الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التآخي العربي الكوردي (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تقسيم الوطن الكوردي (كوردستان)

ورد اسم كوردستان منذ زمن سحيق، وكان يُطلق على المناطق التي يعدّها الكورد وطناً قومياً لهم حتى الوقت الحاضر، وهو وطن مقسم حالياً على عدة بلدان (تركيا وإيران والعراق وسوريا وأجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق).

ويُجمع الكورد عموماً، ومعهم عدد كبير من الباحثين غير الكورد، على أن مساحة كوردستان تقدر بنحو (500) ألف كم²، وأن العدد الإجمالي للكورد يقدر بنحو (35 – 45) مليون نسمة، وهم بذلك أكبر أمة على سطح هذا الكوكب لا تزال بلا كيان سياسي.

أما مساحة كوردستان العراق وحدها فيقدرونها بنحو (75 – 85) ألف كم²، وتقدر مساحة المنطقة الخاضعة حالياً للحكومة الإقليمية الكوردية بنحو (50) ألف كم²، أي إن ما يقارب 35 – 40% على الأقل من المناطق الكوردية هي خارج نفوذ الإدارة الكوردية المحلية الراهنة، التي تتمتع بحماية دولية برعاية الأمم المتحدة منذ نيسان عام 1991م.

ويقدر تعداد الكورد في العراق بين (5 – 6) ملايين كوردي، وتشكل نسبتهم إلى العدد الإجمالي لسكان العراق البالغ (28) مليوناً نحو 29 – 30% من السكان، يعيش أكثر من نصفهم في المنطقة التي هي الآن تحت الإدارة الكوردية (إقليم كوردستان)، والباقون في المناطق الخاضعة للسلطة المركزية.

أما أصل نشوء القضية الكوردية فيعود إلى التقسيم؛ وقد جرى أول تقسيم لكوردستان في القرن السادس عشر إثر اتفاق الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية الإيرانية على تقسيم كوردستان بينهما، فكان أول تقسيم محدد بحدود سياسية يجزّئ كوردستان إلى قسمين كبيرين، أحدهما خاضع اليوم لإيران، والقسم الثاني خضع للخلافة العثمانية.

محطات القضية والمسألة الكوردية في العراق

المحطة الأولى: إلحاق الجزء الجنوبي من كوردستان بالدولة العراقية العربية

كان العراق الحالي عبارة عن ثلاث ولايات منفصلة في ظل الحكم العثماني، هي ولايات بغداد والموصل والبصرة. وكانت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية تضم المحافظات (الألوية) التالية:

أ. لواء كركوك.

ب. لواء السليمانية.

ج. لواء أربيل.

د. لواء الموصل، وضمنه محافظة دهوك الحالية التي كانت آنذاك قضاءً تابعاً للواء الموصل، وأصبحت محافظة مستقلة عام 1970م.

واستمر الأمر كذلك حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918م. وكان الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا) قد عقدوا سنة 1916م، والحرب العالمية الأولى لا تزال قائمة، معاهدة سايكس – بيكو المشهورة، التي أتت بخريطة سياسية جديدة لتقسيم الشرق الأوسط والبلاد العربية، كما ذكرنا في فصل المعاهدات من الجزء السابع من الموسوعة (الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ).

ولما كان الشعب الكوردي يعيش في قلب الشرق الأوسط فقد شملته معاهدة سايكس – بيكو (1916)، وكان هذا هو الإجراء الثاني لتقسيم كوردستان، إذ قُسّم الجزء الخاضع للإمبراطورية العثمانية إلى ثلاثة أجزاء أخرى، ومنها الجزء الذي أُلحق بالدولة العراقية، وهو ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، عام 1925م، بعد تأسيس هذه الدولة (العراق) لأول مرة عام 1921م، فدُمج معها الجزء الجنوبي من كوردستان الذي نطلق عليه اليوم إقليم كوردستان العراق.

وكان التقسيم الذي أسفرت عنه معاهدة سايكس – بيكو السبب الرئيسي في محنة الشعب الكوردي في كوردستان تركيا وإقليم كوردستان العراق، وقد أضيفت هذه المحنة إلى المحنة الأولى الناجمة عن التقسيم الأول بين الدولة الصفوية الإيرانية والدولة العثمانية عام 1514 بعد معركة جالديران.

معاهدة سيفر (10 آب 1920)

عُقدت هذه المعاهدة بين الحلفاء والدولة التركية، ونصت في المادة (62) على حق سكان كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) في تشكيل دولة خاصة بهم، كما نصت المادة (64) من معاهدة سيفر نفسها على حق سكان ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) في الانضمام إلى تلك الدولة إن أبدوا رغبتهم في ذلك. إلا أن المصالح الاستعمارية حالت فيما بعد دون تشكيل الدولة الكوردية المشار إليها.

