الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2004

كان من أهم المشكلات التي واجهتها الدول المتحالفة - فرنسا وبريطانيا وإيطاليا - بعد انتصارها على ألمانيا وتركيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) مشكلات الشعوب الخاضعة للإمبراطورية العثمانية ومصائر بلدانها. وقد جرى البحث في مؤتمرات الحلفاء التي عقدوها بعد الحرب عن الحلول التي تجمع بين آمال تلك الشعوب في الحصول على حريتها واستقلالها، وبين مطامع دول الحلفاء الاستعمارية في بلدان هذه الشعوب الغنية بالموارد الطبيعية وذات الموقع الاستراتيجي المهم. وفي الوقت نفسه أعلن الرئيس الأمريكي ولسن مبادئه الأربعة عشر المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولا سيما البند الثاني عشر، ونصه: “تتأكد للقوميات التي يحكمها الأتراك حياة آمنة وفرصة متكاملة للتطور في إطار الاستقلال الذاتي” (1).

كما صدر عن إنكلترا وفرنسا في 8 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1918 التصريح الذي أحيا الآمال الوطنية لدى تلك الشعوب، إذ أعلنتا أنهما “تستهدفان تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء استعباد الأتراك تحريراً نهائياً، وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة السكان الأصليين ومحض اختيارهم” (2).

وقد استحث ذلك تلك الشعوب على السعي وراء تلك المبادئ والتصريحات والتوجه إلى العاصمة باريس، حيث يعقد الحلفاء مؤتمرهم لترتيب أوضاع العالم لما بعد الحرب واندحار العثمانيين وحلفائهم (3).

بيد أنه سبق تلك السياسة المعلنة من جانب بريطانيا ما جرى في عام 1916م، والحرب العالمية الأولى ما زالت مستعرة، إذ عقدت اتفاقاً سرياً مع روسيا القيصرية تم إقراره في العاصمة الروسية في 19 شباط/فبراير 1916م، سُمّي بالاتفاق السري. ولم يُنفَّذ ذلك الاتفاق لأن روسيا انسحبت منه بعد ثورة أكتوبر 1917، وفضح الحكم الجديد في روسيا بنود الاتفاق الذي أُعلن على العالم بعد نشره في جريدة البرافدا الناطقة باسم الثورة الروسية (4)، بما يكشف أن الحلفاء أخذوا يعملون في سرية وانتظام على استلاب أملاك الدولة العثمانية وتوزيعها فيما بينهم وفق ما يتلاءم مع مصالحهم وإمكانية إخضاع الدول والشعوب لهيمنتهم. وإذ تعلّق مستقبل القضية الكوردية في المجال الدولي بأثر تلك المعاهدات والاتفاقات، وما أسفرت عنه من صراعات داخلية وصيغ متعددة للتوازنات الإقليمية أفرزت حركات وطنية بأشكال مختلفة وأساليب متعددة، فإننا نرى تناول دراسة هذا الفصل أو المحاضرة على النحو الآتي (5):

1- القضية الكوردية والصراعات الإقليمية.

2- الاعتراف الدولي بالحقوق القومية الكوردية.

3- القضية الكوردية والنظام الدولي الجديد.

1- القضية الكوردية والصراعات الإقليمية

قُسِّمت كوردستان لأول مرة في تاريخها بموجب معاهدة تقسيم الحدود لعام 1639م، أي معاهدة زهاب (معاهدة مراد الرابع)، بين الدولتين الصفوية الفارسية والعثمانية التركية، وأصبح الشعب الكوردي في كوردستان يعيش أثراً لتلك المعاهدة في حالتين وتحت سلطتين، إحداهما إيرانية صفوية والأخرى عثمانية تركية. وما زالت تلك الحدود قائمة سوى بعض التعديلات الطفيفة التي ورثتها الدول الناشئة عن زوال الإمبراطورية العثمانية (6)، التي أسفرت الحرب العالمية الأولى 1914-1918 عن تفككها؛ إذ احتلت بريطانيا ولاية الموصل (كوردستان العراق) بعد أربعة أيام على توقف القتال في 30 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1918م، وأبدت بريطانيا رغبتها لدى عصبة الأمم في فرض انتدابها على العراق، فوافقت عليه العصبة في 16 كانون الأول/ديسمبر 1925، وتم إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) رسمياً بممتلكات العراق العربي الجديد (بغداد). وبعد سبعة أشهر، ونفاذاً لمعاهدة لندن، تخلّت تركيا عن جميع مطالبها في ولاية الموصل (كوردستان العراق) (7).

