الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التآخي العربي الكوردي (الجزء الثامن)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لماذا الخوف من جمهورية كوردية في كوردستان؟ أو حق تقرير المصير للشعب الكوردي
خلال افتتاح المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كوردستان العراق، يوم 11/12/2010، وأمام حشد كبير من الضيوف ورجال السياسة في العراق بمختلف قومياته، أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيس إقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني أنه سيتم طرح مسألة حق تقرير المصير للشعب الكوردي في المؤتمر، باعتبار هذا الحق شيئاً جوهرياً للشعب الكوردي.
وإلى هنا، أعتقد أن المسألة عادية جداً، لأن السيد مسعود البارزاني قال إنه سيطرح حق تقرير المصير، وهذا الكلام مجرد رأي وطرح لحق من حقوق الشعب الكوردي على الحاضرين في المؤتمر. والحزب الديمقراطي الكوردستاني حاله حال المئات من الأحزاب في العالم، ومن حق المؤتمرين طرح كافة القضايا المتعلقة بالحزب ومناقشتها، ولا سيما أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني ركيزة من ركائز تمثيل الشعب الكوردي، إلى جانب الاتحاد الوطني الكوردستاني والأحزاب الكوردية الأخرى.
إن الشعب الكوردي والقيادة الكوردية كانوا ولا يزالون العامل الأساسي لتوازن القوى السياسية في العراق، والمحافظين على وحدة العراق، والمشاركين في إدارة الحكومة المركزية منذ سقوط النظام العراقي في 9 نيسان عام 2003، ولم يفكروا يوماً في الاستقلال وتقسيم العراق، على الرغم من أن الفرص والظروف كانت في بعض الفترات أقوى الفرص وأفضلها لإعلان الاستقلال. لكنهم، من أجل الحفاظ على الأخوة التاريخية مع باقي القوميات في العراق والنضال المشترك معها ضد نظام البعث، أجّلوا حق تقرير المصير مرات عديدة، ولم يهملوا يوماً هذه القضية (حق تقرير مصير الشعب الكوردي).
وبعد تحرير العراق في 9/4/2003، وكتابة دستور العراق باتفاق كافة الأطراف المشاركة في الحكومة ومجلس النواب، تم تثبيت عدد من البنود والمواد من أجل حسم العديد من القضايا العالقة بين الشعب الكوردي والحكومات السابقة في العراق، ومن أجل عدم العودة إلى السلاح والنضال والثورات، واستقرار أوضاع العراق، والتعايش الأخوي بين جميع القوميات والأديان حسب الدستور الجديد. لكن مع الأسف هناك حتى الآن مماطلة من قبل بعض الأطراف في إيجاد الحلول المناسبة، وتدخّل من دول الجوار في القضايا الداخلية في العراق، وعدم إجراء الإحصاء العام في العراق منذ أكثر من ربع قرن من الزمن تقريباً. هذه الأسباب، وأسباب أخرى معلومة وخفية، ستحتّم على الكورد مناقشة مسألة حق تقرير المصير وطرحها، من أجل ضمان عدم محو الإنجازات التي تحققت في الإقليم الكوردي منذ الانتفاضة الباسلة في آذار عام 1991 حتى الآن وهدمها.
وقبل الدخول في مناقشة الأسباب وطرحها، أود أن أوضح للقراء بعض الأمور، بعد البحث والدراسة في الكتب والمصادر والمواقع الرسمية للتاريخ والوثائق.
ماذا تعني كلمة كوردستان؟
كوردستان تعني أرض الكورد، وهي المنطقة الجغرافية التي يقيم فيها الكورد في الشرق الأوسط. والمنطقة موزعة على خمس دول هي: العراق وإيران وسوريا وتركيا وأجزاء من دول الاتحاد السوفيتي السابق. ومن الصعب تحديد المنطقة الجغرافية لكوردستان لعدم اعتراف الدول آنفة الذكر بهذا الكيان الكوردي، إلا أن إيران والعراق تعترفان بمنطقة كوردية على أراضيهما، أما سوريا التي تضم أقل عدد من الكورد بين الدول الأربع، ونظيرتها تركيا، فترفضان ذلك.
