الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التآخي العربي الكوردي (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

المحطة الثالثة: منذ توقيع اتفاق 11 آذار 1970 حتى انتفاضة 18 آذار عام 1991م

وُقّع هذا الاتفاق وأُعلن في بيان عُرف فيما بعد ببيان 11 آذار 1970م، ويُعدّ بحق أهم وثيقة بخصوص الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي في العراق. ولو قبل الشيخ محمود الحفيد عام 1922 إقامة حكومة كوردية محلية، لكان بيان 11 آذار عام 1970 مختلفاً عما جرى الاتفاق عليه؛ أي إن أي مفاوضات جديدة مع حكم جديد في بغداد كانت ستكون لمصلحة الكورد، لا نقيضاً لما تحقق على مدى نصف قرن من الزمان (1922 – 1970) أو أقل منه. وبكلام آخر، كان يمكن للكورد الحصول على نسبة مقبولة من موازنة الدولة العراقية، تعطي حكومة الكورد القدرة على تطوير البنية التحتية في كوردستان، وأهمها التعليم، للحصول على كوادر قيادية في مختلف العلوم.

فقد نص البيان على الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق صيغةً لتمتع الشعب الكوردي بحقوقه القومية، واعتمد الأكثرية السكانية الكوردية بموجب إحصاء عام 1957م أساساً لتحديد المنطقة الجغرافية الكوردية التي يشملها الحكم الذاتي. كما نص على أن تكون اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة، وعلى أن تكون الدراسة باللغة الكوردية حتى نهاية المرحلة الثانوية، وعلى إنشاء مدارس كوردية في المناطق التي لا تدخل في منطقة الحكم الذاتي إذا وُجد فيها كورد، وعلى تخصيص جزء من الواردات العامة لتمويل الموازنة الخاصة بمنطقة الحكم الذاتي، وعلى إجراءات تمهيدية كإطلاق سراح الموقوفين والسجناء وإعادة الموظفين المفصولين بسبب الثورة الكوردية، وعلى قبول الكورد في الوظائف العامة والكليات العسكرية والشرطة بما يتناسب مع نسبة عددهم إلى مجموع سكان العراق، وغير ذلك.

وحدد البيان فترة أربع سنوات مرحلةً انتقالية تُهيَّأ فيها الأرضية لإصدار قانون الحكم الذاتي وتطبيقه. وكعادة كل الحكومات العراقية المتعاقبة، حاولت حكومة حزب البعث التملص من هذه الاتفاقية والتراجع عن مضمونها وبنودها التي تم الاتفاق عليها، بعد أن شعرت باستقرار موقفها وتثبيت أقدامها في الحكم. وهكذا تنكرت للاتفاقية (بيان 11 آذار 1970م)، وأصدرت من طرف واحد قانوناً للحكم الذاتي في 11 آذار عام 1974 لا يتضمن من الحكم الذاتي إلا اسمه، فارغاً من كل محتوى حقيقي. فأدى ذلك إلى اندلاع القتال مرة أخرى بين الثورة الكوردية والسلطة الحكومية العراقية، واستمر القتال الدامي سنة كاملة تقريباً لم تستطع فيها القوات العراقية إحراز نصر عسكري، بل أصيبت بخسائر فادحة. وبدلاً من الاعتراف بالخطأ والعودة إلى روح اتفاقية 11 آذار 1970م، تنازلت الحكومة العراقية، من أجل القضاء على الشعب الكوردي والثورة الكوردية، عن نصف شط العرب وعن مناطق حدودية برية للدولة الإيرانية في اتفاقية الجزائر المعقودة في 6 آذار 1975م بين صدام حسين (نائب رئيس جمهورية العراق آنذاك) وشاه إيران محمد رضا بهلوي، بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين آنذاك. وهكذا توصل النظام العراقي إلى إنهاء الثورة الكوردية بشكل مؤقت، مقابل التنازل لإيران عن السيادة العراقية على جزء من المياه الإقليمية والمناطق الحدودية البرية.

ولكن الثورة الكوردية، على الرغم من الانتكاسة التي أصيبت بها، عادت إلى النشاط بعد أقل من سنة تقريباً عقب اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م. وهكذا خسر العراق، نتيجة قصر نظر النظام السياسي في بغداد وتعصبه الشوفيني والعنصري، جزءاً من السيادة العراقية على أرضه ومياهه تنازل عنه للجانب الإيراني، ولم يتم القضاء على الثورة الكوردية. ثم لم تلبث السلطة العراقية أن تنكرت لاتفاقية الجزائر بعد أن شعرت بفداحة التنازل الذي أقدمت عليه في تلك الاتفاقية عن سيادة العراق في شط العرب والأراضي البرية في محافظة ديالى، فاندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، وأورثت الدولتين (العراق وإيران) الدمار والخراب والخسائر المعروفة. ومن أسبابها الرئيسية اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م، التي عقدها النظام بغرض الانتقام من أبناء شعبه الكوردي الذي كان يطالب بحقوقه المشروعة ضمن العراق الواحد.