وبذلك أصبحت منطقة كوردستان موزعة بين أربع دول: إيران وتركيا والعراق وسوريا؛ فالجزء الشمالي الغربي من إيران هو كوردستان إيران، والجزء الشرقي من تركيا هو كوردستان تركيا، وشمال العراق هو كوردستان العراق. وتُظهر الخرائط الحديثة أن معظم أكراد كوردستان إيران يعيشون ضمن مثلث مقلوب غير منتظم الأضلاع، يمتد من شمال غرب البلاد، من نقطة تلاقي الحدود الروسية - التركية، وعلى طول سلسلة جبال زاغروس الكوردية حتى المنطقة الموازية تقريباً لبغداد. أما في تركيا فيتمركز الأكراد في جنوب شرق البلاد (كوردستان تركيا)، ضمن المنطقة الممتدة على طول الحدود الإيرانية - الروسية حتى غرب نهر الفرات، ويشكّل الأكراد فيها كتلة ضخمة تتراجع كثافتها عند الطرفين الغربي والشمالي. ويعيش أكراد كوردستان العراق داخل قوس يمتد على طول الحدود مع إيران وتركيا وصولاً إلى كوردستان سوريا، حيث يقطنون في أقصى زاويتها الشمالية الشرقية وعلى طول الحدود السورية - التركية المشتركة (8).

ولم يكن توزيع كوردستان بين الدول الأربع إلا داعياً إلى التناحر فيما بينها والصراع على طول الحدود تارةً، وحول ما يشكله الأكراد من إخلال بتوازن القوى تارةً أخرى. ولم تفلح المعاهدات والاتفاقات بين دول الجوار في القضاء على تلك المنازعات، حتى وإن بدت آثارها الإيجابية لحين من الوقت، إذ سرعان ما تزول آثارها تبعاً لتغيّر القوى الحاكمة وفق موازين القوة التي تجبر الجانب الضعيف أحياناً على قبول الأمر الواقع، فإذا ما استرد قواه وعادت إليه عافيته نشط لاستعادة ما سبق أن تنازل عنه. وقد تحمّل المؤرخون تبعة توثيق تلك المنازعات وإثباتها بما يكفينا مؤونة ترديدها، إلا في حدود مناسبتها لموضوع الدراسة في نطاق ما يسمح به القانون الدولي (9).

ونرى تناول ثلاث صور من تلك المنازعات في حدود الأسباب والموضوع والأثر على النحو التالي (10):

أ- اتفاقية الجزائر 6 آذار/مارس 1975م.

ب- الحرب العراقية - الإيرانية 1980-1988 ودور الأكراد فيها.

ج- اتفاقية أضنة بين سوريا وتركيا 19-20 تشرين الأول/أكتوبر 1998م.

أ- اتفاقية الجزائر 6 آذار/مارس 1975م

خلال المرحلة التاريخية الممتدة ما بين عامي 1971 و1974 حدثت مجموعة من المتغيرات الإقليمية التي أسهمت في توتر العلاقات بين إيران والعراق، وبرزت مشكلات الحدود في صدر تلك الأحداث. فقد انسحبت بريطانيا بالفعل من منطقة الخليج العربي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1971م، وجرى الحديث عن الفراغ السياسي الناجم عن هذا الانسحاب وكيفية ملئه، وهي النظرية التي أفرزت مسألة أمن الخليج، وظهرت إزاءها وجهتا نظر مختلفتان للدولتين. ففي حين اقترح أحمد حسن البكر، رئيس الجمهورية العراقية آنذاك، إنشاء حلف دفاعي تشترك فيه الدول العربية في الخليج، ورفضته كل من السعودية والكويت تشككاً في النوايا العراقية، فإن إيران رأت في المشروع استبعاداً واضحاً لها فجابهته بشدة، وعلّقت وزارة الخارجية الإيرانية عليه “بأن العراق الذي لا يبلغ طول سواحله على الخليج أكثر من أربعين كيلومتراً قد تجاهل إيران التي يبلغ طول سواحلها على الخليج ما يزيد على 850 كيلومتراً” (11).

