الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التآخي العربي الكوردي (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
القضية الكوردية وكيف نصل إلى التآخي العربي الكوردي
من أقوال الزعيم الهندي جواهر لال نهرو: «أستغرب كيف أن الأتراك الذين ناضلوا من أجل حريتهم يقمعون بهذه الوحشية الشعب الكوردي الذي يناضل من أجل الهدف نفسه، أي الحرية… كما أنه من الغريب أن تتحول قومية أعلنت احترامها لحقوق الإنسان إلى قومية عدوانية بهذا الشكل… وأن يتحول نضالها من أجل الحرية إلى محاولة لاستبعاد الآخرين…».
ويعلم الجميع، ونسمع، عن المآسي التي يتعرض لها الشعب الكوردي الذي استقر في عدة دول، ولم تُتح له الظروف التاريخية أو السياسية تشكيل دولة تضم قوميته الكوردية. ولكن المشكلة الكوردية لم تفرض نفسها على حياتنا السياسية (في مصر خاصة والدول العربية عامة)؛ فقد كان للكورد رواق في الأزهر الشريف، وصدرت أول صحيفة كوردية في مصر في 22 نيسان/أبريل عام 1898م باسم (كوردستان) على يد الكورد البدرخانيين، وكذلك صدرت كتب تبحث في تاريخ الكورد وكوردستان ونضالات الكورد في الثلاثينيات والأربعينيات وفي عهد الثورة المصرية. وهناك عدد من الشخصيات المصرية تعود إلى أصول كوردية، وكذلك في باقي الدول العربية.
وكان موقف الكورد في العراق، ضمن الشعب العراقي، موقفاً مسانداً لشعب مصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956م.
وفي القاهرة بُثّت عام 1957 إذاعة باللغة الكوردية كانت لسان حال المناضلين الكورد، وكان أول مذيع فيها المهندس هوشيار طاهر يحيى بابان حين كان طالباً في جامعة عين شمس في القاهرة.
إذاً هذا تأكيد لصحة العلاقات بين القومية العربية والقومية الكوردية وسلامتها.
ولكن هذه العلاقات الفريدة، التي تميزت عن علاقات الكورد مع القوميات الأخرى، تعرضت لنكسة شديدة بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وحرب الخليج (1990 – 1991).
فقد تعرض الكورد في كوردستان العراق لمآسٍ شديدة أثقلت القلوب، ودفعت مصر وبعض الدول العربية إلى محاولة الإسهام في عودة الأمور إلى نصابها، وتلاحم القوميتين العربية والكوردية كما كان الأمر على مسار التاريخ، تجنباً لآلام القتال ونزيف الدماء، وتلافياً لدخول القوى الأجنبية من ثغرات الخلاف.
وعليه فإن الحوار والتفاوض واللقاء العربي الكوردي، أو بين الحكومة والقيادة الكوردية، هو السبيل الذي يمكن من خلاله توضيح الأمور وإظهار الحقائق وتأكيد الصلات التاريخية وفتح صفحة جديدة من التعاون والتضامن بين العرب والكورد (الحكومة والحركة الكوردية).
ويجب أن نؤمن بأنه لا يمكن أن ينبت خلاف بين أبناء القومية العربية، الذين ما زالوا يناضلون ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي من أجل تحرير الأرض العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان، والذين يواصلون التفاوض منذ مؤتمر مدريد لتحقيق سلام شامل وعادل، وبين أبناء القومية الكوردية الذين وقفوا مع نضال شعوب الأمة العربية على مدى التاريخ، والذين يناضلون اليوم من أجل حقوقهم الديمقراطية المشروعة.
إن للحزبين الكورديين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) تقديراً سليماً لموقف المنطقة والظروف التي تعيشها، وقد أفصحا عن رغبة كورد كوردستان العراق في وحدة العراق، وفي وضع أسس جديدة لاستمرار علاقتهم مع عرب العراق في إطار وطن واحد، كما يجب على العرب احترام حقوق الكورد وثقافتهم القومية.
وهذا هو الطريق الصحيح، والأمل أن يوصلنا إلى هدفنا المشترك في توحيد التعامل بين القوميات المختلفة التي تعيش في المنطقة على أسس ديمقراطية توفر التعاون في مواجهة التغيرات العالمية المتسارعة.
إن القضية الكوردية قضية شعب يناضل من أجل حقوقه القومية المشروعة، التي ليست على حساب حقوق أي شعب آخر.
فهو لا يدعو إلى الانفصال عن العراق أو تقسيمه، وغير ذلك من المزاعم التي دأب على ترويجها عدد من الجهات الإعلامية والسياسية، كلٌّ من منطلقاته الخاصة.
ويجب أن يعلم الجميع، وهذا رأيي الشخصي، أن الكورد يدعون إلى وحدة الأراضي العراقية، مع التأكيد على أن على الجميع أن يتعايشوا مع الواقع، بما فيه الحكومة الإقليمية في كوردستان العراق. هذا ما أسمعه وأقرؤه دائماً من أغلب المواطنين الكورد والمسؤولين والقيادات الكوردية.
إن الحوار والتفاوض واللقاء أسلوب من أساليب التضامن والتعرف على الحقائق وتقريب وجهات النظر عن طريق الصلات المباشرة مع المفكرين والمثقفين والسياسيين، وهو أمر يمكن أن يتم بين الدول أو بين القوميات والشعوب، ولا يمكن أن يتردد أحد في قبوله ما دام يستهدف إضاءة الحياة بأنبل القيم التي توفر السلامة والعدالة والديمقراطية.
ويجب أن نعلم أن الحوار والتفاوض واللقاء مع الحزبين الكورديين الرئيسيين يكون تحت شعار وحدة العراق، الذي تتأكد وحدته الوطنية بالتآخي العربي الكوردي.
لأنه لم يعد هناك مجال في هذا العصر لإنكار حقوق القوميات والأعراق، ولأن هذا التآخي يشكل ضمانة قوية للسلام والأمن والاستقرار والازدهار، إدراكاً لأهمية بناء علاقات صحيحة وسليمة ومثمرة بين العرب والكورد.
ويجب أن نعلم أننا في وقت تحاول فيه بعض القوى الخارجية أن تتلاعب بمصائر الكورد وتقرير مصيرهم ضمن ترتيبات تُدبَّر لهذه المنطقة لتُفرض عليها من خارجها، دون مراعاة للمصالح الحقيقية للشعبين العربي والكوردي، ومن هنا ينبعث القلق والحذر لدى الأمة العربية ولدى كل مواطن صالح.
ولا شك أن الكورد قد تعلموا دروساً مهمة من خبرتهم النضالية الطويلة، من أهمها ألا يسمحوا للقوى الخارجية باستخدامهم لضرب الوحدة العربية الكوردية أو لتعويق المسيرة المشتركة، ومنها أيضاً إدراك أن إشعال الصراع بين العرب والكورد يضعف العرب والكورد على السواء.
وبما أن العرب يؤمنون بأن القومية العربية يجب أن تكون حركة مناهضة للنعرات القبلية والغطرسة الإقليمية والاستعلاء القومي والتعصب الطائفي، وأنه يجب أن يُتاح لكل قومية في الوطن العربي الكبير، وعلى امتداد الشرق الأوسط كله، أن تتنفس وتتحرك بإرادتها وتمارس حقوقها في إطار ديمقراطية كاملة؛ لأن القومية العربية ليست عنصرية أو طائفية أو عدوانية أو ضيقة الأفق، بل هي قومية تحترم القوميات الأخرى حرصاً على وحدة التراب الوطني ضمن كيان الدولة الواحدة التي يمكن أن تتعدد فيها القوميات والأعراق والأديان، ويصبح فيها ذلك عامل قوة لا عامل ضعف، ومصدراً للمعنوية والثراء الفكري وتنوع الثقافات.
ولأن الحوار والتفاوض ليسا بحاجة إلى التأكيد على أن الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان هي أدوات تسوية المشكلات القومية، وأن الحلول السليمة للصراعات القومية هي الأساس الذي يجب أن تنهض عليه العلاقات بين الشعوب.
إن الأخوة العربية الكوردية هي حجر الزاوية في إرساء الأمن والسلام والاستقرار، وفي درء خطر التدخلات الأجنبية، وفي إقامة حضارة كبرى في هذه المنطقة تشكل امتداداً للحضارة العربية الإسلامية ولتراثنا المشترك على مرّ الأجيال.
وما من أحد يطلب الحقيقة يمكن أن يدير ظهره للحوار والتفاوض والتآخي، وما من إنسان يريد أن يضيء الحياة بأنبل القيم يعمل على إطفاء شعلة الحوار والتفاوض من أجل المصلحة العامة.
كانت مصر العروبة وبعض الدول العربية ملاذاً آمناً للمرابطين والمجاهدين وعلماء الدين والمناضلين الكورد على مرّ العصور والدهور، ومن ثمار هذا الموقف النبيل لمصر ومحصلاته نوجز أهمها فيما يلي:
- خصص الأزهر الشريف منذ عهود رواقاً للكورد، تخرج منه كثير من علماء الدين الكورد.
- صدرت في القاهرة في 22 نيسان 1898م الجريدة الكوردية الأولى باسم (كوردستان) باللغتين التركية والكوردية.
- صدرت الطبعة الأولى لكتاب «القضية الكوردية» وكتاب «تاريخ الكورد وكوردستان» في الثلاثينيات، وكتاب «نضال الأكراد» في الأربعينيات، والطبعة العربية لأقدم كتاب عن التاريخ الكوردي، كُتب منذ نحو أربعمئة عام، باسم «شرفنامه»، وطُبعت على نفقة وزارة المعارف المصرية في عهد جمال عبد الناصر.
- فُتحت أول إذاعة كوردية في القاهرة لاستنهاض الجماهير الكوردية وتوعيتها عام 1957م، وكان المذيع فيها المهندس هوشيار طاهر يحيى بابان حين كان طالباً في جامعة عين شمس في القاهرة، على الرغم من الاحتجاجات التركية والشاهنشاهية الإيرانية والملكية العراقية.
- استقبال وفد كوردي عام 1957م للتنسيق النضالي مع مصر.
- استقبلت مصر عام 1958م وفداً كوردياً رفيع المستوى برئاسة الزعيم الكوردي الخالد المرحوم الجنرال مصطفى البارزاني، ضم العديد من القادة والشخصيات الكوردية مثل الأستاذ إبراهيم أحمد، والمناضلين العقيد مير حاج أحمد والمقدم نوري أحمد طه، والشيخ صادق البارزاني والشيخ عبيد الله البارزاني.
- وكذلك استقبل الرئيس جمال عبد الناصر عام 1963 السيد جلال الطالباني حين كان رئيساً للوفد الكوردي المتفاوض مع أعضاء الحكم البعثي الناصري الذي أعقب إسقاط حكم المرحوم عبد الكريم قاسم عام 1963م، وكان ذلك بإلحاح شديد من القادة العراقيين البعثيين، وضمن الوفد العراقي الرسمي والشعبي الذي جاء للمشاركة في عيد الوحدة المصرية السورية. وكان الرئيس جمال عبد الناصر مهتماً بالموضوع الكوردي، ونصح الوفد الكوردي بالعودة إليه بعد زيارة الجزائر للاجتماع مع الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا.
وكان جمال عبد الناصر متعاطفاً مع الشعب الكوردي وحقوقه، رافضاً رفضاً مطلقاً القتال حلاً للقضية الكوردية، مع النصح للقيادة الكوردية بالحذر واليقظة من مخططات الشاه الإيراني وحلفائه التي كانت معادية للعرب وللكورد معاً، كما برهنت الوقائع فيما بعد.
وفي أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية (مصر وسوريا والعراق) في مصر قدمت القيادة الكوردية برئاسة جلال الطالباني مذكرة شرحت فيها تأييد القيادة الكوردية للخطوات الوحدوية المنشودة، ومطالب الكورد فيها.
ويروي الدكتور جمال الأتاسي، أحد القادة الناصريين، هذا اللقاء وانطباعات الرئيس القومي العربي جمال عبد الناصر:
«كان في رفقة الوفد العراقي بعض القادة الأكراد، وعلى رأسهم جلال الطالباني، وخلال مباحثات الوحدة، وفي اللقاءات التي كانت تجري على هامشها، طرح جلال الطالباني التصور التالي:
- إذا كنتم تريدون إقامة اتحاد جمهوريات صيغةً للوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا، فإن مطالبنا كمواطنين أكراد هي أن يكون لنا حكمنا الذاتي ضمن المناطق الكوردية في إطار الوحدة الثلاثية.
- أما إذا كنتم ستقيمونها جمهورية عربية واحدة، فنحن الأكراد نريد أن تصبح المنطقة الكوردية إقليماً رابعاً بين أقاليم هذه الجمهورية.
وكان الرئيس جمال عبد الناصر مرتاحاً لمثل هذا الطرح، لما فيه من تطلعات استراتيجية ومنظور مستقبلي يتفق مع تطلعاته ومنظوره».
إن الوحدة العربية بين مصر والعراق وسوريا لم تقم، لا اتحادَ جمهوريات ولا جمهوريةً عربية واحدة، وفي الواقع فإن المسألة الكوردية لم تعترض سبيلها في شيء.
وكان الرئيس جمال عبد الناصر، مع كل ما وقع من تقلبات في مواقف الآخرين، حريصاً على أن يظل العراق متماسكاً في وطنيته وموحداً، وظل يسعى بكل إيجابية إلى أن يكون فيه وفاق عربي كوردي، وظل في الوقت نفسه يؤيد حق الشعب الكوردي في الحصول على حقوقه. وحين عادت الصراعات الدموية في العراق ظل جمال عبد الناصر يعمل للوفاق الوطني والقومي فيه.
وحين قام اتفاق السلام بين الكورد وحزب البعث في 11 آذار 1970م على أساس الاعتراف بمبدأ وجود قومية كوردية وحقها في أن يكون لها حكمها الذاتي أو استقلالها الإداري في كوردستان العراق، وقف الرئيس جمال عبد الناصر مدافعاً عنه ومؤيداً له.
علماً أن بعض القوميين العرب الغافلين، مع الأسف، أو التابعين للأنظمة، وقفوا ينددون بالإجراء الذي قام به العراق، ووصفوه بالتفريط في حق القضية العربية، وهذا دليل على عدم معرفتهم بالشعب الكوردي وتاريخه ونضاله، على الرغم من العيش معاً آلاف السنين.
ووافق الرئيس جمال عبد الناصر على تعيين الشهيد شوكت عقراوي مندوباً للثورة الكوردية في مصر، رافضاً جميع المحاولات التي بذلها المشير عبد السلام عارف، الرئيس العراقي، والوزراء الناصريون في الحكومة العراقية لإخراج المندوب الكوردي أو تحديد فعالياته في القاهرة. وظل الرئيس جمال عبد الناصر يندد، بحضور المشير عبد السلام عارف وغيره من القادة العراقيين، بتجدد القتال، وبأن تكون الحرب وسيلة لحل المشكلة الكوردية.
وكذلك كان الرئيس أنور السادات بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، إذ أبدى حرصه الشديد على تنفيذ اتفاقية 11 آذار 1970 ووحدة الصف الوطني الكوردي، وبذل كل الجهود لمنع تكرار مأساة اقتتال الإخوة في العراق.
ورفض الرئيس أنور السادات قطعياً الحرب وسيلةً لقمع الثورة الكوردية، وأكد حرص مصر الشديد على الحل السياسي والسلمي للقضية الكوردية في العراق.
وفي شباط عام 1975م استقبل الرئيس أنور السادات في القاهرة وفداً كوردياً رفيع المستوى، وأخذ الوفد معه إلى مؤتمر القمة العربية المزمع عقده في المغرب، وطلب حلاً عربياً للقضية الكوردية في العراق.
وأبلغ الرئيس أنور السادات الأستاذ سامي عبد الرحمن، القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بالاتفاق الإيراني العراقي، ثم أمر بفتح أبواب القاهرة أمام اللاجئين السياسيين الكورد بعد اتفاقية الجزائر في 6 آذار عام 1975م.
أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس (هذا الجزء)
- الجزء السابع
- الجزء الثامن