فقد حلّت معاهدة لوزان (24 تموز 1923م) محل معاهدة سيفر لعام 1920م، وتنكرت لحقوق الكورد استجابةً لضغط الدولة التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وللسياسة الدولية الجديدة آنذاك. فقد أدركت بريطانيا، صاحبة النفوذ والمنتصرة في الحرب، أن تركيا وإيران هما خط الدفاع الأول للإمبراطورية البريطانية ضد النفوذ الشيوعي (السوفيتي) في ذلك الوقت. ويجب أن يعرف الجميع أن بريطانيا هي التي حثت الولايات المتحدة على إنقاذ تركيا واليونان بالمال قبل أن يسيطر عليهما الحزب الشيوعي أو يبتلعهما، ووافقت واشنطن على ذلك، وهو ما يعطي مبرراً قوياً لتذويب معاهدة سيفر لعام 1920م، لأن ضمان وجود تركيا قوية أفضل بكثير من خلق دولة كوردية.

إلا أن الشعب الكوردي في كوردستان عموماً لم يهدأ له بال في سبيل الحصول على حقوقه القومية واستقلاله، شأنه شأن سائر القوميات والشعوب التي كانت ترزح تحت الاحتلال العثماني.

وبما أن بحثنا محصور في كوردستان العراق، فإننا نقتصر على الإشارة إلى الثورات والحركات والانتفاضات الكوردية في هذا الجزء، كوردستان الجنوبية، فقط، وقد تناولناها بشكل أوسع في فصل الثورات الكوردية من الجزء الثالث من الموسوعة (الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ).

لقد ثار الشعب الكوردي بقيادة المرحوم الزعيم الكوردي الخالد الشيخ محمود الحفيد في عام 1919، بعد أن كانت سلطات الاحتلال البريطاني قد اضطرت إلى تعيينه حكمداراً على كوردستان. وإثر فشل الثورة الكوردية نُفي الشيخ محمود الحفيد إلى جزيرة هنجام الهندية، ثم أعيد مرة أخرى حكمداراً في عام 1922م. ولأنه لم يرضخ للشروط البريطانية، ولإصراره على تطلعاته في تشكيل دولة كوردية مستقلة، أُبعد نهائياً عن السليمانية بعد الاصطدام الثاني مع الاحتلال البريطاني، ليعيش منفياً في بغداد حتى وفاته عام 1956.

لقد سنحت الفرصة للحاكم الشيخ محمود الحفيد، وكان عليه أن يقبل بحكومة كوردية محلية كانت ستبقى ثلاثة عقود ونصفاً، وتتطور بسياسة واعية مع البريطانيين لتكون قاعدة للأجيال اللاحقة، ولا تخشى أي قوة ترسلها بغداد، لأنها مضمونة في الأمم المتحدة وعواصم القرار القوية في لندن وواشنطن.

وظل موضوع إلحاق القسم الجنوبي من كوردستان بالدولة العراقية الحديثة التكوين عام 1921م معلقاً حتى سنة 1925م، بعد أن كانت الحكومتان البريطانية والعراقية قد اعترفتا في بيان رسمي بحق الكورد القاطنين في العراق في تأسيس حكومة خاصة بهم، ودعتا ممثلي هذا الشعب إلى التفاوض حول شكل الحكومة المقترحة وعلاقاتها السياسية والاقتصادية بالحكومتين البريطانية والعراقية.

إلا أنهما لم تترجما هذا البيان على صعيد الواقع العملي، واكتفت عصبة الأمم بإلزام الحكومة العراقية باحترام الخصوصية القومية، واعتبار اللغة الكوردية لغة التعليم في المناطق الكوردية.

وفي 30 آذار 1932م أصدرت الحكومة العراقية بياناً رسمياً يتضمن التزامات ذات طابع دولي عُدّت شروطاً لقبول العراق عضواً في عصبة الأمم، فمهدت الحكومة العراقية بذلك الطريق لقبولها في المنظمة الدولية (عصبة الأمم)، وقد قُبلت فيها في تشرين الأول/أكتوبر عام 1932م.

وقد احتوى البيان المذكور على (16) مادة، ينص بعضها على وجوب احترام العراق لحقوق الكورد في الإدارة والتعليم في كل من محافظات كركوك وأربيل والسليمانية والموصل، وكانت محافظة الموصل تضم قضاء دهوك الذي تحول عام 1970م إلى محافظة مستقلة عن محافظة الموصل.