وسرعان ما تحولت الحرب الباردة إلى حرب ساخنة بين الطرفين، إذ بدأت المناوشات الحدودية في 10 نيسان/أبريل 1972م عندما هاجمت القوات العراقية النظامية أربعة مخافر إيرانية، مستخدمة ناقلات الأشخاص المدرعة والمدفعية والصواريخ والأسلحة الخفيفة، رداً على قيام إيران بتجهيز الأكراد في كوردستان العراق بالأسلحة الثقيلة (12).

وبحلول صيف عام 1973م بدا تنافس القوة الإيراني - العراقي متزايداً نتيجة نشاط القوى الخارجية الأخرى في منطقة الخليج؛ إذ كانت إيران تعتقد أن الروس وراء الحملة المنظمة لتقسيم باكستان ورفع موقع الهند لتحتل مكان الهيمنة في جنوب آسيا والمحيط الهندي، في الوقت الذي يدعون فيه إلى التخريب في جبهة إيران الغربية، مما حثّها على التوثب نحو العراق وإثارته سياسياً، في حين كان العراق بدوره ساخطاً على الدعم الأمريكي لإيران (13).

وقد تسبب ذلك في اندلاع الاشتباكات بين قوات البلدين عبر الحدود في شباط/فبراير 1974م، واتهم كل طرف الآخر بالمسؤولية عن تلك الأحداث، وبوساطة من الأمم المتحدة تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في آذار/مارس 1974. وعلى الرغم من تعدد اللقاءات على مستوى وزراء الخارجية في نيويورك وإسطنبول، فإن التوتر بين سلاحي بحرية البلدين في شط العرب ظل قائماً (14).

وإزاء حدة المعارك بين الأكراد والسلطة العراقية في عام 1974م حاول العراق الوصول إلى تفاهم مع إيران على أساس وقف مساعداتها للأكراد، وبدأ صدام حسين، نائب رئيس الدولة العراقية آنذاك، يتصل بالدول التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية علاقات قوية كالمملكة العربية السعودية والأردن ومصر. وفي مؤتمر القمة العربية في الرباط عرض صدام حسين قضية العلاقات مع إيران، وقرر المؤتمر أن يقوم الملك حسين بالوساطة بين البلدين، كما نشطت الوساطة المصرية بعد هذا التاريخ، وقد أسفرت تلك المفاوضات عن وضع أسس اتفاقية الجزائر في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير 1975 (15).

ثم التقى الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين في آذار/مارس 1975 على هامش مؤتمر قمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، في اجتماعين رتّب لهما الرئيس الجزائري هواري بومدين، وتم الوصول إلى اتفاق ينهي سنوات من العداء والمواجهات بين البلدين، وصدر بيان مشترك بهذا الخصوص في 6 آذار/مارس 1975م. وبعد أن ألقى سعدون حمادي، وزير خارجية العراق، ونظيره الإيراني عباس علي خلعتبري بياناً بشأن إجراءات وضع نصوص الاتفاق، استمرت المباحثات حتى 13 حزيران/يونيو 1975م، وجاء الاتفاق متضمناً المواد التالية:

أولاً: إجراء تخطيط نهائي للحدود البرية بين العراق وإيران استناداً إلى الأسس الواردة في بروتوكول إسطنبول لسنة 1913م، ومحاضر لجنة تحديد الحدود لسنة 1914م المنشأة على أساس البروتوكول ذاته.

ثانياً: تحديد الحدود النهرية حسب خط الثالوك (16).

ثالثاً: بناءً على هذا سيعيد الطرفان الأمن والثقة على طول حدودهما المشتركة، ويلتزمان من ثمّ بإجراءات رقابة مشددة وفعالة على حدودهما المشتركة، وذلك من أجل وضع حد نهائي لكل التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت.