واستمرت السياسة القمعية للنظام العراقي الذي سعى إلى إخضاع الكورد بالحديد والنار؛ ففي سنة 1988م قامت الحكومة العراقية بهدم (4500) قرية من مجموع (5000) قرية وتحريم الحياة فيها، وهذا يعني تدمير 90% من ريف كوردستان، وهجّرت سكانها إلى معسكرات سكن جبرية في المناطق السهلة. كما استعملت الأسلحة الكيماوية في مدينة حلبجة بتاريخ 16 آذار 1988م، وشنت حملات إبادة جماعية سميت حملات الأنفال، أبيد فيها (182) ألف مواطن كوردي، من طفل وامرأة وشيخ، من سكان المناطق الريفية في كوردستان، من المدنيين والأبرياء. واستمر حكم كوردستان بالقوة العسكرية وبالقهر والقمع إلى أن حدثت انتفاضة آذار 1991م إثر احتلال العراق للكويت واندلاع حرب الخليج الثانية في 16/2/1991.

المحطة الرابعة: منذ انتفاضة 18 آذار 1991م

كان من الواضح أن القمع الذي تعرض له الشعب العراقي عموماً، والشعب الكوردي على وجه الخصوص، سيدفع هذا الشعب إلى الانفجار والثورة في أول فرصة سانحة. وجاءت تلك الفرصة حين خسرت القوات العراقية حرب الخليج الثانية عام 1991 وأُجبر العراق على إنهاء احتلاله للكويت، فاندلعت في كوردستان العراق، بالتزامن مع انتفاضة الجنوب (جنوب العراق) في الأول من آذار 1991م، انتفاضة مماثلة بقيادة الجبهة الكوردستانية، وهي المظلة التي تجمعت تحت رايتها ثمانية أحزاب كوردستانية، وقد تشكلت عام 1988م.

وفي الفترة بين 6 و21 آذار 1991م تحررت كل مدن إقليم كوردستان العراق وريفه تقريباً، بما فيها محافظة كركوك. ولكن النظام سرعان ما استعاد بعض قوته بسبب تغاضي الحلفاء (الأمريكان) عن أوامرهم السابقة بمنع استعمال الطائرات المروحية (السمتيات)، وسماحهم للسلطة باستعادة قوات الحرس الجمهوري التي كانت محاصرة في الكويت، وتراجعهم عن التصريحات التي رافقت الحرب (حرب الخليج) والتي حرضوا بها الشعب العراقي على الثورة ضد النظام وصدام حسين. فانتظمت قوات النظام العراقي وقضت على الانتفاضة في الجنوب، ثم بدأت هجومها على الانتفاضة في كوردستان لتعيد السيطرة على المدن الكوردية الرئيسية، فالتجأ أكثر من مليوني مواطن كوردي إلى حدود العراق مع كل من إيران وتركيا.

ولكن القوات العراقية المتقدمة باتجاه خط هاملتون اصطدمت بمقاومة باسلة، بين مصيف صلاح الدين وشقلاوة بشكل خاص، فأصيبت تلك القوات بنكسة كبيرة، طلبت على إثرها الحكومة العراقية من قيادة الجبهة الكوردستانية البدء بمفاوضات لإيجاد حل تفاوضي للمشكلة الكوردية. فقبلت الجبهة الكوردستانية ذلك، على الرغم من جميع المآسي والويلات التي أصابت الشعب الكوردي على يد هذا النظام، وبعد تحديد المنطقة الآمنة (قوات المطرقة)، فبدأ التفاوض فعلاً، واستمرت جولة المفاوضات من نيسان إلى آب 1991م دون التوصل إلى حلول نهائية، وإن كان قد حصل بعض التقدم في بعض محاور المفاوضات. ولكن شعور الحكومة العراقية بنوع من استعادة القوة جعلها تتراجع عن الوعود التي قدمتها في البداية للجبهة الكوردستانية.

وهكذا توقفت المفاوضات، وإن لم ينقطع الاتصال بشكل نهائي، ولكن الحكومة العراقية أقدمت على سحب إداراتها وقواتها العسكرية إلى جنوب خط العرض (36)، تطبيقاً، كما يظهر، لقرار إقامة المنطقة الآمنة في كوردستان العراق. وهكذا حصل فراغ إداري وقانوني، والأخطر منه فرض حصار اقتصادي على المنطقة الكوردية، ولم تجد الجبهة الكوردستانية بدّاً من ملء الفراغ.

