسانية، وكان عليها أن تحل هذه القضايا منذ زمن بعيد.
د. وإذ يعيش الكورد عصراً يسمى عصر تحرر الشعوب المضطهدة، لم يبق في العالم إلا قليل من الشعوب التي لا تتمتع بحقوقها الكاملة، كما في بعض أجزاء البلدان العربية، فكيف بالقومية الكوردية والشعب الكوردي الذي يناضل من أجل حقوقه المشروعة منذ فترة طويلة؟
هـ. ولا يستقيم أن ندعم القوميات الأخرى المناضلة من أجل الحقوق نفسها ونغفل الكورد. وفي هذا المجال أتذكر قول الراحل العظيم جواهر لال نهرو حين قارن وضع الكورد في تركيا، إذ قال: «إن الأكراد في تركيا ثاروا للأسباب والأهداف نفسها التي ثار وناضل من أجلها مصطفى كمال أتاتورك»، ولكن مصطفى كمال أتاتورك والأتراك قمعوا الكورد. فالكورد يطالبون لشعبهم بالحقوق نفسها التي يطالب بها الأتراك، والأتراك حالياً ينكرون الحقوق القومية للشعب الكوردي الشقيق والصديق لهم.
فحريّ بالقومية العربية والأمة العربية أن تسترشد بالمقولة الخالدة «الأقربون أولى بالمعروف»؛ فالكورد هم الأقربون إلى الأمة العربية والقومية العربية، وعليه فهم أولى بمعروفها من الشعوب التي تؤيدها وهي تسكن بعيداً عنها ولا ترتبط بأي روابط مباشرة مع الأمة العربية. والشعب الكوردي يعتقد أن التفاوض والحوار والنقاش مفيدة جداً لمعرفة آراء الآخرين بغرض الوصول إلى حلول صحيحة للمشاكل بينهم.
وأعتقد، من صميم القلب والوجدان، أنه آن الأوان أن يعي المجتمع الدولي دوره، وأن ينصف هذين الشعبين (العربي والكوردي)، ويستجيب لحقوقهما العادلة ومطالبهما المشروعة؛ فقد أصبح الشعبان الفلسطيني والكوردي في آخر قافلة الشعوب في العالم، وهذا ليس من العدل والإنصاف في شيء في هذا الزمن.
أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن