الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التآخي العربي الكوردي (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

صراع فكري ونظري حول موقف الديمقراطية من قضية الأقليات القومية

يدور في العراق وغيره من البلاد العربية صراع فكري ونظري حول موقف الديمقراطية من قضية الأقليات القومية، وتبرز فيه نقطتان أساسيتان:

النقطة الأولى

تحية إجلال وإكبار لكل مبادرة وتفاوض وحوار بين الشعبين العربي والكوردي، لأنها يمكن أن تحسم صراعاً فكرياً ونظرياً يدور في العراق أو غيره من البلاد العربية حول الموقف الديمقراطي من قضية الأقليات القومية. ويبدو أن حالة عدم الأمان وحالة الانكشاف الشديد جعلتها تسلّم روحها، وأحياناً عقلها، للموقف المتشدد من قضية الأقليات القومية. وبالتالي فإن مجرد محاولة عقد أي تفاوض أو حوار أو لقاء عربي كوردي، أو انعقاده، هو انتصار ملحوظ للموقف الديمقراطي من قضية الأقليات القومية في إطار الولاية الإقليمية للدول العربية.

وفي هذا الوقت نرى أن الإفلاس السياسي لا يؤدي فقط إلى هدم العلاقة بين الشعوب العربية والقوميات الأخرى، لكنه يضر أيضاً بمصالح الأمن العربي بشكل أساسي، من خلال الدفع في النهاية باتجاه الحل الانفصالي. والحقيقة أيضاً أن هذا الموقف المتشدد المصطنع يتفق مع الموقف المتشدد الشيوعي والموقف المتشدد الصربي، ويكرّس الكيل بمكيالين؛ فالعقلاء العرب يدعون إلى استقلال ذاتي موسع لإخوتنا في كوسوفو، وندعو إليه في الوقت نفسه في البوسنة والهرسك، ولكن هذا الموقف ينكر على الشعب الكوردي حق تقرير المصير وحقه في أوسع صورة ممكنة من الحكم الذاتي. وهذا الموقف، كما قلنا، يتفق مع المواقف المتشددة اللامسؤولة (التركية والإيرانية والعربية).

وأود أن أؤكد أن هذا الموقف المتشدد اللامسؤول، بتأكيده على الحل الإمبريالي لهذه القضايا القومية، إنما يُحدث ضرراً شديداً بالمصالح القومية العربية، مثلما يُحدث هذا الضرر بالشعوب المستقلة مثل الشعب الكوردي وشعوب جنوب السودان، حيث أدينت اللغة، واستُخدم العنف والقوة بدل الحل العادل لقضيتهم، وبالأسلحة الكيمياوية كما حدث في مدينة حلبجة في السليمانية.

  • نحن إذاً بصدد قضية نتمنى أن تجد طريقها إلى تحقيق دولي، إذ هناك حقائق حول عمليات دفن جماعي لعشرات الآلاف من الكورد، ونودّ أن نفضح هذا الموقف ونطالب بتحكيم عربي ودولي.
  • ونقطة أخرى لا بد أن نتحدث عنها، ونريد أن نبدد وهماً شائعاً في الذهنية المتشددة والتآمرية، وهو أن الموقف العربي يتجه إلى إضعاف العراق والعرب من خلال التأكيد على حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره. هذه النظرية فاسدة، ويجب أن يُقبل العرب على أي حوار أو مفاوضات وغيرها بوصفها جزءاً من إنجاز ديمقراطي إنساني قومي على الصعيد العربي (لمواجهة الاتجاه القومي العربي المتشدد). بمعنى آخر، إن الموقف من أي حوار أو تقارب عربي كوردي لا يُعدّ تنافساً عربياً مع العراق على أي صعيد من الأصعدة، بل نتفق مع الشعب العراقي بكامله وبكل أقسامه، باعتبار أن العراق هو ثاني أهم دولة عربية مساهمة في الثقافة العربية. وبهذا المعنى فإننا نستبعد كلياً كل المزاعم (العنصرية المتشددة) التي تحاول تشويه هذا الرأي.

النقطة الثانية

أعتقد أنها مهمة جداً لبداية الحوار أو التفاوض أو التقارب العربي الكوردي، وهي وجوب التمييز بين التشخيص والتكييف السياسي للعلاقة العربية الكوردية، باعتبارها علاقة بين قوميتين متآخيتين متكافئتين بما يحمله ذلك من معنى حق تقرير المصير، وبين المواقف التفاوضية والتحاورية التي يمكن أن تتكيف وفقاً للمعطيات الخاصة بكل مرحلة تاريخية. وبهذا المعنى لا يمكن أن نقول إن هناك حلاً ديمقراطياً نهائياً دفعة واحدة للقضية الكوردية.