ولم تكن عودة كوردستان العراق إلى يد الكورد بفعل السياسة، وإنما بفعل ظروف دولية جعلت بغداد غير قادرة على الاستمرار في سياستها. وهذا يتطلب ظهور سياسيين يعرفون نقاط قوة الحاكم الغربي في بغداد وضعفه، والوقت المناسب للمطالبة بتطوير كوردستان، أو حتى بصلاحيات وزراء حكومة كوردستان، وبالانتخابات البرلمانية وتأسيس البرلمان وحكومة إقليم كوردستان (19/5/1992).

وقامت الجبهة الكوردستانية بإدارة المنطقة بواسطة ممثليها فترة قصيرة من الوقت، مستفيدة من هيكلية الدوائر الحكومية وموظفيها الذين لم يتركوا الإقليم مع سحب الإدارات الحكومية المركزية، وكانت الجبهة الكوردستانية سلطة الأمر الواقع (De Facto). ثم شرّعت في بداية 1992م القانون رقم (1) لسنة 1992م، وهو قانون انتخاب المجلس الوطني لكوردستان العراق.

وتم انتخاب (105) أعضاء في 19/5/1992م، ثم شُكّلت أول حكومة للإقليم حظيت بثقة البرلمان، واشترك فيهما (البرلمان والحكومة) الحزبان الكورديان الرئيسيان (الديمقراطي والاتحاد الوطني)، إضافة إلى عدد من الأطراف المؤتلفة في الجبهة الكوردستانية.

وذلك على الرغم من الصعوبات والمشاكل المتمثلة في خراب البنية التحتية لاقتصاد كوردستان العراق نتيجة القتال والحروب المفروضة على الكورد من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة؛ إذ عاشت كوردستان، منذ تشكيل الدولة العراقية في بدايات العشرينيات (1921م)، الحرب أو حالة الحرب بأجوائها وظروفها الجائرة. وعلى الرغم كذلك من الحصار المزدوج المفروض على أبناء كوردستان: الأول حصار المجتمع الدولي للعراق، والكورد جزء منه أرضاً وشعباً، والثاني حصار الحكومة العراقية السابقة منذ خريف 1991م.

نقول: على الرغم من كل ذلك، فقد أجريت أول انتخابات عامة في جو من الأمن والأمان والحرية في كوردستان العراق، بمراقبة أكثر من (200) مراقب من جنسيات أوروبية مختلفة، منهم برلمانيون وممثلو هيئات ومنظمات دولية تهتم بقضايا الانتخابات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحت أنظار مكثفة من الصحافة العالمية ووكالاتها.

وكانت نسبة التصويت أكثر من 90% من مجموع من يحق لهم الإدلاء بأصواتهم. وجرت الانتخابات، بحكم القانون، على أساس الاقتراع السري المباشر بالطريقة النسبية (القوائم)، وحُددت نسبة 7% أو أكثر شرطاً لتمثيل القائمة في البرلمان. وباستثناء شرط العمر لم يكن هناك أي شرط أمام الناخب، كالقومية أو الدين أو الجنس. وحُدد عدد مقاعد البرلمان بـ(105) مقاعد، منها (5) مقاعد مخصصة للإخوة الآثوريين.

وقد تنافست (7) قوائم على المقاعد المئة الباقية، ففازت قائمتان بحصولهما على نسبة تزيد على 7%، وهما الحزب الديمقراطي الكوردستاني من جهة، والاتحاد الوطني الكوردستاني وحلفاؤه من جهة أخرى، فشغلا تلك المقاعد مناصفة. وعُقدت أول جلسة، وضمت هيئة الرئاسة الرئيس ونائب الرئيس وسكرتير البرلمان، وللبرلمان (14) لجنة ينتخبها الأعضاء.

وللبرلمان وحده الحق في سحب الثقة من الوزير والوزارة، ومراقبة أعمالها، والمصادقة على الموازنة السنوية والقروض، وتحديد العلاقة القانونية بين الإقليم والمركز، وقد حددها بالإجماع في 4/10/1992م على أساس الفيدرالية، إضافة إلى تشريع القوانين وتجميد القوانين المنافية لمبادئ حقوق الإنسان التي صدرت أو تصدر من المركز. وتم تشكيل حكومة الإقليم الأولى في 4/7/1992م من الحزبين الرئيسيين والأحزاب الكوردستانية الأخرى.

وقد استطاعت حكومة الإقليم إعادة تنظيم الإدارة وتنشيطها، وإشاعة الأمل في نفوس الشعب الكوردي، والعمل على إعادة بناء كوردستان بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الإنسانية والهيئات التابعة للأمم المتحدة، وقطعت في ذلك شوطاً بعيداً.


أجزاء «التآخي العربي الكوردي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←