الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2004

3- القضية الكوردية والنظام الدولي الجديد

ارتبط مصير الشعب الكوردي عبر تاريخه الطويل ارتباطاً مباشراً بما سُمّي النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى، ثم النظام الدولي الجديد الذي بدأت ملامحه في الظهور مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين أثراً لحرب الخليج الثانية؛ ذلك أن النظام الأول أسهم في تقرير مصيره عام 1920م، بينما أثّر النظام الثاني فيه عام 1991م. ففي العاشر من آب/أغسطس عام 1920م وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب معاهدة سيفر مع ممثلي الحكومة العثمانية، وقد نصت المعاهدة في المادة 64 على منح الشعب الكوردي حقه في الاستقلال بعد تقديم طلب بذلك إلى عصبة الأمم خلال سنة، كما أوجبت على تركيا التنازل عن أية مطالب في أراضي كوردستان التي كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية.

بيد أن بريطانيا ناهضت مشروع الدولة الكوردية في كوردستان، خشية هيمنة روسيا على تلك الدولة الكوردية الناشئة، ودرءاً لما قد يصيب الدول العربية جراء قيام دولة كوردية مستقلة على حدودها.

غير أن التحليل الواقعي المبني على أسس منهجية يشير - استناداً إلى الوثائق البريطانية الرسمية التي نُشرت عام 1992م - إلى أنه لما اكتُشف البترول بكميات هائلة في منطقة كركوك الكوردية التي تسكنها غالبية كوردية، أراد البريطانيون وضع أيديهم على منابعه، في وقت كانوا فيه ينوون إنشاء كيان جديد هو “المملكة العراقية”، يكون تحت انتدابهم بولاياته الثلاث: الموصل وبغداد والبصرة (68).

ولما انتفض الشعب الكوردي ضد سياسة الأمر الواقع التي حاول البريطانيون فرضها عليه، قرر وزير الطيران آنذاك ونستون تشرشل مهاجمة الأكراد بالطائرات. وتكشف الوثائق البريطانية الرسمية أن تشرشل سلك هذا السبيل لأن استخدام الطائرات أقل كلفة من إرسال حملة عسكرية لاحتلال مناطق الأكراد في كوردستان العراق، فضلاً عن أنه يتيح الفرصة للطيارين للتدريب على الأهداف داخل المدن، إلى جانب اختبار الأسلحة الحديثة كالنابالم والقنابل الموقوتة. وقد صدرت الأوامر للطيارين بألّا يميّزوا بين المقاتلين (البيشمركة) والمدنيين العزّل من الأكراد عند القيام بالقصف العشوائي، وبهذا الأسلوب الوحشي تم قمع الثورات والانتفاضات الكوردية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. ونتيجة لهذه العمليات، وبسبب طبيعة كوردستان الجغرافية وما تتميز به من سلاسل جبلية وعرة، تجزأت مناطق الأكراد حتى باتوا موزعين بين أربع دول: كوردستان الإيرانية التي ظلت قائمة على حالها منذ معاهدة تنظيم الحدود (زهاب) لعام 1639 بين الفرس والعثمانيين، ثم كوردستان التركية التي توزعت بين تركيا والعراق وسوريا (69).

وقد تنامت الحركة القومية الكوردية أثراً لتجزئة كوردستان في البلاد التي وُزّعت عليها، رغم ما تعرضت له من أنواع القمع التي بلغت حد العدوان المسلح والقتل وإحراق القرى ومصادرة الأراضي والأملاك في البلدان الثلاثة إيران وتركيا والعراق، في حين عاش الأكراد في كوردستان سوريا ما يمثل الوجه الإيجابي للمسألة الكوردية (70). إلا أن ذلك لم يفتّ في عضد الحركة أو ينل من توجهها نحو تقرير المصير، ذلك الهدف الذي وإن بدا لا يتغير في مضمونه، فإن التعبير عنه وكيفية ممارسته أمر يخضع لما تمليه الظروف والتحولات في المنظومة الإقليمية، وهي بطبيعتها نسبية لا تثبت على نسق واحد، وإنما يطرأ عليها التحول تبعاً لما يطرأ من متغيرات على المنظومة الدولية التي هي جزء منها.