إنما نتحدث عن أفق تاريخي لتصور هذا الحل، قد يبدأ من وضعية معينة، وقد يقل بدرجة ما عن الطموحات الكاملة للشعبين العربي والكوردي في العراق أو يزيد. فعلى سبيل المثال، الحل الفيدرالي أنا أطالب به، لكني لا أعتقد أن هذا الحل يسمح بولاية كوردية مهما كان الحكم الذاتي موسعاً أو كانت صلاحياته موسعة. وهناك مثلاً ملكية الثروات القومية الكبيرة في إطار الإقليم الكوردستاني، التي ينبغي تحديدها وفق مفاوضات تقوم على التكافؤ، على غرار ما حدث في دستور نيجيريا عام 1979م؛ ففي الفيدرالية هناك أصبحت الثروة النفطية في الشرق ملكاً للحكومة الفيدرالية، باعتبار ذلك نظرياً تعبيراً عن حق كل الشعوب النيجيرية في السيادة على مقدراتها. وبهذا المعنى يجب أن يكون هناك قدر من المرونة في الموقف الكوردي من قضية كركوك، والمرونة تسمح بعمل سريع لصالح القضية الكوردية وحق تقرير المصير، وتفتح أفقاً واسعاً، ولا تساعد فقط فيما يحدث في هذه اللحظة الزمنية، وإنما تتدرج صعوداً في الحقوق القومية للشعب الكوردي وفقاً لمعطيات العراق، الذي حلّ به الدمار الكامل والهائل، أولاً على يد الحكومة الفاشية اللامسؤولة (البعث) التي كانت قائمة في بغداد حتى 9/4/2003، وثانياً على يد الإدارة الأمريكية بعد ذلك.

الحقوق القانونية

سأقتصر على بعض اللمحات والملاحظات عن مسألة الحقوق القانونية للشعب الكوردي في العراق، وخاصة الجانب الفيدرالي، وهو ما يتداوله قطاع كبير من الشعب الكوردي في العراق، وينادي به حتى الآن، وقد تبناه برلمان كوردستان في 4/10/1992م.

الفيدرالية في العراق

  • ليست الفيدرالية فكرة جديدة كما يتصور البعض، فقد ورد في بيان مشترك بين الحكومة البريطانية المنتدبة على العراق والحكومة العراقية في كانون الأول عام 1922 بشأن حكومة كوردية محلية: «تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية بحق الكرد الذين يعيشون داخل العراق في إقامة حكومة كوردية ضمن الحدود (حدود العراق)، وتأمل الحكومتان أن العناصر الكوردية على اختلافها ستتوصل بأسرع ما يمكن إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل الذي ترغب أن تقوم عليه تلك الحكومة، وحول الحدود التي ترغب أن تمتد إليها، وأن يُسمح لموفدين ذوي طابع دولي بالقدوم إلى بغداد للتحاور في العلاقات الاقتصادية والسياسية مع كل من حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية».
  • والإخوة المطلعون على النظم الفيدرالية والدول المركبة يعرفون أن هذا ليس أقل من الفيدرالية. وهناك وثيقة دولية هي المادتان (62) و(64) من معاهدة سيفر في 10 آب عام 1920م؛ فالأولى (المادة 62) تنص على حق كوردستان تركيا في إقامة حكم ذاتي يتحول خلال سنة إلى دولة، وسُمح لكورد ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالانضمام إلى تلك الدولة. وقد استُبدلت بهذه المعاهدة (سيفر) معاهدة لوزان في 24 تموز 1923م، وبقي الشعب الكوردي غير مستقر قانونياً؛ فهو لم يكن جزءاً من الدولة العراقية الحديثة التشكيل في عام 1921م، ولم يتحول إلى دولة مستقلة كالقوميات الأخرى (العرب) التي كانت تحت سيطرة السلطة العثمانية.
  • وفي عام 1925م أوفدت عصبة الأمم لجنة إلى كوردستان لتقصي الحقائق، وكان تقرير اللجنة كما ذكرنا، وبعد ذلك أُلحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالعراق عام 1925. وفي 30 آذار 1932م صدر بيان من الحكومة العراقية، بناءً على طلب عصبة الأمم، ينص على عدة التزامات في (16) مادة، تنص إحداها على حق أهل ولاية الموصل الكوردية، ألوية الموصل (ومنها قضاء دهوك الذي تحول إلى محافظة) وكركوك والسليمانية وأربيل، في إدارة شؤونهم بأنفسهم، وحقهم في استعمال لغتهم الكوردية لغةً رسمية في الدواوين والمدارس. وهذا اتفاق دولي، وأي قانون يخالف هذه الالتزامات غير قانوني، ومن حق عصبة الأمم وأي دولة عضو فيها أن تقاضي العراق إذا خالف هذه الاتفاقية والالتزامات، ولا يمكن تعديلها إلا بموافقة عصبة الأمم، ويجري اللجوء في ذلك إلى محكمة دولية. والأمم المتحدة هي وريثة عصبة الأمم الآن؛ فقد انتقلت هذه الالتزامات إلى الأمم المتحدة التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945م، لأن ميثاق مجلس الأمن الدولي ينص على أن كل الحقوق والالتزامات التي كانت في يد عصبة الأمم انتقلت إلى الأمم المتحدة، التي ينص ميثاقها على أن حقوق الدول محترمة ما دامت وفت بالتزاماتها في الميثاق.
  • وبعد التفاوض مع القيادة الكوردية استناداً إلى بنود تتضمن إقامة حكم ذاتي لكوردستان العراق، وتحديد المنطقة على أساس الأكثرية السكانية وفق إحصاء عام 1957م، شاءت الظروف ما شاءت بهذا الاتفاق عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973م. وقد نشرت جريدة (التآخي)، التي يعني اسمها التآخي العربي الكوردي، وهي جريدة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مقالاً في 8 تشرين الأول 1973م جاء فيه: «إن العدوان الأخير ليؤكد مرة أخرى حقيقة أن إسرائيل كانت وما تزال دولة استعمارية مطلوب منها حماية المصالح الإمبريالية في المنطقة».