رابعاً: اعتبار هذه الترتيبات المشار إليها عناصر لا تتجزأ لحل شامل، وبالتالي فإن أي مساس بأحد مقوماتها يتنافى بطبيعة الحال مع روح اتفاق الجزائر. كما قرر الطرفان إعادة الروابط التقليدية لحسن الجوار والصداقة، وإزالة جميع العوامل السلبية في علاقاتهما، واللجوء إلى التحكيم الدولي في حال الاختلاف على تنفيذ الاتفاق المذكور، على أن يلتزم الطرفان بما يقره التحكيم الدولي ويضعاه موضع التنفيذ (17).

وقد أعطى اتفاق الجزائر الحكومة العراقية فرصة لتوجيه ضرباتها إلى الأكراد في كوردستان العراق، فما لبث العراقيون غير يومين حتى اجتاحوا المواقع الكوردية في 8 آذار/مارس 1975. وجاءت معاهدة الحدود التي قامت على أساس الاتفاق لتحمل في مادتها الثالثة ما يشد من عزم العراقيين فيما توجهوا إليه بشأن الأكراد، حتى أضحى من المتفق عليه أن هذه الاتفاقية عُقدت لغرض إنهاء الخلاف العراقي الإيراني حول قضيتين أساسيتين هما:

  1. وقف المساعدات الإيرانية للحركة الكوردية المسلحة في كوردستان العراق.

  2. تخطيط الحدود البرية والنهرية بين الطرفين (18).

في حين انزلقت قيادة الحركة الكوردية إلى ما عجّل بانتكاس ثورتها، إذ مدّت يدها تطلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. ولما احتدمت المعارك وبلغ زحف الجيش العراقي ذروته باقتحام كوردستان وغزوها في 19 آذار/مارس 1975م، رفضت الحكومة العراقية عرضاً يهدف إلى التفاوض مع زعماء الأكراد، وطلبت منهم أن يسلّموا أسلحتهم لضمان عدم محاكمتهم، وأصدر مجلس قيادة الثورة العراقي نداءً إلى الأكراد كي يعودوا إلى بلدهم. وفي طهران دعت الحكومة الإيرانية اللاجئين الأكراد إلى أن يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في البقاء نهائياً في إيران، وأكدت أنها سوف تستقبل حتى أول نيسان/أبريل سنة 1975م جميع اللاجئين الذين يطلبون البقاء فيها. ولم يحلّ يوم 22 آذار/مارس 1975م حتى انهارت المقاومة الكوردية وساد الارتباك الأقاليم الكوردية في كوردستان العراق، وأعلن الملا مصطفى البارزاني أن الحرب قد انتهت، وقال: “نحن وحيدون دون أصدقاء، ولم يعد الأمريكان يقدمون لنا أية مساعدات، وننتظر أياماً سوداء قاتمة” (19).

وسرعان ما اقتنع معظم الأكراد بعدم جدوى مواصلة الكفاح المسلح، فوافقوا على الاستفادة من العفو العام الذي أعلنته حكومة العراق، وعادوا خلال بضعة أشهر من تلقاء أنفسهم، في حين أرغم الإيرانيون الباقين منهم على عبور الحدود بالقوة. وخلال أسابيع معدودة بدأت الحكومة العراقية عمليات طرد جماعي للأكراد من مناطقهم الأصلية. وتحققت الغاية من اتفاقية الجزائر بوأد الحركة الكوردية في كوردستان إيران وكوردستان العراق. ولعل ما قاله شاه إيران في حديثه الذي أجراه معه محمد حسنين هيكل أكثر دلالة مما سواه بشأن التحالفات الإقليمية ضد الأكراد، إذ قال: “بالتأكيد لقد ساعدنا الثورة الكوردية حتى المرحلة الأخيرة، وكنا الوحيدين الذين نمدهم بالمساعدة، وعندما أوقفنا مساعدتنا انهارت الثورة الكوردية. فلعدة سنوات كانت الحكومات العربية تضايقنا بدعاياتها العدائية ومحاولاتها التخريبية، فوجدت ثمة إمكانيات في قلاقل كوردستان، وبعد التفكير في الموضوع قررت مساعدة الأكراد”. وفي موضع آخر يقول الشاه: “لقد فكرت في اتخاذ القرار بمساعدة الأكراد لمدة ساعة تقريباً، ومن الواضح أنني لم أكن أرغب في بعث المسألة الكوردية، فلدينا أقلية كوردية في كوردستان إيران، لكني أردت أن أصفع الحكومة في بغداد على وجهها، وعندما توقفوا عن مضايقتنا توقفنا نحن عن مضايقتهم. لقد كلفتنا عملية كوردستان 300 مليون دولار، وهذا مبلغ ضخم أن أنفقه، لكن كان عليَّ أن أنفقه” (20).

