الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التآخي العربي الكوردي (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

التآخي العربي الكوردي

إن التآخي العربي الكوردي حقيقة تاريخية لها مقوماتها ومعطياتها، والخلاف العربي الكوردي واستخدام العنف فيه يتناقضان مع جدلية التاريخ ومع العلاقات بين الشعبين. وقد جاءت هذه العلاقات نتيجة لتضحيات جسام على مرّ التاريخ؛ فقد وقف العرب والكورد معاً لرد غزوات السلاجقة والخوارزميين والمغول والتتر وغيرهم. ومهما بدت الخلافات العربية الكوردية دموية، فإن تداخل المصالح بينهما بمرور الزمن يجعل من ذلك الخلاف مجرد نزوة تاريخية. وقد عانى الطرفان من التسلط العثماني عليهما، وكانت مصالح الشعبين مشتركة إلى حد كبير في ظل الحكم العثماني والبريطاني والفرنسي وغيرها. وقد أدى الكورد دوراً كبيراً في بناء الحضارة الإسلامية والعربية، كما هو معلوم للجميع.

وعليه فإن هذه الروابط المشتركة، إضافة إلى الدين، شكّلت الأرضية الكافية لتعاون مثمر لا يشوبه الاستعلاء وروح التكبر والانتقاص والرغبة في الهيمنة والإهانة، وإنما يجب أن يستند إلى قاعدة أن تريد للشعب الآخر (الكوردي) ما تريده لنفسك، وأن تكون الأخوة العربية الكوردية بعيدة عن القسوة والإبادة، الأخوة المتعارف عليها بين أهل الأرض وفي قواميس العالم المتحضر.

قال المرحوم عبد الرحمن عزام، أول أمين عام لجامعة الدول العربية: «إن آمال العرب، والعراق خاصة، ومستقبل العراق ليس في التوسع على حساب الكورد، وإنما في التفاهم واحترام خيار الكورد». وكذلك نعلم أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي عمل على إيجاد وفاق عربي كوردي في العراق، وأيد الشعب الكوردي في الحصول على حقوقه القومية ضمن العراق الواحد، كتب في رسالة إلى جمعية الطلبة الأكراد في أوروبا في 15/1/1959م ردّاً عليها: «إن المشكلة بحاجة إلى حل، وقد اقترحنا في السابق ونعيد الآن: لماذا لا يُعقد مؤتمر إقليمي حول هذا الموضوع، تحضره الدول ذات العلاقة والأكراد الموجودون والموزعون في كل الأجزاء، لإيجاد حل سلمي لهم بإشراف الأمم المتحدة؟».

ألم يعقدوا مؤتمرات كثيرة ضد الشعب الكوردي؟ ألم يعقدوا ميثاق سعد آباد عام 1937م، وحلف بغداد عام 1955م، واتفاقية الجزائر عام 1975م وغيرها، لمحاصرة الشعب الكوردي واحتوائه بغرض تهجيره وإبادته؟ فليجربوا مؤتمراً واحداً لحل القضية الكوردية في بلدانهم!

وحين أعلن البرلمان الكوردستاني الفيدرالية في 4 تشرين الأول/أكتوبر عام 1992م، نُظر إليها في كثير من الأوساط العربية والإسلامية نظرة سلبية، ناهيك عن إيران وتركيا اللتين حاربتاها وحاربتا هذا الكيان الكوردي الإقليمي بشتى الأساليب. وقد ربط البعض هذا الإعلان بالحماية الأمريكية لكوردستان وبناء المنطقة الآمنة، والحقيقة أن هذا لا أساس له من الصحة. ففي الوقت الذي لم تكن فيه منطقة كوردستان آمنة ولا محمية كما يتصور البعض من بعيد، وكانت تعاني، وما تزال، من مشاكل جغرافية وسياسية واقتصادية لا يراها الآخرون من بعيد، فإن الشعب الكوردي عاش أيضاً معاناة كثيرة من المجتمع الدولي ومن القرارات التي أتت بوحي من مصالح أمريكا ودول أخرى، لا من مصالح الشعب الكوردي، ولا سيما ما عاناه الكورد كثيراً في ظل الاقتتال الداخلي.