وظل الشعب الكوردي في كوردستان العراق ينادي ويناضل من أجل حقوقه القومية، وتوالت انتفاضاته وثوراته للمطالبة بتلك الحقوق، مثل انتفاضات الشيخ محمود الحفيد وثوراته، وثورة بارزان الأولى عام 1931 – 1932 بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، وثورة بارزان الثانية عام 1943 – 1945م بقيادة الملا مصطفى البارزاني. كما ساهم الشعب الكوردي في كافة نضالات الشعب العراقي من أجل الحرية السياسية والديمقراطية، مثل انتفاضة الوثبة عام 1948م وغيرها، وثورة 14 تموز 1958م، ووقف مع أشقائه العرب مساهماً في قضاياهم المصيرية ومسانداً لها.

المحطة الثانية: من 14 تموز 1958م إلى 11 آذار 1970م

بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958م مرت فترة قصيرة شعر فيها العراقيون، عرباً وكورداً، بالارتياح، وعبّروا عن تأييد قوي للثورة وبرنامجها خاصة، ولا سيما أن الدستور المؤقت الذي أصدرته قيادة الثورة نص في المادة (3) منه على «أن العرب والأكراد شركاء في الوطن العراقي». وكان المأمول ترجمة هذه المادة إلى واقع عملي، ولكن ذلك لم يحصل مع الأسف، فتراجعت السلطة القائمة آنذاك عن وعودها، لأن سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم كانت ضرب هذا الطرف بذاك، كما فعل العباس بن قثم، وبرزت دعوات إلى إذابة الكورد أو إنكار وجودهم القومي. وبدأت حملات قمع ضد الشعب الكوردي وممثليه وقادته، مما اضطره إلى حمل السلاح والدفاع عن نفسه في ثورته الكوردية المباركة، ثورة 11 أيلول 1961م، ضد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، بقيادة الزعيم الكوردي والقائد الخالد الملا مصطفى البارزاني. وعقب انهيار حكم عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963م في انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي الأول في العراق، استجابت الثورة الكوردية لطلب الحكومة الجديدة بإيقاف القتال وبدء المفاوضات من أجل إقرار حقوق الشعب الكوردي. وكان هناك اتفاق بين عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر عام 1963، ولكن عبد السلام عارف، بعد أن تخلص من حكم حزب البعث في 18 تشرين الثاني 1963، تغيرت سياسته ونظرته إلى الوحدة مع مصر (جمال عبد الناصر)، لأن مركزه بعد الوحدة سيكون هامشياً.

ولكن سرعان ما تبين أن تلك المفاوضات كانت مناورة من سلطة انقلاب 8 شباط 1963 لكسب الوقت ريثما تُحكم السيطرة على زمام الأمور في العراق. وهكذا تراجعت عن وعودها بمنح الشعب الكوردي حقوقه على أساس اللامركزية السياسية، وبدأت جولة جديدة من القتال حتى سقوط حكم البعث في 18 تشرين الثاني عام 1963 وبدء حكم المشير عبد السلام عارف، إذ سرعان ما بدأت جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين، ولكن حظ هذه الجولة كان كحظ سابقتها.

فقد شن النظام العراقي برئاسة عبد السلام عارف هجوم الربيع في عام 1964م، واستمر حتى الجولة الثالثة من المفاوضات في عهد حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف عام 1966م، وهو المدني الوحيد الذي تسلم هذا المنصب منذ 14 تموز عام 1958م. وأسفرت هذه الجولة من التفاوض عن اتفاق أُعلن في بيان 29 حزيران 1966م، تضمن بنوداً تصلح أساساً لحل القضية الكوردية، ونصت هذه البنود على:

  1. الدراسة باللغة الكوردية.
  2. إنشاء جامعة صلاح الدين في السليمانية.
  3. إطلاق سراح المعتقلين والسجناء بسبب الثورة الكوردية.
  4. تخصيص عدة مقاعد وزارية لممثلي الثورة الكوردية.

لكن سرعان ما تراجعت حكومة عبد الرحمن عارف، شقيق المشير عبد السلام عارف الذي حلّ محله في رئاسة الجمهورية بعد مقتله في حادث سقوط طائرته، عن هذه الاتفاقية (بيان 29 حزيران 1966م)، تحت تأثير القادة العسكريين الذين أجبروا الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبد الرحمن البزاز على الاستقالة، وشكلوا حكومة ذات طابع عسكري. وهكذا بدأت جولة جديدة من القتال استمرت حتى سقوط الرئيس عبد الرحمن عارف في انقلاب البعث الثاني بتاريخ 17 تموز عام 1968م، وحتى توقيع اتفاق السلام في 11 آذار عام 1970م.


أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←