وقد تغيرت ملامح تلك المنظومة الدولية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وبدت ملامح ذلك التغيير واضحة بانهيار الاتحاد السوفيتي. ذلك الانهيار الذي بدأ بمرحلة انتقالية في أعقاب تولي الرئيس غورباتشوف السلطة في الاتحاد السوفيتي في عام 1985م، انتقالاً من الحرب الباردة إلى وفاق جديد، بما كشف عن ضعف القوة العسكرية السوفيتية وعدم قدرتها على الاستمرار في الحفاظ على توازن القوى في الصراع العالمي. وكان من أثر ذلك تراخي الدور السوفيتي الذي طالما اضطلع به سابقاً، فيما سُمّي بعملية فك الارتباط، مع ما كان يسمى في الاصطلاح السوفيتي بحركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في العالم الثالث. وما لبث الاتحاد السوفيتي أن وصل إلى طريق الانهيار التام بعد محاولة قصيرة وفاشلة عبر انقلاب سياسي في آب/أغسطس عام 1991م، حتى بلغ الأمر أن تم إلغاء الاتحاد السوفيتي ذاته والإعلان عن تمام انهياره في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 1991م، وإحلال رابطة كومنولث بين اثنتي عشرة جمهورية من جمهورياته الخمس عشرة السابقة محله (71).

وكان انتهاء الحرب الباردة بسقوط جدار برلين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وتفكك الاتحاد السوفيتي في 8 كانون الأول/ديسمبر 1991، إيذاناً بظهور نظام دولي جديد لاح في الأفق، غير أن معالمه لم تستقر بشكل نهائي، إذ برزت الولايات المتحدة وكأنها تنفرد بمقاليد القوة العسكرية (72)، لتكون بمثابة القطب الأحادي الذي يتولى تسيير أمور العالم بالقوة العسكرية، عن طريق فرض النفوذ والهيمنة وإدارة محركات الصراع تحت مسميات جديدة واصطلاحات لم يسبق تداولها (73).

وقد أتاحت عملية غزو العراق للكويت في 2 آب/أغسطس 1990م لهذا النظام الجديد أن يظهر بشكل علني، وعبّرت عنه الولايات المتحدة الأمريكية لما بادرت إلى التدخل في الصراع بصورة واضحة؛ إذ نهضت، لما أقلقها خطر انقلاب حليفها صدام حسين على جيرانه، إلى إعادة صياغة خطة الحرب رقم 1002 لسنة 1989 التي سبق أن صممتها لمواجهة التهديد السوفيتي، وحوّلتها إلى الخطة رقم 1002/90، وحددت العراق رسمياً مصدراً للتهديد في المنطقة. وفي عام 1990م حذّرت أمريكا العراق من القيام بأعمال استفزازية ضد جيرانه، وكان في مقدمة اعتبارات أمريكا احتمال هجوم عراقي على إسرائيل، إلا أن صدام حسين خالف توقعات أمريكا، وبدلاً من أن يهاجم إسرائيل حشد القوات العراقية على الحدود الكويتية، وفي الثاني من آب/أغسطس عام 1990م اجتاحت الجيوش العراقية دولة الكويت، محدثة بذلك تغييراً عنيفاً في توازن قوى البترول في المنطقة، ومهددة وصول أمريكا إلى ما تريده من نفط. وإزاء امتناع العراق عن الامتثال للشرعية الدولية والاستجابة لقراري الأمم المتحدة رقم 660 في 2 آب/أغسطس 1990م، ورقم 661 في 6 آب/أغسطس 1990، بإدانة الغزو العراقي وفرض الحظر على التعامل التجاري، بما فيه البترول والمجال العسكري، مع العراق، نهضت الولايات المتحدة إلى حشد تحالف دولي (74) حقق غايته فيما عُرف بحرب الخليج الثانية، التي أسفرت عن تحرير الكويت وإعلان العراق الانسحاب في 28 شباط/فبراير 1991 بعدما اتفق مع الولايات المتحدة الأمريكية على وقف إطلاق النار (75).