المصادر

  1. منذر الموصلي: مرجع سابق، ص153.

  2. د. حامد محمود عيسى: مرجع سابق، ص53.

  3. Atiyyah, Op. Cit., pp. 172-174.

  4. منذر الموصلي: مرجع سابق، ص154. انظر: د. عبد العزيز المفتي، المصدر السابق.

  5. د. محمد الطاهر محمد: المرجع السابق، ص104.

  6. حاول الفرس والعثمانيون إنهاء حالة النزاع القائمة بينهما في ظل الظروف الإقليمية الصعبة المتمثلة في نشاط القوى الأجنبية في منطقة الخليج العربي، فدارت بين الجانبين مفاوضات استمرت زهاء العام (آذار/مارس 1638 - آذار/مارس 1639م)، توصل فيها مندوبا الحكومتين - “مصطفى باشا” قائد المنطقة الشرقية عن العثمانيين، و”صاروخان” مندوباً عن الفرس - إلى معاهدة زهاب، التي وُقّعت من الجانبين في 8 آذار/مارس 1639م، واشتهرت باسم معاهدة تقسيم الحدود. وتُعد تلك المعاهدة من أقدم المعاهدات التي تناولت موضوعات الحدود بين الدولتين على شكل مناطق أو مدن حدود (Frontiers Zones)، إذ بيّنت تبعية كل منطقة أو مدينة إلى الدولة صاحبة الحق، وقد عُرفت هذه المعاهدة أيضاً باسم معاهدة “مراد الرابع”، وتم توقيعها في قصر شيرين. راجع: Archive Editions Document Collections; Iran-Iraq Border (1639-1909) Key Documents, Volume 1, London 1996, p. 10-12. وكذلك: Hurewitz: Diplomacy in The Near and Middle East, Vol. 1, p.23.

  7. د. حامد عيسى: المشكلة الكوردية، مرجع سابق، ص108-117. د. فتحي عفيفي: مشكلات الحدود في منطقة الخليج العربي، مرجع سابق، ص168-177.

  8. جوناثان راندل: مرجع سابق، ص27-28. انظر: د. عبد العزيز المفتي، المصدر السابق.

  9. للمزيد من التفاصيل حول النزاعات على الحدود وأسبابها راجع: جود هانسيمان: الجغرافية التاريخية لمنطقة رأس الخليج العربي “خراكس والكرخة”، ترجمة د. عادل عبد الله خطاب، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، السلسلة الخاصة، 1980م. وكذلك: Robert I. Jarman and Dr. R.M. Burrell: Iran: Political Diaries 1881-1965 (Iran/ Persia/ Qajar/ Pahlavi/ Politics/ History) Key Documents, London 1996, see Volume 1, p.12-25. وكذلك: عبد العزيز سليمان نوار: تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، دار الكتاب العربي، القاهرة 1968، ص327. وكذلك: د. فاضل حسين: مشكلة شط العرب، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1975، ص6.

  10. د. محمد الطاهر محمد: المصدر السابق، ص105.

  11. د. عبد الله هدية: قضايا سياسية شرق أوسطية، مطابع الطوبجي، القاهرة، 1998، ص203-244. د. فتحي عفيفي: مرجع سابق، ص207.