متى قُسّمت أرض الشعب الكوردي (كوردستان)؟
يسجل تاريخ الكورد في المنطقة محطات مهمة رسمت معالم الأحداث التي أثرت في تاريخهم ومصيرهم. ففي سنة 1514م، بعد هزيمة الصفويين في معركة جالديران بين العثمانيين والصفويين، تم تقسيم كوردستان بينهما، وثُبّت ذلك التقسيم نهائياً بموجب معاهدة قصر شيرين التي أُبرمت بين الإمبراطوريتين سنة 1639م. وبعدها اندلعت حركة شمزينان بين سنتي 1880 و1881 على الحدود التركية الإيرانية بقيادة الشيخ عبيد الله النهري الذي ترأس جميع العشائر، لكنها انتهت بالفشل، وأودع الشيخ عبيد الله النهري على إثرها السجن في إسطنبول. ثم قُسّمت كوردستان على الدول الأربع قسراً في اتفاقية لوزان المبرمة بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وبإمكان القارئ أن يبحث في الاتفاقيات المشؤومة (لوزان وسيفر وسايكس – بيكو عام 1916) في الجزء السابع من الموسوعة.
كوردستان والشعب الكوردي بعد التقسيم
- سنة 1930 – 1975: حركات البارزانيين
في عام 1930 قاد الشيخ أحمد البارزاني وأخوه الملا مصطفى البارزاني في كوردستان العراق حركة مسلحة استمرت حتى سنة 1932، واستأنف الملا مصطفى الحركة المسلحة ضد الحكومة العراقية عام 1943 – 1945 واستمرت نحو عامين، وفي 11 أيلول عام 1961 عاد إلى المواجهة المسلحة في كوردستان العراق حتى عام 1975، حين انتهت الحركة الكوردية بعد اتفاق الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار 1975م.
- سنة 1946: إعلان جمهورية مهاباد الكوردية
أُعلن قيام جمهورية كوردستان في مدينة مهاباد غربي إيران في 13 كانون الثاني 1946، بمعاونة قوات الاتحاد السوفيتي التي كانت موجودة آنذاك في إيران، حيث احتشد آلاف الكورد وسط المدينة ليشاهدوا رفع العلم الكوردي لأول مرة، وأصبح قاضي محمد، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، رئيساً للجمهورية. وقد اقتحمت القوات الإيرانية أراضي مهاباد بعد نحو سنة لتقضي على أول تجربة لدولة كوردية في جمهورية مهاباد.
- سنة 1970: بيان 11 آذار/مارس 1970م
اتخذت حكومة البعث في العراق قرار الاعتراف بالوجود الشرعي للكورد وإقرار حقوقهم الثقافية والقومية، وأجرت مفاوضات مكثفة مع الكورد لحل المسألة الكوردية على أساس حكم ذاتي للكورد ضمن الوحدة الوطنية. وقد حظي البيان بتأييد واسع، ولكنه كان مع الأسف حبراً على ورق؛ فعلى الرغم من أن المواد المتفق عليها كانت جيدة، فقد كان مناورة سياسية من حكومة المركز لكسب الوقت، وقد سبقه بيان 29 حزيران 1966 في عهد الدكتور عبد الرحمن البزاز.
- سنة 1975: اتفاقية الجزائر 6/3/1975
توصل العراق وإيران إلى اتفاقية في الجزائر عام 1975 تقضي بتصفية المشاكل الحدودية وتعيين الحدود في شط العرب وبعض المناطق في محافظة ديالى. وقد ساهمت الاتفاقية عملياً في انهيار الحركة الكوردية المسلحة في العراق، وأرغمتها على إلقاء السلاح بعد أن تخلت إيران عن دعمها للثورة الكوردية، مقابل تنازل الحكومة العراقية عن شط العرب وبعض الأراضي، ويُعدّ ذلك تنازلاً عن سيادة العراق مقابل إنهاء مطالب الشعب الكوردي الذي هو جزء من الشعب العراقي.