ولم تلبث الولايات المتحدة الأمريكية أن كشفت النقاب عن سياستها بعد حرب الخليج وتدمير الآلة العسكرية العراقية، متمثلة في توجيه رسالة إلى القوى الاقتصادية في أوروبا واليابان مضمونها أن رخاءها الاقتصادي وتأمين بترول الشرق الأوسط مرهونان باستمرار الهيمنة الأمريكية والوجود العسكري الضخم في الخليج، وهو المضمون الذي تبيّنه الدراسة التي أعدتها مجموعة من الخبراء في معهد واشنطن للدراسات الإستراتيجية في عام 1991م، إذ حددت الدراسة مجموعة من الأهداف لحماية المصالح الإستراتيجية الأمريكية هي (76):

  • ضمان حرية التجارة والوصول إلى النفط بأسعار معتدلة.

  • ضمان الاستقرار الإقليمي وحل النزاعات.

  • ضمان أمن إسرائيل.

  • ضمان أمن الحكومات العربية الموالية أو الصديقة.

  • التعهد بنشر الديمقراطية.

وقد عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى القضية الكوردية في كوردستان معتبرة إياها من بين الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في حربي الخليج الثانية عام 1991م والثالثة عام 2003م. ونرى، للوقوف على معالم تلك القضية في إطار النظام الدولي، بيان ما يلي:

أولاً: الموقف الأمريكي من أكراد كوردستان العراق في حربي الخليج الثانية والثالثة.

ثانياً: المنطقة الآمنة في كوردستان العراق وتداعياتها على دول الجوار.

ثالثاً: توجهات الحركة الكوردية في كوردستان في ظل النظام الدولي الجديد.

المصادر

  1. لدى قيام عصبة الأمم بترسيم الحدود بين تركيا والعراق قبلت الحكومة التركية التنازل عن ولاية الموصل وضمها إلى أراضي العراق، في مقابل حصولها على 10 في المائة من ريع مبيعات النفط لمدة 25 سنة. وإثر اكتشاف النفط في حقول كركوك قرر الشركاء إبدال اسم شركة النفط التركية إلى شركة نفط العراق (IPC)، واستقرت الحصص على الوجه التالي: 1. شركة النفط البريطانية (الأنجلو - إيرانية) 23.750 في المائة. 2. شركة شل (الهولندية) 23.750 في المائة. 3. شركة البترول الفرنسية (CFP) 23.750 في المائة. 4. شركة “ستاندرد أويل” الأمريكية 11.875 في المائة. 5. شركة “إسو ستاندرد” الأمريكية 11.875 في المائة. 6. غولبنكيان خمسة في المائة.

وفي عام 1928م عقدت الشركات اتفاقاً عُرف باتفاق “الخط الأحمر”، يشمل جميع أراضي تركيا والبلدان العربية باستثناء الكويت، المتحالفة مع بريطانيا منذ عام 1913م، والتي كانت جزءاً من ولاية البصرة واستقلت إدارياً عن السلطنة العثمانية، وقضى الاتفاق بعدم تفرّد أي شركة بالتنقيب عن النفط من دون مشاركة الآخرين. واستمرت “شركة نفط العراق” تستثمر حقول نفط العراق حتى قرار التأميم عام 1972م، وبعد احتلال العراق، وفي ظل قرار مجلس الأمن رقم 1483 الصادر بتاريخ 22/5/2003م، استعاد الأمريكيون والبريطانيون - دون غيرهم من الشركاء السابقين - حق استثمار الثروة النفطية العراقية، تلك الثروة التي جعلت العراق، بعد الاكتشافات التي تمت منذ عام 1972م وحتى الآن، ثاني أكبر دولة بعد السعودية تملك احتياطياً كبيراً من النفط. للمزيد من التفاصيل حول الأطماع الأمريكية في نفط الموصل وكركوك انظر: عدنان الشهال: نفط العراق… من أطماع الدول الكبرى إلى الاستفراد الأمريكي والبريطاني، صحيفة الحياة، مرجع سابق، العدد 1469، 23 مايو 2003، ص9. وكذلك: منذر الموصلي: مرجع سابق، ص175-180.