  12. Roosevelt, Archie Jr.: “The Kurdish Republic of Mahabad”, Middle East Journal, No.3, 1973, p. 247.

  13. Patric, Robert: Iran’s Emergence as a Middle Eastern Power, (Utah University Press, 1974), p.2. وكذلك: Rouhollah K. Ramazani: Iran’s Foreign Policy in Modernizing Nations, Charlottesville, 1975, p.265-367.

  14. Reports of the Special Committee of the General Assembly on the Definition of Aggression: No.19, A/8019 (July-Aug. 1973); No. 19, A/8419 (Feb.-Mar. 1974); No. 19, A/8719 (Jan.-Mar. 1975).

  15. لم يضيّع الشاه الإيراني الوقت في إثبات أنه سيقوم بدوره شرطياً في منطقة الخليج بشكل جدي، وأنه حلّ محل بريطانيا حاكماً للمنطقة بشكل عملي؛ ففي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1971م، وهو اليوم السابق لانتهاء الضمانات البريطانية للإمارات المتصالحة التي استمرت فترة طويلة، تحركت القوات الإيرانية واحتلت ثلاث جزر صغيرة في الممرات العربية المؤدية لمضيق هرمز، هي أبو موسى وجزيرتا طنب، التي كانت تابعة للشارقة ورأس الخيمة لوقت طويل، لكن الشاه ادّعى ملكيتها لإيران، مما أكسبه الكثير من الرضا عند الإدارة الأمريكية. وبعد التفاهم مع نيكسون وكيسنجر (رئيس الولايات المتحدة ووزير خارجيتها) أظهر الشاه نشاطاً متزايداً في منطقة أخرى هي منطقة كوردستان العراق، فعندما تقابل مع نيكسون وكيسنجر عمل على توضيح أهمية دوره بما يوجب تدعيمه وتحييد العراق. وفي 16 حزيران/يونيو من عام 1972 اتصل نيكسون بالشاه ليخبره بأنه سيبعث إليه برسول يحمل معه رداً بشأن الأكراد، وأرسل بالفعل جون كونالي، الحاكم السابق لولاية تكساس، ومعه رسالة مؤداها أن أمريكا على استعداد لمساعدة الأكراد إكراماً لحليفها الوفي (إيران) الذي يشعر بأنه مهدد من قبل عدوه التقليدي (العراق). وبيّن التقرير كذلك أن الأمريكيين كانوا يهدفون إلى تزويد الأكراد بالمساعدة التي تكفي لجعلهم مصدر قلق وضيق للعراقيين فحسب، لا أن يحققوا انتصاراً كاملاً على بغداد، الأمر الذي كان سيمكّنهم من المطالبة بشيء من الاستقلال، مما كان سيسبب كثيراً من الحرج لإيران التي توجد فيها أقلية كوردية. وقد ظهر ذلك عملياً خلال عام 1974م؛ ففي شباط/فبراير من ذلك العام أبدى العراق كثيراً من العناد في محاولته منع توقيع فك الاشتباك الذي كانت أمريكا تحاول إتمامه بين إسرائيل ومصر وسوريا بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وقد أكد كيسنجر للمفاوضين المصريين عندما كان في القاهرة خلال كانون الثاني/يناير 1974م أنه لا يوجد مبرر للقلق: “فالشاه سوف يتولى أمر العراق”. وبعد عدة أيام أذاعت وكالات الأنباء رسالة صادرة من إيران تقول: “أعلن متحدث عسكري إيراني اليوم أنه قد قُتل عديدون وجُرح واحد وثمانون شخصاً في اشتباك وقع على الحدود بين القوات الإيرانية والعراقية، ويقال إن العراقيين قد تركوا حوالي أربعة عشر قتيلاً في أرض المعركة، وجاء في بيان عراقي آخر أن خسائر العراقيين كانت فادحة، كما قال البيان إن القوات الإيرانية بدأت تحتشد على الحدود، وإن وحدات من الطيران الإيراني قد اخترقت المجال الجوي العراقي”. ولم تلبث مسألة الأكراد في إيران أن أخذت اتجاهاً مغايراً عام 1975، فقد ظهرت علامات خيبة الأمل على الشاه، إذ يبدو أن الأكراد، وقد أدّوا دورهم، ظهرت بينهم في الجانب الإيراني علامات التذمر والسخط، وهذا كان آخر شيء يتوقعه الشاه أو يودّ أن يحدث. راجع: محمد حسنين هيكل: مدافع آية الله، الطبعة الثالثة، دار الشروق، القاهرة، 1983، ص135-138.