لقد جاءت المطالبة بالفيدرالية من قبل البرلمان والشعب الكوردي تطوراً طبيعياً للأهداف الكوردية، واستحقاقاً نضالياً مبنياً على حق الشعب الكوردي في تقرير المصير. لقد وفى الكورد للعراق في العهد الملكي، وطالبوا بحق المواطنة الكاملة ولم يحصلوا عليه، بل على العكس جوبه الشعب الكوردي بموجات من القتال من قبل حكومات بغداد المتعاقبة والاستعمار الإنكليزي. ثم رضي الكورد بالمادة الثالثة من الدستور المؤقت بعد ثورة 14 تموز 1958 في عهد المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم، التي أكدت شراكة العرب والكورد في هذا الوطن (العراق)، ولم تُنفذ هذه الشراكة، بل استُخدم العنف ضد الشعب الكوردي أيضاً. ثم قبل الشعب الكوردي بيان اللامركزية في عام 1963م، ولم ينفذه البعثيون حين كانوا في السلطة، بل شنوا على الشعب الكوردي حرباً ضروساً.

وبعد هذا جاء بيان عام 1964م مع المرحوم المشير عبد السلام عارف، ثم بيان 29 حزيران عام 1966م مع الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء في عهد عبد الرحمن عارف، ولم يُنفذ هو أيضاً كما يجب.

وعاش الشعب الكوردي مواجهات جديدة من القتال المؤسف. وبعد هذا، في سنة 1970م، وبعد مفاوضات، أُبرمت اتفاقية 11 آذار 1970م بين حكومة بغداد والكورد، وكانت إنجازاً كبيراً لاعترافها بحق الشعب الكوردي في الحكم الذاتي. ولكن البنود التي اتفق عليها الطرفان عام 1970 لم تُنفذ مع الأسف الشديد، وعادت موجات القتال في عام 1974م، وأعقبتها اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 بين حكام بغداد وحكم الشاه لمحاصرة القضية والثورة الكوردية.

وفي السبعينيات والثمانينيات، بل حتى في مفاوضات عام 1991م بعد تأسيس المنطقة الآمنة، لم تطالب الجبهة الكوردستانية بأكثر من الحكم الذاتي، على الرغم من كل تلك المآسي. إلا أن الذي لمسه الشعب الكوردي في عام 1991م كان تراجع الحكم البعثي في العراق الواضح عما وافق عليه في اتفاقية 11 آذار 1970م من بنود علنية وسرية، وخاصة فيما يتعلق بتحديد المنطقة الكوردية، ومسألة الأمن والمخابرات في كوردستان، ومسح الهوية القومية للشعب الكوردي، والتعداد السكاني للكورد، وعمل الكورد وقبولهم داخل القوات المسلحة في كوردستان، وأي خطوة، ولو كانت صغيرة، نحو الانفتاح الديمقراطي في العراق. كما أن الحكومة العراقية ونظام البعث لم يوافقا على صلاحيات تشريعية لمجلس كوردستان الإقليمي، ولا على مشاركة الكورد في القيادة الحقيقية لصنع القرار في المركز، لا في الوزارة فحسب. وبعد عام 1991 كان بإمكان الكورد تشكيل حكومة كوردية وعرضها على حكومة بغداد. والأكثر من ذلك أنهم كانوا يطالبون الشعب الكوردي علناً عام 1991م بالتقليل من مطالبه، لأنهم عانوا حربين ومؤامرات على سلطتهم، علماً أن الحربين جاءتا بسبب سياساتهم بشكل عام، كما هي حروبهم في كوردستان واستخدامهم السلاح الكيمياوي ضد الشعب الكوردي.

وكذلك عمليات التعريب والتهجير القسري والإبادة للشعب الكوردي، وعمليات الأنفال التي دفنوا فيها (182.000) كوردي أحياء، ولا تُعرف حتى الآن أماكن قبورهم، وتدمير (4500) قرية كوردية.