  1. د. نادية الشاذلي: مرجع سابق، ص52-54. انظر: د. عبد العزيز المفتي، المصدر السابق.

  2. خالد فياض: الأكراد في سوريا: الوجه الإيجابي للمسألة الكوردية، السياسة الدولية، العدد 135، يناير 1999م، ص126-129.

  3. د. محمد السيد السعيد: مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد 158، فبراير 1992، ص224-227.

  4. لا يمكن الجزم بأن النظام الدولي الجديد قد تحدد بصورته النهائية نظاماً أحادي القطبية تهيمن عليه أمريكا بسيطرتها الاقتصادية وتقود دفته بآلتها العسكرية. يقول الدكتور نعوم تشومسكي: “إحدى بديهيات النظام العالمي الجديد أنه ثلاثي الأقطاب اقتصادياً، أحادي القطب عسكرياً. لقد خلقت القيادات السياسية في واشنطن ولندن كوارث اقتصادية واجتماعية في الولايات المتحدة وبريطانيا، وليس لدى هذه القيادات أي فكرة عن حلها أو التعامل معها إلا باستغلال القوة العسكرية طبقاً لنصائح صحف المال والاقتصاد، فقد تحاول هذه القيادات تحويل البلدين إلى”دولة مرتزقة” تخدم كمافيا دولية، تبيع الحماية للأغنياء ضد تهديدات العالم الثالث بزعم إعادة حقوقهم إليهم والدفاع عنهم، وتطالب بالثمن المناسب لخدماتها، وتستخدم الثروات المسحوبة من منتجي النفط في الخليج لدعم الاقتصاد الأمريكي والبريطاني الآخذين بالفشل. أما اليابان وأوروبا بقيادة ألمانيا فتتوليان مهمة صبغ معظم أراضي الإمبراطورية السوفيتية المنهارة بصبغة أمريكية - لاتينية، ومن المحتمل أن تقوما بنفس الدور البيروقراطي الشيوعي السابق بتسيير شؤون فروع الشركات العملاقة في هذه البلدان. أما بقية بلدان العالم الثالث فيتم التحكم فيها بالضغوط الاقتصادية إذا كان ذلك ممكناً، وبالقوة إذا كان ذلك ضرورياً. تلك هي بعض تضاريس النظام العالمي الجديد المخطط، التي تطفو على السطح عندما ينكشف غطاء البلاغيات الساحرة”. د. نعوم تشومسكي: الضعفاء يرثون العدم، مقال في صحيفة الغارديان اليومية، بريطانيا، 25 آذار/مارس 1991. راجع: مجدي نسيف: حرب الخليج والنظام العالمي الجديد، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991، ص15-24.

  5. ميلاد مفتاح الحراشي: النظام الدولي الجديد، دراسة في مستقبل العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، مجلة المستقبل العربي، بيروت، العدد 264، شباط/فبراير 2001، ص226-230.

  6. ضم التحالف الدولي إلى جانب أمريكا عدداً من الدول الغربية، أهمها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، فضلاً عن العديد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية وسوريا، إضافة إلى وحدات رمزية من بعض الدول العربية الأخرى، وخاصة دول الخليج، تحت شعار “العدالة والشرعية الدولية”. للمزيد من التفاصيل حول التحالف الدولي لتحرير الكويت راجع: محمد الطاهر محمد: التسليح النووي الإسرائيلي وأثره على التسوية السلمية في الصراع العربي الإسرائيلي، رسالة ماجستير، معهد الدراسات والبحوث الآسيوية، جامعة الزقازيق، 2001، ص105-106.

  7. سكوت ريتر: كشف المستور “بوش ضد العراق” لماذا؟، ترجمة د. فاطمة نصر، سطور للنشر، القاهرة، 2002، ص20-31.

  8. رضا هلال: أمريكا والإسلام صدام أم تعايش؟، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002، ص184-192.


أجزاء «القضية الكوردية وكوردستان في المجال الدولي» (8 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس
  7. الجزء السابع
  8. الجزء الثامن

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←