- سنة 1988: قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية في 16/3/1988
في 16 آذار/مارس 1988 قُتل آلاف الكورد في مدينة حلبجة العراقية بهجمات الجيش العراقي التي استُعملت فيها الغازات السامة، وقُصف فيها الشعب الكوردي بالأسلحة الكيمياوية. وقد اتهم الغرب إيران آنذاك بشن الهجوم، لكنه عاد بعد سنوات ليتهم الحكومة العراقية بتدبير الحادث.
وبعد ذلك لم تنقطع العمليات البطولية للكورد حتى الانتفاضة الباسلة عام 1991 وتحرير مدن كوردستان من النظام العراقي البعثي الفاشي المستبد.
معلومات عامة عن كوردستان
تتوزع كوردستان بصورة رئيسية على أربع دول هي العراق وإيران وتركيا وسوريا، فيما يوجد عدد من الكورد في بعض الدول التي نشأت على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق. وتشكل كوردستان في مجموعها ما يقارب مساحة العراق الحديث (490 ألف كم²). وتختلف التقديرات بشأن عدد الكورد بين 35 و40 مليوناً، موزعين بنسبة 25% في تركيا، و22% في إيران، و20% في العراق، و15% في سوريا وأرمينيا.
ولم تشكل كوردستان في يوم من الأيام بلداً مستقلاً ذا حدود سياسية معينة، على الرغم من أنه يسكنها شعب متجانس عرقياً. وظهرت كلمة «كوردستان» مصطلحاً جغرافياً أول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة، حين فصل السلطان السلجوقي سنجار، الملك الكوردي، القسم الغربي من إقليم الجبال، وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه، وأطلق عليه اسم كوردستان.
وكانت هذه الولاية (كوردستان) تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنا والدينور وهمدان وكرمانشاه وغيرها)، إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاغروس مثل شهرزور وكويسنجق.
أما في تركيا فيشغل الكورد 19 ولاية من الولايات التركية البالغ عددها 90 ولاية، وتقع هذه الولايات في شرقي تركيا وجنوبها الشرقي، وهي: أرزنجان، وأرضروم، وقارص، وملاطية، وتونجلي، وألازيغ، وبينغول، وموش، وآغري (قره كوسه)، وباطمان، وأديامان، وديار بكر، وسعرت (سيرت)، وبتليس (بدليس)، ووان، وأورفا، وماردين، وحكاري (جولامريك)، وشرناخ. كما يوجد عدد كبير من الكورد في ولايتي سيواس وأنقرة، وفي مستوطنات قرب أضنة.
أما في إيران فيسكن الكورد بصورة مطلقة شمال غربي إيران، في ولايات: أذربيجان الغربية إلى الشرق من بحيرة أورمية (رضائية)، ومناطق ماكو وقطور وشاه بور، وفي جنوب البحيرة منطقة مهاباد (ساوجبلاغ)، وولاية كوردستان (أردلان) وعاصمتها سنه أو سنندج، ومناطق بوكان وسقز وسردشت وبانه وبيجار (جروس) ومريوان وهورامان، وولاية كرمانشاه وقصر شيرين. وهناك مناطق كوردية معزولة في خراسان وفارس وكرمان.
وفي العراق يتركز الكورد في الألوية الشمالية والشمالية الشرقية: محافظة السليمانية ومحافظة أربيل ومحافظة دهوك ومحافظة كركوك، وفي أجزاء من محافظة الموصل، وكذلك في منطقتي خانقين ومندلي من محافظة ديالى، حيث يجاورون كورد إيران، إلى الغرب من جبال زاغروس.