  16. خط الثالوك كلمة ألمانية معناها مجرى الوادي، وهو خط الماء العميق في النهر. راجع عن الثالوك: Gearner: The Doctrine of The “Thalweg” as a Rule of International Law, American Journal of International Law, Vol. 29, 1932, p. 308-310.

  17. Treaty Concerning the State Frontier and Neighbourly Relations Between Iran and Iraq, signed at Baghdad on 13 June 1975, see: United Nations Treaty Series (UNTS): 1017, Nos. 14903, 14905. وراجع النص العربي: مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، العدد 4، السنة الأولى، أكتوبر 1975، ص189-196. وكذلك: د. مصطفى عبد القادر النجار: دراسة تاريخية لمعاهدات الحدود الشرقية للوطن العربي (1874-1980)، اتحاد المؤرخين العرب، بغداد 1981م، ص149. وكذلك: سمير أحمد موسى: الصراع الاستراتيجي بين العراق وإيران (1937-1981)، رسالة ماجستير، معهد الدراسات الإسلامية، القاهرة، 1983، ص236-250.

  18. د. فتحي عفيفي: مرجع سابق، ص208.

  19. في أول رسالة بعث بها البارزاني إلى كيسنجر في 10 آذار/مارس 1975 بعد عقد اتفاقية الجزائر، تطرق فوراً إلى لب الموضوع قائلاً: “إن قلوبنا دامية لرؤية أن أولى النتائج المباشرة لاتفاقهما في الجزائر تتمثل في تدمير شعبنا الضعيف بطريقة لم يسبق لها مثيل؛ فإيران أغلقت حدودها في وجهنا كلياً، في حين بدأ العراقيون بشن أكبر هجوم ضدنا في تاريخهم، ولا يزال هذا الهجوم مستمراً حتى الآن. ما يجري هو تدمير لحركتنا وشعبنا بطريقة غير معقولة وفي ظل صمت مطبق من جانب جميع الأطراف”. ومضى البارزاني في رسالته قائلاً: “نحن نرى يا معالي الوزير أن على الولايات المتحدة التزامات أخلاقية وسياسية تجاه شعبنا الذي ربط مصيره بسياسة بلادكم. يا معالي الوزير، نحن ننتظر ردكم السريع علينا ونحن في غاية القلق”. ولقد ظلت تلك الرسالة ورسائل أخرى بعث بها البارزاني إلى “السي آي إيه” والرئيس جيرالد فورد وكيسنجر من دون جواب. وقد أثار هذا الصمت الذي التزمته الإدارة الأمريكية بعد اتفاقية الجزائر غضب المعلق الأمريكي المحافظ في صحيفة “نيويورك تايمز” ويليام سافاير لمدة طويلة، إذ أدان سافاير، الذي لم يتوقف يوماً عن الدفاع بشجاعة عن الأكراد، “الخيانة المهينة والعديمة الضمير” التي ارتُكبت بحق البارزاني، وطالب الرئيس الأمريكي فورد بإقالة كيسنجر من منصبه لأنه حمّل الإدارة الأمريكية مسؤولية “هذا العمل المشين”. لمزيد من التفاصيل حول الدور الأمريكي في خديعة الأكراد وتسخير القوتين الإيرانية والعراقية في القضاء عليهم، انظر: جوناثان راندل: مرجع سابق، ص193-230. وكذلك: نزار آغري: الأكراد والولايات المتحدة، من هنري كيسنجر إلى كولن باول، الحياة - لندن، العدد 14811، 12 أكتوبر 2003، ص18.

  20. محمد حسنين هيكل: مرجع سابق، ص142. جوناثان راندل: مرجع سابق، ص190-191.


أجزاء «القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

الجزء الثاني ←