وفي مقطع آخر: «إن المعركة الراهنة لتدفعنا لأن نبين مرة أخرى أن الشعب الكوردي كان ولا يزال يشارك الأمة العربية في محنتها وأمنها، ويقدم أقصى صور التضامن، والشعب الكوردي الذي يمثل القومية الثانية في العراق يقوم بواجبه تجاه مقتضيات المعركة، ويؤدي دوره الطبيعي فيما يقدمه للعراق وللمعركة».

  • وهناك مقال آخر في التآخي في 20 تشرين الأول 1973م يقول: «من جانبنا فإننا نؤكد مرة أخرى أننا في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي كان يتجلى في كل الظروف بالشعور التام بالمسؤولية، وكان يحاول دوماً إزالة الأسباب التي تؤدي إلى تصديع الوحدة الوطنية. إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحركة التحررية الكوردية عامة، وعلى رأسها قائدها وزعيمها المناضل الملا مصطفى البارزاني، يتخذون كما كانوا سابقاً موقفهم المتناسق مع الأوضاع الوطنية، تاركين كافة الخلافات الطارئة وراء ظهورهم، واضعين نصب أعينهم مصلحة البلاد العليا والوقوف مع الأشقاء العرب في معركة الشرف والمصير» (معارك حرب تشرين الأول 1973م بين العرب وإسرائيل).

وهذه نماذج من مواقف الحركة التحررية الكوردية تجاه قضايا الأمة العربية. وأود أن أقول إن الفيدرالية المقترحة صيغةً بين العرب والكورد ليست بدعة، لكنها نموذج للعلاقة بين المكونات المختلفة للمجتمع، وهي صيغة نجحت في معظم بلدان العالم عدا الدول التي كانت تتسم بالدكتاتورية.

وهناك مثال ناجح هو الحرية التي منحت لإقليم كيبيك في كندا؛ فبعد استفتاء، وخلال عقد واحد من الزمن، صوّت سكانه بالبقاء ضمن الاتحاد الكندي.

إذاً فالفيدرالية ليست باعثاً على الانفصال، وإنما هي مطرقة على الظلم والتعسف. وأود أن أشير إلى أن قرار برلمان كوردستان في 4 تشرين الأول 1992 ليس إعلاناً للفيدرالية في العراق، فالفيدرالية عقد يجب أن تتفق عليه الأطراف الموقعة عليه والمكونة للفيدرالية، لذا فإن ما عرضه البرلمان الكوردستاني هو عرض من الشعب الكوردي في العراق إلى أخيه الشعب العربي في العراق.


أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←