وفي سوريا يقيم الكورد في الشمال والشمال الشرقي، حيث يجاورون الكورد في تركيا، ويشكلون حزاماً عمقه 30 كم وطوله 250 كم في إقليم الجزيرة السورية (محافظة الحسكة)، وفي منطقتي عين العرب (كوباني) وعفرين (جبل الأكراد) قرب حلب. ويسكن في دمشق نحو مئة ألف كوردي في حي الصالحية، وفي حلب بضعة آلاف منهم. وفي أرمينيا يسكنون حول العاصمة يريفان وفي نخجوان، وفي أذربيجان في منطقة قره باغ. كما يعيش الكورد خارج الأقطار المذكورة، إذ توجد قبائل كوردية في جورجيا وباكستان وبلوشستان وأفغانستان. أما اللور، من الشعب الكوردي، فيشغلون ولاية لورستان في إيران، كما ينتشر اللوريون الكورد في مدينتي العمارة والكوت في العراق.
وتندرج اللغة الكوردية ضمن مجموعة اللغات الإيرانية التي تمثل فرعاً من أسرة اللغات الهندية الأوروبية. وكلمة كوردستان مؤلفة من جزأين: الأول «كورد» نسبة إلى الشعب الكوردي، والثاني «ستان» ويعني موطن أو مكان. لذلك عُرفت المنطقة منذ زمن بعيد بأرض الكورد؛ ففي عصر حضارة ما بين النهرين، على سبيل المثال، عُرفت المنطقة بهذه التسمية، وكان السومريون يسمون المنطقة «كورا» و«قوتيوم» أو «أرض كاردا»، أما الآثوريون فكانوا يسمونها «كورتي»، والبابليون «قاردو»، والإغريق «قاردوخوي»، والرومان «كوردرين»، والعرب «أرض الأكراد». ويُعتقد أن أول من استخدم مصطلح «كوردستان» كان السلطان سنجار السلجوقي، الملك الكوردي، في القرن الثاني عشر.
علاقة الشعب الكوردي في كوردستان بالعرب المسلمين
بعد دخول معظم الكورد في الإسلام بدؤوا يعملون تحت رايته، محاولين إعلاء كلمته ونشره في كل مكان يذهبون إليه، غير مبالين بأصولهم غير العربية. لذا علينا منذ البداية أن نعرف أعظم الحكومات الكوردية في العهد الإسلامي، وهي حكومة الدولة الأيوبية التي قدمت الكثير للمسلمين جميعاً دون تفريق بين عرب وعجم. ومؤسس هذه الدولة هو جد صلاح الدين الأيوبي، المقاتل العظيم الذي تولى خلافة مصر سنة (567هـ)، وأسس الدولة التي حكمت مصر وليبيا والشام والحجاز واليمن أكثر من قرن. وقد أعاد القائد الكوردي المسلم صلاح الدين الأيوبي القدس الشريف إلى الحكم الإسلامي حين انتصر على الصليبيين في معركة حطين سنة 1187. كما أن المثقفين الكورد ساهموا في تطوير الثقافة الإسلامية، مثل بديع الزمان الهمذاني، وفي تطوير الثقافة العربية أيضاً، مثل أمير الشعراء أحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وغيرهم، فكل هؤلاء كانوا يعملون مسلمين، ولم يعرف أحد منا أصلهم الكوردي إلا حديثاً. ومن الشخصيات الكوردية المشهورة في الإسلام، على سبيل المثال، ابن الأثير، والدينوري، والإدريسي، وأبو مسلم الخراساني، وإسحاق الموصلي، وزرياب، وابن خلكان، وابن تيمية، والصحابي جابان، وكثير غيرهم.
ولو اطلعنا على نماذج من بعض دول العالم لرأينا الفرق الكبير والشاسع في تعداد السكان ومساحة الأراضي؛ فدولة أندورا مثلاً تُعدّ، قياساً بمحافظة أربيل، قرية صغيرة من حيث المساحة أو عدد السكان. فلماذا يحق لشعب من 50 ألف نسمة أن يحصل على حق تقرير المصير والاستقلال، ولا يحق لأكثر من 50 مليون كوردي أن يعلنوا إعادة أمجاد جمهورية كوردستان؟
أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس
- الجزء السابع
- الجزء الثامن (هذا الجزء)