لقد كانت الحكومة العراقية وقيادتها البعثية تطالب الشعب الكوردي الضحية بأن يدفع ضريبة ما قامت به، وقد أدى ذلك إلى عدم الاتفاق بين الطرفين (الشعب الكوردي والحكومة العراقية) عام 1991م، لا كما تقول الحكومة العراقية من أن الكورد لم يتفقوا معها بدفع من أمريكا أو غيرها، علماً أن القيادة الكوردية كانت تتحلى بمرونة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المفاوضات.

بعد كل هذه التطورات قرر البرلمان الكوردستاني اعتماد الفيدرالية، إضافة إلى أننا نجد في الفيدرالية ضمانات لا نجدها في الحكم الذاتي، ولا سيما أن الشعب الكوردي بحاجة إلى هذه الضمانات مع سلطة لا تؤمن إلا بالقوة والقهر في حل قضاياها مع الأسف الشديد. إن عقلية الحكم في العراق وسياساته لم تتبدل حتى الآن مع الأسف الشديد، وهذا ما نلمسه بشكل أوضح من خلال ما قاموا به في السنوات الماضية. وهذا يتطلب من الشعب الكوردي توحيد صفه في الحوارات والمفاوضات واللقاءات، وحل مشاكله الداخلية. ويجب أن يرتكز الحوار والمفاوضات واللقاءات على قرار مجلس الأمن 688، وبحضور طرف ثالث كما هو متبع في حل مشاكل جميع دول العالم الداخلية والخارجية، إذ أثبتت التجارب السابقة عدم نجاح أي حوار أو تفاوض ثنائي مع السلطة (حكومة بغداد)، خاصة إذا جرى في نطاق ضيق أو وراء الكواليس. فقد علّمت التجارب القيادة الكوردية والشعب الكوردي أيضاً أنه من دون الانفتاح ووجود قدر من الديمقراطية في العراق لا يمكن حل القضية الكوردية سلمياً كما يجب. ومرة أخرى نقول: لماذا لا تكون أي عاصمة عربية هي المكان الذي تجري فيه الحوارات والمفاوضات؟ ولكن هل كانت السلطة (حكومة بغداد السابقة) تقبل ذلك؟ لا أعتقد أنها كانت توافق أبداً.

وأود هنا أيضاً أن أشير إلى أن الجانب الكوردي لا ولن يبرّئ نفسه من أخطاء في التقدير والمراهنات، دفع الشعب الكوردي بسببها ضرائب باهظة، إلا أن الجانب الحكومي يتحمل المسؤولية الكبرى في الموضوع. لقد ميّز الشعب الكوردي دوماً، وسوف يميّز دائماً، بين العراق بلداً وشعباً وبين الحكم والحكومات؛ فنحن عراقيون ونريد كل الخير لبلادنا ووطننا العراق، وكنا نطالب دوماً برفع الحصار عن العراق كاملاً (في عهد النظام السابق)، وبالديمقراطية والحرية والمساواة والسيادة للعراق. ويعلم الشعب الكوردي، قيادةً وشعباً، أن الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق بعد عام 1991 قد طال العرب والكورد، ونجد أن سلطة بغداد قد عملت ما بوسعها لإغاثة الشعب الكوردي، على الرغم من صعوبة الحصول على الحنطة والزيت والسكر، وكان قسم كبير منها يصل عن طريق تهريبه عبر حدود الدول المجاورة. وكثيراً ما أهمل المجتمع الدولي بقيادة أمريكا قضية شعب العراق ومعاناة هذا الشعب، بعربه وكورده وأقلياته الأخرى، بل نافق هذا المجتمع في هذا المجال، وركّز فقط على تدمير الأسلحة بقرارات الأمم المتحدة، دون الاهتمام بالقرار 688 ولا بمقترحات فان دير ستول حول حقوق الإنسان التي تُنتهك في بلادنا (العراق) على أوسع نطاق، إضافة إلى فرض كل هذه العقوبات على شعبنا العراقي وأخذه بجريرة ما قام به الحكم (حكومة بغداد السابقة) دون استشارة الشعب العراقي. وبهذا أعني أن الكورد لا ينسون العراق وشعبه، ويريدون له دوماً كل الخير والتقدم، وليسوا من النوع الذي يسمح باستغلاله على الدوام ضد بلاده، إذا توافرت لهم السلامة والحرية والديمقراطية والكرامة فيها (داخل العراق).


أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←